تأويل جزء عمّ
سلسلة تأويل القرآن العظيم
(أنوار التنزيل وحقائق التأويل)
المجلد التاسع (جزء عمّ)
- للعلامة الإنساني الجليل محمد أمين شيخو قدس سره
- جمع وتحقيق: الأستاذ المربي عبد القادر يحيى الشهير بالديراني
لمحة عن الكتاب
تأويل آيات جزء عمّ ببلاغة سامية لا يطار لها بجناح على ما فيها من البساطة في التعبير، من الاسلوب السهل الممتنع جاءت لترقى بالإنسانية إلى أفق سام آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر حاثة على الفضائل والمكرمات وتقبّح الرذائل والأوهام تدعو الإنسان للأخوة والموّدة في القربى لإخوانهم بالبشرية بل الإحسان للخلق كافّة فيكون الإنسان أخاً محبّاً للإنسان،رسم خطة النجاح الحقيقي والفلاح الدائم والسلام وطريق السلوك القويم الذي سلكه كافة الرسل والأنبياء وصحب النبيّ صلى الله عليه وسلم الذين سادوا القارّات الثلاث آنذاك ونقلوا به روحانية الرسول صلى الله عليه و سلم لكافة شعوب الأرض والتي تنقلهم للجنّات،آيات جزء عمّ، كل من صدر بالتفكير بهذه الآيات الكونية التي أشارت إليها غدا عالماً حكيماً يرد شهود حقائق شهادة لا إله إله إلا الله، فبها مواد مدرسة عظمى بها درس أبونا إبراهيم عليه السلام فصار عظيماً وغدا أبا الأنبياء، وبها درس كافة الرسل و الأنبياء، وهو العلم المطلوب {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} سورة محمد، الآية 19.
وكفى بالمرء علماً أن يخشى الله. بعث الله رسله لعباده ليذكّروهم بنعمه سبحانه وتعالى ويبلّغوهم عظيم قوله وجليل دعوته فأثاروا فيهم خامد تفكيرهم وأروهم آيات المقدرة من سماء مرفوعة وأرض مفروشة موضوعة ، ومعايش تحييهم وآجال تفنيهم، بآيات جزء عمّ بحثاً وتحقيقاً وتدقيقاً يوصل المرء إلى العلم بلا إله إلا الله ويكون الرسل له حجة له لا عليه إذ أثمر بعد أن أُنذر.
الصيغ المتوفرة:
هذا الكتاب متوفر بعدة صيغ: كتاب إلكتروني، صوتي، وورقي
كتاب إلكتروني:
معلومات الكتاب الإلكتروني
- الكتاب الإلكتروني بصيغة PDF، ePUB.
- الكتاب الإلكتروني مجاني.
- روابط التحميل تظهر لكم بعد تقديم الطلب.
- الكتاب متوفر على منصات غوغل بلاي، أبل ستور، أمازون.

كتاب صوتي:
معلومات الكتاب الصوتي
- الكتاب الصوتي بصيغة MP3.
- الكتاب الصوتي مجاني.
- روابط التحميل تظهر لكم بعد تقديم الطلب.
- الكتاب متوفر بشكل صوتي ومجاني في موقعنا، ومتوفر أيضاً في مواقع الكتب الصوتية العالمية الشهيرة.

كتاب ورقي:
معلومات الكتاب الورقي
- الكتاب الورقي متوفر للشراء من موقع الأمازون وشركائه، في أنحاء العالم.

أسئلة متعلقة بتأويل القرآن الكريم
يقول سبحانه وتعالى في سورة الأعراف: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157) قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}. خطاب الله تعالى لموسى عليه السلام ومن معه بأن محمد صلى الله عليه وسلم مكتوب في التوراة والإنجيل مع أن الإنجيل نزل بعد موسى بألفي سنة، فلماذا ذكر الله الإنجيل في هذا الموقف مع أنه لم ينزل بعد؟!
الأخ الفاضل حفظه المولى الكريم ... آمين يا أخانا: الله عزَّ وجلَّ محيط بالعوالم جميعها وهو خالقها أَو ليس الذي خلق بأعلم بمن يخلق؟! فالله علمه شامل وعطفه على الخلائق كامل وهو المحيط في نفوس العوالم وعنده علم الغيب.
وذُكْرُ اللهِ الإنجيل لسيدنا موسى قبل حين، هذه من الأمور الغيبية {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ..} وسيدنا موسى عليه السلام رسولٌ عظيم ومن الذين رضي الله أن يظهرهم على غيبه، فأخبره بأن البشرية سيلزمها كتاب وهو الإنجيل، وكل رسول سابق يتكلم عن الرسول اللاحق الذي سيأتي بعده ليتبعه الناس ولا يعارضونه فهو يمهِّد له، وكذلك سيدنا موسى تكلم بما أعلمه الله عن سيدنا عيسى ووصفه وأوصى بني إسرائيل بإتباعه وأنه سيأتي معه كتاب اسمه الإنجيل وتكلم أيضاً من التوراة كلام الله عن سيدنا محمد النبي الأمي صلى الله عليه وسلم وكذلك تكلم سيدنا عيسى عن النبي الأمي صلى الله عليه وسلم، وجاء ذكره في التوراة وفي الإنجيل، وكلام الله واسع وشامل للعوالم كلها كما هو القرآن، فيه ذكركم وذكر من سيأتي بعدكم وذكر من كان قبلكم، والله أخبر رسوله سيدنا موسى بما سيكون بعده من أحداث ليخبر قومه فيتبعوا المرسلين. إذن: لا غرابة ولا عجب في ذكره تعالى للإنجيل قبل تنزيله وهو تعالى المتكلم به، هو سينزله على سيدنا عيسى بعد سيدنا موسى أفلا يعلمه؟!
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لدي الأسئلة التالية حول أصحاب الكهف أرجو تكرمكم بالإجابة:
أ- 1- هل أهل الكهف آمنوا بدون رسول وما الحكمة من نومهم؟
2- هل بزمانهم كان لا يوجد رسول أو مرشد والله سبحانه يقول {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلَا فِيهَا نَذِيرٌ} [فاطر: 24]، {رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكِيماً} [النساء: 165].
3- وإذا كان يوجد رسول بزمانهم أين العجب في إيمانهم ولماذا لم يهيّئ الله اجتماعهم به ومن هو؟
4- ولماذا بعثهم الله في المرة الأولى وأنامهم ولماذا لم يبعثهم بزمن سيدنا محمد وبإمكانهم أن يقدموا أعمال عظيمة بزمن الفتوحات؟
ب- يقول تعالى {..لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً} [الكهف : 18]، من المخاطب بهذه الآية؟ ولماذا الفرار والرعب؟ أليسوا أناس مثلنا؟! وهل صحيح بأن شعرهم طويل و أظافرهم وأعينهم مفتوحة (..وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً..) أم الخوف من الكلب وما الغاية من نومه معهم. وهل سيبعثه الله مرة ثانية معهم أم أنه ميت ولم يفنى؟
الأخ الكريم: حفظه المولى آمين.
يقول سبحانه وتعالى:
بسم الله الرحمن الرحيم
{نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى}.
1- نعم هؤلاء الفتية في عمر الورد والزهور في الشباب اليافع الغض المونق المثمر، في مقتبل سن الرشد في فورة الشباب وعظيم اندفاعه، اندفعوا للحق وللبحث عنه تعالى ووجَّهوا طاقاتهم العظمى للغرض الأسمى في سني السادسة عشر، أعملوا دواليب الفكر بدل الاندفاع الطائش نحو الهوى الأعمى المهلك، سلكوا سبل المناقشة والشورى بعد إيمانهم، فوجدوا أفضل شيء أن ينجوا بأنفسهم من تيارات مجتمعهم الساقط فأووا إلى الكهف.
{إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ..}: كانوا في دنيا وعز وحياة عالية، أبناء وزراء وملوك، فكروا بالمنطق وسلكوا بالحوار فآمنوا بربهم وأيقنوا به وتثبتوا فقرروا وصمموا وثبتوا، فكانوا نبراساً يضيء للسالكين سبل الإيمان والتضحية، أبوا عبودية الآخرين وإتباع الأقاويل دون فكرٍ وتدقيقٍ وتمحيص، وصلوا بالأصول إلى مبدع السموات والأرض دون دليل يرشدهم أو نبي يدلهم ولا رسالة تهديهم سوى تلك الرسالة التي أرسلها الله لكافة البشرية كتاباً مفتوحاً يقرؤه كلَّ ذي لب ألا وهو كتاب الكون قرؤوه بأفكارهم دون بشر يدلّهم، أما الرسول فهو زيادة فضلٍ ومنَّةٍ من الله على البشرية { لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ..} [164] آل عمران .
فيا إنسان لديك أهلية لأن تصير مؤمناً دون أن يأتيك هادٍ. أعطاك الله تعالى فكراً واسعاً فاستفد منه، عندك فكر واسع فلا تهمله، إذا صدقت بطريق الحق وصلت، وهؤلاء أصحاب الكهف حجة قائمة على الناس أجمعين، فتية في مقتبل العمر دون دليل ولا مرشد آمنوا بربهم، لم يكن بزمنهم رسول كمثل (أهل الفترة) قبل مجيء النبي صلى الله عليه وسلم، فتعجب الرسول من إيمانهم العظيم إذ أن قومه رغم وجوده معهم ودلالته لهم على الله لا يؤمنون، بل لا تزيدهم الدعوة إلا نفوراً وإعراضاً، وهؤلاء الفتية آمنوا بلا مرشد ولا دليل وهذا العجب ممزوج بالإعجاب والتقدير إذ لا يعرف القدر إلا ذووه.
وقومهم لا يسمعون لهم إذ أنهم عبَّروا عن ذلك بقولهم {إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ..} لذلك أنامهم الله لحين يكون معهم قائد عظيم يقودهم ويوجه طاقتهم العظمى نحو أعمالٍ كبرى تتناسب وعظيم إيمانهم فأنامهم الله ثم بعثهم لعل أهل ذلك الزمن من استيقاظهم بالمرة الأولى يستفيدون منهم فراحوا يختلفون بعددهم وعدد السنين التي لبثوها {ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَداً} نحن لم نبعثهم لأجل تلك الغاية بل بعثناهم ليسلك الناس مسلكهم السامي وينجون من الدنيا وشهواتها.
فأنامهم الله مرة أخرى وسيبعثهم مع رسول عظيم تقوم بزمنه فتوحات كبرى يكونون وزراءه، لتجري على أيديهم أعمال تتناسب وإيمانهم العظيم وطموحاتهم في هداية البشرية.
أما في زمن سيدنا محمد فكان الصحب الكرام قد وفّوا وكفّوا ولم يقصروا أبداً.
2- {..لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً}: ناموا وهم خائفون على إيمانهم, كمن يملك كنزاً عظيماً بين جنبيه يخشى أن يُسلب منه ناموا وحال الرعب على فقدِ إيمانهم بنفوسهم، ناموا وعيونهم مفتحة لا يريدون النوم ولكنَّ الله أمنَّهم وحفظهم وأنامهم.
لو اطلعت عليهم أيها السائل لانطبع حالهم بك ولما استطعت المكوث عندهم بل لوليت فراراً ورعباً أما الكلب فقد أبقاه الله معهم إكراماً لهم ومن أجلهم.
سيدي الفاضل لو سمحت أريد تفسير الآية من 60 إلى 65 والآية من 92 إلى 95 من سورة الكهف وجزاكم الله خيراً.
60- {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ..} فلماذا وردت هذه الآية، قال تعالى كما رأينا: أبصر به: أرهم ملكي. وأسمع: أسمعهم بحناني. كان سيدنا موسى قد دعا على فرعون بقوله: ((وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ..))! ((..رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ ، قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ)) سورة يونس: الآية (88-89).
فلما دعا سيدنا موسى بهذا أمره الله بالذهاب لمجمع البحرين وهنالك تجتمع بعبد علّمه تعالى من لدنه علماً يدلّك على عنايتي بعبادي وحكمتي بخلقي.
فقال لفتاه: {..لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا}: طول دهري، عمري كله. وهكذا الصادق يطلب العلم ولو بالصين، العلم هذا العلم: معرفة مراد الله في خلقه.
61- {فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا..}: لما وصلا لهذا الموضع نسي فتاهُ الحوتَ. لما قاما وثب الحوت وصار في البحر فرآه الفتى ولم يره سيدنا موسى، وكان الله تعالى قد بيّن لموسى صلى الله عليه وسلم أنه سيجعل له علامة على الموضع {..فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا}: أحيي الحوت ونزل إلى البحر، سرب الحوت في البحر.
62- {فَلَمَّا جَاوَزَا..} موسى عليه السلام وفتاه عن الموضع المطلوب {..قَالَ لِفَتَاهُ آَتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا}: تعباً.
63- {قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ..}: أن أذكر لك الحوت "أن أذكر لك قصته" {..وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ..} أن أذكر لك القصة {..وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا} ولكن عجباً كيف سرب!
عجباً: متعجباً من نسيانه وكيف دخل عليه الشيطان.
64- {قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ..}: وكان تعالى أخبره من قبل أن هذه علامة المكان الذي سيوجد فيه العبد. (ذلك ما كنا نبغ): هذا النسيان.
{..فَارْتَدَّا عَلَى آَثَارِهِمَا قَصَصًا}: رجع بعد أن وجد ما أخبره الله من آية. فرجعا على نفس الطريق يقصَّان أثره.
65- {فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا..} وهو الخضر صلى الله عليه وسلم.
{..آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا}: غير علم سيدنا موسى عليه السلام، سيدنا موسى علمه علم التشريع دلالة الخلق على الله. هذا العبد الصالح علمه غدا بمراد الله من فعله.
92- {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا}.
93- {حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا..}: وصل إلى أمة الصين التي كانت في ذلك العصر في أوج الحضارة والفساد والمجون فلم يجدها تفهم عليه القول الحق {..لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا}: لا يعون كلام الحق أبداً فكرهم منصرف بالكلية للدنيا لا يستطيعون التحوّل عنها، بميلهم للدنيا لم يفقهوا عليه شيئاً، كانوا أهل حضارة مائلين للدنيا.
94- {قَالُوا..} قال الأولون "قوم منهم مؤمنون" {..يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ..} الفاسد والمفسود: الآج والمأجوج بنار الترف وزينة الدنيا. مفسدون: لترفهم. إن هؤلاء الذين لا يفقهون قولاً يبعثون الفساد فينا بعملهم نحن لا نريد الصلات بيننا {..فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا..} مالاً {..عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا} لعله كان بينهم وادياً فروق وأقام فيه سداً منيعاً يصعب تخطيه.
95- {قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ..} من مالكم كله. ما ملكني من الأمر وما أعطاني لا يوازي ما ستعطوني فلست أريد منكم شيئاً {..فَأَعِينُونِي..} ساعدوني {..بِقُوَّةٍ..} وإنما أعينوني بقوتكم {..أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا} سداً لأحجز بينكم وبينهم.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
سيدي الفاضل أرجو الإجابة على السؤال التالي ولكم جزيل الشكر:
لماذا تكررت كلمة الناس بسورة الناس ثلاث مرات بالثلاث آيات الأولى؟
أرجو التوسع إن أمكن شاكرين حرصكم واهتمامكم.
سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم عن المنبع الذي استقى منه هذه العلوم والمكرمات جميعها، فقال له تعالى:
قل لهم {..أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} أي: دلّهم عن المنبع الذي استقيت منه ذلك، وقل لهم آمنت واعتززت أنا برب الناس بالخالق، وغيري استعاذ بالمخلوق، فهل يعطي المخلوق كما يعطي الخالق؟! آمنت به فأعطاني ما أعطاني، وأنتم آمنوا به لكي يعطيكم كما أعطاني.
هذا سبب ذكر (الناس) لأول مرة.
لكنَّهم قالوا له هذا الرب غير عادل، أي: ظالم، لأن هناك تمايز وظلم بين المخلوقات، أي: بين غني وفقير، ومريض وصحيح، فقال له تعالى:
قل لهم، أي: بيِّن لهم أنه تعالى: {مَلِكِ النَّاسِ}: فلا ظلم ولا هضم في ملكه، وكل ما يجري هو خير بخير، لمن أعزّه ولمن أذلّه، ولمن أعطاه ولمن منعه، بيده نواصيهم، فلا يستطيع أحد أن يظلم أحداً.
قالوا: طالما أنه ملكهم، فلِمَ لا يُدخلهم الجنة جميعاً. فأجابهم: بأنه منحهم حرية الاختيار لينالوا بدل الجنة جنات بناءً على طلبهم، وعاهدوه على السير بنوره، ولكنهم خالفوا العهد فوقعوا فيما وقعوا فيه، فاقتضى علاجهم لإعادتهم إلى جناتهم، إذ ملَّكهم حرية التصرف والاختيار فخالفوا العهد ووقعوا، وإذا كان أب وعنده ابن وقد وقع ألا يسعفه؟ هل يتركه ويتخلى عنه؟! كلا يا أخي، ولو أنك اطلعت على مقدمة كتاب عصمة الأنبياء تجد الجواب واضحاً:
الله لم يخلقنا إلا للسعادة وللجنات لو وفّينا بما عاهدنا عليه، وحينما خالفنا العهد وخنَّا الأمانة وحلت بنا الآفات بعث لنا الشدائد، ليشدنا للرجوع عن طريق الغي، ولننال ما أعدّه الله لنا من خيرات وجنات، فإذا عدنا إليه بهذه الشدائد والتجأنا إليه واستنرنا ورأينا خيرنا من شرنا واخترنا هذه الخيرات، لن ننال إلا المكاسب والنعيم المقيم والرقي.
وطالما نحن تعهدنا، وهو {إلۤه الناس}، أي: صاحب الحول والقوة من نؤول إليه، منحنا الاختيار ونحن لنا الوفاء باختيارنا أو عدم الوفاء، ولا نخلص من هذه الشدائد إلا بالتجائنا إليه لنستنير بنوره، عندها نكون قد نجحنا بحمل الأمانة.
هذا جواب السؤال بشكل موجز، ولك التفصيل والإيضاح كما طلبت، فنقول:
تعجب وأعجب ويعجب الناس في كل مكان، وقديماً تعجبت قريش ومن جاورها من الأقوام ومن تلاها من الأمم والشعوب والأجيال: من أين جاء هذا الرجل المدعو (محمد) عليه أفضل الصلاة وأسنى السلام بما جاء به من المعجزات الفردية الكبرى؟! يفوق بشجاعته الصناديد والأبطال، ويبذُّ برأيه الثاقب وحسن تدبّره الأمور أعظم الساسة وأكبر الحكماء.
من أين جاء هذا الرجل العظيم بهذه الحكمة البالغة، والقلب الثابت، والشجاعة الرائعة، والجأش الرابط، والكمال الذي لا يدانيه فيه مدان ولا يدرك شأوه إنسان؟! ومن أين جاء بكلام تعجز البشرية عن الإتيان بجملة واحدة من جمله؟! هو شخص وهم أشخاص! فكيف أتى بما يعجزون جميعاً عن الإتيان بشيء منه؟! وهو الذي نشأ في أرض مقفرة لا أثر فيها لمعهد من معاهد العلم، وفي جو لا مدارس فيه ولا علماء.
فتسأل وأسأل ويسأل الناس في كل زمان: ما هو المنهل الذي استقى منه هذا الإنسان العظيم جميع تلك المكرمات، وذلك العلم الغزير الذي لا ينضب والذي تتضاءل أمامه جميع علوم البشر.
هنالك أمره تعالى بإجابتهم عن حيرتهم وسؤالهم بقوله الكريم:
{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ}: أي: دلَّهم وبيِّن لهم ليبطل عجبهم، فأنت اعتززت بالخالق وآمنت به واعتصمت به، فأعطاك ما أعطاك وعلَّمك ما علَّمك. بيِّن لهم عن المصدر العالي والمنهل السامي الذي استقت منه نفسك الشريفة ما استقت، فنلت من المكرمات فوق وأعظم ما ناله مخلوق على وجه الأرض.
قل لهم: إنَّ غيري اعتزَّ بالمخلوق، واعتززتُ بالخالق، فهل يُقارن عطاء الخالق بعطاء المخلوق؟! اعتصمَ بمن لا يملك شيئاً إلا ما يُمَلِّكُهُ الله، واعتصمتُ والتجأتُ بمن بيده مقاليد السموات العلى والأرض، الذي منحكم الأبصار والأسماع والأدمغة والأفئدة، فالتفتوا ببصائركم وقلوبكم ونفوسكم إليه يعطيكم كما يعطيني، وبهذا الكون وبأنفسكم إن فكَّرتم ودققتم وصدقتم بطلب الهدى هداكم إلى الممد وإلى رب الناس.
فسألوه: إنَّ رب الناس غير عادل، فلطالما أنه يمدُّ جميع الناس، فلِمَ هذا التفاوت والاختلاف؟ فهو يخلق القوي والضعيف، والغني والفقير، والصحيح والعليل، وأناس تنعم بالقصور وآخرون يقطنون بأشباه القبور، وأمم قوية متسلطة حاكمة وشعوب ضعيفة محكومة، يتضورون جوعاً لا يجدون مضغة يلوكونها ولا جرعة يشربونها سوى القليل النذر، وشعوب ظالمة يتقلَّبون بلذيذ المعاش وينعمون بالحلو من الحياة والرخاء على حساب شقاء وآلام وجوع الآخرين من يسلبونهم لقمة عيشهم. فلِمَ هذا الظلم وهذا التفاوت في الطبقات، وهذا التباين والاختلاف بين ظالمٍ ومظلومٍ، وحاكمٍ ومحكومٍ، وسيدٍ مستبد وعبدٍ رقيق؟ طالما رب الناس فلِمَ لا يُمدهم بالعدل والقسط إمداداً واحداً ليتحقق التساوي والعدل؟! وإلا فهو غير عادل وظالم.
وللجواب على اعتراضهم قال تعالى لرسوله:
بيِّن لهم ودلَّهم أنَّ الله عزَّ وجلّ في الأصل عندما خلق الأنفس في عالم الأزل، وعندما كان الناس جميعاً نفوساً مجرَّدة فكانوا سواسيّة، فلا ملك ولا عبد ولا سيّد ولا رقيق، بل كلهم يستمدّون إمداداً واحداً، وهكذا فكانوا على سويّة واحدة كأسنان المشط، ولكنَّهم هم الذي غيَّروا فوقعوا وخالفوا العهد فنكسوا ومرضوا نفسياً، فلزم الدواء المر والعلاج الجسدي لهم ليشفوا نفسياً، فكان هذا التمايز الذي يرونه، ولكنَّ مصدره ليس من الله بل لله العدل المطلق، إنما منشأه من لدن هذا الإنسان ذاته عندما خالف وغيّر، أما الله فهو: {مَلِكِ النَّاسِ}، ولا ظلم ولا هضم في ملكه أبداً، بيده نواصيهم فلا يستطيع القوي أن يعتدي على الضعيف، إلا إن سبق واعتدى الضعيف على الأضعف منه، عندها يُطلق الله القوي عليه ليذوق طعم ظلمه فيرتدع ويكفّ عن عدوانه على من هو أضعف منه، كذا هناك غني وفقير ومترف ومعوز ولكنها دروس وعبر، إذ يعطي كلاً بحسب ما يناسبه ويلائمه، وكذا السعادة ملكه تعالى وبيده. فالمادة لا تجلب السعادة، وخذ من الدنيا ما شئت وخذ بقدره همّاً، كم جلبت الدنيا لأصحابها من بليّات ومخزيات (اللهم اجعل رزق آل محمد كفافاً).
فقالوا: طالما أن الله ملك الناس بيده مقاليدهم، فلِمَ لا يُدخلهم جميعاً إلى الجنات؟ ولِمَ النار والعذاب وهو الرحمن الرحيم؟ فقال تعالى: قل لهم {إِلۤهِ النَّاسِ}: إذ منحهم الإطلاق وحرية التصرف والاختيار، ومنحهم الجنات اختياراً ولم يجبرهم إجباراً، وقد طلبوا التكليف والتشريف على سائر الخلائق والكائنات، بدخولهم إلى مدرسة الدنيا، فيعملون الصالحات وينالون بها الجنات، فلهم الاختيار والله كريم بيده التنفيذ والحول والقوة، وهذه الحياة الدنيا مدرسة، المجتهد فيها للحق والخير والصالح من الأعمال ينال، فتسييرهم بحسب صدقهم أو عكسه عائدٌ للإلۤه الذي يؤول إليه تنفيذ طلباتهم ولهم أو عليهم خيرها أو مسؤوليتها، فاختر طريق الحق تنل كل الخيرات، فعليك مسؤولية الاختيار وعلى الله التسيير والتنفيذ.
{إِلَهِ النَّاسِ}: يؤول إليه تعالى تسييرهم بحسب اختيارهم.
السلام عليكم
ما الفرق بين اللوائح والتوراة؟ الوارد ذكرها في القرآن الكريم؟
عفواً لقد ذكر تعالى الألواح لا اللوائح والتوراة.
التوراة:
هو الكتاب السماوي الذي نزل على قلب سيدنا موسى عليه السلام برمضان وطُبعت في نفسه الشريفة حقائقه من الله ومشاهداته وظهرت للصادقين، ومعنى لفظ التوراة: أي على التو رأى معانيها وشاهد أسماء الله الحسنى بالصدق، أي متى توجه المؤمن تجاه سيدنا موسى عليه السلام أو أي رسول وقدّره وعظّمه أو تعلقت بهذا الرسول نفسه رأى من الحقائق المطبوعة في نفسه أنها كلها ضمن الحكمة ورأى عظمة الله وجلاله... وذلك بلحظة وعلى التو بالتقدير وكمثال على ذلك السحرة الذين رأوا الآخرة وأحوال أهل الجنة وأحوال أهل النار بلمح البصر وبمجرد تقديرهم لرسول الله سيدنا موسى عليه السلام.
أما الألواح:
أي ما لاح في نفسه الشريفة من آيات وسور يوماً بعد يوم وسورة بعد سورة وآية إثر آية، فهي قضايا وحقائق تلوح على ألواح صدره الشريف وبجمعها كلها تتم التوراة وهي كالقرآن كلام الله وبيانه العظيم.
التوراة هي معاني كلام الله وحدوده وطريق سير البشرية والحياة لنوال الجنات والمكرمات انطبعت في ألواح صدره الشريف في هذه الدنيا.
استمع مباشرة:












