الإيمان
الإيمان - أول المدارس العليا للتقوى
سلسلة (درر الأحكام في شرح أركان الإسلام)
- للعلامة الإنساني الجليل محمد أمين شيخو قدس سره
- جمع وتحقيق: الأستاذ المربي عبد القادر يحيى الشهير بالديراني
لمحة عن الكتاب
خلق الله تعالى الإنسان وأغدق عليه من فيض برّه ورحمته، كريماً يُظهر كرمه على خلقه، يتذوّق الإنسان بدنياه فضله وإحسانه، إذ أخرجه تعالى إلى هذا الوجود وأودع في رأسه جوهرة ثمينة وأعني بها الفكر، جهاز المعرفة والوسيلة التي يتعرّف بها الإنسان إلى ربّه، ويكشف به حقائق أمور الحياة فيميّز بها خيره من شرّه، كل ذلك إن فكّر وآمن بربّه، إذ جعل تعالى بهذا الكون بصائر وعبر وآيات وأقربها إليه جسمه وما قام عليه من نظام بديع.
ولكن بعْثُ كوامن فكره يتمّ بالتفكير بنهايته وخروجه من دنياه بالموت، بتأثير الموت تحوّل النفس شعاعها إلى الفكر الجبّار الذي يرسم لها المخطّط للإيمان فتصل من خلال الآيات إلى ربّها وتستضيء بنوره فتشاهد الحقائق.
كن مؤمناً حقّاً تكن الفارس المغوار والبطل المقدام، قائداً للحملة على الشرّ والفساد، طبيباً لإخوانك بالإنسانيّة، رحيماً عالماً معلِّماً للخير ناشراً للفضيلة، تخرج الناس من الظلمات إلى النور آخذاً بيدهم إلى الهناءة والسرور، إلى المحبّة والسلام.
الصيغ المتوفرة:
هذا الكتاب متوفر بعدة صيغ: كتاب إلكتروني، صوتي.
كتاب إلكتروني:
معلومات الكتاب الإلكتروني
- الكتاب الإلكتروني بصيغة PDF، ePUB.
- الكتاب الإلكتروني مجاني.
- روابط التحميل تظهر لكم بعد تقديم الطلب.
- الكتاب متوفر على منصات غوغل بلاي، أبل ستور، أمازون.

كتاب صوتي:
معلومات الكتاب الصوتي
- الكتاب الصوتي بصيغة MP3.
- الكتاب الصوتي مجاني.
- روابط التحميل تظهر لكم بعد تقديم الطلب.
- الكتاب متوفر بشكل صوتي ومجاني في موقعنا، ومتوفر أيضاً في مواقع الكتب الصوتية العالمية الشهيرة.

أسئلة وأجوبة حول بعض المواضيع إيمانية
ما هو المقصود بالإحسان؟ هل هو أعلى مراتب التقوى أم ماذا؟ وجزاكم الله عنا كل خير.
الأخ الفاضل حفظه المولى الكريم ... آمين الإحسان: هو عمل الخيرات والبر دون انتظار منافع شخصية ومصالح دنيوية، فالإحسان كما أن الله تعالى يطعمنا ويسقينا وبعنايته يكلؤنا ويربينا وبالهواء الضروري لحياتنا يمدّنا بكل لحظة ولا يفتر عطاؤه وإغداق إنعامه عنا طرفة عين وهو بالمقابل لا ينتظر من أحدٍ منا على عطائه مقابل، ولا يستطيع أي مخلوق أن يقابل إحسان ربه بالمثل. فالله يعطي دونما حاجة لهذا الإنسان وبلا مقابل. بعد أن يرى المؤمن معاملات ربه الحنون له ينطلق لفعل الخيرات مع عباد الله ونسيج حضرته، وكما أن الله يهادي الخلق بلا مردود كذلك المؤمن يصنع، يعمل دون انتظار مردود من مخلوق بل يأخذ أجره من خالقه وخالقهم لسان حاله يقول: {..لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً}: عمله لله والله يجزيهم على إحسانهم بالإحسان. وأعظم الإحسان هو هداية بني الإنسان. وطريق الإحسان هو طريق العلامة الكبير محمد أمين شيخو الذي هدانا وهدى طالبي الحق إلى الإيمان وبيَّن معاني كلام الله العظيم بعد أن كانت قبله طقوساً صماء.
بسم الله غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب والسلام على من اتبع الهدى.
أما بعد فيا أستاذي الكريم: أرجو أن أجد ضالتي عندكم بعد أن أعياني المسير، فلقد قسي قلبي حتى أصبح كالحجر ومالت نفسي ولست أدري إلى أين المفر وطال بحثي عن الإيمان ولم أصل له وصرت أخشى أن ألقى الله وأنا بعيد عنه وكلما قلت استقرت مالت بي إلى جهنم والعياذ بالله وأنا عبد ضعيف أعينوني أرجوكم.
ما أكبر خجلي أمام الحبيب ﷺ وما أعظمه من موقف أمام الرقيب.
بجاه الله وجاه الحبيب وبجاه المهدي عليه السلام أنقذوني ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
الأخ الفاضل حفظه المولى الكريم ... آمين
هل إذا أهداك محبٌ هديةٌ ترفضها؟
حاشا وكلا فهل الرحيم المحب جلَّ علاه يرفضك بعد أن أهديته نفسك؟!
{..وَكَانَ اللّهُ شَاكِراً عَلِيماً} سورة النساء (147).
وقد أقسمت عليه بجانب عظيم، هو سيدنا المهدي العظيم حبيب الله ورسوله، فأبشر بالنجاة والفوز العظيم بنيَّتك العظيمة الطيبة الطاهرة ولك الحظوة مستقبلاً إن شاء الله تعالى.
إن الله يمتحن قلبك للتقوى وكلما اشتدت بك هذه الأمور فأبشر بالفرج "كلما اشتدت افرح لها".
خلِّ ظنَّك بالله ظناً حسناً واسجد واقترب.
أنا أريد تقوية إيماني بالله بالتزام الصلاة ماذا أفعل؟
الأخت الفاضلة حفظها المولى الكريم ... آمين
ليس الإيمان سلعة أو علاج يشتريه المرء من البائع أو الصيدلي، إنما هو نتيجة سعي ذاتي وبحث دقيق عن وجود الإلۤه من ثنايا صنعه وذلك بالتفكير بمخلوقات الإلۤه والاستدلال من دقة صنعها وكمال تكوينها ونظم سيرها في وظيفتها على يد مهيمنة عليها تمدها بالحياة والوجود والسير، إنها يد الإلۤه جل وعلا.
ولكن لهذا التفكير والسعي بالإيمان قوانين يجب إتباعها ليحصل المرء على النتاج المثمر باليقين الشهودي ولمس وجود الإلۤه العظيم من ثنايا صنعه وخلقه.
أولاً: التفكير الجدِّي بالموت وأنه لابد آتٍ لا محالة، فأين الملوك والسلاطين وأين الجيل السابق؟ وكم تبقَّى من العمر؟ هل سنخلِّد؟! هل خلَّد أحد قبلنا؟! أليس لنا نهاية؟!
فإذا فكَّر الإنسان مثل هذا التفكير وواصل عليه، تخاف نفسه عندها من سوء المصير وتشعر بقرب ساعة الرحيل، وتخشى الخسارة الأبدية والآخرة والحساب، ويتولَّد بهذا الخوف صدق وعزيمة وتتطلَّب النفس النجاة وتطلب الإيمان الحق، فتجتمع النفس مع الفكر ليرسم لها مخططاً للخلاص والنجاة، فإذا نظر إلى السماء وما فيها من آيات (شمس - قمر - نجوم - كواكب - غيوم)، وفكَّر بأيٍّ منها لوجد الله قائماً عليها يمدها بالحياة والوجود يسيِّرها ولشاهدت نفسه ذلك رؤية يقينية راسخة لا تزول.
ثانياً: ترسيخ الإيمان بالنفس لا يكون إلا بتطبيق القوانين في السعي للوصول للإيمان كما وصل سيدنا إبراهيم ﷺ من ثنايا هذا الكون العظيم، قال تعالى في سورة البقرة (130): {وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ..} صدق الله العظيم. وذلك بأن يضع الإنسان لنفسه أوقاتاً يختلي فيها بينه وبين ربه ليفكر بالآيات الكونية، وأفضل الأوقات على الإطلاق قبل طلوع الشمس وقبل الغروب، حيث أن لهذين الانقلابين من النهار إلى الليل والعكس تأثير كبير على النفس وما يرافقهما من أحداث.
إذن: الخلوة والابتعاد عن الناس بقصد الإيمان كيلا يشغله شاغل ويعكِّر صفوه معكِّر، والتفكير بالآيات الكونية كما فكر أبونا إبراهيم عليه السلام حتى وصل للإيمان اليقيني الذي ما بعده ريب أو شك.
بهذه الخلوات وهذه الساعات يصل الإنسان للإيمان وما فيه من غذاء للنفس وتقوية لمواجهة الشهوات المحرَّمة، ويجد أن الله مطَّلع عليه لا ينقطع إمداده عنه لحظة فهو معه في كل حركة وسكنة، في كل خاطرة وفكرة، وبهذا يخشع قلبه وإذا خشع قلب المرء خشعت جوارحه وصلَّى حقيقةً ويلمس وجود ربه معه ويستقيم على أوامره استقامة تامة.
ملاحظة:
قد ينتاب المرء ضعف في الصدق وتدخل عليه وساوس الشيطان من شك أو ريب وغيرها وهذه تأتي من الصحبة لرفاق السوء فعليه هجرهم هجراً جميلاً وصحبة أهل الصدق والصلاح «مجالسة أهل الهوى منساة للإيمان محضرة للشياطين» لذا يتطلَّب منا تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ} سورة التوبة (119).
من الكتب ما تمَّ ترجمته للغة الإنكليزية كتأويل جزء عم للعلامة الكبير محمد أمين شيخو قدس سره، وفيه خير معونة للتواصل للإيمان الحق اليقيني الذي هو أساس الصلاة وعمادها، ويرجى منك أن تطالعي كتاب الصلاة للعلامة الجليل وبقية كتبه إن استطعتِ يتم لك تحقيق طلبك العظيم.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
سؤالي لحضرتكم هو: كيف يمكنني أن أقتنع بالموت وأن أيقن به؟
فأنا أعرف بأني سأموت وإن طال بي الأجل وهذا الحال متناقض ولكن كلما أفكِّر بالموت أشعر بأن نفسي غير مقتنعة بهذه الحقيقة التي لابدَّ منها وهذا ما يقلقني جداً وصدقاً أني مستغرب من هذا الحال فأنا لا أعرف عن الموت شيئاً كثيراً "لا أعرف أني ضخمت الأمر على نفسي وأعطيته أكثر من اللازم" فأنا أعيش في حيرة من أمري ولكن هذا ما أشعر به حقاً وأريد أن أصل إلى حال أشعر به شعوراً حقيقياً بأني وبأي لحظة معرَّض للموت.
فهل يوجد طريق لأتوصل إلى ذاك الشعور؟
(الحمد لله على هذا الموقع الذي ما سأل سائل إلا وأخذ الجواب الشافي والكافي)
والســــلام علـــيكم ورحمـة اللـه وبركـــاتــه.
الأخ الفاضل حفظه المولى الكريم ... آمين
«النجاة في الصدق» وحتى تصل لطلبك هذا لابدَّ من المثابرة والمواصلة في هذا الطريق، فأكثر من زيارة القبور فإنها تشرح الصدور، وتيسِّر الأمور لا سيما بكرةً وإن أمكن أصيلاً.
المرور بالتربة صباحاً غذاء وشفاء وقوة نفسية، ومساءً مكاسب ومغانم وغسل من العلائق الأرضية ومن درن الدنيا وأقذارها.
ثق تماماً أن الله لن يَتِرَكَ أعمالك ولن يضيِّع إيمانك، فأنت تتعامل مع كريم والله الذي خلقنا أمرنا أن نسير في هذا الطريق المجيد وأن نصل لليقين، فلا يُعقل أبداً أنه لا يجزي الصادقين بصدقهم. فحذار من القنوط واليأس فأنت غامرت في شرف مروم فلا تقنع بما دون النجوم، وواصل الطريق بالتفكير الحثيث بالموت وساعة الرحيل ولا مانع من المرور بالمقابر كلما سنحت لك الفرصة ولو مروراً عابراً أثناء غدوك ورواحك، وإن كان لديك وقتٌ كافياً أمكث في المقبرة قليلاً لتُذكِّر نفسك في الساعة التي لابدَّ منها.
فالنفس كالطفل تماماً تنسى دائماً ولابدَّ من تذكيرها في كل حين ومراراً وتكراراً حتى تثبت فيها هذه الحقيقة وترسخ، ولابدَّ من الجهاد والاجتهاد وعدم الاستسلام.
لا تحسب المجد تمراً أنت آكله لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا
«ولا يزال العبد يصدق ويصدق ويتحرى الصدق حتى يُكتب عند الله صدِّيقاً» كما قال الصادق الوعد الأمين.
وعلَّمنا ﷺ أنه بين سنة الفجر والفرض كان يضَّجع على جنبه الأيمن يتمثَّل الموت، وهذه سنَّة لنا لنحذو خطا الحبيب، فمتى رأى ربك منك الصدق الكافي والعزيمة اللازمة منحك مرادك ولن يتأخر عن ذلك لحظة واحدة، قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} سورة العنكبوت (69). فأنت منك الصدق والسعي والباقي على الله فهو الرزاق الذي لا يهضم أحداً.
هذا من ناحية ومن ناحية أخرى: «تعلَّموا اليقين بمجالسة أهل اليقين»، فالصحبة والارتباط القلبي له التأثير الكبير على النفس، فالزم أهل الذكر وصاحبهم بقلبك تنجُ، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ} سورة التوبة (119).
والمثال الوارد في القرآن الكريم سحرة فرعون كيف أنهم بارتباطهم القلبي بسيدنا موسى عليه السلام وتقديره وتوقيره شاهدوا الأزل والآخرة وتحدثوا عن أهل الجنة وأحوالهم وأهل النار وشقائهم عن شهود بنور سراجهم المنير سيدنا موسى ﷺ وضحُّوا بعد ذلك بالدنيا وما فيها ولم يخيفهم تهديد الطاغية فرعون ووعيده بل قالوا: {..فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} سورة طه (72).
فالدنيا أصبحت لا قيمة لها لدينا.
إذن: لابدَّ من البعد عن أهل الدنيا أصحاب المنكرات. «الطبع سرَّاق فجانبوا أهل البدع» «ومجالسة أهل الهوى منساة للرحمن، محضرة للشيطان».
نفسك أمانة لديك فحذار ألا ترعى حق الأمانة، وإياك أن توردها موارد التهلكة وحاشاك.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته سؤال: كيف أؤمن أرشدوني خطوة بخطوة قولوا لي افعل كذا لحين كذا وبعدها كذا وكذا.
أولاً: على الإنسان أن يختار وقتاً للتفكّر في خلق السموات والأرض يكون فيه صافي النفس والذهن غير منشغل البال بالأعمال وبهذه وتلك، مثلاً في جوف الليل بعد نوم مريح للجسد.
وعلى الإنسان أن يتفكّر في مصيره المحتوم في هذه الحياة وإلى أين هو ذاهب في غياهبها المجهولة!
وما ذاك إلا لتوقن نفسه من فراق هذه الدنيا الذي هو حتماً لابدّ منه فلم يخلد أحد قبله، لا فقير ولا سلطان ولا نبي، هذه نهاية محتومة عندها لا يبقى لديه أدنى انشغال بزخرفها ومتاعها الزائل. وبهذا التفكير يتم اجتماع النفس مع الفكر ويكون التفكير بهذه الحالة مجدياً منتجاً للعقل، إذ لا يمكن للنفس أن تعقل حقيقةً ما وتتمثّلها إلا إذا كان لها اهتمام بالغ بها.
واهتمام النفس بحقيقة الإيمان لا يتم بشكل أو بآخر إلا إذا قرّرت الأخيرة معرفة أسرار الوجود وحقيقة ومغزى خلق الإنسان فيه والتعرف على مبدعه ومسيره العظيم؛ وهذا لا يحصل إلا إذا أيقنت النفس بأن لها يوماً ستفارق في هذه الحياة وترحل عنها إلى دار لا تعلم عنها شيئاً، بل يجب أن تعلم عندما تتوصل لوجود الإلۤه شهوداً.
ثمّ يبدأ الإنسان بأن ينظر في نفسه ويتفكّر في ذاته ممّ خُلق، وكيف تكوَّن في بطن أمه حتى صار إنساناً سوياً. وعليه أن يتابع بفكره الأطوار التي تنقَّل فيها والمراحل التي مرَّ عليها فمن نطفة إلى علقة، ومن علقة إلى مضغة، ومن مضغة إلى إنسان سويٍّ كامل الهيئة تام التركيب يحار الفكر في كمال صنعه ويقف حائراً أمام عظمة كل جهاز من أجهزته وحاسة من حواسِّه ولا يسعه إلا أن يخرَّ ساجداً لعظمة تلك اليد التي عملت على تكوينه وإحكام صنعه.
فإذا ما نظر في نفسه هذه النظرات جنيناً في بطن أمه وأتبعها بنظرات أخرى تدور حول أيام طفولته الأولى مولوداً صغيراً يوم كان يأتيه الغذاء من ثديي أمه لبناً سائغاً كامل التركيب في المقدار منظّم المعايير متوافقاً في نسبته الغذائية مع تدرجه في النمو يوماً بعد يوم بحسب ما يتطلبه جسمه ويحتاج إليه. أقول: إذا نظر الإنسان في نفسه هذه النظرات، وفكَّر هذا التفكير وتابع ذلك وتوسَّع فيه لا شك أن تفكيره هذا يرشده ويهديه إلى أن هناك يداً عظيمة صنعته وخلقته وعنيت بتربيته منذ أن تشكَّل وخرج إلى هذا الوجود وهي ما تزال مستمرة العناية به قائمة بالتربية عليه. إن هذه النظرات في البداية وفي أصل التكوين لها أثرها لا بل عليها يتوقف الإيمان بالمربي. ومن لم ينظر هذه النظرات في أصله، ومن لم يتعرَّف إلى بدايته فما هو من الإيمان الصحيح اليقيني بربه في شيء.
قال تعالى معرِّفاً إيانا بطريق الاستدلال على معرفة المربي بما أشارت إليه الآيات الكريمة في قوله سبحانه: {قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ، مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ، ثُمَّ السَّبيلَ يَسَّرَهُ} سورة عبس: الآية (17-20).
{فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ، خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ، يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُلْبِ والتَّرَائِبِ} سورة الطارق: الآية (5-7).
{وَلَقَد خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلاَلَةٍ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً في قَرَارٍ مَكينٍ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقينَ} سورة المؤمنون: الآية (12-14).
ثانياً: أما وقد عرف الإنسان خالقه ومربيه وتبدَّت له عظمة ربّه فلا شكَّ أن ذلك يقوده إلى التوسُّع في التفكير وينتقل به إلى النظر في نهايته كما نظر في بدايته فيتساءل في نفسه؛ ما بال فلان قد قضى نحبه؟ وما بال فلان لم يطل به أمد الحياة؟ وأين فلان وفلان وما بقي لهؤلاء الذين فارقوا هذه الحياة من العزّ والسلطان؟ وأين هم من متع الحياة وشهواتها وجميع ما فيها من ملذَّات؟ وإذا كان الموت نهاية كل إنسان ومصيره المحتوم وإذا كانت مساعي الإنسان جميعها تصل به إلى هذه النهاية مهما امتد العمر وطال، فما في الحياة من أمل، والخاسر الذي يسترسل فيها دون أن يتعرَّف فيها إلى ما وراءها.
وهنا وبمثل هذا التفكير في النهاية، والمصير إلى القبر وما فيه من رهبة ووحشة تخاف النفس مجدّداً وتلتجئ إلى الفكر بصدق كبير لكي تتعرّف بواسطته إلى الحقيقة. فلمَ جاء الإنسان إلى هذا الوجود؟ وما هذه اليد التي خلقته وأرسلته إلى هذه الدنيا ثم كتبت عليه الموت ومفارقة الحياة؟! وينشد الإنسان هذا النوع الجديد من المعرفة ناظراً في أصله لما كان نطفة فيقول: هذه النطفة التي منها أنا، منها خلقت وتكونت، إن هي إلا خلاصة ألوان شتى من أطعمة وفواكه وأثمار تجمّعت هذه الخلاصات ومنها خُلقت، فمن أين جاءت هذه الأطعمة؟ ومن الذي خلق هذه الفواكه والخضر والألوان؟ وما هذه البذور المختلفة؟ ومن أين جاءت؟ ومن الذي ألقى بها على سطح الأرض؟ ما هذه التربة التي اشتملت عليها؟ وكيف تكوَّنت؟ ما هذه الأنهار؟ ما هذه الأمطار؟ ما هذه الشمس؟ ما هذا الليل والنهار؟ ما هذا السير الدائم؟ ما هذه الحركة المستمرة المنتظمة في هذا الكون؟ ما هذه الدورات المنظمات؟ بل ما هذه اليد التي تدير هذا كله لتتأمن حياتي ولتتوفر أقواتي ويستمر وجودي؟ أليس هذا الكون كله وحدة مترابطة الأجزاء متماسكة الأجرام؟ أليس ذلك كله يعمل ضمن قانون ونظام؟ أما لهذا الكون من يديره! وقدرة عليا مهيمنة تشرف على ملكوت السموات والأرض ولا يعزب عنها من مثقال ذرة! وهنا ينتقل هذا الإنسان إلى هذه النقطة الجديدة فتعقل النفس عظمة هذه الإرادة العليا، والقدرة التي لا حدَّ لها والتي نظَّمت الكون بما فيه عُلْويّهُ وسفليّه، جليله وحقيره، صغيره وكبيره تدرك النفس طرفاً من عظمة الله تعالى وتعرف أنه لا مسيّر غيره ولا متصرف في هذا الكون إلا الله إنها تدرك حقيقة كلمة (لا إلۤه إلا الله) فتعلم أن التصرُّف بيده وحده وليس لأحد من حول ولا قوة إلا به وليس من حركة إلا بإمداده ومن بعد إذنه.. فلا تهب رياح ولا تتراكم غيوم ولا تهطل أمطار، ولا تشرق شمس ولا تدور أرض ولا يتعاقب ليل ونهار، ولا تدب دابّة، ولا تنبت نبتة، ولا تنعقد ثمرة، ولا تسقط ورقة إلا بعلمه تعالى ومن بعد إذنه. ويتسع أفق التفكير لدى هذا الإنسان فيرى أن اليد لا تتحرك حركة وأن الرجل لا تنطلق خطوة، والعين لا تطرف طرفة، والأذن لا تسمع همسة، واللسان لا ينطق ويلفظ كلمة إلاَّ بإذن الله وبحول وقوة منه. فهو مسيّر الكون ومسيّره وممدّ الكون، وهو الإنسان جزء من هذا الكون فهو بيد مسيّر الكون وممدّه، والإلۤه قريب وحتماً مع الكون ومعه.
يدرك هذا الإنسان ذلك كله عندها تدخل النفس في حصن الاستقامة فتجد أن الله تعالى معها ومشرف عليها بل هو الممدُّ لها في كل لحظة وحين لا يحول ولا يزول فحيثما حلَّ هذا الإنسان وارتحل وأينما سار وانتقل. وكيفما نظر وأنَّى اتَّجه يرى الله تعالى معه، وأنه شاهد عليه فهو سبحانه ناظر رقيب، وسامع قريب، وبه قيام وجود الكون بجميع ما فيه وهو أقرب إلى الإنسان من نفسه التي بين جنبيه.
قال تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَريدِ} سورة ق: الآية (16). هذه هي المرحلة التي يفضي إليها الإنسان، وهذه هي الحقيقة التي يعثر عليها من بعد تفكيره المتواصل يعقلها عقلاً، ويصبح إيمانه بكلمة (لا إلۤه إلا الله) مبنياً على علم ومشاهدة لأنوار الله ولحضرة الله. كما أمر سبحانه وتعالى بذلك، إذ قال: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إلۤه إلاَّ اللهُ..} سورة محمد(19).
وهذا النوع من الإيمان هو المطلوب من كل إنسان وذلك هو الإيمان الحق الذي يحجز الإنسان عن المعاصي والموبقات. وفي الحديث الشريف: «كفى بالمرء علماً أن يخشى الله» الجامع الصغير /6240/ للبيهقي في شعب الإيمان، وقال تعالى: {..إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ..} سورة فاطر: الآية (28).
وإلى ذلك أشار صلى الله عليه وسلم بقوله الشريف: «من قال لا إلۤه إلا الله مخلصاً دخل الجنة، قيل: وما إخلاصها؟ قال أن تحجُزَهُ عن محارم الله» رواه الطبراني في الأوسط الكبير.
ولا يحجزه إلا الشهود لوجود الإلۤه ولن يحجز إن كان مسيئاً بعمله أمّا إن كان محسناً ابتغاء رضاء الله فسرعان ما يصل لحضرة الله ويشاهد مشاهدة قلبية يقينيّة تحجره عن كل أذى لأيّ مخلوق فهم صنع ونسيج الإلۤه عندها يكسب الثقة باستقامته وإحسانه {إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} سورة الأعراف (56). فتحصل له الصلاة التي تنهاه بما فيها من أحوال وأذواق وبوارق عن الفحشاء والمنكر.
هذه الطريق التي سلكها سيدنا إبراهيم العظيم عليه السلام وكافة الرسل الكرام عليهم السلام. وهذه هي الطريق المشار إليها في القرآن الكريم.
استمع مباشرة:










