الرئيسية / مقالات ودراسات إسلامية / {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ}

{قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ}

الإيمان بالله ليس مجرد قول، بل هو حقيقة معنوية تسري في النفس سريان الماء في الأغصان والحياة في الأجساد، يشرق الإيمان في النفس فيشعُّ فيها النور والعلم والحياة، تدلُّ عليه الصفات الحسنة والمعاملات الطيّبة والأخلاق الكريمة والأعمال الصالحة ويشعر به المرء في صميمه فيطمئن به قلبه وترتاح به نفسه وتنقشع أمامه الشكوك والشُبَهْ وتنمحي به الظلمات.

الإيمان بلا إلۤه إلا الله ليس اعترافاً قولياً إنما هو شعور داخلي ولَّده في النفس بحث ذاتي وتفكير متواصل فجعل صاحبه يسبح في جلال الله تعالى ويخرُّ ساجداً لعظمته. ولذلك قال تعالى في سورة المؤمنون، مبيناً حالهم:

﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾:

كما يفلح الفلَّاح الأرض ويزرعها، الفلَّاح يهيِّئ أرضه للزرع، المؤمن غدت أرضه طاهرة طيِّبة مهيَّأة لينبت فيها الخير، فهو أهل لفعل المعروف والإحسان. لقد أصبحت نفس المؤمن ذات وسعة وأهليَّة كي ينبت فيها الخير، إذ صار أهلاً لفعل الخيرات، أصبح صالحاً للعمل الصالح، والسبب: لأنه ناظر أن ربه دوماً مطَّلع عليه، فمن يعمل الإحسان يعود الإحسان عليه، ولكن من هم المؤمنون؟

﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ﴾:

صلتهم بالله، لا بدَّ من الصلوات للصلة، ولا بد من الصلاة للإيمان. ﴿خَاشِعُونَ﴾: المشاهد ربّه ناظر إليه وأنه تعالى هو المسيِّر، هو المحرِّك، هذا يخشع. يرون الله تعالى محيطاً بهم، فعلى الإنسان أن ينظر إلى صلاته هل هو خاشع فيها، هل هو مؤمن بأن ربه معه؟ "اعبد اللَّه كأنك تراه، فإن كنت لَا تراه فإنه يراك..."

ليست المسألة بالصورة بل بالحقائق، انظر لصلاتك ومنها اعرف نفسك، هذه هي الصلاة التي تجمع قلبك على الله، تراه قريباً سميعاً عليماً:

{الْحَمْدُ للّهِ}: خطاب لك أيها المصلي، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾: فمن المُخاطِب؟ إن جمعت قلبك مع هذا المُخاطب دخلت معه على الله، عندها إن سمعت: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} : تأتيك الأوامر بالتبعيِّة فتسمع الخطاب الموجَّه لرسول الله ﷺ في قوله تعالى: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ، فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ، إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ}: المحروم من السعادة غداً.

﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾:

لا وقت لديهم حتى يضيِّعوه. حياتهم ثمينة لا يضيِّعونها في القول الباطل وغير المفيد؛ يرى الامتحان على الأبواب فكيف يضيِّع أوقاته، كيف يلهو ويلعب! الدنيا فرصة إن فاتتك فاتتك السعادة، الدنيا مدرسة لا تضيِّعها. غداً الوظائف، فالذي يرى ربه قريباً منه، هذا هو المؤمن، أوقاته كلها يصرفها في مرضاة الله، يفعل المعروف والإحسان "كل ما سوى الله مما فيه لهو باطل فهو لغو".

﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾:

يفعلون الخيرات كي تزكو نفوسهم، يفعلون الخير لتقبل نفوسهم على الله فتطهر، دوماً يسارع في فعل المعروف والإحسان والخير حتى يحصل له القرب إلى الله فيقبل على الله وتطهر نفسه، وكلما بدر بنفسه خاطر يبادر بالرجوع إلى الله، يفعل المعروف، الإحسان، فيصبح قريباً منه تعالى.