تأويل جزء عمّ
سلسلة تأويل القرآن العظيم
(أنوار التنزيل وحقائق التأويل)
المجلد التاسع (جزء عمّ)
- للعلامة الإنساني الجليل محمد أمين شيخو قدس سره
- جمع وتحقيق: الأستاذ المربي عبد القادر يحيى الشهير بالديراني
لمحة عن الكتاب
تأويل آيات جزء عمّ ببلاغة سامية لا يطار لها بجناح على ما فيها من البساطة في التعبير، من الاسلوب السهل الممتنع جاءت لترقى بالإنسانية إلى أفق سام آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر حاثة على الفضائل والمكرمات وتقبّح الرذائل والأوهام تدعو الإنسان للأخوة والموّدة في القربى لإخوانهم بالبشرية بل الإحسان للخلق كافّة فيكون الإنسان أخاً محبّاً للإنسان،رسم خطة النجاح الحقيقي والفلاح الدائم والسلام وطريق السلوك القويم الذي سلكه كافة الرسل والأنبياء وصحب النبيّ صلى الله عليه وسلم الذين سادوا القارّات الثلاث آنذاك ونقلوا به روحانية الرسول صلى الله عليه و سلم لكافة شعوب الأرض والتي تنقلهم للجنّات،آيات جزء عمّ، كل من صدر بالتفكير بهذه الآيات الكونية التي أشارت إليها غدا عالماً حكيماً يرد شهود حقائق شهادة لا إله إله إلا الله، فبها مواد مدرسة عظمى بها درس أبونا إبراهيم عليه السلام فصار عظيماً وغدا أبا الأنبياء، وبها درس كافة الرسل و الأنبياء، وهو العلم المطلوب {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} سورة محمد، الآية 19.
وكفى بالمرء علماً أن يخشى الله. بعث الله رسله لعباده ليذكّروهم بنعمه سبحانه وتعالى ويبلّغوهم عظيم قوله وجليل دعوته فأثاروا فيهم خامد تفكيرهم وأروهم آيات المقدرة من سماء مرفوعة وأرض مفروشة موضوعة ، ومعايش تحييهم وآجال تفنيهم، بآيات جزء عمّ بحثاً وتحقيقاً وتدقيقاً يوصل المرء إلى العلم بلا إله إلا الله ويكون الرسل له حجة له لا عليه إذ أثمر بعد أن أُنذر.
الصيغ المتوفرة:
هذا الكتاب متوفر بعدة صيغ: كتاب إلكتروني، صوتي، وورقي
كتاب إلكتروني:
معلومات الكتاب الإلكتروني
- الكتاب الإلكتروني بصيغة PDF، ePUB.
- الكتاب الإلكتروني مجاني.
- روابط التحميل تظهر لكم بعد تقديم الطلب.
- الكتاب متوفر على منصات غوغل بلاي، أبل ستور، أمازون.

كتاب صوتي:
معلومات الكتاب الصوتي
- الكتاب الصوتي بصيغة MP3.
- الكتاب الصوتي مجاني.
- روابط التحميل تظهر لكم بعد تقديم الطلب.
- الكتاب متوفر بشكل صوتي ومجاني في موقعنا، ومتوفر أيضاً في مواقع الكتب الصوتية العالمية الشهيرة.

كتاب ورقي:
معلومات الكتاب الورقي
- الكتاب الورقي متوفر للشراء من موقع الأمازون وشركائه، في أنحاء العالم.

أسئلة متعلقة بتأويل القرآن الكريم
تأويل الآية (6) من سورة لقمان: قال الله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ}.
التأويل: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ..}: يكرهون سماع الحق بسبب حبهم للدنيا وللمعاصي، وينسرُّون بسماع الباطل من الأحاديث. هذا البيان أنزله الله علينا لنفكِّر ونعمل به ففيه وحده السعادة ودخول الجنة وبغيره الشقاء. {..لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ..}: المعرض عن ربه يسير بغير كلام الله ليضلَّ نفسه وغيره عن طريق الحق. {..بِغَيْرِ عِلْمٍ..}: نصَّب نفسه مرشداً لغيره وهو بلا نور وليس على بصيرة من الله. {..وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً..}: لا يعبأ بكلام الله ورسوله، لأن كلام الله لا يُحقِّق لهم أهواءهم ورغائبهم المنحرفة التي توصلهم للهلاك. {..أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ}: الذل والحقارة لهم دنيا وآخرة.
وردت آيات في القرآن تدل على أن اليهود أفسدوا مرتين، نريد تفسير هذه الآيات، وهل إفسادهم انتهى بالمرتين أم يمكن أن يستمر؟
قال الله تعالى في سورة الإسراء:
{وَقَضَيْنَا..}: حكمنا وبيَّنا. {..إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ..}: إن لم تدخلوا من باب موسى عليه السلام عليَّ فلم تقدِّروا سراجكم المنير موسى عليه السلام وتسيروا ضمن أمري: {..لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ..}: إن تركتم لا إلۤه إلا الله، ملتم لغير الله، ما آمنتم بالله، ستميلون للدنيا وتجعلون الناس يميلون إليها، وسيكون هذا مصيركم (كذلك يحصل للإنسان ضيق وبكل حين، أو رؤيا مذكِّرة لعلَّه يعود ويتوب فيريه الله العلّة التي بنفسه)، إن لم ترتبطوا بموسى عليه السلام وتطبِّقوا كلامي سيحصل معكم هذا الشيء وتفسدون مرتين.
{..وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً}: حيث أن قلبهم ممتلئ بالخبث. إن تباعدتم عن الله ولم تعظِّموه ولم تدخلوا من باب موسى عليه السلام سيقع بقلبكم حب الدنيا وستعلون بها.
{فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ..}: سيكون هذا لكم، الفساد الأول لمّا تسلَّط عليهم (بختنصَّر). {..فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ..}: فجاؤوا لتأديبكم، وحصل لكم ما حصل. {..وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً}: هذا وقع بالسابق (هذا الخطاب لليهود في عهد رسول الله ﷺ، ذكَّرهم الله بما جرى لهم)، ثم بعدها تبتم ورجعتم والتجأتم، وعاهدوا فجاءهم سيدنا داوود عليه السلام.
{ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ..}: بعصر داوود عليه السلام، وانتصر سيدنا داوود على العدو ورفع الله شأنهم، فأعطيناكم مالاً وأولاداً: {وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً}: صار لكم مقامكم العالي.
الآن أرسلنا لكم محمداً ﷺ ومعه القرآن، فخاطبهم تعالى:
{إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ..}: الآن قد حصل لكم يا بني إسرائيل أولاً ما حصل، ولكن إن أحسنتم وآمنتم به، فتبتم ودخلتم من باب محمد ﷺ عليَّ حوَّلت عنكم البلاء، وخلصتكم منه. {..وَإِنْ أَسَأْتُمْ..}: ظللتم على ما أنتم عليه. {..فَلَهَا..}: ستحصل لكم الثانية. {..فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ..}: الوقعة الثانية. {..لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ..}: ستستاؤون كما حصل لكم زمن (بختنصَّر)، إذ سنرسل لكم هؤلاء المؤمنين. في المرة الأولى اليهود يغْلِبون ثم النصر حتماً للمؤمنين. {..وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً}: لا يبقون لكم أثراً بل يقطِّعونكم تقطيعاً. وهكذا فالله تعالى يرسل على الإنسان إن فسد (ضربة) فيرجع إلى الله فيعطيه الدنيا مرَّة ثانية، فإن نكل جاءه الهلاك.
أما عن سؤالك: هل إفسادهم انتهى بالمرتين أم يمكن أن يستمر؟
الجواب: فسادهم في المرة الثانية فهو ما تراه الآن أمامك من فساد اليهود في العالم بأسره، فهم سبب فساد أوروبا والعالم بأسره، وسيقضى على هذا الفساد بإذن الله حين قدوم رسول السلام السيد المسيح عليه السلام، إذ وعده الله بالنصر المؤزّر بقوله تعالى: {..وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ..} [آل عمران: 55].
ففسادهم في المرة الثانية لا يمكن أن يستمر، فقد حان وقت هلاكهم، إلا من يؤمن منهم لقوله تعالى عن سيدنا عيسى عليه السلام: {وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ..} [النساء: 159].
أستاذي الفاضل حبذا لو تكرّمتم بتأويل الآية التالية: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ} سورة محمد: الآية (19).
{فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ..}: إن السادة الأنبياء والرسل الكرام عاهدوا الله قبل مجيئهم إلى الدنيا على الأمانة وبرُّوا بعهدهم، ولم يختلفوا عنه ولم ينقطعوا عنه طرفة عين لا ليل ولا نهار، فهم في صلاة دائمية لا ينقطعون عنه أبداً يقول ﷺ: «نحن معاشر الأنبياء تنام أعيننا ولا تنام قلوبنا» فبقي لهم نورهم، والله وملائكته يصلّون عليهم لأنهم صلوات الله عليهم دائمي الوجهة إلى الله، لذلك بعثهم الله منقذين لعباده هادين للناس، يقول ﷺ: «إنما بعثت معلماً»: أي للإيمان. فيرى ﷺ الناس فيما هم فيه ويضع نفسه مكانهم، فيسلك من أجل دلالتهم على الله ليعلِّم الكيفية التي يصلون بها إلى الله تعالى تماماً كما فعل سيدنا إبراهيم العظيم حينما فكر في نشأته وتربيته، فبحث عن مربيه وتنقل في تفكيره بين الكوكب والقمر والشمس وما أن أدرك تعالى صدقه في الوصول بهذه الأصول حتى أوصله تعالى: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ} سورة الأنعام: الآية (75).
وتدل كلمة (وَكَذَلِكَ): أن هذا القانون عام كل من سلكه وصدق فيه فإن الله يريه ملكوت السماوات والأرض لأن باب الله مفتوح إليه ليريه.
إذاً كلمة: (فَاعْلَمْ) أي: اشهدْ من أجلهم، لتشهد لكلِّ من فكَّر وعقل كلمة (لا إلۤه إلا الله) بأنوارك العليَّة الموصلة بهم إلى نوري، والله نور السموات والأرض.
{..وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ..}: الاستغفار من غفر، وغفر: غطى وستر، والذنب ما علق بالنفس ولم يخرج إلى حيز العمل، لذا فمن رحمته ﷺ وحنانه وحبه لإنقاذ الخلق وهدايتهم يعلق بنفسه ممّا هم فيه، لشدّة تأثّره وحزنه عليهم، ويُمحى بنور الله، فقلبه ﷺ ليس حديداً وليس قاسياً ولكن نفسه الشريفة الطاهرة مرهفة نقية وحساسة جداً وصافية كلها حنان وحب، ومن مخالطته واحتكاكه بالناس وضمن وظيفته يعلق بنفسه منهم فينعكس عليه، ويزول باستغفاره مباشرة عنه وعنهم، فذنبه ﷺ ما علق بنفسه منهم إذ تنعكس شهواتهم على نفسه الشريفة آلاماً وضيقاً وهمّاً وحزناً، فهو ﷺ لا يستهوي إلا الكمال ولا يعشق إلا الحضرة الإلۤهية.
لذا يطلب منه تعالى أن يستغفر، أي: يقبل عليه فيغمره بتجلياته العظمى وأنواره الكبرى ليغطي ويستر عن قلبه هذه الذنوب التي علقت بنفسه ﷺ منهم وانعكست عليه ليزيلها ﷺ بالله باستغفاره.
{..وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ..}: أما استغفاره للمؤمنين وللمؤمنات فإنه ﷺ مهبط التجليات الإلۤهية فبوجهته بالنور الإلۤهي إليهم حين صلاتهم، فإنه يذهب عنهم إصرهم أي: إصرارهم على حب الدنيا الدنية، والأغلال التي كانت عليهم، أي: الشهوات الدنيئة التي ارتكبوها، وتزدان نفوسهم بالكمالات وحب الفضيلة كذا مثل الصلوات الخمس بمعيته ﷺ: «أرأيت لو كان بفناء أحدكم نهر يجري يغتسل فيه كل يوم خمس مرات، ما كان يبقى من درنه؟ قال: لا شيء. قال: فإن الصلاة تذهب الذنوب كما يذهب الماء الدرن» سنن ابن ماجه رقم /1367/. خمس لقاءات مع الرسول ﷺ بالكعبة تذهب عنهم كل ما علق بهم بوجهتهم للرسول والكعبة.
{..وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ}: لا تخفى على الله منكم خافية، فلا تشفى نفس إلا بربها وهذا هو الطريق إلى الله تعالى بالصلاة إذ فيها للمؤمن الصادق ما يغنيه عن لذائذ الدنيا الدنية وينهى نفسه عن الفحشاء والمنكر، والخيرات الباقية الدائمة للنفس تنال كلها بالصلاة: {..وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ..} سورة التوبة: الآية (103).
ما معنى أن سورة (يسٓ) هي قلب القرآن؟
وما السر فيها حتى يقرأها الناس على موتاهم في المقابر بعد دفن الميت؟
وهل قراءتها واجبة؟
1- ما معنى أن سورة "يسٓ": هي قلب القرآن؟
في مطلع سورة "يسٓ" يخصُّ الله تعالى حبيبه "رسول الله" بالنداء بـ {يـسٓ}: أي يا سالم، يا سليم من الشوائب والنواقص واصفاً إياه، يكشف كمالاته وهذه الصفات الكاملة التي خاطبه الله بها والقرآن الحكيم الذي لم يأتِ أحد بمثله متحدياً البشرية جمعاء، بل الإنس والجن ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً، هما حجتان دليلان كافيان على ممر الأزمان يشهدان أنك رسولي، يدلان أنه رسول من عند الله وسيره على الصراط المستقيم، فلم يصافح امرأة قط وما تاه عن الحق وما وقع في إثم حتى لُقِّبَ بالصادق والأمين، هذا السير كان سبباً لأن يتنزّل عليه القرآن الحكيم الذي لم يفهمه أحد مثل فهمه ولم يظهر الحكمة فيه إلا هو فصنع ما صنع، فكم وكم من نسخ للقرآن الكريم بين ظهراني المسلمين هل بلغوا شأوه أو أثراً من آثاره أو جاؤوا بمثله ولو اجتمعوا جميعاً. لا لم يبلغوا.
فكم له من المقام العظيم عند الله تعالى؟! حتى أغدق عليه لطف كلامه."إنه حبيب الله".
هذا وقد شمل مطلع هذه السورة صفات رسول الله وكمالاته وتأييد الله له برسالته وكلماته.
{وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ}: وبهذا فقد حوى لبَّ القرآن، كما أن الحياة للقلوب لا تأتي إلا من الله عزَّ وجل عن طريق رسوله الكريم وكلامه العظيم فتحيى القلوب وينال المؤمن بها الجنات.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى: فإن موقع هذه السورة في أول الربع من المصحف الشريف كما أن القلب المادي يقع في الصدر في أول الربع الأعلى من الجسم، ومن المعروف "ربع يس" في ربع القرآن الذي يبدأ بسورة يس، إذن فهي في مكانها في القرآن كما هو موقع القلب بالبدن، فهي قلب القرآن.
2- ما السر فيها حتى يقرؤها الناس على موتاهم في المقابر بعد دفن الميت؟
الجواب: بما أن كلام الله هو الحياة للنفوس والقلوب فبعد الموت تفنى الأجسام وتبقى النفس، عدم لا يكون وليس هناك إلا الله ولا فائدة إلا منه سبحانه ولا يبقى هدىً وشفاءً إلا من كلامه الرحيم، قال تعالى في سورة فصلت (44): {..قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء..}: أي "القرآن" فعند قراءة هذه السورة الكريمة وبهذا الخطاب من الله عزّ وجل لرسوله الكريم يتحرك قلب المؤمن الكامل ممن حضر الدفن ولعل أحد أعزاء الميت وأحبائه وأهله يستفيد قلبه لدى سماعه هذه الآيات وهو بهذا الصفاء إثر تأثره بموت المتوفى فتنتقل الفائدة من هذا القلب إلى قلب المتوفى، وبهذا يتم النفع له وقد يدوم ما دام ذلك المتأثر بموته تائباً آيباً إذ كان سبباً في نقله من سبل الغواية إلى سبل الهداية ويبقى هذا الخير بصحيفة المتوفى أيضاً.
3- هل قراءتها واجبة؟
الجواب: طالما أنها قد تفيد المتوفى، فحتماً تجب قراءتها إن أمكن.
كان صلى الله عليه وسلم ينظر بنظرات النبي في قومه فلا يجد لديهم أي طلب للحق ولا تطلُّب فما يأمل ولا يظن بتنزيل كلام الحق عليه لهم وكانت نظرات النبوة في محلها، مضت 13 سنة بمكة ولم يؤمنوا بل حاربوا الحق وعاندوه للموت، وكانوا قد حاولوا قتله وهيهات، وغير المتوقع الذرية والشباب الذين آمنوا فضلاً من الله العظيم وكرماً. قال تعالى: {وَمَا كُنتَ تَرْجُو أَن يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ..} سورة القصص (86).
وكافة كبار قومه قتلوا في معركة بدر وغيرها وهم الذين أنكروا رسالته ولكن الله الرحيم العظيم شهد بسورة "يس" برسالته بالأدلة الواقعية المحسوسة الملموسة وهي أخلاقه الحسنى وكلامه تعالى إليه، فهو يفهمه لا سواه وكفى بالله شهيداً. وصدق الله العظيم.
قال الله تعالى: {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} ما تفسير كلمة العظيم؟ مع العلم أن العظمة لله؟
الأخ الفاضل حفظه المولى الكريم... آمين
عندما ابتلى الله سيدنا إبراهيم بكلمات فأتمَّهن، وآخر هذه الابتلاءات وأعظمها هي أمره تعالى بذبح ابنه، فاستجاب سيدنا إبراهيم وكذا ابنه سيدنا إسماعيل عليهما السلام. استجابا للأمر دونما تردُّد، والله تعالى يقول في سورة الصافات (106): {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِينُ}. وبهذا البلاء والامتحان نجح سيدنا إبراهيم نجاحاً كبيراً ورقي رقياّ عظيماً وسما وعلا حتى غدا إمام الناس ليوم القيامة ولآخر الدوران قال تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً..} سورة البقرة (124).
إذن عندما أُمرَ بذبح ابنه فلذة كبده، وذلك عندما كبر إسماعيل عليه السلام وظهرت منه علامات النبوة، فأحبه سيدنا إبراهيم وعشقه ولكن عندما جاء الأمر من الله بأن يذبحه قال سمعاً وطاعة يا رب، وبذلك ظهر صدقه واستسلامه لله. وحبه لله فوق كل حب.
لمَّا طبَّق ذلك بالتمام نال الرسالة {..قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً..}. والآية (125) بسورة البقرة: {..وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى..} الآن أصبحت أهلاً للإمامية والرسالة وأن يأتم الناس بك، فنال ذلك المقام العالي والمنزلة السامية بتلك التضحية الكبرى فغدا إماماً للناس جميعاً، وكان القدوة المثلى لكل طالبي الإيمان، وطريقه الذي سنَّه بسلوك طريق الإيمان عن طريق التفكير بالنجم والقمر والشمس فكان منهاجاً لمن أراد الوصول للإلۤه. فكل من أراد الصلاة الصحيحة والإيمان الحق عليه أن يتخذ من مقام إبراهيم مصلىَّ.
وبهذه الصلاة الصحيحة والإيمان الحق يسري لقلب المؤمن التقي النور الإلۤهي وبه يستطيع نحر وساوس الشيطان الخناس وأن يبعده عنه وهو بالمحراب، وما كان هذا ليكون إلا باقتفاء أثر الرسول سيدنا إبراهيم عليه السلام وبمساعدته القلبية إضافة لمساعدة إمامه رسول الله ﷺ. فكل ذلك بصحيفة سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام.
والآن بالحقيقة يا أخي: أن كلامك حق: أن العظمة لله وحدَه ولا عظيم سواه، ولكن الله يمنح ويُلبس عظمته للمخلوق، كالمحيط عظيم بأعماقه ومياهه، والسماء عظيمة بأبراجها وأجرامها، ولكن هذه العظمة ليست لها وإنما يلبسها الله لها لوظيفة، فهي لله ألبسها لمخلوقاته، فمثلاً الجبل عظيم برسوخه وثباته ولكن يرجع في الآخرة هباءً منثوراً وترجع العظمة لصاحبها، فإذا ألبس الله رداء العظمة لمخلوق هابته الناس وإن سحبها فهي لله وذلَّ هذا المخلوق وذهبت عنه العظمة، وبما أن الحديث هنا عن الذبح، فلذلك حينما ظهر رسول الله ﷺ قال له تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ}: والنحر: هو الذبح، فعندما ظهر ﷺ نحر شياطين كفرة العالم إن كانوا عبَّاد النار أو مشركو روما أو العرب المرتدة للكفر، فصلى ﷺ لربه ونال مدداً منه تعالى أمدَّ به أصحابه وحطَّم شياطين الطاغوت والطغيان كلها وجعل كلمة الله هي العليا، وكذلك سيدنا إبراهيم عليه السلام بتضحيته بابنه إرضاءً لله جعله الله إماماً للناس {..قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً..}: ولم يخص أناس عن أناس فشملت الناس ليوم القيامة.
فعمله هذا صار كعمل رسول الله ﷺ ساري على البشرية كلها إلى يوم القيامة بهداية الخلق وإنقاذهم من الظلمات إلى النور والإيمان، وهذا العمل عظيم وعظيم والله ألبسه لباس العظمة، وسبحان المعطي والآخذ فالعظمة كلها لله ومن الله وبالله.
استمع مباشرة:










