تأويل جزء عمّ
سلسلة تأويل القرآن العظيم
(أنوار التنزيل وحقائق التأويل)
المجلد التاسع (جزء عمّ)
- للعلامة الإنساني الجليل محمد أمين شيخو قدس سره
- جمع وتحقيق: الأستاذ المربي عبد القادر يحيى الشهير بالديراني
لمحة عن الكتاب
تأويل آيات جزء عمّ ببلاغة سامية لا يطار لها بجناح على ما فيها من البساطة في التعبير، من الاسلوب السهل الممتنع جاءت لترقى بالإنسانية إلى أفق سام آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر حاثة على الفضائل والمكرمات وتقبّح الرذائل والأوهام تدعو الإنسان للأخوة والموّدة في القربى لإخوانهم بالبشرية بل الإحسان للخلق كافّة فيكون الإنسان أخاً محبّاً للإنسان،رسم خطة النجاح الحقيقي والفلاح الدائم والسلام وطريق السلوك القويم الذي سلكه كافة الرسل والأنبياء وصحب النبيّ صلى الله عليه وسلم الذين سادوا القارّات الثلاث آنذاك ونقلوا به روحانية الرسول صلى الله عليه و سلم لكافة شعوب الأرض والتي تنقلهم للجنّات،آيات جزء عمّ، كل من صدر بالتفكير بهذه الآيات الكونية التي أشارت إليها غدا عالماً حكيماً يرد شهود حقائق شهادة لا إله إله إلا الله، فبها مواد مدرسة عظمى بها درس أبونا إبراهيم عليه السلام فصار عظيماً وغدا أبا الأنبياء، وبها درس كافة الرسل و الأنبياء، وهو العلم المطلوب {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} سورة محمد، الآية 19.
وكفى بالمرء علماً أن يخشى الله. بعث الله رسله لعباده ليذكّروهم بنعمه سبحانه وتعالى ويبلّغوهم عظيم قوله وجليل دعوته فأثاروا فيهم خامد تفكيرهم وأروهم آيات المقدرة من سماء مرفوعة وأرض مفروشة موضوعة ، ومعايش تحييهم وآجال تفنيهم، بآيات جزء عمّ بحثاً وتحقيقاً وتدقيقاً يوصل المرء إلى العلم بلا إله إلا الله ويكون الرسل له حجة له لا عليه إذ أثمر بعد أن أُنذر.
الصيغ المتوفرة:
هذا الكتاب متوفر بعدة صيغ: كتاب إلكتروني، صوتي، وورقي
كتاب إلكتروني:
معلومات الكتاب الإلكتروني
- الكتاب الإلكتروني بصيغة PDF، ePUB.
- الكتاب الإلكتروني مجاني.
- روابط التحميل تظهر لكم بعد تقديم الطلب.
- الكتاب متوفر على منصات غوغل بلاي، أبل ستور، أمازون.

كتاب صوتي:
معلومات الكتاب الصوتي
- الكتاب الصوتي بصيغة MP3.
- الكتاب الصوتي مجاني.
- روابط التحميل تظهر لكم بعد تقديم الطلب.
- الكتاب متوفر بشكل صوتي ومجاني في موقعنا، ومتوفر أيضاً في مواقع الكتب الصوتية العالمية الشهيرة.

كتاب ورقي:
معلومات الكتاب الورقي
- الكتاب الورقي متوفر للشراء من موقع الأمازون وشركائه، في أنحاء العالم.

أسئلة متعلقة بتأويل القرآن الكريم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أستاذنا الفاضل: نرجو منكم تأويل الآيات من سورة المؤمنون من الآية 103 إلى الآية 111 مع زيادة الإيضاح في هذه النقطة: (كيف أصبح لأصحاب النار وجهة لمخاطبة الله جلَّ جلاله وهم لا يملكون أعمال صالحة)؟ ومن المعروف في سورة غافر الآية 49-50 عندما يطلب أهل النار التخفيف تذكّرهم الملائكة بالرسل ولو طلبوا عن طريق الرسل وهم لا يستطيعون لأن أعمالهم المنحطة حجاباً مانعاً لهم. أرجو منكم سيدي الفاضل التوضيح وتقبلوا منا فائق التقدير والاحترام والسلام عليكم.
هذا ليس لذيذ الخطاب من المولى، إنما توبيخ وتأنيب وتقريع لأهل النار لما جنوا من خيانة وشرور وفجور وليست مخاطبة. مخطابة المولى الكريم: ذوق ونور ونعيم لا يعدله نعيم أبداً، تسري أثناءها النفس لجنات ربها فتهيم بربها، وبالنور الساري للنفس تُمحى الخطايا وتُكتسب الكمالات والخيرات والجنات المتسامية المباركة.
تأويل آيات من سورة المؤمنون: 103- {وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ..}: ما فكر، ما صلى، ما آمن، ما عمل. {..فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ..}: سقط في النار، خلقك ليعطيك عطاءً كبيراً، لكن ترى تضييعك ساعتها. {..فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ}.
104- {تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ..}: لهيبها يشوي وجهه {..وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ}.
105- يُخاطبون: {أَلَمْ تَكُنْ آَيَاتِي..}: ذكر لك اختلاف الليل، السمع، البصر، الشمس، القمر {..تُتْلَى عَلَيْكُمْ..}: الآيات الدّالة على الله، ما سمعتم بها، أما سمعتم بمن سبق {..فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ} تنكروها ما عبأتم بها.
106- {قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا..}: شهوات الدنيا فحرمتنا من الخيرات، لكن لا يعلمون أنهم ظلموا أنفسهم، والله تعالى لم يظلمهم، فالتكذيب سببه الشهوات الدنيوية. لازم تفكر بالبداية والآخرة، عندها شهوتك رضاء الله، يفتح عليك إذ تصبح صادقاً. {..وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ}.
107- {رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا..}: الآن. لكن ما الفائدة؟ {..فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ}.
108- {قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا..}: خاسرين {..وَلَا تُكَلِّمُونِ}: ولو رجعوا لفعلوا ما فعلوا.
109- {إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ..}: لكم {..رَبَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا..}: هكذا كل مؤمن يدعو الله بأن يجعل شفاءه في دار الدنيا لا في الآخرة {..وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ}.
110- {فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا..}: سخرتم منهم {..حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي..}: هذا الاستهزاء ساقكم إلى النسيان {..وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ}: ما صار لكم ارتباط بهم فما دخلتم بمعيتهم على الله ما رأيتم كمال الله. عدم ارتباطكم بهم جعلكم مع الشيطان، فما رأيتم الكمال الإلۤهي.
111- {إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ..}: على ما فعلوا. {..بِمَا صَبَرُوا..}: على تكذيبكم ومعاندتكم. {..أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ}: بالنعيم الذي لا نهاية له.
ما الفرق في القرآن بين "فتحنا لك" و"عليك"؛ فالبعض يقول فتحنا لك في الخير وعليك في الشر؛ ولكن قول الله تعالى في سورة الأعراف (96): {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ..} ينفي زعمهم
فما الصواب في هذا الأمر؟ بارك الله فيكم.
الأخ الفاضل حفظه المولى الكريم ... آمين
{لك}: الخير. و {عليك}: مسؤولية اختيار الخطأ.
فتحنا لك: للتخصيص، هذه تخصيص للرسول، فتحنا لك لا لغيرك، وقال الله تعالى: (لك) ولم يقل (عليك) لأن الرسول هو الذي طلب من ربه، فالثواب له والله أعطاه بناءً على طلبه وصدقه فقد وقف بباب الله لذلك الله أعطاه ما أعطاه وفتح الله له.
أما كلمة عليك: يقول تعالى في سورة الأعراف (96): {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ..}: عليهم: أي من الأعلى كما هي الأمطار والخيرات تأتي من الأعلى. هذه الخيرات المادية، كذلك من الناحية المعنوية القلبية عن طريق الوسيط "صلى الله عليه وسلم" هو اليد العليا عليهم.
أما القول: (لك) للخير و (عليك) للشر. فينطبق في آخر سورة البقرة {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ..}: من أعمال الخير، ملك طابو بالآخرة. {..وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ..}: مسؤولية أعمال الشر.
في سورة سيدنا يوسف جاء في الآية الكريمة (قال نسوة). لماذا {قال نسوة} ولم يقل تعالى (قالت نسوة)؟
بارك الله فيكم ولكم وعليكم. رحم الله العلامة السيد محمد أمين شيخو وجزى الله عنا الأستاذ المربي عبد القادر الديراني خير جزاء.
القانون العام في قوله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ..} سورة النساء: الآية (34).
ولكن بزمن سيدنا يوسف وعند الأقباط كان الحكم والحلُّ والعقد بيد نسائهم، فالرجال الحكّام تحكمهم نساؤهم، وبهذا حللْنَ مقام الرجال والرجال أخذوا دور النساء.
فرغم الشهادة التي شهدها الرجل ضد امرأة العزيز وكشف العزيز خيانة زوجته وبراءة سيدنا يوسف، لم يأتِ بأيّ حركة ولم تتحرك فيه النخوة والغيرة وبقي راضخاً خانعاً لزوجته، وتمادت امرأة العزيز حتى أصدرت حكم السجن بسيدنا يوسف إذا لم يفعل ما تريده هي. وفي النتيجة بدل أن يقاصصوا المتعدِّية سجنوا البريء المتهم، كذلك بنات الوزراء ونساء المسؤولين كِدنَ ليوسف ودبّرنَ له وهن مغرمات بجمال سيدنا يوسف الطاهر، فخاف الوزراء والوجهاء على بناتهم وكل نسائهم من الكلام عليهن، لذا قرروا أن يسجنوا سيدنا يوسف ولم يستطيعوا ردَّ نسائهم عن الغي فكانوا هم كالنساء عملاً ونساؤهم حللْنَ مقام الرجال، لذلك جاءت الآية: {وَقَالَ نِسْوَةٌ..}.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
سيدي الفاضل أرجو الإجابة على السؤال التالي ولكم جزيل الشكر:
لماذا تكررت كلمة الناس بسورة الناس ثلاث مرات بالثلاث آيات الأولى؟
أرجو التوسع إن أمكن شاكرين حرصكم واهتمامكم.
سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم عن المنبع الذي استقى منه هذه العلوم والمكرمات جميعها، فقال له تعالى:
قل لهم {..أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} أي: دلّهم عن المنبع الذي استقيت منه ذلك، وقل لهم آمنت واعتززت أنا برب الناس بالخالق، وغيري استعاذ بالمخلوق، فهل يعطي المخلوق كما يعطي الخالق؟! آمنت به فأعطاني ما أعطاني، وأنتم آمنوا به لكي يعطيكم كما أعطاني.
هذا سبب ذكر (الناس) لأول مرة.
لكنَّهم قالوا له هذا الرب غير عادل، أي: ظالم، لأن هناك تمايز وظلم بين المخلوقات، أي: بين غني وفقير، ومريض وصحيح، فقال له تعالى:
قل لهم، أي: بيِّن لهم أنه تعالى: {مَلِكِ النَّاسِ}: فلا ظلم ولا هضم في ملكه، وكل ما يجري هو خير بخير، لمن أعزّه ولمن أذلّه، ولمن أعطاه ولمن منعه، بيده نواصيهم، فلا يستطيع أحد أن يظلم أحداً.
قالوا: طالما أنه ملكهم، فلِمَ لا يُدخلهم الجنة جميعاً. فأجابهم: بأنه منحهم حرية الاختيار لينالوا بدل الجنة جنات بناءً على طلبهم، وعاهدوه على السير بنوره، ولكنهم خالفوا العهد فوقعوا فيما وقعوا فيه، فاقتضى علاجهم لإعادتهم إلى جناتهم، إذ ملَّكهم حرية التصرف والاختيار فخالفوا العهد ووقعوا، وإذا كان أب وعنده ابن وقد وقع ألا يسعفه؟ هل يتركه ويتخلى عنه؟! كلا يا أخي، ولو أنك اطلعت على مقدمة كتاب عصمة الأنبياء تجد الجواب واضحاً:
الله لم يخلقنا إلا للسعادة وللجنات لو وفّينا بما عاهدنا عليه، وحينما خالفنا العهد وخنَّا الأمانة وحلت بنا الآفات بعث لنا الشدائد، ليشدنا للرجوع عن طريق الغي، ولننال ما أعدّه الله لنا من خيرات وجنات، فإذا عدنا إليه بهذه الشدائد والتجأنا إليه واستنرنا ورأينا خيرنا من شرنا واخترنا هذه الخيرات، لن ننال إلا المكاسب والنعيم المقيم والرقي.
وطالما نحن تعهدنا، وهو {إلۤه الناس}، أي: صاحب الحول والقوة من نؤول إليه، منحنا الاختيار ونحن لنا الوفاء باختيارنا أو عدم الوفاء، ولا نخلص من هذه الشدائد إلا بالتجائنا إليه لنستنير بنوره، عندها نكون قد نجحنا بحمل الأمانة.
هذا جواب السؤال بشكل موجز، ولك التفصيل والإيضاح كما طلبت، فنقول:
تعجب وأعجب ويعجب الناس في كل مكان، وقديماً تعجبت قريش ومن جاورها من الأقوام ومن تلاها من الأمم والشعوب والأجيال: من أين جاء هذا الرجل المدعو (محمد) عليه أفضل الصلاة وأسنى السلام بما جاء به من المعجزات الفردية الكبرى؟! يفوق بشجاعته الصناديد والأبطال، ويبذُّ برأيه الثاقب وحسن تدبّره الأمور أعظم الساسة وأكبر الحكماء.
من أين جاء هذا الرجل العظيم بهذه الحكمة البالغة، والقلب الثابت، والشجاعة الرائعة، والجأش الرابط، والكمال الذي لا يدانيه فيه مدان ولا يدرك شأوه إنسان؟! ومن أين جاء بكلام تعجز البشرية عن الإتيان بجملة واحدة من جمله؟! هو شخص وهم أشخاص! فكيف أتى بما يعجزون جميعاً عن الإتيان بشيء منه؟! وهو الذي نشأ في أرض مقفرة لا أثر فيها لمعهد من معاهد العلم، وفي جو لا مدارس فيه ولا علماء.
فتسأل وأسأل ويسأل الناس في كل زمان: ما هو المنهل الذي استقى منه هذا الإنسان العظيم جميع تلك المكرمات، وذلك العلم الغزير الذي لا ينضب والذي تتضاءل أمامه جميع علوم البشر.
هنالك أمره تعالى بإجابتهم عن حيرتهم وسؤالهم بقوله الكريم:
{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ}: أي: دلَّهم وبيِّن لهم ليبطل عجبهم، فأنت اعتززت بالخالق وآمنت به واعتصمت به، فأعطاك ما أعطاك وعلَّمك ما علَّمك. بيِّن لهم عن المصدر العالي والمنهل السامي الذي استقت منه نفسك الشريفة ما استقت، فنلت من المكرمات فوق وأعظم ما ناله مخلوق على وجه الأرض.
قل لهم: إنَّ غيري اعتزَّ بالمخلوق، واعتززتُ بالخالق، فهل يُقارن عطاء الخالق بعطاء المخلوق؟! اعتصمَ بمن لا يملك شيئاً إلا ما يُمَلِّكُهُ الله، واعتصمتُ والتجأتُ بمن بيده مقاليد السموات العلى والأرض، الذي منحكم الأبصار والأسماع والأدمغة والأفئدة، فالتفتوا ببصائركم وقلوبكم ونفوسكم إليه يعطيكم كما يعطيني، وبهذا الكون وبأنفسكم إن فكَّرتم ودققتم وصدقتم بطلب الهدى هداكم إلى الممد وإلى رب الناس.
فسألوه: إنَّ رب الناس غير عادل، فلطالما أنه يمدُّ جميع الناس، فلِمَ هذا التفاوت والاختلاف؟ فهو يخلق القوي والضعيف، والغني والفقير، والصحيح والعليل، وأناس تنعم بالقصور وآخرون يقطنون بأشباه القبور، وأمم قوية متسلطة حاكمة وشعوب ضعيفة محكومة، يتضورون جوعاً لا يجدون مضغة يلوكونها ولا جرعة يشربونها سوى القليل النذر، وشعوب ظالمة يتقلَّبون بلذيذ المعاش وينعمون بالحلو من الحياة والرخاء على حساب شقاء وآلام وجوع الآخرين من يسلبونهم لقمة عيشهم. فلِمَ هذا الظلم وهذا التفاوت في الطبقات، وهذا التباين والاختلاف بين ظالمٍ ومظلومٍ، وحاكمٍ ومحكومٍ، وسيدٍ مستبد وعبدٍ رقيق؟ طالما رب الناس فلِمَ لا يُمدهم بالعدل والقسط إمداداً واحداً ليتحقق التساوي والعدل؟! وإلا فهو غير عادل وظالم.
وللجواب على اعتراضهم قال تعالى لرسوله:
بيِّن لهم ودلَّهم أنَّ الله عزَّ وجلّ في الأصل عندما خلق الأنفس في عالم الأزل، وعندما كان الناس جميعاً نفوساً مجرَّدة فكانوا سواسيّة، فلا ملك ولا عبد ولا سيّد ولا رقيق، بل كلهم يستمدّون إمداداً واحداً، وهكذا فكانوا على سويّة واحدة كأسنان المشط، ولكنَّهم هم الذي غيَّروا فوقعوا وخالفوا العهد فنكسوا ومرضوا نفسياً، فلزم الدواء المر والعلاج الجسدي لهم ليشفوا نفسياً، فكان هذا التمايز الذي يرونه، ولكنَّ مصدره ليس من الله بل لله العدل المطلق، إنما منشأه من لدن هذا الإنسان ذاته عندما خالف وغيّر، أما الله فهو: {مَلِكِ النَّاسِ}، ولا ظلم ولا هضم في ملكه أبداً، بيده نواصيهم فلا يستطيع القوي أن يعتدي على الضعيف، إلا إن سبق واعتدى الضعيف على الأضعف منه، عندها يُطلق الله القوي عليه ليذوق طعم ظلمه فيرتدع ويكفّ عن عدوانه على من هو أضعف منه، كذا هناك غني وفقير ومترف ومعوز ولكنها دروس وعبر، إذ يعطي كلاً بحسب ما يناسبه ويلائمه، وكذا السعادة ملكه تعالى وبيده. فالمادة لا تجلب السعادة، وخذ من الدنيا ما شئت وخذ بقدره همّاً، كم جلبت الدنيا لأصحابها من بليّات ومخزيات (اللهم اجعل رزق آل محمد كفافاً).
فقالوا: طالما أن الله ملك الناس بيده مقاليدهم، فلِمَ لا يُدخلهم جميعاً إلى الجنات؟ ولِمَ النار والعذاب وهو الرحمن الرحيم؟ فقال تعالى: قل لهم {إِلۤهِ النَّاسِ}: إذ منحهم الإطلاق وحرية التصرف والاختيار، ومنحهم الجنات اختياراً ولم يجبرهم إجباراً، وقد طلبوا التكليف والتشريف على سائر الخلائق والكائنات، بدخولهم إلى مدرسة الدنيا، فيعملون الصالحات وينالون بها الجنات، فلهم الاختيار والله كريم بيده التنفيذ والحول والقوة، وهذه الحياة الدنيا مدرسة، المجتهد فيها للحق والخير والصالح من الأعمال ينال، فتسييرهم بحسب صدقهم أو عكسه عائدٌ للإلۤه الذي يؤول إليه تنفيذ طلباتهم ولهم أو عليهم خيرها أو مسؤوليتها، فاختر طريق الحق تنل كل الخيرات، فعليك مسؤولية الاختيار وعلى الله التسيير والتنفيذ.
{إِلَهِ النَّاسِ}: يؤول إليه تعالى تسييرهم بحسب اختيارهم.
قال الله تعالى: {وَإِذَا جَاءتْهُمْ آيَةٌ قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللّهِ اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ اللّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُواْ يَمْكُرُونَ}
لم أجد في كتاب الله موضعاً غير هذا يذكر فيه اسمه الجليل "الله" مرتين متصلتين دون وجود أي حرف بينهما مما أثار فضولي لمعرفة ما إذا كان في الأمر سر قد هدى الله له أحداً من علماء الأمة.
الرسل الكرام كلهم كمالات بكمالات، أحصوا أسماء الله الحسنى ونالوا، فهم بالسمو والعلو يسبِّحون أنفسهم وغيرهم فيفيضون على الخلق بما يفيض عليهم تعالى من بحور الجلال والجمال الإلۤهي موجد ومبدع كل جمال وفضل وكمال.
وبما أن لفظة اسم الله الأعظم هي (الله) المفخمة تحوي أسماء الله التسعة وتسعين جميعها ومن أحصاها حقاً وشهوداً دخل الجنة.
فوظيفة الرسل الكرام أن يسعدونا ويدخلونا الجنات ويخرجونا من الدنيا الدنية الملعونة إلى جناب عظيم جناب الله الكريم إن أطعناهم وفي الحديث الشريف: «كلكم تدخلون الجنة إلا من أبى. قال الصحب الكرام: ومن يأبى دخول الجنة ونعيمها يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة "لأن طاعته من طاعة الله" ومن عصاني فقد أبى».
أما الدنيا فملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه.
إذن: فالرسل الكرام حاملين بقلوبهم اسم الله الأعظم ينقلونه لمن يطيعهم، والآية الكريمة في سورة آل عمران (194): {رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ..}: وعدنا تعالى بأن يدخلنا الجنات بمعيَّتهم إن أطعناهم ضمن القرآن الكريم وحده لا سواه.
وبذكر الرسول بالآية التي تفضلت وسألت عنها يتبيَّن أن الرسل الكرام يدخلون من معهم من المؤمنين باسم الله الأعظم، وهذا سبب ورودها بأسماء الله كلها أي بالاسم الأعظم الحاوي لها (اللهُ) المفخمة.
فهم رسل الله وحده وخلفاؤه ولا يأتون أبداً إلا بكلامه القرآن لا سواه.
استمع مباشرة:












