تأويل القرآن العظيم

تأويل جزء عمّ

سلسلة تأويل القرآن العظيم

(أنوار التنزيل وحقائق التأويل)

المجلد التاسع (جزء عمّ)

  • للعلامة الإنساني الجليل محمد أمين شيخو قدس سره
  • جمع وتحقيق: الأستاذ المربي عبد القادر يحيى الشهير بالديراني

لمحة عن الكتاب

تأويل آيات جزء عمّ ببلاغة سامية لا يطار لها بجناح على ما فيها من البساطة في التعبير، من الاسلوب السهل الممتنع جاءت لترقى بالإنسانية إلى أفق سام آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر حاثة على الفضائل والمكرمات وتقبّح الرذائل والأوهام تدعو الإنسان للأخوة والموّدة في القربى لإخوانهم بالبشرية بل الإحسان للخلق كافّة فيكون الإنسان أخاً محبّاً للإنسان،رسم خطة النجاح الحقيقي والفلاح الدائم والسلام وطريق السلوك القويم الذي سلكه كافة الرسل والأنبياء وصحب النبيّ صلى الله عليه وسلم الذين سادوا القارّات الثلاث آنذاك ونقلوا به روحانية الرسول صلى الله عليه و سلم لكافة شعوب الأرض والتي تنقلهم للجنّات،آيات جزء عمّ، كل من صدر بالتفكير بهذه الآيات الكونية التي أشارت إليها غدا عالماً حكيماً يرد شهود حقائق شهادة لا إله إله إلا الله، فبها مواد مدرسة عظمى بها درس أبونا إبراهيم عليه السلام فصار عظيماً وغدا أبا الأنبياء، وبها درس كافة الرسل و الأنبياء، وهو العلم المطلوب {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} سورة محمد، الآية 19.
وكفى بالمرء علماً أن يخشى الله. بعث الله رسله لعباده ليذكّروهم بنعمه سبحانه وتعالى ويبلّغوهم عظيم قوله وجليل دعوته فأثاروا فيهم خامد تفكيرهم وأروهم آيات المقدرة من سماء مرفوعة وأرض مفروشة موضوعة ، ومعايش تحييهم وآجال تفنيهم، بآيات جزء عمّ بحثاً وتحقيقاً وتدقيقاً يوصل المرء إلى العلم بلا إله إلا الله ويكون الرسل له حجة له لا عليه إذ أثمر بعد أن أُنذر.


لقطات شاشة من الكتاب

تأويل القرآن العظيم- جزء عمّ

الصيغ المتوفرة:

هذا الكتاب متوفر بعدة صيغ: كتاب إلكتروني، صوتي، وورقي


كتاب إلكتروني:

معلومات الكتاب الإلكتروني

  • الكتاب الإلكتروني بصيغة PDF، ePUB. 
  • الكتاب الإلكتروني مجاني.
  • روابط التحميل تظهر لكم بعد تقديم الطلب.
  • الكتاب متوفر على منصات غوغل بلاي، أبل ستور، أمازون.
تأويل القرآن العظيم- جزء عمّ

  • تأويل سورة الناس
  • تأويل سورة الفلق
  • تأويل سورة الإخلاص
  • تأويل سورة المسد
  • تأويل سورة النصر
  • تأويل سورة الكافرون
  • تأويل سورة الكوثر
  • تأويل سورة الماعون
  • تأويل سورة قريش
  • تأويل سورة الفيل
  • تأويل سورة الهمزة
  • تأويل سورة العصر
  • تأويل سورة التكاثر
  • تأويل سورة القارعة
  • تأويل سورة العاديات
  • تأويل سورة الزلزلة
  • تأويل سورة البيّنة
  • تأويل سورة القدر
  • تأويل سورة العلق
  • تأويل سورة التين
  • تأويل سورة الشرح
  • تأويل سورة الضحى
  • تأويل سورة الليل
  • تأويل سورة الشمس
  • تأويل سورة البلد
  • تأويل سورة الفجر
  • تأويل سورة الغاشية
  • تأويل سورة الأعلى
  • تأويل سورة الطارق
  • تأويل سورة البروج
  • تأويل سورة الانشقاق
  • تأويل سورة المطفّفين
  • تأويل سورة الانفطار
  • تأويل سورة التكوير
  • تأويل سورة عبس
  • تأويل سورة النازعات
  • تأويل سورة النبأ

  • عنوان الكتاب: تأويل جزء عم
  • السلسلة: تأويل القرآن العظيم (أنوار التنزيل وحقائق التأويل)
  • للعلامة الإنساني محمد أمين شيخو
  • الناشر: دار نور البشير- دمشق- سوريا
  • النشر الإلكتروني: Amin-sheikho.com
  • حجم الصيغ المتاحة للتحميل:
  1. PDF: 6.2 MB
  2. ePUB: 0.31 MB

  • ePUB: جيد لتصفح الكتاب على أجهزة الكومبيوتر اللوحية، والهواتف المحمولة (منصوح به للتصفح السهل مع تطبيق "غوغل كتب" و"آي بوك").
  • PDF: جيد لتصفح الكتاب بواسطة برنامج (أدوبي ريدر) على أجهزة الكومبيوتر بأنواعها، والهواتف المحمولة بأنواعها، وهو مناسب للأغراض الطباعية.

كتاب صوتي:

معلومات الكتاب الصوتي

  • الكتاب الصوتي بصيغة MP3. 
  • الكتاب الصوتي مجاني.
  • روابط التحميل تظهر لكم بعد تقديم الطلب.
  • الكتاب متوفر بشكل صوتي ومجاني في موقعنا، ومتوفر أيضاً في مواقع الكتب الصوتية العالمية الشهيرة.
تأويل القرآن العظيم - جزء عمّ - الكتاب الصوتي

كتاب ورقي:

معلومات الكتاب الورقي

  • الكتاب الورقي متوفر للشراء من موقع الأمازون وشركائه، في أنحاء العالم.
تأويل القرآن العظيم- جزء عمّ

  • السلسلة: أنوار التنزيل و حقائق التأويل
  • كتاب ورقي: 448 صفحة
  • الناشر: CreateSpace Independent Publishing Platform
  • الطبعة: 1، (May 29, 2014)
  • اللغة: العربية
  • ISBN-10: 1499699271
  • ISBN-13: 978-1499699272
  • أبعاد الكتاب: 6×1×9  بوصة
  • الوزن: 1.7 رطل

الكتاب الإلكتروني مجاني في موقعنا ومتوفر بعدة صيغ، وسهل التصفح والحفظ "على الذاكرة" في جميع الأجهزة، وبجميع الأنظمة: أندرويد، آيفون، كاندل، ويندوز، وغيرها...
أما الكتاب الورقي فهو منشور للراغبين فقط باقتناء الكتب الورقية، ولمن يفضلون القراءة منها.


أسئلة متعلقة بتأويل القرآن الكريم

سلام عليكم. أستاذي الفاضل، بالآية الكريمة: {..إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ..}. ما هو الذكر الذي هو أكبر من الصلاة؟! ونحن نعرف نتائج الصلاة ورفعتها... ولكم جزيل الشكر...


يقول تعالى في كتابه العزيز: {..اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ..} سورة العنكبوت: الآية (45).

فما هي الصلاة في روحها وحقيقتها، وكيف يصليها الإنسان حقاً؟ وماهو هذا "الذكر" الذي هو أعظم من الصلاة؟ حتى يصلي المرء الصلاة الحقيقيّة عليه أولاً أن يؤمن بالله الإيمان الحق. فكيف يصل المرء إلى هذا الإيمان؟

أقول: إذا صدق الإنسان بتيقنه بالموت وقرر وطلب أن يؤمن وفكر بالآيات الكونية، توصله لخالقها وممدها ويشاهد شهوداً طرفاً من أسمائه تعالى الحسنى، فيشاهد بالنور الإلۤهي حسب الآية الكونية التي يفكر بها، فمثلاً يرى الوسعة الإلۤهية إن فكر بالسماء أو بالبحر، وإن فكر بالجبال يرى العظمة ويشاهد عظمة موجدها القائمة به حاملها وحامل الكرة الأرضية والكون وإن فكر بالقمر يشاهد نور الله وهو يطلبه، وإذا فكر بالطعام بغية الإيمان يرى حب الله وحنانه ودقة صنعه في الخلق ويشاهد الودَّ الإلۤهي وعطفه وهذا كله من أجله فيجد أن الله لم ينسَه. هو نسي ربّه، ولكن الله لا ينساه فحينها تحب النفس ربها لما يغزوها به من هذه النعم التي هي صنع يديه ولا يستطيع سواه أن يصنعها أبداً، فهو وحده المتفضل عليه العطوف والمحب له، فتلتفت النفس للإلۤه بهذا التفكير وبهذا الإيمان تنعقد للنفس صلة بالله، وحينما يعود للمجتمع وينشغل مع الناس ينقطع هذا الإيمان وتنقطع هذه الصلة بالله ولو أنه حصل يقيناً. ولكنْ هناك شيء أعظم من هذه المخلوقات التي آمن عن طريقها، ألا وهو الإنسان المكلف الناجح في حمله للأمانة، والذي لم ينقطع عن ربه، بل يرتقي في مشاهدات أسماء الله تعالى الحسنى رقياً عظيماً وينال فيه تجلياً أكبر، فإن التفت الإنسان إلى الله من زاوية هذا الإنسان العظيم المستأنس بربه دائماً، والذي لم تطغَ على مشاهدته شهوة أو لذة أبداً، بل شهوته دائماً رضاء الله وإيصال الخلق إلى ما وصل إليه، هذا الإنسان صلى الله عليه وسلم هو الآية العظمى الذي إن اتصل المرء بربه عن طريقه بالصلاة نال نعيماً وملكاً كبيراً، وحظي بما لم تحظَ به المخلوقات جميعها، فإن كان إيمانه عن هذا الطريق وذاق وشاهد من عطاءات الله عليه شاهد ما لا عين رأت، عندها تدوم صلته بالله فتصبح صلاتُهُ صلاة متتابعة متعاظمة متسامية ولن يبغيَ عنها حِولاً، فالإيمان يسبب له صلة آنية، إذا انشغل انقطع عنها، أما الصلة بواسطة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة فهي صلاة لا تبغي النفس انفكاكاً عنها والهوي إلى غيرها من المخلوقات.

والآن نبدأ بذكر الصلاة الدائمية وشرح آثارها على النفس فنقول: الصلاة الحقيقية تكون بوساطة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي فيه النور الوثيق والمشاهدات العلية، ولأنه هو صلى الله عليه وسلم السراج المنير لقلوب المخلوقات، تصل يا مؤمن بها إلى نور الله بحجمٍ لا تستطيع الكائنات أن تمنح جزءاً يسيراً منه لذا تتمسك النفس بهذه الصلاة ولا ترضى عنها بديلاً. وبالصلاة الصحيحة: يسري النعيم الإلۤهي في قلب صاحبها ويخالطه ويمازجه ولا ينفك عنه، بوساطة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيسري في النفس سريان الماء في الأغصان الذي يبعث الحياة والنماء ونتاجه الثمار اليانعات والطعوم الطيبة المذاق، أو كسريان الكهرباء في الأسلاك فتُحدث الحركة والدوران والإنارة والضياء. وكذلك النور الإلۤهي الذي يسري في نفس المؤمن أثناء صلاتها بمعية رسول الله صلى الله عليه وسلم، يُشِعُّ فيها الحياة والنعيم المقيم، ينتقل المؤمن من حالة إلى أعلى وتبعث الغبطة والسرور والبهجة والحبور. وبهذه الصلاة الحقيقية تنحتُّ الشهوات الدنيئة متساقطة، وتنغسل النفس من أدرانها وتزول عنها الصفات المنحطة السيئة، فلا جبن ولا بخل ولا فظاظة ولا غلاظة ولا قسوة قلب ولا حب إيذاء ولا ذل ولا خنوع ولا عدوان، فتنقلب صفات المرء المؤمن إثر صلاته ويصطبغ بصبغة الكمال ويتصف بالصفات الإلۤهية، فإذا هو بشر لا كغيره من البشر، فالصلاة هي التي تقلب القلب المتحجر فتجعله كالياقوت صفاءً ونقاءً وتحوِّل سواد النفس الذي هو كالفحم المظلم فتجعله كالماس برّاقاً لامعاً.

إذن، "الصلاة الصحيحة": هي التي تحوِّل صفات الإنسان عامة فتبدلها بصفات عالية كاملة {صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً..} سورة البقرة: الآية (138). ومن مظاهرها في نفس المؤمن الرحمة والحنان والكرم والجود والسخاء والمروءة، والعدل والإنصاف وعزة النفس والشجاعة والإباء وهكذا عدِّد ما شئت من صفات الكمال التي يحصل عليها المرء في صلاته وفي ساعات الإقبال على ربه بمعية إمامه صلى الله عليه وسلم. فالمصلي بهذه الصلاة الصحيحة تجده في غنى قلبي بما غمره به ربّه من خيرات في صلاته، ونفسه قد أُترعت بالكمالات الإلۤهية وبالنعيم الدائم الذي لا يماثله نعيم، فتراه في عزة وإباء عن الشهوات الدنيئة ولا يعبأ بالدنيا وبهرجها ولو سيقتْ إليه بحذافيرها، بل ولو جاءته صاغرة طائعة، لقد نال أسمى وأبهى وأعلى وأرقى منها فأنى لنفسه أن تعود للدناءة بعد العلو وللذل بعد العز. فصلاته مترعة بالنعيم المقيم والعزة والغنى القلبي والأنوار السنية والمشاهدات العلوية للأسماء الإلۤهية الحسنى، وجسمه واقف في الصلاة ونفسه بمعية إمامه صلى الله عليه وسلم في سياحات تطوي الأكوان طياً لترى وتشهد من عظمة الله وجلاله وبهاه وعالي صفاته وأسمائه الحسنى، بل وترى الأزل والخلْق الأول والآخرة وأحوال أهل الجنة وأحوال أهل النار كل هذا يراه ويشهده بصلاته بمعية رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما شاهد السحرة مع سيدنا موسى عليه السلام إمامهم وسراجهم المنير.

أقول: إذا كانت الصلاة على هذا النحو وبتلك الصورة العالية عندها ينتهي صاحبها عن الفحشاء والمنكر، وصلاته تلك كفيلة أن تغني نفسه وتنهاها عن المحرمات المخزيات من الشهوات، ومعنى النهي أي بما في الصلاة من خيرات ونعيم ومشاهدات للحقائق جعلت النفس لا تلتفت لسواها من شهوات الدنيا لأنها وجدت بصلاتها خيراً منها بما لا يقارن ويقاس، عند ذلك تعافُ النفس المحبب لها سابقاً من الشهوات عن رضى وقناعة وعن طيب خاطر منها.

فيا هل ترى ما هو الذكر الذي هو أكبر من هذه الصلاة العظيمة التي ذكرنا صفاتها وآثارها وأحوالها؟ نقول: الرسول عليه الصلاة والسلام سما وعلا فوق العالمين بما أنزل إليه من الذكر الحكيم لقوله تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ..} سورة البقرة: الآية (285). ومكث صلى الله عليه وسلم في مكة أربعين سنة لم يعرف شأنه وعلوّ قدره أحد حتى أُنزل عليه القرآن العظيم كلام ربِّ العالمين، عندها اجتمع حوله الصحب الكرام وبعد أن آمنوا واتقوا وطبقوا القرآن سيَّدَهم الله على الأمم فنشروا هدّيه في بلاد الروم البيزنطيين وبلاد الفرس الصابئة هذا كله فضل القرآن العظيم. {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ} سورة ص: الآية (87). وهذا الذكر أكبر من الصلاة هو كلام الله العظيم: (هو حبل الله المتين ونوره المبين من تمسك به نجا ومن تركه لغيره هلك) فالذين تمسكوا بالقرآن سيَّدَهم الله على الأمم وسلَّمهم أمر عباده ومكَّنهم في الأرض وجعلهم ظاهرين وكمثال على ذلك: الدولة العثمانية لا التركية والدولة السلجوقية في زمن ألب أرسلان السلجوقي، وقبل ذلك دولة المماليك في عهد الملك الظاهر بيبرس، ودولة الأكراد في زمن صلاح الدين الأيوبي (الأيوبيون)، كلّ أولئك بالتزامهم بكلام ربهم سادوا الأمم وتيمورلنك: الذي حمل المصحف بيد والسيف بيد قاهر ملوك الأرض وقبلهم الصحب الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.

إذن، إن استعاذ الإنسان بربه ودخل في حصنه الحصين وحرزه المنيع الذي هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي، إن دخل بمعية رسول الله على الله يزول الوقر من الأذنين وينكشف الغطاء عن العينين، ويسمع الكلام من المتكلم جلَّ وعلا أي، كلام الله المنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا هو "الذكر" الذي هو أكبر من الصلاة العظيمة. أي: درجته أعلى وبه الشفاء والهدى.

ما معنى الشجرة الملعونة في القرآن؟ في الآية الكريمة: {..وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآَنِ..} سورة الإسراء (60).


الشجرة الملعونة في القرآن هي الدنيا: حب الدنيا لأنه ينبت في النفس.
قال الله لهم في القرآن على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أن يحذروا حب الدنيا لأنه سبب هلاكهم).
إذن: الدنيا وما فيها من شهوات مهلكة كل ذلك ملعون في القرآن: بيّن الله تعالى ذلك لرسوله وأظهر له حقيقة الدنيا وأنها جيفة وطلابها كلاب؛ لكي يبيِّنها للناس فيحذروها؛ ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف:
(الدنيا ملعونة ملعون من فيها إلا ذكر الله وما والاه..) سنن الترمذي وابن ماجه والدارمي.
(حب الدنيا رأس كل خطيئة) رواه البيهقي.

ورد في سورة الكهف الآية رقم (34) بسم الله الرحمن الرحيم {وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ} كيف يصاحب المؤمن الكافر؟ وكيف يدعو المؤمن على صاحبه الكافر؟


يصاحبه لـمّا يتوسم منه التوبة والنجاة والنجاح، والصحابة الكرام صاحبوا أهل الشام والعراق ومصر وكانوا على الكفر فهدوهم إلى الإيمان.
إنه لا يدعو عليه ولكن ينذره بما قد يصيبه إن أصر على الكفر ونكران المنعم المتفضل جل وعلا.

يقول تعالى في سورة الكهف، الآيات (32-44):
32- {وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ..}: بساتين من جميع الفواكه "من فواكه متنوعة" {..وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ..}: من حول الحديقتين أي من أطرافها. {..وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً}: من خضر في الوسط، بين الأشجار خضراً وكلأ.

33- {كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا..}: أثمرت، نضج وآن أوان القطاف. {..وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً..}: كان الحمل تاماً كاملاً، كله أثمر فما من شجرة حملت قليلاً بل كلها أعطت حقها. {..وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَراً}: مستمر الجريان متى شاء وأراد سقى.

34- {وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ..}: كان للرجل غلة وثمر، إذ نضج. {..فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً..}: أنت فقير. {..وَأَعَزُّ نَفَراً}: انظر ما عندي، رغم أنني لست مثلك على السير الذي تدعي بأنه حق.

35- {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ..}: لـمّا قال من قبل أنه أكثر مالاً وأعز نفراً. (وهو ظالم لنفسه): ببعده عن الله استلذ بها ولم يذكر نعمة الله. {..قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً}:  ما أظن هذه الخيرات، هل تذهب؟! أمَّنْتُ مستقبلي.

36- {وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً..}: البعث "كما يقال". {..وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنقَلَباً}؟ هنا استفهام. هل أجد خيراً منها بعد الموت؟! كل هذا لا أصل له.

37- {قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ..}: ألا تذكر أصلك ونهايتك، أتنكر الذي خلقك!
ألا تفكر ببدايتك كيف كنت تراباً. {..ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ..}: لـمّا تخلّقت، أصلك من ثمرة أكلها أبوك فصارت نطفة كيف تنكر هذا الإنكار؟ الذي سوّاك من نطفة كلامه ليس بصحيح؟!! {..ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً}: من طور لطور حتى صرت إنساناً ألا تفكر بحالك بأصلك من سواك، من ربّاك من نمّاك؟!

38- {لَّكِنَّا..}: لكن لكنا لازم نعرف جيداً. {..هُوَ اللَّهُ رَبِّي..}: كل الفضل فضله تعالى. {..وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً}: أنا هذا ما رأيته.

39- { وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاء اللَّهُ..}: كان. ما شاءه الله كان وما لم يشأه لم يكن. {..لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ..}: الكل فضله. {..إِن تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ..}: الآن. {..مَالاً وَوَلَداً}: فاحتقرتني، ترى نفسك أنك غني وعندك أولاد ولا تعبأ بقولي!
40- {فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ..}: لم تحسب له حساباً، حسب ما يلزمها، بلاء لا تحسب له حساباً لكنه بلاء ضمن حساب لا يخطئه. {..فَتُصْبِحَ صَعِيدًا..}: تراباً. {..زَلَقًا}: مندثرة، غباراً ذاهباً من يدك، مستنقعاً يزحلق الإنسان، يطوف النهر فلا يستطيع أحد السير فيه، والخيرات لا أثر لها.

41- {أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا..}: يغور. {..فَلَنْ تَسْتَطِيعَ..}: ساعتها. {..لَهُ طَلَبًا}: من الذي يخرجه لك!

42- {وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ..}: أي أن البلاء لابدّ واقع بالمعرض. {..فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا..}: خسر خسارة كبرى وكذلك كثيرٌ ممن يعطى مالاً أو وظيفة ثم تسلب النعمة بكفره.
{..وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا..}: شجر يابس. {..وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا}: هنا شعر وآمن فكل ما يسوقه تعالى للإنسان هو خير له. "قصة الرجلين ومعناها أن الله يعطي العبد فإن شكر وأقبل وإلا يأخذ منه هذه النعمة فإن لم يرجع فله عذاب بئيس.

43- {وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ..}: إذا حل البلاء من يردُّه! {..وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا}: بما عمل الإنسان إن أوتي نعمة يجب عليه أن يشكر ليزداد نعمة.

44- {هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ..}: عندها عرف المسألة بيد الله تعالى. {..هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا..}: رجعة له. {..وَخَيْرٌ عُقْبًا}: يعقب الإنسان ليطهّر له نفسه. (وخير عقبا): من هذا المال فكل ما يصيب الإنسان فإنما هو من حنان الله عليه "أبصر به وأـسمع": فالله تعالى يسوق ما يسوق للإنسان ليرده للحق إن أرسل الشدائد للإنسان فمن شدة حبه تعالى وحنانه ورحمته به.

بسم الله الرحمن الرحيم لدي سؤال حول تأويل الآية: {أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ} [الزخرف : 18] وربطها بالآيات قبلها وبعدها والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


الآيات الكريمة قبل الآية وبعدها تصف حال الإنسان المعرض كيف أنه:
1- ينسب لله البنات ويحب لنفسه البنين: {أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُم بِالْبَنِينَ}.
2- يسود وجهه عندما يبشّر بالأنثى، لأنه يريد ذكراً: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ}.
3- يصف الملائكة بأنهم إناث: {وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً..}.
فهذه الآيات تبين تناقض هذا الإنسان المعرض.
{أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ..}: والحلية هي المرأة، الأم التي ولد منها هذا الإنسان، لولا أن والده استحلاها لما وُلِد فهذا الإنسان لولا المرأة لم يولد، فكيف الآن يخاصم ويطلب ذكوراً ويرفض الإناث!
كيف ينسب لله البنات ويصف الملائكة بأنهم إناث وهو لا يرضى ذلك لنفسه، لو كان محبّاً حقّاً لله هل ينسب له ما لا يرضى لنفسه!
هل شهد خلق الملائكة أنهم إناثاً حتى يصفهم بذلك! زوراً!
الحقيقة أن هذا الإنسان المعرض ليس لديه حجة واحدة فيما يدعيه {..وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ} في طلبه الذكور وحججه، لا يطلب طلباً منطقياً، بل متناقضاً قامت عليه الحجة بسرعة، لأنَّ اختلافه وتناقضه ظاهر، ولا يستطيع أن يبين بياناً منطقياً أبداً.

السلام عليكم
سيدي الفاضل أرجو شرح الآيات من سورة القيامة بسم الله الرحمن الرحيم {كَلَّا إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِيَ (26) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (27) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (28) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (29) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (30) فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (31) وَلَكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى (32) ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (33) أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (34) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى} ولكم جزيل الشكر.


يقول تعالى في سورة القيامة:
26- {كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ}: وكلمة (التراقي) مأخوذة لغوياً من الرقي فالنفس عند الموت تنسحب من أسفل الجسم (القدمين) إلى أعلى لأن الرقي من الأسفل إلى الأعلى حتى تصل إلى عظمتي الترقوة وهذا في حال النزاع حيث تنسحب الروح من أسفل القدمين فصاعداً إلى أعلى الجسم، وبانسحاب الروح من قبل ملك الموت يفقد الجسم حرارته، فترى المحتضر أول ما يبرد فيه قدماه وكلما انسحبت الروح من عضو تدريجياً نحو الأعلى تحلُّ البرودة والنفس لا تمكث بالبرودة، لذا تراها تتبع الروح شيئاً فشيئاً في الترقي نحو الأعلى، وهكذا إلى آخر المطاف عند عظمتي الترقوة وعند الحلقوم تبدأ النفس بالتردد وترفض الخروج حيث أنها تجهل إلى أين الذهاب "والإنسان عدو ما يجهل"، فتراه يتشبث بالجسد لا يريد الخروج منه ويصبح نزع الروح كنزع الحرير من الشوك هذا بالنسبة للكافر.
فالآية تعني: كيف بك إذا بلغت نفسك هذه اللحظة وهي لحظة الفراق وترك الدنيا إلى مجهول ووصلت إلى هذا الحال فما هو مآلك، فلتفكر في هذه اللحظة الحاسمة {..وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ..} سورة الأنعام: الآية (93).

27- {وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ}: الملائكة تقول: (من راقٍ) وكلمة (راق) مأخوذة من الرقي، وهو العلو والرفعة، كذا مأخوذة من الصفاء والنقاء، نقول: راقت الماء أي صفت، وهنا الملائكة تتعجب وتقول وتتساءل: ألا يوجد أحد رقي بهذا الزمان ووفى بعهده ونجا؟! أكلهم فسَّاق! فلكل إنسان ملك موت يناديه عند نزع روحه.
مَنْ الناجح الذي رقي وسعد وخرج إلى الجنان! هل مَنْ حقق الرقي النفسي ونجا ورقي ونجح ودخل الجنات المعدّة له!
تنادي الملائكة بذلك لقلّة الناجحين الراقين في هذا الزمان. الناجح الذي قال عنه صلى الله عليه وسلم: من مئة ألف مئة ألف حتى توقف نَفَسُه الشريف ينجو واحد فالكل تقريباً يموتون وهم من الخاسرين!

28- {وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ}: من كلمة (الفراق): نستنتج أن الآيات تتكلم عن لحظة الموت حيث الفراق هو فراق الدنيا فراق أبدي لا عودة أبداً بعدها.
وهذا الظن إنما هو ظن تحقيقي وقتئذٍ تفاجأ بأنه وصل إلى الموت وأن هذا الظن قد تحقق لا محالة.

29- {وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ}: في حال النزاع وخروج الروح تعلو الساق الأولى رفيقتها وتلتف عليها، ويتضايق المحتضر من هذه الحالة، شاهدنا عدداً من المحتضرين يحصل لرجليهم الالتفاف على بعض. أيضاً هناك رؤية نفسية ففي هذه اللحظة تنكشف لدى الإنسان الحقيقة، ومن كلمة (ساق) أي: ما ساقه الله له من إكرام طوال عمره وإنعام، وبما غمره به من فضل ومنّة وإحسان وهو بماذا قابل هذه المعاملات الودية الحنونة الرحيمة، لقد قابل إكرام ربه باللؤم والجحود ونكران المعروف. أكل من خير ربه والتفت لغيره فيرى ما ساقه هو بالمقابل من دنيء الأعمال وقبيح الأفعال ويلبسه حال عمله هذا.

إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه     فكـل رداءٍ يرتـديـه جميـل

إلا أن هذا الإنسان نكر المعروف والإحسان، ووقتئذٍ يرى ماذا ساق الله له من فضل وبر وإحسان وماذا ساق هو لنفسه من لؤم وقسوة وبُعد عن الله وتعدي على عباده ومخلوقاته.

30- {إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ}: (إلى ربك): يا محمد صلى الله عليه وسلم: يخاطب الله رسوله صلى الله عليه وسلم أنت تعرف رحمتي وحناني عليه، وأنه ذاهبٌ إليّ، وأنا لم أتركه منذ خلقته وعنيت به وهو في بطن أمه، ومن ثم بعد خروجه إلى الدنيا لم تتغير معاملاتي الرحيمة به وهو الآن عندي وأسمائي هي هي لم تتغير، أنت تعرف هذا أما هو لم يتعرف عليَّ، ولم يتعرف على رحمتي وودي ولطفي "لذا ظنه الأسود بربه أرداه وكره لقاء الله" وكره الموت، إذن: هو الذي أوصل نفسه لهذا المآل المخزي وأحلَّ نفسه دار البوار والشقاء، وسبب ذلك كله:

31- {فَلَا صَدَّقَ..}: لو صدَّق الرسول صلى الله عليه وسلم لطبق كلامه وجرت على يديه أعمال إحسان عالية، وما وصل إلى ما وصل إليه، بل لكانت لحظة الموت بالنسبة له يوم سعده وهنائه {..وَلَا صَلَّى}: كذلك هذا هو سبب شقائه أنه لم يكن من المصلين لم يعقد مع ربه الصلاة فلم تنمحِ من نفسه الشوائب والعلل والأدران، إذ الصلاة تحتُّ الصفات الذميمة والشهوات الخبيثة من النفس وتتبدل بصفات كريمة وأخلاق عالية وكمالات حميدة.
فتارك الصلاة لا خير فيه أبداً، والخير كله بالصلاة، والصلاة عماد الدين كله، ومن تركها هدم الدين.

32- {وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى}: كذَّب دلالة الله من القرآن، وذهب يقاومها ويواجهها، وقدّم دنياه الزائفة وباطلها على دلالة الله والحق وحاربهم، وتولى: أي تولى أهل الباطل والفسق والفجور، صاحبهم وجالسهم واتخذهم أخلاء.

33- {ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى}: أهله أهل السوء والفحشاء أعداء الدين، ذهب إليهم وهناك أخذ راحته وأعطى لنفسه هواها وأطلقها لمشتهياتها دون حرج أو مانع، فراح يشاركهم بالرذيلة والفواحش والتعدي.

34-35- {أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ، ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى}:
في هذه الآية الكريمة يبيِّن تعالى لنا معاملاته الرحيمة الحنونة بهذا الإنسان وعطاءاته الكريمة طيلة حياته بل منذ أن أوجده نفساً مجردة في عالم الأزل، إذ أولاه الله الملكات والإمكانيات الكاملة لأن يبلغ أسمى وأرقى درجات الكمال الإنساني، حيث منحه الحرية في التصرف وملّكه الاختيار لا ينازعه في ذلك منازع.
(أولى لك): أي أعطاك الاختيار تختار لنفسك ما تشاء ليكون ذلك حافزاً ودافعاً يدفعك للرقي والسمو، إلا أن الإنسان نظر للحرية أنها ملْكه واعتز بذلك وتكبّر، جعل التولية لنفسه دون النظر لجانب ربه ونسي عهده الذي عاهده عليه ألا ينقطع عن نوره، بل عبَّ من الشهوات دون نور ولا هدى من الله، فعمي بانقطاعه عن الله وعن النور وصمّ وفقد ملكاته جميعها إلا الشهوات هذه ولها نهاية.
(فأولى): أرسله الله إلى هذه الدنيا ومنحه جسداً كاملاً وفكراً يتوصل به إن استخدمه إلى ربّه وجعل له الكون كتاباً مفتوحاً ليفكر به فيتوصل من خلال آياته إلى عظمة خالقه وموجده، فيقرأ فيه إبداع الإلۤه وكرمه وفضله وجوده وحنانه، إذن: لم يتركه ربه، بل أولاه ثانية ما يتلافى تقصيره، وفضلاً عن ذلك كله أرسل له رسلاً تذكره وتنذره وكتاباً سماوياً يهديه ويدله إلى سبل السلام. ولكن الإنسان أولى هواه الذي عماه في الأزل عاد إليه فعمي ثانية ولم يلتفت إلى ما أولاه الله إياه، وراح يمشي بالأرض مكباً على وجهه يفسد فيها ويضل ضلالاً بعيداً إلى أن جاء أجله وساعة الفراق والرحيل إلى عالم البرزخ وفي هذه الساعة العصيبة هل يتركه الله؟! كلا.
(ثم أولى لك فأولى): ثم حرف عطف للترتيب على التراخي. كذلك في عالم البرزخ يرسل له العلاجات والمسكّنات من عذاب القبر وضيقه ووحشته وعلاجات الملائكة الكرام، كل ذلك ليحوِّله عن حاله الجهنمي حال العار والخزي على ما فرّط في جنب الله، إذن: كذلك أولاه الله بالعلاجات عله يعود إلى كنف ربه إلا أنه يبقى في عناده وأنفته وكبره.
(فأولى): وعناية الله لم تنقطع عنه طرفة عين ولن تنقطع عنه أبداً وتستمر معه في الآخرة فيجد في حريق النار وألمها الشديد سلوى لما به من عذاب الذل والعار فيرى المشفى والمسكنات في نارٍ تلظى.
فأولاه الله بالعطف والعناية أيضاً في الآخرة، لأنه لم يطهر في دنياه فالنار لتطهيره ولا يشفيه إلا التجاؤه ووجهته لربه ولا تزكو نفسٌ إلا بالله


استمع مباشرة:

تأويل القرآن العظيم - جزء عمّ - صورة البارز


اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى