عصمة الأنبياء عليهم السلام
سلسلة (قصص الأنبياء الكرام عليهم السلام)
- للعلامة الإنساني الجليل محمد أمين شيخو قدس سره
- جمع وتحقيق: الأستاذ المربي عبد القادر يحيى الشهير بالديراني
لمحة عن الكتاب
الحمد لله رب العالمين وصلاة الله وسلامه على المرسلين الذين تفوَّقوا على كافة البشر بخلقهم العظيم، وسبقوا في حبِّهم ومعرفتهم بربِّهم سائر العالمين فكانوا بذلك أهلاً لأن يصطفيهم الله تعالى لتلقي رسالاته وجديرين بأن يكونوا هادين لعباده.
وبعد... فقد ذكر لنا تعالى في القرآن الكريم طائفةً من قصص الأنبياء تتجلَّى فيها طهارة تلك النفوس المؤمنة التي عُصمت بإقبالها الدائم على ربِّها من كل معصيةٍ، ويتراءى من خلالها ما قام به أولئك الرجال من جليل الأعمال ليبيِّن لنا قابلية الإنسان للسير في طريق الفضيلة والكمال، وليكون لنا ذلك مثل أعلى نحذو حذوه، وقدوة حسنة نقتدي بها.
غير أنَّ أيدياً أثيمة كافرة بالله ورسله تناولت هذه القصص منذ مئات السنين فكتبت ما يُسمُّونه بالإسرائيليات، وأوَّلت هذه القصص بخلاف ما أراد الله تعالى، وزادت عليها ما لم ينزِّل به الله، وألصقت بالرسل الكرام أعمالاً يترفع عنها أدنى الناس، وهم يريدون من وراء ذلك كلّه أن يبرهنوا على أنَّ الإنسان مجبول على الخطأ، وأنه لا يمكن أن يسير في طريق الفضيلة ليصدّوا الناس عن سبيل الله وليبرِّروا ما يقعون به من أعمال منحطة لا يرضى بها الله، وقد ضلُّوا بذلك وأضلُّوا كثيراً، إذ تناقل الناس جيلاً عن جيل تلك التأويلات الباطلة فدارت على ألسنة الخاص والعام وأدَّى الأمر ببعض المفسرين إلى أن أدرجوها في طيات تفاسيرهم وبذلك نظر الناس إلى الرسل الكرام نظرة نقص وانقطعت نفوسهم عن محبة رسل الله وتقديرهم، وفسدت اعتقادات الكثيرين وساءت أعمالهم، وفي الحديث الشريف: «إنَّما أخافُ على أمتي الأئمة المُضلِّينَ».
ولذلك وإظهاراً للحقيقة، وتعريفاً بكمال رسل الله الكرام أقدم العلامة الإنساني الكبير محمد أمين شيخو قدس الله سرّه على شرح هذه القصص شرحاً مستنداً إلى الآيات القرآنية ذاتها، متوافقاً مع المراد الإلٓهي منها، مبيِّناً كمال أولئك الرجال الذين جعل الله تعالى في قصصهم عبرةً لأولي الألباب، وضرب في طهارتهم وشرف نفوسهم مثلاً للعالمين، قال تعالى: {أُوْلئِكَ الذينَ هَدَى الله فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ..} سورة الأنعام، الآية 90.
وتتميماً للفائدة، وتعريفاً للإنسان بذاته وبخالقه الكريم الذي كرَّمه وفضَّله على كثير ممن خلق تفضيلاً بدأ العلامة الجليل الكتاب بكلمة وجيزة تكلّم فيها عن المُراد الإلٓهي من خلق الكون كلّه مبيِّناً شرف الإنسان ومنزلته العالية بين سائر المخلوقات، تلك المخلوقات التي عرض عليها ربها عرضاً ثميناً عالياً فخافت وأشفقت من التصدي لحمله وما تقدم له إلاَّ الإنسان وشاركه الجان وغامر كل منهما مغامرة وقطع على نفسه عهداً عرَّض فيه نفسه لتحمُّل أكبر المسؤوليات وأعظم المخاطر والتبعات طمعاً فيما يفوز به من النعيم المُقيم والخير اللامتناهي الكثير، فإن هو أوفى بما عاهد عليه الله فقد أفلح ونجح وسَعد سعادة أبدية وفاز بمنزلة من القرب الإلٓهي لا يدانيه فيها أحد من العالمين وإن هو نكث عهده ونقضه كان أحط الخلق جميعاً، وشقي شقاءً أبدياً وكان من الخاسرين.
الصيغ المتوفرة:
هذا الكتاب متوفر بعدة صيغ: كتاب إلكتروني، صوتي، وورقي
كتاب إلكتروني:
معلومات الكتاب الإلكتروني
- الكتاب الإلكتروني بصيغة PDF، ePUB.
- الكتاب الإلكتروني مجاني.
- روابط التحميل تظهر لكم بعد تقديم الطلب.
- الكتاب متوفر على منصات غوغل بلاي، أبل ستور، أمازون.

كتاب صوتي:
معلومات الكتاب الصوتي
- الكتاب الصوتي بصيغة MP3.
- الكتاب الصوتي مجاني.
- روابط التحميل تظهر لكم بعد تقديم الطلب.
- الكتاب متوفر بشكل صوتي ومجاني في موقعنا، ومتوفر أيضاً في مواقع الكتب الصوتية العالمية الشهيرة.

كتاب ورقي:
معلومات الكتاب الورقي
- الكتاب الورقي متوفر للشراء من موقع الأمازون وشركائه، في أنحاء العالم.

أسئلة حول قصص الأنبياء الكرام عليهم السلام
يقول الرسول صلى الله علية وسلم: «ينزل عيسى ابن مريم شرقي دمشق» ما هو المكان شرقي دمشق؟
الأخ الفاضل حفظه المولى الكريم... آمين إليك الحق: سيدنا عيسى المسيح عليه السلام وأمه سيدتنا مريم عليها السلام جعلهما الله معجزة للعالَمين، إذ آواهما إلى ربوةٍ ذاتِ قرارٍ ومعين، وألقى عليهما النوم مثل أهل الكهف مدة تزيد عن (2000) سنة، وسيظهروا الآن من المغارة، يستيقظان لإصلاح العالَم وكما يقول الله تعالى: {وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً..}: معجزة. {..وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ} سورة المؤمنون (50).
وبالأحاديث الشريفة: «تُملأ الأرض ظلماً وجوراً فيأتي أخي عيسى ابن مريم فيملأها قسطاً وعدلاً». وبالأحاديث الكثيرة «أنه يكسر الصليب ويذبح الخنزير ويضع الجزية» أي لا يبقي إلا دين الحق ويقضي على الأديان الباطلة كما قال تعالى: {وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ..} سورة النساء (159). وقال تعالى: {..وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ..} سورة آل عمران (55).
إذن: يأتي وينزل من الغار من غرب دمشق من الربوة ويظهر على سحابة من المجد ويهدي إلى الدين الحق ويقيِمه بالعالم أجمع هذا ما يقوله تعالى، ولا يعلو كلام المخلوق على كلام الخالق، هذا ما يبشِّرنا به الله في محكم كتابه عندها يسود الحق والصدق ولا يبقى حاكم دجال وطوبى لمولود ذلك الزمان.
السلام عليكم سيدي الكريم
ما صحة مقولة ما مزح رسول الله إلا جاداً؟
ما معنى كلمة (المزح) ومتى يكون مقبولاً ومتى يكون مرفوض وما الفرق بين المزح والهزل؟
جزاكم الله ما أنتم أهله، وشكراً لكم.
الأخ الفاضل حفظه المولى الكريم ... آمين
بالأصل اللغوي مشتقة بفقه اللغة حسب القاعدة لابن جني: "أن أصل الكلمة من حرفين وما زاد في المبنى زاد في المعنى"، فيكون معنى "مزح": من مزَّ: أي أجرى الخير بالتسلسل والبطء واللطف والعطف. ومن "محى" وتأتي بالتجلي الإلۤهي عليه ﷺ والنور الساري منه لأصحابه يمحي ما بنفوسهم من سوء وانحراف عن الحق. قال تعالى في سورة الأعراف (157): {..وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ..}: فوراء مزحه وملاطفته الشفاء وجريان الخير والنعيم والسعادة والهناء. «أخذتموها مني في ملاطفة».
والمزح مرفوض إلا للتحابب والتوادد وهو المزح الهادف للمحبة والود الذي يبتغي من ورائه مرضاة الله لا لغاية دنيوية، بل للجذب للخير.
والرسول ﷺ قوله حق وليس بالهزل، وما مزح رسول الله إلا جاداً، فالنتيجة للهداية ومرضاة الله.
أما الهزل: أيضاً وكما ورد في فقه اللغة وحسب قاعدة ابن جني المذكورة أعلاه.
ومعنى كلمة "مزح"، قِسْ عليها كلمة الهزل تدرك المعنى المراد منها.
سيدي الكريم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أرجو من حضرتكم إجابتي على هذا التساؤل:
من قراءتي لقصة سيدنا آدم تبين لي أنه وزوجه كان عليهما السلام في حال كانت نفسه محيطة بجسده الشريف وأن السيطرة كانت للنفس وأن الجسد كان معطلاً.
1- هل كان في جسده الشريف روح وكيف يبقى حياً إن لم يمد بالمادة التي منها تكوينه و بناؤه و هل كان الدم يجري بعروقه لأن الخطاب من الله له كان بكلمة يا آدم و معنى ذلك كما علمت أنه أول من جرى الدم البشري في عروقه.
2- هل كان يتحرك و ينتقل بجسده بالجنة أم أنه كان ثابت في مكان واحد.
3- كيف حال سيدنا عيسى وأهل الكهف ناموا مئات السنين و هم أحياء ألا يجوعون و يعطشون ألا يحتاجون إلى مادة تغذي أجسادهم.
4- إذا كان سيدنا آدم النبي الرسول الثاني بالمرتبة العلية بعد سيد المرسلين سيدنا محمد عنده هذا الحب العظيم لله و أكل من الشجرة كيف أكلت أمنا حواء منها مع أنها رغم سموها ليست كأبينا أدم وهي حرة في اختيارها هل كان ذلكم بالرابطة و الشفاعة أم ماذا؟
وشكرا لكم يا سيدي الكريم وجزى الله علامتنا الكبير قدس الله سره عن البشرية كل خير والحمد لله رب العالمين.
الأخ الفاضل حفظه المولى الكريم ... آمين
1- بما أن رب العالمين قال في سورة ص (72): {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ}.
فالآية تشير أن في جسمه روحاً عليه السلام وبما أن الملائكة نفوسهم محيطة بأجسامهم النورانية وكذلك الجن كانت نفوسهم محيطة بأجسامهم وهو ﷺ بعث إليهم رسولاً هادياً ومعلماً فينبغي أن يكون مثلهم فلذلك كان جسمه في عطالة ولكن فيه روح والسيطرة للنفس لا الجسم، فهو يأكل ويشرب شرباً ذوقياً وأكلاً ذوقياً عالياً جداً "أكل الجنة" بواسطة نفسه لا بجسمه الشريف، ويبقى الجسم حياً لأنه في عطالة، فلا يحتاج إلى غذاء مادي بل غذاؤه عن طريق النفس عكس حالنا الآن، الآن تتغذى النفس عن طريق الجسم، أما في الجنة فالجسم يتغذى عن طريق النفس، ولا عمل له، وهل حينما يكون الإنسان في سبات، هل يعني ذلك أنه قد مات؟! لو مات لحلت به الآفات.
إذن: كان الجسم في شبه سبات، أما الحكم والسيطرة للنفس.
2- لم يكن ينتقل بجسمه ولا هو ثابت في مكان واحد بل كان يسري سرياناً كما كان سيدنا عيسى عليه السلام {..قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً..}: نفسه سارية بالوجود كله وغامرة له بل أوسع وأعلى من الوجود بكثير وكثير، لأنه مكلف ناجح والوجود غير مكلف بل راسب.
3- ألا يكفيهم تجلِّي الإلۤه عليهم وأنهم في جنة عالية قطوفها دانية نفسية سامية متسامية، يقول تعالى في الحديث القدسي: «ابن آدم اطلبني تجدني فإن وجدتني وجدت كل شيء..»
فهم مع الله ألا يكفيهم الله!
4- طالما أجبت أنه بالرابطة والشفاعة فلماذا تسأل وقد تفضلت وأجبت! يا أخي كل ما يقع في نفس سيدنا آدم يقع في نفس أمنا حواء. عندما نسي نسيَتْ، وكما أحب الله أحبَّته هي أيضاً، وكما أكل من الثمرة أكلتْ منها، كذلك وقع نفس الدعاء الذي دعاه سيدنا موسى كذلك سأله سيدنا هارون دون أن يتكلم لأن المتكلم كان سيدنا موسى فقط، والله خاطب سيدنا موسى وهارون المرتبط به لأنه طلب بنفسه نفس طلب سيدنا موسى دون أن ينطق به أو يتحرك لسان سيدنا هارون به
قال تعالى: {وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ * قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ}. سورة يونس (88ـ89).
ما هو مصير أم النبي محمد ﷺ كذلك أبوه؟
ولكم جزيل الشكر.
الأخ الفاضل حفظه المولى الكريم ... آمين
لا ندري سوى أن العرب جميعاً في شبه الجزيرة العربية قبل بعثة النبي ﷺ كانوا عبَّاد أوثان ولا دين لديهم لا نصرانية ولا يهودية ولا يعبدون سوى الأصنام، وهذا قبيل البعثة حتى الصحابة الكرام كانوا في ضلال مبين كما قال تعالى في سورة الجمعة حتى جاء رسول الله ﷺ وأخرجهم من الظلمات إلى النور، هذا ما نعرفه عموماً، أما أم النبي وأبوه فأمرهم متروك إلى الله هو أعلم بهم ومصيرهم عند الله.
{تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} سورة البقرة (134).
وطالما يقول تعالى: {..وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} فيا أخي الحبيب دع أمرهم لربهم هو خالقهم ورازقهم وهم عنده وهو تعالى الرحيم بهم فهو أعلم وأحن بهم وعليهم، فدع ما ليس لك ولا لنا به علم إلى الرحيم الرحمن وكفى به وكيلاً.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ..} سورة الحجرات (12).
وقوله تعالى: {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّاً إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً إِنَّ اللّهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} سورة يونس (36).
{وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ..}: والعلم هو الشهود اليقيني، فهل كنت أنت شاهداً عليهم، أو أنا؟!
ثم من أنا وأنت حتى يحق لنا أن نحكم على أمِّ وأبي سيد الخلائق ﷺ؟
هل لنا حق التدخل بهذه العائلة المالكة لجنات ربه ﷺ؟!
فدع ما لا تعلمه إلى ما تعلمه {..إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} سورة الإسراء (36).
هل رفع الله عزَّ وجلّ السيدة مريم العذراء مع سيدنا عيسى عليه السلام أم توفاها بالأرض؟ وإذا توفاها عزّ وجلّ هل ذكر ذلك بالقرآن الكريم مكان دفنها أم لا؟
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
قال تعالى: {إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ..} سورة آل عمران (55).
ليس المراد من كلمة: {..وَرَافِعُكَ إِلَيَّ..} ما يتبادر إلى الأذهان، أذهان بعض الناس من أنه رُفِعَ إلى السماء، فإن الآية جاءت صريحة بقوله تعالى: {..وَرَافِعُكَ إِلَيَّ..} ولم تقل ورافعك إلى السماء، والله تعالى هذا الخالق العظيم، الذي لا نهاية له، مُنزَّهٌ عن أن يُحيط به زمان ومكان، فهو خالق الزمان والمكان.
ثم إنَّ السماء والأرض عند الله تعالى سيَّان في المنزلة والشأن، وكلاهما مخلوق، وليس يرفع من شأن الإنسان رفعهُ إلى السماء، إنَّما الذي يرفع الإنسان إلى خالقه ويدنيه من جنابه الكريم، عمله العالي، وجهاده في سبيل الله، ودعوته الناس إلى طريق الحق، وهدايتهم إلى الصراط المستقيم.
وإذاً: فالذي جاءت به الآية الكريمة ليس رفعاً جسمياً، إنَّما هو رفع المنزلة والشأن نقول: رفع الأمير فلاناً إليه، أي أدناه منه منزلة ومكانة، لا جسمياً ومكاناً.
قال تعالى: {وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} سورة فاطر (10).
{وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا(56) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا} سورة مريم، الآيات (56-57).
{يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} سورة المجادلة (11).
أقول: والذي ينفي أيضاً رفع سيدنا عيسى عليه السلام إلى السماء قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ} سورة المؤمنون (50).
والربوة: هي المكان المرتفع من الأرض. والقرار: هو الجبل الراسخ المستقر. والمعين: الماء الجاري الذي لا ينقطع.
عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال في هذه الآية: {وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ}.
(قال أتدرون أين هي؟ قالوا الله ورسوله أعلم. قال: هي بالشام بأرض يقال لها الغوطة، في مدينة يقال لها دمشق هي خير مدن الشام). أخرجه ابن عساكر، وهذا ما رواه البيضاوي في تفسيره، والمؤرخ ابن جبير في كتابه "تذكرة الأخبار عن اتفاقات الأسفار" أنَّ هذا الإيواء إِنَّما كان إلى ربوة دمشق، وجاء في بعض الآثار، أن ظهور سيدنا عيسى عليه السلام في آخر الزمان، سيكون في دمشق.
أما عن ذكر السيدة مريم عليها السلام نقول:
لقد جاء ذكر سيدنا المسيح وأمه الصديقة عليهما السلام بسورتي (المؤمنون والأنبياء)، وعلى أثر ذكرهما، ترد هاتان الآيتان الكريمتان: {وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ، يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ، وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} سورة المؤمنون (50-52).
والآية الثانية: {وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ، إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} سورة الأنبياء (91-92).
أي: أن البشرية كلها ستصبح أمة واحدة، حين ظهورهما عليهما السلام، وسيؤم لهما كافة المؤمنين، حيث يؤم الرجال جميعاً بالعالَم لإمامهم سيدنا عيسى عليه السلام، والنساء تؤم بسيدتنا مريم عليها السلام والكل بمعيته عليه السلام.
ومن الملاحظ في الآيتين الآنفتين الذكر أن سيدتنا مريم عليها السلام ذكرها تعالى كآية ومعجزة للعالمين: {وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً..}. و{وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ}. فمتى تكون سيدتنا مريم آية "أي معجزة"؟ وهي وُلدت لأبوين وعاشت كما يعيش عموم الناس، ولم تأت بمعجزات.
إذن: لا تكون المعجزة معجزة عليها السلام إلا حين قدومها الثاني مع ابنها العظيم عليه السلام.
قال تعالى في سورة المائدة: {لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا} سورة المائدة، الآية (17). وهذا دليل قاطع بأنه عليه السلام لم يمت هو وأمه، فلو كانا ميتين لكان الخطاب بغير هذه الصيغة، إذ أن كلمة يهلك جاءت بصيغة المضارع، فلو كان ميتاً، لجاءت بصيغة الماضي أي: أهلك. وهذا واضح وضوح الشمس في رابعة النهار.
رسول الله سيد الكون سيدنا محمد العظيم صلى الله عليه وسلم خاطبه تعالى بآية صريحة قائلاً جل وعلا:
{إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ} سورة الزمر، الآية (30).
أما سيدنا المسيح عليه السلام، فلا توجد آية في القرآن الكريم تقول أنه مات، فلو كان ميتاً عليه السلام، لذكر تعالى ذلك بوضوح، كما ذكر تعالى على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، بل لكرره في أكثر من موضع، بسبب أن هناك أقواماً يدعون أن السيد المسيح إلۤه، ولكن الآيات جاءت مبينة أنه نائم وأنه موجود هو وأمه، وأنهما في ربوة ذات قرار ومعين، وآيات أخرى داحضة للمزاعم بأنه إلۤه. فمن ذلك قوله تعالى: {مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ..} سورة المائدة، الآية (75).
الذي يأكل الطعام فقير وضعيف فهذا يكون إلۤهاً!
هل يكون الإلۤه فقيراً وضعيفاً، كيف يُطعم غيره؟!
{..انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ..}: ألا تكفي هذه الحجة عليهم!
{..ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} سورة المائدة، الآية (75). كيف يتحولون، الذي لا يأكل ليوم واحد، تذهب قوته، فكيف يُعين الخلق؟!
هذا ولو كان السيد المسيح عليه السلام ميتاً، لأضافها تعالى إلى تلك الآية كردٍّ على من يعبد السيد المسيح، لكنه تعالى لم يقل ذلك، بل بيَّن سبحانه (بشرية السيد المسيح وأمه عليهما السلام) من خلال افتقارهما للطعام والشراب، ولم يتعرض لذكر الموت هنا، قال تعالى: {وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ..} سورة النساء، الآية (159): وهذه الآية الكريمة، دليل واضح على عودته، وإيمان أهل الكتاب به قبل موته عليه السلام.
استمع مباشرة:













