تأويل جزء تبارك
سلسلة تأويل القرآن العظيم
(أنوار التنزيل وحقائق التأويل)
المجلد الثامن (جزء تبارك)
- للعلامة الإنساني الجليل محمد أمين شيخو قدس سره
- جمع وتحقيق: الأستاذ المربي عبد القادر يحيى الشهير بالديراني
لمحة عن الكتاب
بات العالم على طوفانٍ من الشقاء والآلام، وأصبحت الحياة مرَّة وممجوجة، وغرق الناس في بحر من الضياع، لا يعرفون من أين كانت البداية وإلى ما تكون النهاية، وسوق الثقافة العالمية أضحت كاسدة لأنَّ بضاعتها مبتذلة فاسدة تبعث الملل والسآمة ولا جديد مفيد فيها، والعلوم الإنسانية صارت لا إنسانية تحمل الإبادة والتدمير وتكرس العسف والظلم وتهرق أنهاراً من الدماء.
إن عدم فهم الكثير من الناس لحقيقة الدين الإسلامي الحقيقي السامي قبل أن يبيِّنه فضيلة لعلّامة الإنساني الكبير محمّد أمين شيخو قدّس سرّه وابتعادهم عنه وتصديقهم الدسوس الإسرائيلية والتفاسير المتناقضة التي تجعل الدين بنظر الكثيرين قالباً جامداً لا يلبي حاجات ومتطلبات العصر ولا يواكب التيارات الفكرية ويقف حائراً أمام الكثير من القضايا ويعجز عن تفسير أمور حياتية كثيرة قد جعل الدين مهجوراً عند غالبية المسلمين، قال تعالى: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً} سورة الفرقان: الآية (30).
فسيطرت على الأذهان نظرية أن الدين أفيون الشعوب، وأنه كلام أجوف رنان يملأ الفم ويقرع الآذان، كلام يُلقى من بروج عاجية يتدمر الواقع من تطبيقه، ووعود خلّابة بالفردوس ولكنها كمن يبني بالرمال على الشطآن، حتى أعلن الملحدون أن عصر الأديان قد ولّى، فراح الناس يضعون القوانين ويبتدعون النظم التي تتماشى مع أهوائهم وشهواتهم وأطماعهم، فازداد الأمر سوءاً، وتوالت الأزمات على كافة المستويات وفي مختلف المجالات، فانهارت مجتمعات وتدهورت أمم وأفلست دول، وساد الطغيان وسقطت الحضارة التي كانت الأمل بعودة الفردوس المفقود.
وفجأة اهتزَّ العالم، وارتجَّت روحانية الأرض: نجم إلهي يستطيع قَلْبَ المفاهيم، ويحوِّل وجه التاريخ، ويدير الرؤوس، ويحني الجباه، ويضيء عوالم الفكر، ويحل أزمات الفكر العالمي وينتشله من الضياع وعبودية المادة والتبعية العمياء، خلَّص الفكر الديني من المشكلات والتناقضات والاختلافات، ولو اتَّبعه الناس لأصبحت الشريعة صافية نقية كيوم مبعثها أول مرة، ليلها كنهارها، هذا الفجر الجديد هو الذي أظهره العلّامة الإنساني الكبير محمد أمين شيخو قدّس سرّه، والذي من بيانه العظيم:
* عصمة السادة الأنبياء والرسل العظام عليهم السلام، وبرهن أنهم معصومون عصمة مطلقة، فلا يخطئون أبداً ولا يستطيع أن يتسلط عليهم أحد أبداً، لأنه لا يقع منهم خطأ، وحاشا أن يخطؤوا وهم: {لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ..}: أي لا يسبقون الله بالقول: {..وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ}. سورة الأنبياء: الآية (27).
* وأيضاً هذه النبوءة التي ظهر أثر منها في عام /2000م/ بأصغر جراحة طبية على الإطلاق (الحجامة)، والتي خرَّت درة علوم الطب ساجدة على أعتاب شرطة محجمها، فاكتسحت كل الأمراض التي كانت عصيَّة على الطب والشفاء منها بحكم المستحيل كالأمراض الوراثية "الناعور" وأمراض الأورام "السرطان" والأمراض المناعية والأمراض العصيَّة "الشلل، والعقم..." وحملت الشفاء والعافية والصحة والوقاية لكل بني البشر، ورسمت يد النبوة البسمة والأمل على الشفاه التي آلمتها البأساء والضراء.
* ومن بيانه العظيم كلمة (الله أكبر) عند ذبح الحيوانات، والتي جعلت اللحوم التي نتناولها وأطفالنا عقيمة من كل أشكال الجراثيم والفيروسات والعوامل الممرضة، فدرأت عنّا وعن أبنائنا فلذات أكبادنا المعاناة والأمراض، وكانت الفيصل الذي أوقف ووقى من الجائحات والأوبئة والكوارث التي تهدد الثروة الحيوانية في سورية حين طبقوا التكبير على الدواجن والخراف والعجول بمسلخ دوما الكبير، ولو طبّقوا التكبير بالبلاد الأُخرى لما كان هناك جنون بقر أو أمراض طيور أو أنعام، ولما حرقوها بدل أن يغنموها ويتمتعوا ويأكلوها.
* أما كأس الماء النَّقي اللذيذ الرويِّ الذي يشربه العالم والذي لم تدرك تكنولوجيا الحضارة وأدواتها وعلومها أن ينبوعه يستقي من الأقطاب ماؤه، فهذا الإنسان العليم كشف تلك النظرية العلمية الجبارة، أن مياه الينابيع من القطبين، وكشف معاني سورة الفاتحة والقرآن الكريم ولم يسبقه لذلك بشر.
* وأما العلوم الاقتصادية كانت نظرية توزيع الزكاة الحل الأمثل والوحيد لكل الأزمات الاقتصادية التي تعصف بالعالم من تفاديها إلى الخروج منها، هذه النظرية " توزيع نسبة الزكاة" التي تزهق كافة النظريات الإلحادية المدمرة وتولد الإنسانية والمحبة والسلام للبشرية في عصرنا، وتقضي على الفقر والشقاء والعداوة والخسارة. وفي مجال العلوم الاجتماعية والنفسية فقد بيَّن ما يكفل الخلاص من كل أشكال المعاناة النفسية واليأس والشفاء منها، وذلك ما لم تستطعه علوم الشرق والغرب، ولو فكروا بجلالها ومنافعها وفوائدها لكانت السعادة في متناول الأيدي ولأصبحت الجنة على الأرض.
* وهو الوحيد في العالم الذي كشف أحابيل السحرة وخبثهم، بل الذي يقضي على السحر من وجوده بما بيَّنه وأظهره في كتابه (كشف خفايا علوم السحرة).
* ومن علوم اللغة ما جعل لحركة الحرف القرآني قيمة تحمل من المضامين والمعاني ما يحمل النفس على تقدير كلام الله العظيم، ناهيك عن قيمة الحرف والكلمة والآية بل السورة وما فيها من حبكة وترابط ومعاني ومشاهد قلبية يشبه حبك وترابط النظام الكوني الصارم بالدقة، ما أوقر في العقول أن الصنع والقول من مصدر واحد هو الإله العظيم جلَّ جلاله. وبدأت النفوس من خلال هذا البيان العظيم من معاني القرآن وحده، كما في بعض القارات من الأرض الآن تتجه إلى الخالق العظيم وتستنير بنوره، ولأمكن السير بكلام الله العظيم على الصراط المستقيم، ولتشربوا الحق بما عرفوا من الحق ولَدَلُّوا بعضهم على الحق، ولغدت الجنة على الأرض، ولراحت النفوس تدرك وتعي أن هذا البيان (القرآن العظيم) يتناسب مع كمال الله سبحانه وتعالى وأسمائه الحسنى، وذاته العلية، ومع كل المجتمعات العصرية الحاضرة.
الصيغ المتوفرة:
هذا الكتاب متوفر بشكل: كتاب إلكتروني.
كتاب إلكتروني:
معلومات الكتاب الإلكتروني
- الكتاب الإلكتروني بصيغة PDF، ePUB.
- الكتاب الإلكتروني مجاني.
- روابط التحميل تظهر لكم بعد تقديم الطلب.
- الكتاب متوفر على منصات غوغل بلاي، أبل ستور، أمازون.

أسئلة متعلقة بتأويل القرآن الكريم
تأويل الآية رقم (7 - 9) من سورة الرحمن قال الله تعالى: {وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ{7} أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ{8} وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ} لم تكررت كلمة الميزان عدة مرات؟
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم {وَالسَّمَاء رَفَعَهَا..}: هذه السماء بأجرامها العظيمة من شمس وقمر وكواكب ونجوم من رفعها؟ّ! وجعلها فوقنا؟! هل تقف حجرة أو حُصيّة في الهواء دون حامل لها؟! فمن يمسك السموات وما فيها، بل ويسيِّرها نحو النتاج الخيِّر لهذا الإنسان المكرم عنده؟! يد من تسيطر وتهيمن عليها وترفعها؟! هو ليس بحاجة لها ولكن جعلها بهذا الترتيب والوسعة لتلفت نظر الإنسان لمن خلقها وأوجدها إن فكر في عظمة الصنع ليصل منه إلى الصانع جلَّ وعلا... {..وَوَضَعَ الْمِيزَانَ}: هذا الفكر الذي تميَّز به الإنسان عن سائر المخلوقات فلماذا وضعه تعالى؟! وضعه ليتعرف الإنسان على خالقه وموجده من خلال خلقه وتمام صنعه، ليزن الحقائق بفكره ويميِّز بين صنع الخالق وصنع المخلوق والفرق بينهما، وعندها يرى ألّا عظمة إلا لله ولا قوة ولا حول إلا به ولا جمال إلا من لدنه ولا حياة ولا قيام إلا به، وكل شيء باطل إلا هو معدن الخير وأصل كل فضيلة وكمال، وذلك هو طريق الإيمان. وهذا الميزان هو التفكير الذي يميِّز الإنسان عن الحيوان، إذ يصل به إلى معرفة الله كما ذكرنا، وينهل منه تعالى الكمال ويفيض الكمال والصلاح والمفيد من الأعمال، وبه تتم الإنسانية ويسمو إلى أعلى المراتب التي خُلقَ هذا الإنسان من أجلها، أما غيره من المخلوقات فيبقى في منازل البهيمية والحيوانية يرتع إذ لا فكر لدى أي مخلوق إلا الإنسان هو الذي يستطيع أن يرقى به في معرفة الله، وضعه الله له ليعرف به ربه وينال الجنات.
{أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ}: لا تستعمل تفكيرك بالطغيان، وضع لك التفكير لتصبح إنساناً تأنس بك المخلوقات كلها ولكن استعمال هذا التفكير للاستعلاء على الغير والتسابق بالمهالك يجعل المرء يخرج من صنف الإنسان إلى صنف الشيطان المؤذي المتعدي فيخسر حياته ويخسر الجنان.
{وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ..}: على المرء أن يعطي كل ذي حق حقه، ليفكر في كل شيء ضمن الحق والخير، ليفكر بين صنع المخلوق وصنع الإلۤه والفرق بينهما، صنع الإلۤه الذي صنع السموات والجبال والبحار.. عندها يستعظم الإلۤه وتتجهُ نفسه إليه وبذلك يصبح من أهل الإيمان. {ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ} سورة البلد (17). وهذا من أهل الميمنة، جاء للدنيا وربح منها جنَّات فهو من الناجحين المهتدين لأنه كسب عمره وحقق المراد الخيِّر من وجوده، ومن ثم ليقارن بين كمالات الرسول وأعماله وما جاء به وبين ما تقوم به البشرية ليقف على الحق الراجح ويسلك الطريق بقوة ليحظى بالمكرمات ومن ثم الجنات. {..وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ}: على المرء ألا يُهمل تفكيره فيصبح كالحيوان، "فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل" أيها الإنسان فتخسر الدنيا والآخرة وهذا أشقى الناس "لا دنيا ولا آخرة".
قال الله تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ)
التأويل:
يرى الإنسان ساعة الموت تفريطه ويرى أعماله وكيف ضيَّع هذه الدنيا الثمينة باللهو واللعب والشهوات المهلكة، فلا يطلب إلا الرجوع إلى الدنيا ليتلافى تقصيره ويعمل الصالحات، ولكنَّ الله يعلم كذبَه لأنه كم وكم أرسل له في دنياه من شدائد ومصائب ولحظة الشدة يتوب ويعاهد على الاستقامة والطاعة وفي الرخاء ينكث عهده ويخالف وعده ويعود إلى عصيانه، لذلك يحذِّرنا الله من هذه الساعة التي لا يفيد وقتها الندم فيقول تعالى: {حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُون}: هكذا يفعل هذا الإنسان، أهكذا حالتهم ساعتها! لِمَ لا ترجع بالرخاء والإكرام؟!
{لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحا ًفِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا..}: ساعتها لا رجعة، إن لم تنل الآن خسرت. {..إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا..}: عند الموت يصحو الإنسان لكن المسكين ضيَّع الفرصة. {..وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ..}: العذاب من ساعة الموت حتى القيامة. {..إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}: ليوم البعث.
قال تعالى: {وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ} سورة الشعراء (82).
كيف تتوافق هذه الآية مع عصمة الأنبياء والأنبياء الكرام عند العلامة الكبير معصومون؟
أفيدونا بكل ما هو وافي جزاكم الله خيراً.
الأخ الفاضل حفظه المولى الكريم ... آمين
سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام نموذج الإنسان الكامل حنانه ورحمته في البشر كافة يتمنى لهم السعادة والبهجة والسرور يسعى ليوصلهم جميعاً إلى جنات ربهم وهذا أقصى مناه، حتى بالكافرين قال له أبوه في سورة مريم (46): {..أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً}: أجابه: {قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي..}: لأنه صلى الله عليه وسلم رحيم أوَّاه حليم، يعرف حق الأبوين فأبوه هو الذي ربَّاه واعتنى به، فلا يريد له الهلاك {هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ} سورة الرحمن (60).
ولكن عندما جاءت أباه المنية وهو لا يزال على كفره وعناده تبرَّأ سيدنا إبراهيم منه قال تعالى: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلّا عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ..}: تحتَّم ذلك وهذا عند الموت فلم يعدْ فيه أمل. {..تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ} سورة التوبة (114).
ولم يفعل سيدنا إبراهيم ذلك عن أمره إنما هو من أمر الله، عندها عرف سيدنا إبراهيم أنه متى مات الإنسان على الكفر فلا يجوز أن يدعو له ولا أن يستغفر له، لذلك عندما دعا ربه أن يرزق أهل مكة من الثمرات والطعام والشراب خصَّ المؤمنين ولم يشمل دعاؤه الكافرين وكان دعاؤه بهذا الشكل طاعة لله واستجابة لأمره تعالى على ظنه.
قال تعالى في سورة البقرة (126): {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ..}: هكذا خصَّص سيدنا إبراهيم عليه السلام واستدرك دعاءه الأول حين قال: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} سورة البقرة (124).
لذلك قال هنا في هذا الدعاء: {..مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ..}: على التخصيص. فردَّ الله ذلك بقوله: لا يا إبراهيم. {..قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً..}: أيضاً أعطيه. {..ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ..}: يوم القيامة. فسيدنا إبراهيم امتثالاً لطاعة الله لم يدعُ للكافرين لذلك وقف عند الآية: {..مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ..}: فأجابه الله: {..وَمَن كَفَرَ..}: أيضاً، وسيدنا إبراهيم اعتبر أن عدم دعائه للكافرين بالأكل والشراب خطيئة فمن رحمته الشديدة اعتبر هذه خطيئة فكيف الأم تدعو على ابنها المريض ألا يأكل أو يشرب؟!..
وعلى هذا الاعتبار سيدنا إبراهيم يعامل الخلق جميعاً على أنهم أبناؤه عطفاً وحناناً عليهم يريد نجاتهم من نيران أبدية وهو دعا ألا يأكلوا!
ظنها بحق نفسه خطيئة ولكن الله امتدحه لأنه قام بذلك طاعة لله فهذه أقصى حدود الاستسلام والعبادة فلم يعدْ له اختيار لنفسه سلَّم جميع رغائبه وميولاته لله.
الله اعتبرها مدح وثناء لطاعته {..إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ} وسيدنا إبراهيم اعتبر نفسه أنه أخطأ بحق البشر لذلك جاءت الآية: {وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ}: هو رآها بحق نفسه كبيرة والله يراها عظيمة ومدح وثناء لذلك أعطاه ما أعطاه وجعله إماماً للناس كافة. {..وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى..} سورة البقرة (125).
السؤال: أورد الله تعالى في ذكره الكريم بعد بسم الله الرحمن الرحيم:
{فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ..} سورة المعارج الآية (40). كيف لا يقسم الله تعالى باسمه وهو خالق كل شيء، وأقسم بعمر رسوله الكريم؟! أرجو التوضيح.
المشارق والمغارب نفوس غير مكلفة، وموقف ربِّها معها بعطائها لا يماثل وضعه تعالى بتجلياته الكبرى على حبيبه الناجح الأكبر على العالمين.
{فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ..}:
الآيات التي قبلها تتحدث عن جماعة من أولي النفاق:
{فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ ، عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ ، أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ أَن يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ ، كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ} سورة المعارج: الآية (36-39).
هؤلاء حالهم كحال المنافقين جاؤوا لعند رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخلوا وغدوا مؤمنين وقدَّموا أعمالاً صالحةً في البداية فما لبثوا أن تحولوا: {اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ..} سورة المنافقون: الآية (2).
لأنهم لم يقدروا الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يعظموه، اكتفوا بإيمانهم الفكري وآمنوا بربِّ المشارق والمغارب ولكنهم لم يواصلوا الإيمان حتى يشهدوا ألا إلۤه إلا الله وأن محمداً رسول الله، فغلبهم حب الدنيا وأخطؤوا ثانية بأعمالهم فخالفوا وارتكبوا.
والرسول صلى الله عليه وسلم هو السراج المنير الذي ينير للمؤمنين طريقهم ويريهم الخير خيراً والشر شراً قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً ، وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً} سورة الأحزاب: الآية (45-46).
فالرسول هو نور العالم من مشى بغيره مشى في الظلام، فمهما سمع الإنسان ومهما توصل بفكره من تصديق واعتقاد وإيمان لا يكفيه ذلك ليخرج من الظلام إلى النور، لابدّ له من السراج المنير صلى الله عليه وسلم.
والآيات السابقة تتحدث عن جماعة يحضرون عند رسول الله لكنهم لم يعظّموه ولم يقدّروه، كبني إسرائيل مع رسولهم سيدنا موسى عليه السلام، فما اتخذوه سراجاً منيراً لنفوسهم يرون به الحقائق، لذا بقوا ضمن التصديق دون الشهود فلا هم من أهل الدنيا وضلالها وفجورها وما هم من أهل الآخرة والإيمان والتقوى، {عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ}: يطمعون بالأماني دون العمل والسعي، آمنوا بكل آيات الكون ولم يصلّوا مع الرسول وأنكروه وجهلوه واستكبروا عليه، فالله يقرِّعهم ويبيّن لهم سبيل خلاصهم. {كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ}:
سبب كفرهم عدم تقديرهم لرسولهم السراج المنير لقلوبهم، فأنّى لهم أن يشاهدوا. شاهدوا صورته ولم يقدروه ليشاهدوا حقيقته، فتكبروا عليه والكبر أصل الكفر، فلفتهم تعالى إلى أصل خلقهم لتتصاغر نفوسهم تجاه خالقهم وتجاه رسولهم أي: فليفكروا مما خلقوا، أليس من ماء مهين؟
نطفة لا حول لها ولا قوة. فعلامَ التكبر والعجب بالنفس رغم ما لديهم من سوابق إيمان إلا أن إيمانهم هذا الذي اقتصروا عليه ولم يكملوه بأن يؤمنوا برسول الله، فلم ينتج للجنات لأن الجنة بالأعمال الخالصة لوجه الله.
لذا قال تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ..} هذا الإيمان الذي آمنتم به عن طريق الكون واقتصاركم عليه دون الرسول السراج المنير، لا يفيدكم شيئاً لأن هذه المخلوقات الكونية غير مكلفة، لا تستطيع أن تري نفوسكم الأزل والقيامة لتعلموا لم خلقتم وتعملوا لما شاهدتم فتدخلوا الجنان بناءً على ما قدمتم من صالح الأعمال.
إذن: إيمانكم هذا لن تستفيدوا منه شيئاً إذا لم ترتبط نفوسكم مع نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم المنيرة.
الإيمان عن طريق الكون يثبت الإنسان من الارتداد إلى الدنيا إن اتقى، والتقوى لا تكون إلا برسول الله. إيمان المرء يساعده حتى يواصل الصلاة بالرسول صلى الله عليه وسلم وهذا هو المطلوب لكي تتم الرؤية البصيرية.
قال تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} سورة الحديد: الآية (28).
ورد في كتاب تأويل جزء عمّ في تأويل سورة الانشقاق الآية 24 ((ومثل الكافرين ذوي العلل النفسية عندما يُبشَّرون بدخول النار كمثل فقير مريض، فإذا أنت سعيت له بالدخول في المستشفى ووفقت في سعيك ثم بيَّنت له ذلك فيكون بيانك بشرى سارّة له، لأن دخوله المستشفى سيباعد عنه ما هو فيه)).
ندرك مما سبق أن بشرى الكافرين بدخول النار بشرى سارة في حين لو عدنا إلى قوله تعالى : {يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَّحْجُورا} الفرقان 22 نلاحظ أنه لا بشرى للمجرم. كيف لنا بالموافقة بين ذلك؟ نرجو الرد وجزاكم الله عنا كل خير.
أخي الكريم لقد شرحت الآيات بغير مواضعها فآية: {..لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ..} تتضمن حينما يرون الملائكة وهذا يحدث عند الموت وبما أنهم ليس لهم أعمال تؤهلهم لدخول الجنّة يقولون: {..حِجْراً مَّحْجُوراً}.
أما الآية الكريمة التي استشهدت أخي الكريم بها (ذات البشارة) ينطبق عليها الحديث: «إن العار ليلزم المرء يوم القيامة حتى يقول يا رب لإرسالك بي إلى النار أيسر علي مما ألقى وإنه ليعلم ما فيها من شدة العذاب»، وأيضاً حديث: «والذي نفسي بيده إنَّ العار من ابن آدم ليبلغُ في المقام بين يدي الله، حتى يتمنَّى أن يُصْرَفَ ولو إلى النار»، والآية الكريمة من سورة الحاقة: {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ}: تبيّن ذلك العار الذي يصل إليه ذلك المعرِض أمام العالمين جميعهم لذا يتطلب النار(المستشفى) للخلاص من هذا العار والخزي. وفي آية كريمة أخرى يدعو سيدنا إبراهيم عليه السلام ربّه: {وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ} [الشعراء : 87]، ليعرّفنا بذلك الخزي العظيم الذي يلبس المجرمين يوم القيامة.
فالآية الكريمة التي تفضلت بالسؤال عنها و التي تبين أنه (لا بشرى للمجرمين)، فهي تتحدث عن ساعة الوفاة وقد يكون بين وقوع الآيتين آلاف السنين كمن توفي من الأقوام السابقة كقوم نوح وعاد و ثمود، فكل واحد منهم ممن لم يؤمن بالله: {يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ..} ساعة الموت لقبض روحه، {..لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَّحْجُوراً} سورة الفرقان /22/. أي يلتمسون ملجأً مهما حقر، يصبح يتطلب أن يحجب عنهم يقول: استروني بمكان لا أحد يراني.











