الرئيسية / مقالات ودراسات إسلامية / قصة إيمان سيدنا إبراهيم عليه السلام

قصة إيمان سيدنا إبراهيم عليه السلام

يقول سبحانه وتعالى: {قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ} سورة آل عمران، الآية 73. فكيف يحصل هذا الهدى لك أيها الإنسان؟ لقد ضرب سبحانه وتعالى لك على ذلك مثلاً في القرآن الكريم... إنها قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام؛ كيف فكر وقال لا إلۤه إلا الله، قالها لما فكر. يقول تبارك وتعالى في سورة الأنعام:

- ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آَزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آَلِهَةً﴾: إذ قال لأبيه: أتصنع الصنم وتقول إنَّ له فعلاً؟! من ينزِّل المطر من يسيِّر الرياح والشمس والقمر؟ متى قال ذلك؟ لما فكَّر قال لا إلۤه إلا الله. ﴿إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: عن طريق الحق. أيكون الصنم إلۤهاً؟

والناس الآن يعتمدون على بعضهم بعضاً.

لكلِّ شيء قانون، أيدخل الجامعة طالب لم ينل الثانويَّة ولم يدرس وإن كان أبوه رئيس دولة؟ هل يعيش شخص لا يأكل ولا يشرب؟ كذلك للإنسان قانون إن لم يتبعه فلن يغدو صاحب معرفة. هنالك عرف وعلم... إن عرف شخص أن المدرسة العالية تخرِّج أطبَّاء ولم يسلك فيها فلن يصبح طبيباً، إن سلك أصبح طبيباً وهكذا.

قال سيدنا إبراهيم لأبيه أتتَّخذ أصناماً آلهة؟! أنت وقومك ضالوّن عن طريق الحق. ما هذا الجهل؟ صنم أيكون إلۤهاً؟ وحيث صار هذا العرف لسيدنا إبراهيم ووصل لهذا وبدأ يناقش الناس وانطلق يفكِّر ويستدل حتى قال لا إلۤه إلا الله، أراه الله ملكوت السماوات والأرض.

- ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: عندما فكَّر وقال لا إلۤه إلا الله أريناه طريق الحق وكذلك كل إنسان إذا طلب نريه. ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾: بعدما فكَّر واستسلم عندها أراه الله، كذلك كل إنسان استدلَّ على لا إلۤه إلا الله واستسلم وطلب يريه الله {...واتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّه‏...} سورة البقرة، الآية 282.

من أين حصل سيدنا إبراهيم عليه السلام على هذه المعرفة حتى ناقش أباه!

آمن إبراهيم عليه السلام بعد أن فكر بأصله إذ خُلق من نطفة ثم أخذ يفكر بالطريقة التي بينتها الآية، سيدنا إبراهيم عليه السلام لم يدخل حب الدنيا في قلبه عليه السلام فاتَّبع هذا الطريق. أما نحن فعلينا التفكير بالنهاية وهي ساعة الموت حتى تخرج الدنيا من قلوبنا ومن ثم نستدل على لا إلۤه إلا الله.

- ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي﴾: لقد بحث أولاً عن المربي. نظر في التربية، رأى نفسه نطفة، من نطفة أمشاج "مجموعة من الثمرات والأطعمة" كيف تربَّت هذه النطفة في بطن أمِّه! هذا دعاه لأن يعرف المربي. إذن كيف قال لا إلۤه إلا الله: نظر في الكون! الإنسان كيف نما وصار إنساناً كاملاً! الشجر وكل شيء لا بد له من مربٍّ. أعطاك الله شيئاً كاملاً تستدل به. أنت لديك قابلية لتستدلّ، وما دامت نفسك متعلِّقة بالدنيا فلا يمكن أن تهتدي. قال هذا ربي؟ يا تُرى هل هذا ربي؟ ما وظيفته ما عمله؟ ﴿فَلَمَّا أَفَلَ﴾: عرف أن الكوكب مخلوق وله رب يربِّيه. ﴿قَالَ لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ﴾: الرب لا يزول إمداده باقٍ.

- ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾: بحث عن القمر وعمله فرآه مخلوقاً مثله فقال لابد من مربٍ يربيه ويربيني.

- ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ﴾: رأى لها وظيفة تشرق على الكون كله، الخضار والنبات مركَّب على الكوكب والقمر والشمس ولابدَّ من مربٍ لهم يربيني ويربيهم. ﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾: عندها عرف المربي فقال:

- ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: به.

هذا طريق الإيمان. إن لم يستدلّ الإنسان بنفسه ولم يفكِّر بذاته فلا يمكن أن يهتديَ. هذا قانون من لا يسلكه لن يكون إنساناً. ومن لا يصبح إنساناً فلن يدخل الجنان بل يبقى بهيماً لا يعرف سبب مجيئه للدنيا فيضيِّعها سدى.

- ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ﴾: قالوا: أين هذا المربي! إنه بعيد والأصنام وسطاء بيننا وبينه. ﴿قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ﴾: إليه. ﴿وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ﴾: لماَّ هدَّدوه قال هذه لا فعل لها. كل ما سوى الله لا فعل له إلا بإذن الله. ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً﴾: كل الكون بيده. ﴿وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾: الكل ضمن علمه. إن لم يفكِّر الإنسان فلن يكون لديه إلا عرف، ولن يحصل له علم حتى يفكِّر فيعقل. ﴿أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾: ببدايتكم!

- ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً﴾: لم يجعل لها حولاً ولا قوة. وهذا أيضاً ينفي أحاديث الدجَّال من أنه يُنبِت الزرع ويُنزِل المطر: "فالله لا يضل الناس ثم يحاسبهم". ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: مَنِ الآمن!

- ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾: بفعل رديء. أي لا يعملون عملاً سيئاً. ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ﴾: في الدنيا لا يصيبه شيء أبداً. إن لم يخطئ المؤمن فلن يصيبه شيء. فإن أصابك شيء فارجع إلى نفسك ﴿وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾: دوماً على بصيرة مستنيرة من الله ورسوله.

- ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا﴾: ألا تتذكَّر كيف كنت نطفة يا إنسان؟ ألا تفكِّر ببطن أمك من ربَّاك؟ ﴿آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾: إذ قال لهم بأن الصنم لاشيء بيده فلِمَ تعبدونه! ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾: إذا فكَّر الإنسان وسلك فعقل رفعه الله من مقام إلى مقام، كل إنسان على حسب إيمانه. ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾: حكيم مبني فعله على علم بحال كل إنسان.

الأمور بالعدل: البلاء مخصَّص، الرحمة مخصَّصه. كل امرئ ودرجته وما يناسبه.