تأويل جزء عمّ
سلسلة تأويل القرآن العظيم
(أنوار التنزيل وحقائق التأويل)
المجلد التاسع (جزء عمّ)
- للعلامة الإنساني الجليل محمد أمين شيخو قدس سره
- جمع وتحقيق: الأستاذ المربي عبد القادر يحيى الشهير بالديراني
لمحة عن الكتاب
تأويل آيات جزء عمّ ببلاغة سامية لا يطار لها بجناح على ما فيها من البساطة في التعبير، من الاسلوب السهل الممتنع جاءت لترقى بالإنسانية إلى أفق سام آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر حاثة على الفضائل والمكرمات وتقبّح الرذائل والأوهام تدعو الإنسان للأخوة والموّدة في القربى لإخوانهم بالبشرية بل الإحسان للخلق كافّة فيكون الإنسان أخاً محبّاً للإنسان،رسم خطة النجاح الحقيقي والفلاح الدائم والسلام وطريق السلوك القويم الذي سلكه كافة الرسل والأنبياء وصحب النبيّ صلى الله عليه وسلم الذين سادوا القارّات الثلاث آنذاك ونقلوا به روحانية الرسول صلى الله عليه و سلم لكافة شعوب الأرض والتي تنقلهم للجنّات،آيات جزء عمّ، كل من صدر بالتفكير بهذه الآيات الكونية التي أشارت إليها غدا عالماً حكيماً يرد شهود حقائق شهادة لا إله إله إلا الله، فبها مواد مدرسة عظمى بها درس أبونا إبراهيم عليه السلام فصار عظيماً وغدا أبا الأنبياء، وبها درس كافة الرسل و الأنبياء، وهو العلم المطلوب {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} سورة محمد، الآية 19.
وكفى بالمرء علماً أن يخشى الله. بعث الله رسله لعباده ليذكّروهم بنعمه سبحانه وتعالى ويبلّغوهم عظيم قوله وجليل دعوته فأثاروا فيهم خامد تفكيرهم وأروهم آيات المقدرة من سماء مرفوعة وأرض مفروشة موضوعة ، ومعايش تحييهم وآجال تفنيهم، بآيات جزء عمّ بحثاً وتحقيقاً وتدقيقاً يوصل المرء إلى العلم بلا إله إلا الله ويكون الرسل له حجة له لا عليه إذ أثمر بعد أن أُنذر.
الصيغ المتوفرة:
هذا الكتاب متوفر بعدة صيغ: كتاب إلكتروني، صوتي، وورقي
كتاب إلكتروني:
معلومات الكتاب الإلكتروني
- الكتاب الإلكتروني بصيغة PDF، ePUB.
- الكتاب الإلكتروني مجاني.
- روابط التحميل تظهر لكم بعد تقديم الطلب.
- الكتاب متوفر على منصات غوغل بلاي، أبل ستور، أمازون.

كتاب صوتي:
معلومات الكتاب الصوتي
- الكتاب الصوتي بصيغة MP3.
- الكتاب الصوتي مجاني.
- روابط التحميل تظهر لكم بعد تقديم الطلب.
- الكتاب متوفر بشكل صوتي ومجاني في موقعنا، ومتوفر أيضاً في مواقع الكتب الصوتية العالمية الشهيرة.

كتاب ورقي:
معلومات الكتاب الورقي
- الكتاب الورقي متوفر للشراء من موقع الأمازون وشركائه، في أنحاء العالم.

أسئلة متعلقة بتأويل القرآن الكريم
ما هو سر تكرار آية {فبأيّ آلاء ربكما تكذبان} في سورة الرحمن؟ ومَن هما المخاطبان في هذه الآية الكريمة؟ هل هما الذكر والأنثى؟ أم الأب والأم؟
قال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء : 107]. والعالمين المكلفين هما الإنس والجن فهو صلى الله عليه وسلم رسولهم المكلف بهدايتهم وإخراجهم من الظلمات إلى النور إلى السعادة والجنات فهو صلى الله عليه وسلم المُخاطِبُ لهما بسورة الرحمن ذكراناً وإناثاً لأنهما حملا الأمانة كما بالآية: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا}. هناك خطاب بالآية /33/ من نفس السورة موجه للإنس والجن وليس للذكر والأنثى ولا للأب والأم.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
سؤالي في سورة الواقعة: {أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ، أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ ، نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ}. ما شرح هذه الآيات الكريمة؟ وشكراً لكم.
يقول سبحانه وتعالى في سورة الواقعة: {أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ}: أَورى النار أَشعلها. فمن جعل هذه الخاصِيّةَ في النار وهي الاشتعال.
{أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ}: أول الأمر أنبت تعالى أشجاراً خضراءَ تعطيكَ الخيراتِ والثمار، وتتمتع بظلِّها الوفير ورطوبتها من الحرّ الشديد، ولما جفّت ويبست غدت وقوداً، ناراً لتستعملها للتدفئة؛ والنار فاكهة الشتاء علماً بأن المحروقات من فحم حجري، بترول "نفط" بأنواعه إنما هي مستحاثات من بقايا غابات متراكمة منذ آلاف السنين انقلبت إلى داخل الأرض فانصهرت من أثر الحرارة العالية داخل الأرض وتحولت عبر السنين إلى سوائل بترول، أو فحم حجري. إذن: أصل البترول والفحم الحجري هو أشجار خضراء.
من الذي أنشأ هذه الشجرة من ماء وتراب جعل منه أشجاراً وارفات وكلمة أنشأ مأخوذة من الإنشاء والإنشاء هو تجميع عدة عناصر ومركبات لإنشاء ما تريد فالطالب عندما يريد أن يكتب موضوع إنشاء يجمع العناصر والمفردات والتراكيب لبعضها بشكل منتظم فيكون موضوعاً إنشائياً واحداً مفهوماً متكاملاً، وكذلك إنشاء البناء: يتكوّن من إسمنت وأحجار ورمل وحديد وما إلى هنالك من مواد البناء يجمعها ببعضها لتكون المنشأة.
ونعود للآية: {أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا..}:
وبإنشاء الشجرة اشتركت النجوم بأفلاكها البعيدة، فلولا النجوم ما أكلت لقمتك، كذلك الشمس التي تحلُّ بالبروج الاثني عشر، وتستمد الاشعاعات وتعكسها على الكرة الأرضية سنويّاً، وعلى البحار والمحيطات لتتبخر مياهها والهواء الذي يحمل تلك الذرات من مياه البحر ويحمل البخار ويجمعها ببعضها لتكون غيوماً ثم يسحبها إلى بلاد بعيدة وتهطل أمطاراً فينبت من كل زوجٍ بهيج وتنمو الأشجار وتتمتع بها وتعطيك ثمارها وخيراتها حتى إذا ما استهلكت تماماً كانت لك وقوداً وحطباً تصطلي عليها وتدفع بنارها وحرها برد الشتاء القارس.
إذاً الكون كله اشترك وتضافر وتعاون لإنشاء هذه الشجرة والتي تكون بنهايتها ناراً لك {..أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ}: نحن المسيطرون على الشمس والنجوم...
من المتصرف في هذا الكون كله؟ من بيده النجوم سابحات في مجراتها؟ والكواكب في مداراتها والشمس في مسارها والقمر في منازله؟ هل لأحد يدٌ في ذلك كله؟ هل لكم أنتم أدنى تصرف بذلك كله؟! من يحرِّك البحار ويُنزل الأمطار؟! إذن هي يد الله عزّ وجلّ المتصرفة في ذلك كله والنار مسخرةٌ لخدمة الإنسان. {نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً..}: نحن جعلناها لتذكّرك بربّك وترى فضله وإحسانه وبرّه، سخّر الكون كله لسعادتك وتأمين معاشك وراحتك، فإذا فكّرت بالنار وأصلها وشجرتها تتوصل من وراء ذلك لتقدير فضل المنعم، فالله أنشأها من أجل بسطك وهنائك ولكي تتمتع بها وتنال بعد ذلك جنات بتفكيرك وإيمانك بالله وتتذكره تعالى بفضله، فالله أخرجك لهذا الوجود لكي تسعد وتنال بدل الجنة الواحدة بالأزل جنات متوالية متتالية متسامية، تنالها وذلك بأن تتعرف على من أنشأها لك وسخر الكون كله لأجلك.
لم يخرجك الله لهذا الوجود للأكل والشرب والاستغراق بشهوات الدنيا كالأنعام، فيعود عليك هذا بالنار إذا أخذت الشهوات من غير وجوهها، فهذا الطعام والشراب وتلك الأشجار لتذكّرك بربك ولم يخلقها الله لتعود عليك نيراناً كما ذكرنا، فإذا نالها المرء بالتعدي والمكر والخداع والظلم عادت عليه ناراً يوم القيامة.
أما في الدنيا لا يراها لعمى بصيرته وعدم إيمانه، ومن هنا جاءت كلمة (تورون) بمعنى: تخفون، تقول: توارى المرء عن الأنظار، أي: اختفى. وفي الآية: {..حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ} سورة ص: الآية (32): أي اختفت. والبعيد عن الله بأكل الحرام إنما يأكل ناراً جهنمية ويخفيها في داخله ويوم القيامة تشتعل فيه قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً..} سورة النساء: الآية (10).
إذن: الله خلقها لرقيك وسعادتك ولنيل الجنات. {..وَمَتَاعًا..}: تتمتع بها في الدنيا بأكلك تتمتع وإذا كان المرء مؤمناً أكله يختلف عن أكل باقي الناس، إذ يأكل ويروح بسياحات قلبية يتوصل بأكله للمنعم المتفضل ويتذكر ربه الكريم فيعيش بجنات وهو في الدنيا. إذاً الله لم ينشئ هذه الشجرة لتحرقك وتحرمك جناتك، بل خلقها وأنشأها لتتمتع بها نفساً وجسماً وتنال بدل الجنة جنات.
{..وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ}: ينال الجنات من كان للتقوى طالباً، ويتّخذ ما في الدنيا مطية ووسيلة لبلوغ رضاء الله وطاعته فيتقوَّى بالأكل والشرب على الطاعات، ومن الدعاء المأثور إذا أراد الإنسان المؤمن أن يشتري طعاماً يدعو: (اللهم اجعله قوة لطاعتك ووهناً لمعصيتك).
بسم الله الرحمن الرحيم
سيدي الفاضل الكريم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
جزاك الله عنا كل خير على نشر هذه العلوم التي تفيض بالروح والريحان والنفع الحقيقي للبشرية لدي سؤالين وأرجو التكرم بالإجابة عليهما.
1- ما معنى كلمة /يثقفوكم/ الواردة في سورة الممتحنة في الآية رقم /2/ حيث أني قرأت شرحها للعلامة محمد أمين شيخو قدس الله سره في الآية /191/ من سورة البقرة في حق المؤمنين /صرتم علماء أعلى منهم معرفة وعلم بالله/ فكيف يثقف الكافر المؤمن.
2- من خلال قراءتي لشرحكم للآية /46/ من سورة الأعراف في سؤال سابق /يعرفون الناجي من سواه/ ما المقصود بكلمة من سواه وهل يقاس هذا الحكم بالنسبة للناجين أم أن لهم شأن آخر أرجو إيضاح هذه الناحية سيدي الكريم.
وأتمنى أن لا أكون قد أطلت عليكم ولكم جزيل الشكر والامتنان.
السؤال: كيف يثقف الكافر المؤمن؟
كما في سورة الممتحنة {إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاء وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ} سورة الممتحنة: الآية (2).
الجواب: كلمة سقف بالسين هو كل ما يعلوك وما هو فوقك من جدار أو غيره من الأمور المادية، وكلمة ثقف بالثاء تقاربت في المبنى مع كلمة سقف وما تقارب بالمبنى تقارب بالمعنى، هي أيضاً كل ما هو فوقك ويعلوك ولكن من الجانب المعنوي، أي من صار أعلى منك علماً ومعرفةً.
وتقول ثقف الرمح: أي سواه وسنه وشذبه وحدَّه.
والثقافة: تطلق على الأمور المعنوية.
تقول: ثقَّفَ طباعه أي هذَّبها وشذَّبها وترك العادات السيئة وحسَّن أخلاقه فاتشح بالفضيلة والكمال، فصقل نفسه أي صار حليماً كريماً رحيماً ذا صفات عالية وأخلاقٍ سامية، عندها يأذن الله له بقتال الكافرين لما صار بقلبه من رحمة وعطف على الخلق يقاتلهم ليردهم إلى الصواب ويرشدهم إلى الهدى ويخرجهم من الظلمات إلى النور. كما في آية:
{وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ..}: حيث أصبحتم علماء أهلاً لردِّهم إلى الحق لا في سبيل عرض الدنيا بل في سبيل الله.
ولكن هنا في سورة الممتحنة {إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاء..}: هؤلاء الكفرة الغربيين صار منظارهم معكوس: رأوا عمل الخير والإحسان خسارة ومغرماً وإضاعةً للوقت على غير طائل كما نظروا للمسكين نظرة عداءٍ ونقص وعار ونظروا للمريض نظرة وباء للمجتمع ككل، ورأوا القسوة تقدماً وحضارة والتعدي والمكر ربحاً ومغنماً وشطارة والزنا والفواحش رقياً وتحرراً من قيود التشدد والعصبية، ورأوا الحشمة والالتزام تخلفاً ورجعية والأمانة سذاجةً وغباءً، والخيانة حذاقة وشطارة. فاختلفت لديهم المقاييس والموازين، هذا كله لأنهم أوغلوا بالرذيلة واستحلوها ولم يبغوا عن الدنيا حولاً.
وأنتم أيها المسلمون: إن استحكم حب الدنيا في قلوبكم أيضاً وواددتموهم واتبعتموهم بمبادئهم الهدامة وعقائدهم الشيطانية الضالة المضلة وأصبحتم لهم تبعاً وصاروا أسيادكم، فهذا من ضعفكم وعدم إيمانكم الإيمان الحق، فثقفوكم: أي صاروا أعلى منكم علماً ومعرفة في أساليب الشياطين وأصبحوا مصدرين لكم عاداتهم وتقاليدهم الغربية وحضارتهم الزائفة، وأنتم وقفتم موقف المستورد. إن حصل هذا فلن يتركوكم وشأنكم بل {..يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاء وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ} سوف يقاتلونكم ويستعمرونكم ويؤذونكم بألسنتهم كما يقولون اليوم عن المسلمين بأنهم أشرار وإرهابيون متخلفون وما إلى ذلك.
وكذلك يجرون جيوشهم الجرارة لقتالكم ومحاربتكم في كل مكان، فالآن الإسلام يُهاجم في عشرين موقع وبكل أصقاع الأرض.
يريدون من وراء ذلك إزالة الدين الإسلامي وأن يسير المسلمون بالرذيلة كما هم يسيرون وألا تقوم للفضيلة قائمة.
{..وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ}: هذا مرادهم، أن تسيروا بالكفر.
ولا تثقفونهم إلا برسول الله ﷺ إن تؤمنوا تعرفوا ذلك، فلا تتخلّوا عن سلاحكم الذي لا يخطئ، فإن كنتم مع رسول الله فلن تفيدهم أسلحتهم واختراعاتهم وابتكاراتهم وإبداعاتهم وظنهم الخاطئ أن عندهم قوة مع أنه لا حول ولا قوة لهم بل بالله، فإن اعتصمت برسول الله وبإيمانك بالله نصرك مالك الملك الذي بيده وحده النصر والخذلان، عندها تثقفونهم وتعلمونهم ويتبعونكم إلى الجنات ويتخلون عن طريق النيران.
إن كنت مع رسول الله ﷺ رفعك عليهم جميعاً، ومهما ملكت منهم فلا قوة ولا نصر منهم بل بالعكس ستنقلب أسلحتك هذه عليك فتدمرك، ستكون الرياح عواصف ضدك والماء والهواء أعاصير ضدك، والأرض سوف تغضب وتتزلزل وتبتلعك وتكون ضدك أيضاً، حتى الجبال سوف تثور عليك ببراكينها وحتى المخلوقات الضئيلة سوف تحاربك وتنتصر عليك وجسمك سيكون ضدك بأمراضه، فمن كان مع الله ورسوله كان الكل معه لأنه ما من شيء إلا بيد الله، والكافرون لا مولى لهم فهم مخذولون حتماً في الدنيا والبرزخ والآخرة، شاؤوا أم أبوا لأنهم خالفوا العهد والعقد {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ..} سورة المائدة: الآية (1). عندها توفوا بالعقود فإن الكافرون لا نصر لهم وحبطت أعمالهم، أذلاء النفوس، حقراء العادات، ذميمي الطبيعات: خلعوا ثياب الإنسانية وارتدوا ثياب عدوهم الشيطان فأضلهم وأحبط أعمالهم.
وتسأل: ما معنى كلمة {..من سواه..} في شرح سابق للآية {..وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ..} يعرفون الناجي من سواه.
الجواب: أي يعرفون الناجي من الهالك، فيبشرون الناجي بالجنة.
وتسأل: هل يقاس هذا الحكم بالنسبة للناجحين.
نعم يقاس هذا الحكم بالنسبة للناجحين.
لأن الناجحون هم الذين نجحوا من عالم الأزل وهم السادة الأنبياء والمرسلون.
وأصحاب الأعراف هم أيضاً الأنبياء والمرسلون.
أفلا يعلمون بعضهم ويعرفون بعضهم بعضاً والآية تقول حديث الأنبياء والمرسلين {وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ} سورة الصافات: الآية (164).
قال الله تعالى: {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} ما تفسير كلمة العظيم؟ مع العلم أن العظمة لله؟
الأخ الفاضل حفظه المولى الكريم... آمين
عندما ابتلى الله سيدنا إبراهيم بكلمات فأتمَّهن، وآخر هذه الابتلاءات وأعظمها هي أمره تعالى بذبح ابنه، فاستجاب سيدنا إبراهيم وكذا ابنه سيدنا إسماعيل عليهما السلام. استجابا للأمر دونما تردُّد، والله تعالى يقول في سورة الصافات (106): {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِينُ}. وبهذا البلاء والامتحان نجح سيدنا إبراهيم نجاحاً كبيراً ورقي رقياّ عظيماً وسما وعلا حتى غدا إمام الناس ليوم القيامة ولآخر الدوران قال تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً..} سورة البقرة (124).
إذن عندما أُمرَ بذبح ابنه فلذة كبده، وذلك عندما كبر إسماعيل عليه السلام وظهرت منه علامات النبوة، فأحبه سيدنا إبراهيم وعشقه ولكن عندما جاء الأمر من الله بأن يذبحه قال سمعاً وطاعة يا رب، وبذلك ظهر صدقه واستسلامه لله. وحبه لله فوق كل حب.
لمَّا طبَّق ذلك بالتمام نال الرسالة {..قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً..}. والآية (125) بسورة البقرة: {..وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى..} الآن أصبحت أهلاً للإمامية والرسالة وأن يأتم الناس بك، فنال ذلك المقام العالي والمنزلة السامية بتلك التضحية الكبرى فغدا إماماً للناس جميعاً، وكان القدوة المثلى لكل طالبي الإيمان، وطريقه الذي سنَّه بسلوك طريق الإيمان عن طريق التفكير بالنجم والقمر والشمس فكان منهاجاً لمن أراد الوصول للإلۤه. فكل من أراد الصلاة الصحيحة والإيمان الحق عليه أن يتخذ من مقام إبراهيم مصلىَّ.
وبهذه الصلاة الصحيحة والإيمان الحق يسري لقلب المؤمن التقي النور الإلۤهي وبه يستطيع نحر وساوس الشيطان الخناس وأن يبعده عنه وهو بالمحراب، وما كان هذا ليكون إلا باقتفاء أثر الرسول سيدنا إبراهيم عليه السلام وبمساعدته القلبية إضافة لمساعدة إمامه رسول الله ﷺ. فكل ذلك بصحيفة سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام.
والآن بالحقيقة يا أخي: أن كلامك حق: أن العظمة لله وحدَه ولا عظيم سواه، ولكن الله يمنح ويُلبس عظمته للمخلوق، كالمحيط عظيم بأعماقه ومياهه، والسماء عظيمة بأبراجها وأجرامها، ولكن هذه العظمة ليست لها وإنما يلبسها الله لها لوظيفة، فهي لله ألبسها لمخلوقاته، فمثلاً الجبل عظيم برسوخه وثباته ولكن يرجع في الآخرة هباءً منثوراً وترجع العظمة لصاحبها، فإذا ألبس الله رداء العظمة لمخلوق هابته الناس وإن سحبها فهي لله وذلَّ هذا المخلوق وذهبت عنه العظمة، وبما أن الحديث هنا عن الذبح، فلذلك حينما ظهر رسول الله ﷺ قال له تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ}: والنحر: هو الذبح، فعندما ظهر ﷺ نحر شياطين كفرة العالم إن كانوا عبَّاد النار أو مشركو روما أو العرب المرتدة للكفر، فصلى ﷺ لربه ونال مدداً منه تعالى أمدَّ به أصحابه وحطَّم شياطين الطاغوت والطغيان كلها وجعل كلمة الله هي العليا، وكذلك سيدنا إبراهيم عليه السلام بتضحيته بابنه إرضاءً لله جعله الله إماماً للناس {..قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً..}: ولم يخص أناس عن أناس فشملت الناس ليوم القيامة.
فعمله هذا صار كعمل رسول الله ﷺ ساري على البشرية كلها إلى يوم القيامة بهداية الخلق وإنقاذهم من الظلمات إلى النور والإيمان، وهذا العمل عظيم وعظيم والله ألبسه لباس العظمة، وسبحان المعطي والآخذ فالعظمة كلها لله ومن الله وبالله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
سيدي الفاضل أرجو الإجابة على السؤال التالي ولكم جزيل الشكر:
لماذا تكررت كلمة الناس بسورة الناس ثلاث مرات بالثلاث آيات الأولى؟
أرجو التوسع إن أمكن شاكرين حرصكم واهتمامكم.
سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم عن المنبع الذي استقى منه هذه العلوم والمكرمات جميعها، فقال له تعالى:
قل لهم {..أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} أي: دلّهم عن المنبع الذي استقيت منه ذلك، وقل لهم آمنت واعتززت أنا برب الناس بالخالق، وغيري استعاذ بالمخلوق، فهل يعطي المخلوق كما يعطي الخالق؟! آمنت به فأعطاني ما أعطاني، وأنتم آمنوا به لكي يعطيكم كما أعطاني.
هذا سبب ذكر (الناس) لأول مرة.
لكنَّهم قالوا له هذا الرب غير عادل، أي: ظالم، لأن هناك تمايز وظلم بين المخلوقات، أي: بين غني وفقير، ومريض وصحيح، فقال له تعالى:
قل لهم، أي: بيِّن لهم أنه تعالى: {مَلِكِ النَّاسِ}: فلا ظلم ولا هضم في ملكه، وكل ما يجري هو خير بخير، لمن أعزّه ولمن أذلّه، ولمن أعطاه ولمن منعه، بيده نواصيهم، فلا يستطيع أحد أن يظلم أحداً.
قالوا: طالما أنه ملكهم، فلِمَ لا يُدخلهم الجنة جميعاً. فأجابهم: بأنه منحهم حرية الاختيار لينالوا بدل الجنة جنات بناءً على طلبهم، وعاهدوه على السير بنوره، ولكنهم خالفوا العهد فوقعوا فيما وقعوا فيه، فاقتضى علاجهم لإعادتهم إلى جناتهم، إذ ملَّكهم حرية التصرف والاختيار فخالفوا العهد ووقعوا، وإذا كان أب وعنده ابن وقد وقع ألا يسعفه؟ هل يتركه ويتخلى عنه؟! كلا يا أخي، ولو أنك اطلعت على مقدمة كتاب عصمة الأنبياء تجد الجواب واضحاً:
الله لم يخلقنا إلا للسعادة وللجنات لو وفّينا بما عاهدنا عليه، وحينما خالفنا العهد وخنَّا الأمانة وحلت بنا الآفات بعث لنا الشدائد، ليشدنا للرجوع عن طريق الغي، ولننال ما أعدّه الله لنا من خيرات وجنات، فإذا عدنا إليه بهذه الشدائد والتجأنا إليه واستنرنا ورأينا خيرنا من شرنا واخترنا هذه الخيرات، لن ننال إلا المكاسب والنعيم المقيم والرقي.
وطالما نحن تعهدنا، وهو {إلۤه الناس}، أي: صاحب الحول والقوة من نؤول إليه، منحنا الاختيار ونحن لنا الوفاء باختيارنا أو عدم الوفاء، ولا نخلص من هذه الشدائد إلا بالتجائنا إليه لنستنير بنوره، عندها نكون قد نجحنا بحمل الأمانة.
هذا جواب السؤال بشكل موجز، ولك التفصيل والإيضاح كما طلبت، فنقول:
تعجب وأعجب ويعجب الناس في كل مكان، وقديماً تعجبت قريش ومن جاورها من الأقوام ومن تلاها من الأمم والشعوب والأجيال: من أين جاء هذا الرجل المدعو (محمد) عليه أفضل الصلاة وأسنى السلام بما جاء به من المعجزات الفردية الكبرى؟! يفوق بشجاعته الصناديد والأبطال، ويبذُّ برأيه الثاقب وحسن تدبّره الأمور أعظم الساسة وأكبر الحكماء.
من أين جاء هذا الرجل العظيم بهذه الحكمة البالغة، والقلب الثابت، والشجاعة الرائعة، والجأش الرابط، والكمال الذي لا يدانيه فيه مدان ولا يدرك شأوه إنسان؟! ومن أين جاء بكلام تعجز البشرية عن الإتيان بجملة واحدة من جمله؟! هو شخص وهم أشخاص! فكيف أتى بما يعجزون جميعاً عن الإتيان بشيء منه؟! وهو الذي نشأ في أرض مقفرة لا أثر فيها لمعهد من معاهد العلم، وفي جو لا مدارس فيه ولا علماء.
فتسأل وأسأل ويسأل الناس في كل زمان: ما هو المنهل الذي استقى منه هذا الإنسان العظيم جميع تلك المكرمات، وذلك العلم الغزير الذي لا ينضب والذي تتضاءل أمامه جميع علوم البشر.
هنالك أمره تعالى بإجابتهم عن حيرتهم وسؤالهم بقوله الكريم:
{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ}: أي: دلَّهم وبيِّن لهم ليبطل عجبهم، فأنت اعتززت بالخالق وآمنت به واعتصمت به، فأعطاك ما أعطاك وعلَّمك ما علَّمك. بيِّن لهم عن المصدر العالي والمنهل السامي الذي استقت منه نفسك الشريفة ما استقت، فنلت من المكرمات فوق وأعظم ما ناله مخلوق على وجه الأرض.
قل لهم: إنَّ غيري اعتزَّ بالمخلوق، واعتززتُ بالخالق، فهل يُقارن عطاء الخالق بعطاء المخلوق؟! اعتصمَ بمن لا يملك شيئاً إلا ما يُمَلِّكُهُ الله، واعتصمتُ والتجأتُ بمن بيده مقاليد السموات العلى والأرض، الذي منحكم الأبصار والأسماع والأدمغة والأفئدة، فالتفتوا ببصائركم وقلوبكم ونفوسكم إليه يعطيكم كما يعطيني، وبهذا الكون وبأنفسكم إن فكَّرتم ودققتم وصدقتم بطلب الهدى هداكم إلى الممد وإلى رب الناس.
فسألوه: إنَّ رب الناس غير عادل، فلطالما أنه يمدُّ جميع الناس، فلِمَ هذا التفاوت والاختلاف؟ فهو يخلق القوي والضعيف، والغني والفقير، والصحيح والعليل، وأناس تنعم بالقصور وآخرون يقطنون بأشباه القبور، وأمم قوية متسلطة حاكمة وشعوب ضعيفة محكومة، يتضورون جوعاً لا يجدون مضغة يلوكونها ولا جرعة يشربونها سوى القليل النذر، وشعوب ظالمة يتقلَّبون بلذيذ المعاش وينعمون بالحلو من الحياة والرخاء على حساب شقاء وآلام وجوع الآخرين من يسلبونهم لقمة عيشهم. فلِمَ هذا الظلم وهذا التفاوت في الطبقات، وهذا التباين والاختلاف بين ظالمٍ ومظلومٍ، وحاكمٍ ومحكومٍ، وسيدٍ مستبد وعبدٍ رقيق؟ طالما رب الناس فلِمَ لا يُمدهم بالعدل والقسط إمداداً واحداً ليتحقق التساوي والعدل؟! وإلا فهو غير عادل وظالم.
وللجواب على اعتراضهم قال تعالى لرسوله:
بيِّن لهم ودلَّهم أنَّ الله عزَّ وجلّ في الأصل عندما خلق الأنفس في عالم الأزل، وعندما كان الناس جميعاً نفوساً مجرَّدة فكانوا سواسيّة، فلا ملك ولا عبد ولا سيّد ولا رقيق، بل كلهم يستمدّون إمداداً واحداً، وهكذا فكانوا على سويّة واحدة كأسنان المشط، ولكنَّهم هم الذي غيَّروا فوقعوا وخالفوا العهد فنكسوا ومرضوا نفسياً، فلزم الدواء المر والعلاج الجسدي لهم ليشفوا نفسياً، فكان هذا التمايز الذي يرونه، ولكنَّ مصدره ليس من الله بل لله العدل المطلق، إنما منشأه من لدن هذا الإنسان ذاته عندما خالف وغيّر، أما الله فهو: {مَلِكِ النَّاسِ}، ولا ظلم ولا هضم في ملكه أبداً، بيده نواصيهم فلا يستطيع القوي أن يعتدي على الضعيف، إلا إن سبق واعتدى الضعيف على الأضعف منه، عندها يُطلق الله القوي عليه ليذوق طعم ظلمه فيرتدع ويكفّ عن عدوانه على من هو أضعف منه، كذا هناك غني وفقير ومترف ومعوز ولكنها دروس وعبر، إذ يعطي كلاً بحسب ما يناسبه ويلائمه، وكذا السعادة ملكه تعالى وبيده. فالمادة لا تجلب السعادة، وخذ من الدنيا ما شئت وخذ بقدره همّاً، كم جلبت الدنيا لأصحابها من بليّات ومخزيات (اللهم اجعل رزق آل محمد كفافاً).
فقالوا: طالما أن الله ملك الناس بيده مقاليدهم، فلِمَ لا يُدخلهم جميعاً إلى الجنات؟ ولِمَ النار والعذاب وهو الرحمن الرحيم؟ فقال تعالى: قل لهم {إِلۤهِ النَّاسِ}: إذ منحهم الإطلاق وحرية التصرف والاختيار، ومنحهم الجنات اختياراً ولم يجبرهم إجباراً، وقد طلبوا التكليف والتشريف على سائر الخلائق والكائنات، بدخولهم إلى مدرسة الدنيا، فيعملون الصالحات وينالون بها الجنات، فلهم الاختيار والله كريم بيده التنفيذ والحول والقوة، وهذه الحياة الدنيا مدرسة، المجتهد فيها للحق والخير والصالح من الأعمال ينال، فتسييرهم بحسب صدقهم أو عكسه عائدٌ للإلۤه الذي يؤول إليه تنفيذ طلباتهم ولهم أو عليهم خيرها أو مسؤوليتها، فاختر طريق الحق تنل كل الخيرات، فعليك مسؤولية الاختيار وعلى الله التسيير والتنفيذ.
{إِلَهِ النَّاسِ}: يؤول إليه تعالى تسييرهم بحسب اختيارهم.
استمع مباشرة:










