تأويل جزء عمّ
سلسلة تأويل القرآن العظيم
(أنوار التنزيل وحقائق التأويل)
المجلد التاسع (جزء عمّ)
- للعلامة الإنساني الجليل محمد أمين شيخو قدس سره
- جمع وتحقيق: الأستاذ المربي عبد القادر يحيى الشهير بالديراني
لمحة عن الكتاب
تأويل آيات جزء عمّ ببلاغة سامية لا يطار لها بجناح على ما فيها من البساطة في التعبير، من الاسلوب السهل الممتنع جاءت لترقى بالإنسانية إلى أفق سام آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر حاثة على الفضائل والمكرمات وتقبّح الرذائل والأوهام تدعو الإنسان للأخوة والموّدة في القربى لإخوانهم بالبشرية بل الإحسان للخلق كافّة فيكون الإنسان أخاً محبّاً للإنسان،رسم خطة النجاح الحقيقي والفلاح الدائم والسلام وطريق السلوك القويم الذي سلكه كافة الرسل والأنبياء وصحب النبيّ صلى الله عليه وسلم الذين سادوا القارّات الثلاث آنذاك ونقلوا به روحانية الرسول صلى الله عليه و سلم لكافة شعوب الأرض والتي تنقلهم للجنّات،آيات جزء عمّ، كل من صدر بالتفكير بهذه الآيات الكونية التي أشارت إليها غدا عالماً حكيماً يرد شهود حقائق شهادة لا إله إله إلا الله، فبها مواد مدرسة عظمى بها درس أبونا إبراهيم عليه السلام فصار عظيماً وغدا أبا الأنبياء، وبها درس كافة الرسل و الأنبياء، وهو العلم المطلوب {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} سورة محمد، الآية 19.
وكفى بالمرء علماً أن يخشى الله. بعث الله رسله لعباده ليذكّروهم بنعمه سبحانه وتعالى ويبلّغوهم عظيم قوله وجليل دعوته فأثاروا فيهم خامد تفكيرهم وأروهم آيات المقدرة من سماء مرفوعة وأرض مفروشة موضوعة ، ومعايش تحييهم وآجال تفنيهم، بآيات جزء عمّ بحثاً وتحقيقاً وتدقيقاً يوصل المرء إلى العلم بلا إله إلا الله ويكون الرسل له حجة له لا عليه إذ أثمر بعد أن أُنذر.
الصيغ المتوفرة:
هذا الكتاب متوفر بعدة صيغ: كتاب إلكتروني، صوتي، وورقي
كتاب إلكتروني:
معلومات الكتاب الإلكتروني
- الكتاب الإلكتروني بصيغة PDF، ePUB.
- الكتاب الإلكتروني مجاني.
- روابط التحميل تظهر لكم بعد تقديم الطلب.
- الكتاب متوفر على منصات غوغل بلاي، أبل ستور، أمازون.

كتاب صوتي:
معلومات الكتاب الصوتي
- الكتاب الصوتي بصيغة MP3.
- الكتاب الصوتي مجاني.
- روابط التحميل تظهر لكم بعد تقديم الطلب.
- الكتاب متوفر بشكل صوتي ومجاني في موقعنا، ومتوفر أيضاً في مواقع الكتب الصوتية العالمية الشهيرة.

كتاب ورقي:
معلومات الكتاب الورقي
- الكتاب الورقي متوفر للشراء من موقع الأمازون وشركائه، في أنحاء العالم.

أسئلة متعلقة بتأويل القرآن الكريم
ورد في كتاب تأويل جزء عمّ في تأويل سورة الانشقاق الآية 24 ((ومثل الكافرين ذوي العلل النفسية عندما يُبشَّرون بدخول النار كمثل فقير مريض، فإذا أنت سعيت له بالدخول في المستشفى ووفقت في سعيك ثم بيَّنت له ذلك فيكون بيانك بشرى سارّة له، لأن دخوله المستشفى سيباعد عنه ما هو فيه)). ندرك مما سبق أن بشرى الكافرين بدخول النار بشرى سارة في حين لو عدنا إلى قوله تعالى : {يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَّحْجُورا} الفرقان 22 نلاحظ أنه لا بشرى للمجرم. كيف لنا بالموافقة بين ذلك؟ نرجو الرد وجزاكم الله عنا كل خير.
أخي الكريم لقد شرحت الآيات بغير مواضعها فآية: {..لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ..} تتضمن حينما يرون الملائكة وهذا يحدث عند الموت وبما أنهم ليس لهم أعمال تؤهلهم لدخول الجنّة يقولون: {..حِجْراً مَّحْجُوراً}. أما الآية الكريمة التي استشهدت أخي الكريم بها (ذات البشارة) ينطبق عليها الحديث: «إن العار ليلزم المرء يوم القيامة حتى يقول يا رب لإرسالك بي إلى النار أيسر علي مما ألقى وإنه ليعلم ما فيها من شدة العذاب»، وأيضاً حديث: «والذي نفسي بيده إنَّ العار من ابن آدم ليبلغُ في المقام بين يدي الله، حتى يتمنَّى أن يُصْرَفَ ولو إلى النار»، والآية الكريمة من سورة الحاقة: {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ}: تبيّن ذلك العار الذي يصل إليه ذلك المعرِض أمام العالمين جميعهم لذا يتطلب النار(المستشفى) للخلاص من هذا العار والخزي. وفي آية كريمة أخرى يدعو سيدنا إبراهيم عليه السلام ربّه: {وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ} [الشعراء : 87]، ليعرّفنا بذلك الخزي العظيم الذي يلبس المجرمين يوم القيامة. فالآية الكريمة التي تفضلت بالسؤال عنها و التي تبين أنه (لا بشرى للمجرمين)، فهي تتحدث عن ساعة الوفاة وقد يكون بين وقوع الآيتين آلاف السنين كمن توفي من الأقوام السابقة كقوم نوح وعاد و ثمود، فكل واحد منهم ممن لم يؤمن بالله: {يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ..} ساعة الموت لقبض روحه، {..لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَّحْجُوراً} سورة الفرقان /22/. أي يلتمسون ملجأً مهما حقر، يصبح يتطلب أن يحجب عنهم يقول: استروني بمكان لا أحد يراني.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أما بعد: أستاذي الكريم سؤالي: ما هو مدلول لفظ كلمة (-اشتعل- الرأس شيبا)؟! لم جاءت بلفظ اشتعل، لِمَ لَم تأتِ (شيّب) أو امتلأ أو أصبح؟ فقد ذُكر عن الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم قوله: (شيبتني عاد) فقد ذكر كلمة شيبتني ولم يقل اشتعل رأسي! أفيدونا مما علمكم الله جزاكم الله عنا كل خير.
كما قال ابن جني في فقه اللغة العربية: أن أصل الكلمة في اللغة العربية من حرفين وما زاد في المبنى زاد بالمعنى. فعلى حسب هذه القاعدة يكون معنى كلمة اشتعل مأخوذ من كلمتي شعَّ وعلا. وأعلى شيء بالإنسان رأسه.
أي: يشع الرأس بالبياض.
قال الله تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ)
التأويل:
يرى الإنسان ساعة الموت تفريطه ويرى أعماله وكيف ضيَّع هذه الدنيا الثمينة باللهو واللعب والشهوات المهلكة، فلا يطلب إلا الرجوع إلى الدنيا ليتلافى تقصيره ويعمل الصالحات، ولكنَّ الله يعلم كذبَه لأنه كم وكم أرسل له في دنياه من شدائد ومصائب ولحظة الشدة يتوب ويعاهد على الاستقامة والطاعة وفي الرخاء ينكث عهده ويخالف وعده ويعود إلى عصيانه، لذلك يحذِّرنا الله من هذه الساعة التي لا يفيد وقتها الندم فيقول تعالى: {حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُون}: هكذا يفعل هذا الإنسان، أهكذا حالتهم ساعتها! لِمَ لا ترجع بالرخاء والإكرام؟!
{لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحا ًفِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا..}: ساعتها لا رجعة، إن لم تنل الآن خسرت. {..إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا..}: عند الموت يصحو الإنسان لكن المسكين ضيَّع الفرصة. {..وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ..}: العذاب من ساعة الموت حتى القيامة. {..إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}: ليوم البعث.
قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا...وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلّا الْفَاسِقِينَ}
الآية واضحة لكن أشكل فهم ما فوق البعوضة ما هو؟
لم أجد تأويل الآية ومن واجبي أوضح الأمر للمسلمين.
ألا تتفق معي يا شيخ أن ما فوق البعوضة هي السماء بما فيها من شمس وقمر ونجوم؟
هذا هو المعنى الصحيح وليس كما ادعى أعداء الله المنافقون أنها حشرة على ظهر البعوضة حشرهم الله في نار جهنم آمين.
أشارت الآية الكريمة في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَـذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلّا الْفَاسِقِينَ}.
والمثل هو أن يضع المربِّي أمام الإنسان شيئاً أو أن يذكر له قصة أو حادثاً فيه بيان وعبرة، فإذا أمعن الإنسان التفكير في هذا المثل ودقَّق فيه ورأى ما فيه من عبرة توصَّل إلى ما انطوى عليه هذا المثل من موعظة.
وقد بدأ تعالى هذه الآية الكريمة بكلمة:
{إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْىِ أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً..}: لا يمتنع عن البيان لأنه ضمن الحق، إن كان المثل عن صغيرة أو كبيرة.
{..مَا بَعُوضَةً..}: لما فيها من الخيرات. {..فَمَا فَوْقَهَا..}: أي الحشرات أو الحيوانات من جنس الأحياء مهما صغر لا الجمادات ليبين لك أنه تعالى رحيم بك عطوف عليك. وهو لا يستحي أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها، لأنه بهذا المثل إنما يريد سعادتك ونقلك من حال إلى حال.
وقد ذكر تعالى كلمة (بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا) ليبيِّن لك أن البعوضة وهي تلك الحشرة التي هي أصغر من الذبابة جسماً إنما فيها من الآيات الدالة على الخالق وعلمه وحكمته وعظيم صنعه وقدرته ما يستدعي انتباه المنتبه ويجتذب نظر الناظر.
وتقريباً لهذا المعنى الوارد في الآية الكريمة وزيادة في الإيضاح نضرب المثل الآتي فنقول:
قد يصف الطبيب لرجل دواء على شكل حبوب صغيرة لا يتجاوز حجم الواحدة منها حبة البرغل وتراه لا يستحي أن يصف لمريضه هذا العلاج. نعم إنه لا يستحي بذلك لِما يراه فيه من الفائدة والخير.
والناس تجاه وصفة هذا الطبيب أحد رجلين:
رجل عالم يعرف تركيب هذا الدواء وما فيه من المعالجة الناجعة لعلّة هذا المريض، لذلك تراه يقدِّر الطبيب ويعلم أن هذه الوصفة كلها نفع وخير.
ورجل جاهل ينظر إلى صورة العلاج وحجمه فيستخف به ويقول ما فائدة هذه الحبّة الصغيرة وما تأثيرها في علاج هذا المرض الوبيل، فتراه لا يعبأ بها ولا يلقي لها بالاً وهو بسبب ذلك الاستخفاف يتباعد عن هذا الطبيب ولا يستفيد منه في شيء فتتفاقم به أمراضه وتتراكب عليه علله، فمن حال إلى حال أسوأ ومن رديء إلى أردأ.
إن هذا المثل الذي ضربناه يوضِّح لك هذه الآية التي نحن بصددها أحسن توضيح. فالله لا يستحي أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها.
{..فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا..}: حقاً. {..فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ..}: يرى أن هذا الكلام كله حق، كل واحد بحسب إيمانه يفهم، يرون ما فيها. كل إنسان بحسب إيمانه يفهم، الحق لا يُرى إلّا من طريق التربية. فسيدنا إبراهيم وسيدنا محمد عليهما الصلاة والسلام وكافة الرسل عن طريق التربية اهتدوا.
فأما الذين آمنوا بلا إلۤه إلّا الله ورأوا أن الكون كله إنما تشرف عليه تلك الإرادة العليا وتصرِّفه تلك اليد العظيمة القديرة. هؤلاء الذين عرفوا جلال الله وخضعت نفوسهم لما شاهدته من عظمة الله تراهم إذا ضرب الله تعالى مثلاً بعوضة فما فوقها رأوا في هذا المثل من الخير وعلموا أنه الحق من ربِّهم.
وعلى هذا فما قيل عن الحشرة التي على ظهر البعوضة كلام مرفوض لا منطق فيه ولا معنى، فالله يضرب المثل بالعين المجردة ولا يطلب منا المجاهر لفهم كلامه الواضح لا سيما المثل الذي ضربه لكل إنسان دبَّ على وجه البسيطة.
{..وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَـذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ..}: يضل به بما يسوقه له من بلاء. {..كَثِيراً..}: عن كثير مما في نفسه من الشهوات الكامنة فيها. هذا الذي قال هذا القول ماذا يسوق له تعالى، بلاءً يحوِّله عن كثير من موبقات كان سيقع بها، يضلُّهم ليخرج ما فيهم إذ أنهم أضلُّوا أنفسهم ولهم الاختيار.
إذن: بإنكاره لهذا المثل يقع بشهوة واحدة تشغله، يستغرق بها وبعدها يسلِّط عليه الشدائد والمصائب والفقر و..و.. وبذلك وبهذا العلاج بعدها إن رجع وأناب انمحت من نفسه مئات من الشهوات، فبخروج شهوة واحدة يبعده تعالى عن كثير من الشهوات.
وأما الذين كفروا وانصرفت نفوسهم إلى الدنيا وزينتها معرضة عن الله تراهم بسبب عمي بصائرهم الناشئ عن فسقهم وعدم استنارتهم بنور الله لا يرون ما في ذلك المثل من الخير كما لا يقدِّر المريض الجاهل ما وصفه له الطبيب من علاج فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلاً.
وهكذا فالمؤمن بلا إلۤه إلا الله يغدو بصيراً مشاهداً يشاهد بنور الله فيستعظم الأمثال التي يضربها الله تعالى ويقدِّر كلامه. والكافر الفاسق أعمى محجوب إذا سمع من آيات الله شيئاً اتَّخذها هزواً، مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع.
{وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلاَ الظُّلُمَاتُ وَلاَ النُّورُ * وَلاَ الظِّلُّ وَلاَ الْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلاَ الأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ} سورة فاطر (19-22).
وتوسُّعاً بالإيضاح ولعلَّك تقول:
ما المراد من كلمة {..يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً..} الواردة في الآية الكريمة التي نحن بصددها؟ وما دام الله تعالى رحيماً بعباده ولا يرضى لعباده الكفر فكيف يضل بهذا المثل كثيراً؟ فنقول:
هذه النقطة الهامة كانت موضع أخذ ورَدْ في قرون مضت، وقد ضلَّ بسبب عدم فهمها أناس كثيرون، وتزندق آخرون.
إذن: بما أن الإنسان بإعراضه عن خالقه تمتلئ نفسه بالخبث والشهوات المنحطة، لذلك تقضي الرحمة الإلۤهية بمعالجة هذا المريض ويكون هذا المثل الذي يضربه الله تعالى وسيلة وواسطة لهذه المعالجة. فهذا المعرض بسماعه المثل يستخف قائلاً:
{..مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً..}؟ ويسوق له قول الإثم هذا بالاستخفاف والاستهزاء بقوله: {..مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً..}: العلاج المناسب من الله تعالى على هذا القول، فينزل الله به مرضاً أو شدة من الشدائد التي فيها ضغط أليم على النفس، ومن الملاحظ أن كل إنسان إذا نزلت به مصيبة أو حاقت به شدة عظيمة أو مرض مؤلم تنكسر نفسه وتراه بهذه المصيبة قد انشغلت نفسه عن كل شيء حتى أنه ليغيب بألمه عن كل شهوة. ذلك ما توحيه لنا كلمة: {..يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً..}: أي: إنه تعالى بهذا المثل وما يعقبه من المعالجة على الاستخفاف وقول الإثم يخفي ويستر عنه كثيراً من الشهوات الكامنة في نفسه، وإن شئت فقل: يضل هذا الكافر عن كثير مما في نفسه من شهوات خبيثة فلا يعود يفكِّر بها ولا يراها.
هذا هو معنى الإضلال من الله في حق الكافر، إنما تتمثَّل لك فيه الرحمة والرأفة الإلۤهية كما يتمثَّل لك الفضل والإحسان الإلۤهي.
فالكافر إذن يضلّه الله ضلالة واحدة ليُخرج من نفسه الخبث وينظِّفها من كثير من الخبائث فلا يُريه ما وراءه: «حُبُّك الشيء يُعمي ويُصمُّ» أخرجه أبو داود عن أبي الدرداء مسند الإمام أحمد ج 5 ص 194.
{..وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً..}: المؤمن الذي آمن يهديه لكثير من الخيرات. لينال ما تأهَّل له. المؤمن عرف أن السعادة من طريق المربِّي فاهتدى وكسب كثيراً.
المؤمن الذي آمن بالله ينكشف له بذلك النور الإلۤهي الذي أنار نفسه المقبلة على الله ما في هذا المثل من الخير، وبهذه الرؤية يزداد تقديراً لخالقه وحبّاً به، وهذا التقدير والحب يدفعه إلى العمل الصالح الذي يزيد إقباله واستنارته وبذلك يزداد رؤية وهدى ويرتقي من درجة إلى درجة أعلى ويزيد الله الذين اهتدوا هدى.
وهكذا فهذا المثل الذي يضربه تعالى إنما هو بآن واحد مفيد للطرفين:
فهو تعالى يضل به عن نفس هذا الكافر كثيراً من الشهوات الخبيثة حينما يعالجه عن عمل خبيث سيِّئ فإن تاب ثم أناب إلى الحق واستسلم إليه «والإسلام يجبُّ ما قبله»، نعم إنَّه انشغل عن الشهوات الأخرى بالعقاب الشديد عن ذنب واحد اقترفه ثم رجع للحق بنفسه فمحى ما فيها من شهوات منحطة وستر هذا الإنسان منها فشفاه ومحاها ولن يراها وحسب التفصيل الذي فصَّلناه آنفاً، كما يهدي به المؤمن كثيراً ويرقِّيه من حال إلى حال أعلى، والحمد لله على كل حال.
أما كلمة {..وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلّا الْفَاسِقِينَ}: الخارجين عن طريق الحق، فهي تبيِّن لنا أن الله تعالى لا يحجب عن رؤية ما في المثل من الخير إلا الفاسقين، لأنه تعالى لو أراهم ما في المثل لما استخفوا ولما قالوا كلمة الإثم، ولما ساق الله تعالى لهم ذلك العلاج وبذلك يبقى الخبث كميناً في نفوسهم وتظل أنفسهم بذلك عرضة لازدياد المرض وتفاقم العلل.
فمن خرج عن الحق امتلأت نفسه بالرذيلة يُضله عن واحدة "أي عمَّا وراءها" حتى يقع ليؤدِّبه فلعلَّه يتوب وتطهر نفسه من مئات الأدران.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
سؤالي في سورة الواقعة: {أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ، أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ ، نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ}. ما شرح هذه الآيات الكريمة؟ وشكراً لكم.
يقول سبحانه وتعالى في سورة الواقعة: {أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ}: أَورى النار أَشعلها. فمن جعل هذه الخاصِيّةَ في النار وهي الاشتعال.
{أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ}: أول الأمر أنبت تعالى أشجاراً خضراءَ تعطيكَ الخيراتِ والثمار، وتتمتع بظلِّها الوفير ورطوبتها من الحرّ الشديد، ولما جفّت ويبست غدت وقوداً، ناراً لتستعملها للتدفئة؛ والنار فاكهة الشتاء علماً بأن المحروقات من فحم حجري، بترول "نفط" بأنواعه إنما هي مستحاثات من بقايا غابات متراكمة منذ آلاف السنين انقلبت إلى داخل الأرض فانصهرت من أثر الحرارة العالية داخل الأرض وتحولت عبر السنين إلى سوائل بترول، أو فحم حجري. إذن: أصل البترول والفحم الحجري هو أشجار خضراء.
من الذي أنشأ هذه الشجرة من ماء وتراب جعل منه أشجاراً وارفات وكلمة أنشأ مأخوذة من الإنشاء والإنشاء هو تجميع عدة عناصر ومركبات لإنشاء ما تريد فالطالب عندما يريد أن يكتب موضوع إنشاء يجمع العناصر والمفردات والتراكيب لبعضها بشكل منتظم فيكون موضوعاً إنشائياً واحداً مفهوماً متكاملاً، وكذلك إنشاء البناء: يتكوّن من إسمنت وأحجار ورمل وحديد وما إلى هنالك من مواد البناء يجمعها ببعضها لتكون المنشأة.
ونعود للآية: {أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا..}:
وبإنشاء الشجرة اشتركت النجوم بأفلاكها البعيدة، فلولا النجوم ما أكلت لقمتك، كذلك الشمس التي تحلُّ بالبروج الاثني عشر، وتستمد الاشعاعات وتعكسها على الكرة الأرضية سنويّاً، وعلى البحار والمحيطات لتتبخر مياهها والهواء الذي يحمل تلك الذرات من مياه البحر ويحمل البخار ويجمعها ببعضها لتكون غيوماً ثم يسحبها إلى بلاد بعيدة وتهطل أمطاراً فينبت من كل زوجٍ بهيج وتنمو الأشجار وتتمتع بها وتعطيك ثمارها وخيراتها حتى إذا ما استهلكت تماماً كانت لك وقوداً وحطباً تصطلي عليها وتدفع بنارها وحرها برد الشتاء القارس.
إذاً الكون كله اشترك وتضافر وتعاون لإنشاء هذه الشجرة والتي تكون بنهايتها ناراً لك {..أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ}: نحن المسيطرون على الشمس والنجوم...
من المتصرف في هذا الكون كله؟ من بيده النجوم سابحات في مجراتها؟ والكواكب في مداراتها والشمس في مسارها والقمر في منازله؟ هل لأحد يدٌ في ذلك كله؟ هل لكم أنتم أدنى تصرف بذلك كله؟! من يحرِّك البحار ويُنزل الأمطار؟! إذن هي يد الله عزّ وجلّ المتصرفة في ذلك كله والنار مسخرةٌ لخدمة الإنسان. {نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً..}: نحن جعلناها لتذكّرك بربّك وترى فضله وإحسانه وبرّه، سخّر الكون كله لسعادتك وتأمين معاشك وراحتك، فإذا فكّرت بالنار وأصلها وشجرتها تتوصل من وراء ذلك لتقدير فضل المنعم، فالله أنشأها من أجل بسطك وهنائك ولكي تتمتع بها وتنال بعد ذلك جنات بتفكيرك وإيمانك بالله وتتذكره تعالى بفضله، فالله أخرجك لهذا الوجود لكي تسعد وتنال بدل الجنة الواحدة بالأزل جنات متوالية متتالية متسامية، تنالها وذلك بأن تتعرف على من أنشأها لك وسخر الكون كله لأجلك.
لم يخرجك الله لهذا الوجود للأكل والشرب والاستغراق بشهوات الدنيا كالأنعام، فيعود عليك هذا بالنار إذا أخذت الشهوات من غير وجوهها، فهذا الطعام والشراب وتلك الأشجار لتذكّرك بربك ولم يخلقها الله لتعود عليك نيراناً كما ذكرنا، فإذا نالها المرء بالتعدي والمكر والخداع والظلم عادت عليه ناراً يوم القيامة.
أما في الدنيا لا يراها لعمى بصيرته وعدم إيمانه، ومن هنا جاءت كلمة (تورون) بمعنى: تخفون، تقول: توارى المرء عن الأنظار، أي: اختفى. وفي الآية: {..حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ} سورة ص: الآية (32): أي اختفت. والبعيد عن الله بأكل الحرام إنما يأكل ناراً جهنمية ويخفيها في داخله ويوم القيامة تشتعل فيه قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً..} سورة النساء: الآية (10).
إذن: الله خلقها لرقيك وسعادتك ولنيل الجنات. {..وَمَتَاعًا..}: تتمتع بها في الدنيا بأكلك تتمتع وإذا كان المرء مؤمناً أكله يختلف عن أكل باقي الناس، إذ يأكل ويروح بسياحات قلبية يتوصل بأكله للمنعم المتفضل ويتذكر ربه الكريم فيعيش بجنات وهو في الدنيا. إذاً الله لم ينشئ هذه الشجرة لتحرقك وتحرمك جناتك، بل خلقها وأنشأها لتتمتع بها نفساً وجسماً وتنال بدل الجنة جنات.
{..وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ}: ينال الجنات من كان للتقوى طالباً، ويتّخذ ما في الدنيا مطية ووسيلة لبلوغ رضاء الله وطاعته فيتقوَّى بالأكل والشرب على الطاعات، ومن الدعاء المأثور إذا أراد الإنسان المؤمن أن يشتري طعاماً يدعو: (اللهم اجعله قوة لطاعتك ووهناً لمعصيتك).
استمع مباشرة:









