تأويل سورة الهمزة
سلسلة تأويل القرآن العظيم
(أنوار التنزيل وحقائق التأويل)
- للعلامة الإنساني الجليل محمد أمين شيخو قدس سره
- جمع وتحقيق: الأستاذ المربي عبد القادر يحيى الشهير بالديراني
لمحة عن الكتاب
بعد كلّ هذا التحذير والإنذار والوعيد، بعد كلِّ هذه النتائج التي حدثت وتحدث في كلّ يوم وليلة، كيف لا نرى من خلالها أن لا منجى من الله إلا بالله ؟!
فما المادة إلا ظلٌّ قاتم وحجاب كثيف يزيد النفس بعداً عن الله وذكره، ومن أعرض عن ذكر الله فله معيشة ضنكاً...
كيف يذهب هذا الإنسان ويتمادى في دنياه و لايتّخذ من صالح الأعمال في هذه الدنيا سفناً، كيف له أن يؤمّل بالمال ويسعى لاهثاً وراء جمعه، ميتِّماً نفسه من نورها الأزلي الذي منحها الله إيّاه لتزيده بسعيها وتكسب به الإيمان والصلة به تعالى ومحبّة رسولها ﷺ الذي يقربها من ربّها.
إذن العبرة للتفكير الجادّ بكلامه تعالى، وليس المرور عليه مروراً عابراً بمفيد إن لم نتدبّر آياته ونجعل لها قراراً بنفوسنا يردعنا أو يبشِّرنا ويرغّبنا. و لايتمّ ذلك إلا بالإيمان الحقّ. اللهمّ لاتجعل الدنيا أكبر همّنا ولا مبلغ علمنا ...
الصيغ المتوفرة:
هذا الكتاب متوفر بشكل: كتاب إلكتروني.
كتاب إلكتروني:
معلومات الكتاب الإلكتروني
- الكتاب الإلكتروني بصيغة PDF، ePUB.
- الكتاب الإلكتروني مجاني.
- روابط التحميل تظهر لكم بعد تقديم الطلب.
- الكتاب متوفر على منصات غوغل بلاي، أبل ستور، أمازون.

أسئلة متعلقة بتأويل القرآن الكريم
هل هناك فرق بين هذه الكلمات الواردة في القرآن الكريم؟ 1- العدل والقسط. 2- اصبر واصطبر. 3- اليأس والقنوط. ولكم جزيل الشكر
1- الفرق بين العدل والقسط
القسط: أن ينال الإنسان استحقاقه ويحصل على عطاه كاملاً غير منقوص فكل مخلوق أخذ حقه بالتمام. أما العدل: فإنه يسمو ويعلو ويزداد عطاءً وارتقاءً فتتعدل أحواله وحياته لينال الأسمى والأعلى والأفضل، ويزداد علواً وسمواً. جاء الإنسان إلى الدنيا يعدّل وضعه. كان في جنة، لكي ينال جناناً خيراً مما كان فيه، وأن يعدِّل وضعه للأسمى دوماً بلا كلل ولا ملل. القسط: تطبيق ما أمر الله به بالتمام. مثلاً: الميراث: قال تعالى: {..لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ..} سورة النساء: الآية (11): الذكر عليه أمر النفقة والمهر وتأمين مستلزمات البيت، وليس مطلوب من الأنثى شيئاً من ذلك، بل على العكس هي التي تأخذ المهر وينفق عليها، لذلك كان نصيبها نصف نصيب الذكر، وذلك هو القسط. فللأنثى قسطها وللذكر قسطه ولا ظلم لأحد.
أما العدل: كلهم بالسوية دون تمييز ولا تفريق، لكل عامل أجره بحسب عمله وإنتاجه، أو لكل موظف راتبه المستحق ولا تمييز، ولكن أحدهم معيل ولا يكفيه أجره أو راتبه، بل يحتاج لعائلته ضعف الأجر أو الراتب عندها يضاف له الضعف بدون عمل مقابل من الخزينة أو بيت المال. إذن: إذا وجد شخص محتاج ومعوز يعدّل له وضعه. فالعدل: يدخل فيه التعديل الإضافي عن حقه، كضمان اجتماعي للكفاف. فمثلاً التكافل الاجتماعي في الدولة الإسلامية تعطي كل إنسان ما يحتاجه وعلى حسب كفايته، فالعائلة الكبيرة يعدّلون لها وضعها حتى يسدّوا العوز والفاقة عنها، والكفاف للجميع بالعدل.
2- الفرق بين: "اصبر واصطبر". إن مصدر اللغة العربية هو القرآن الكريم كلام الله العظيم لذلك نبحث عن هاتين الكلمتين في القرآن ونبحث عن معناها، فلا يختلف أحد في معنى المبنى. يقول تعالى لحبيبه ﷺ: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا..}: سورة طه: الآية (132). وهناك آيات عن الصبر: {..اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} سورة آل عمران: الآية (200). وعلى هذا يكون معنى الصبر: هو الانتظار والتحمل حتى يأتي الفرج واليسر بعد العسر. والصبر على أنواع: الصبر على الشهوات المحرمة المخزية المدمرة، كذا الصبر على الشدائد وفي الحروب، ويرقى الإنسان حتى يصبر على الناس وعلى إخوانه، بل على كل مخلوق رحمةً وحناناً، لأن المخلوق من نسيج الحضرة الإلۤهية. يصبر على إخوانه حتى ينقلهم من الإسلام إلى الإيمان، ويصبر عليهم ليرقى بهم من التصديق إلى الشهود والعيان، فيتحمّل في سبيل ذلك المصاعب والمشقة وينتظر فرج الله.
أما كلمة اصطبر: تحمل معنى الانتظار ولكن يرافق ذلك تنقية وطهارة، وهذا ما توضحه الآية الكريمة: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا..}: لأن في الصلاة تحصل الصلاة والاتصال بالله، ويحصل للمؤمن المصلي الحقيقي لذة وطرب ونعيم بسبب توارد النور الإلۤهي على قلبه، ولكن وبسريان هذا النور الإلۤهي وحدوث هذا السرور تنال من الفضائل والكمالات، بل تنمحي عنها بالمقابل الصفات الذميمة والمنحطة وتزول الشرور. وعلى سبيل التشبيه: ينقلب الفحم الأسود ألماساً، فيخلع المصلي ثوب الميول البهيمية والحيوانية، وتحلُّ محلها القيم الإنسانية، فبعد أن كان المرء جباناً يخاف من أبسط الأشياء فإنه بالصلاة يستند إلى جانب عظيم فيغدو هذا المؤمن شجاعاً لأنه استقى من ينبوع الشجاعة من الله الذي هو القوي ولا قوي سواه، فمن كان الله وليَّه فمن يجرؤ على أذاه.
كما تنقلب القسوة الوحشية إلى رحمة وعطف وحنان على كافة خلق الله فيغدو المرء رحيماً لا يؤذي أحداً، وكان بخيلاً يخشى الفقر، وينسب العزة للمال، فيغدو بعد الصلاة كريماً جواداً، يجود ليس فقط بالمال بل بالنفس في سبيل إنقاذ عباد الله، وهكذا يتدرج في صفات الكمال ومن كمال إلى أكمل فهو دوماً يتكامل ويسمو ويعلو بإنسانيته، وتزول منه النقائص الشريرة والمؤذية المدمرة، فلا يؤذي نملة وهذا معنى اصطبر. فحرف الطاء يرمز إلى الطهارة، وحينما ينادي ربنا الحبيب حبيبه (طه) نفهم أن الطاء: مشتقة من الطهارة و "الهاء" من الهداية فهو يناديه يا طاهراً من الذنوب ويا هادياً إلى علام الغيوب، فهو ﷺ مصلح البشرية ومخرجها من الدنيا الدنية إلى جنات ربه العلية. من الظلمات إلى النور، هو السراج المنير. فها هنا كلمة اصطبر تعني الصبر مع نوال الطهارة بالصلاة تنحت الشهوات البهيمية المحرمة وتزول النقائص وتتبدل الصفات، ينال المرء المكرمات ويرضي الله عنه فيثيبه الجنات عند انتقاله إليه، لأنه غدا محسناً لعباد الله ولخلق الله فغدا وجهه أبيض وهذه فكرة بسيطة عن الفرق بين الصبر والاصطبار.
3- الفرق بين اليأس والقنوط: اليأس: هو انقطاع الأمل حيث انسدت جميع الأبواب وانقطعت السبل والأسباب لقدوم الفرج، ولكن يبقى هناك رجاء من الله وتوقع الفرج القريب والنصر المؤزر والنجاح والفلاح الأبدي من الله، أما بالأسباب والوسائل المادية فلا يوجد بصيص أمل. فإذا جاء اليأس من البشر عندها يأتي الإمداد من الله بالفرج واليسر. إذن اليأس: حين ينقطع الرجاء والأمل من الإنسان، يبقى الأمل بالله وينصر الله المؤمن، إذا انسدت في وجهه السبل يلتفت إلى الله ويلتجئ إليه ويبحث عن الأخطاء التي صدرت منه فيغيِّرها ويتوب، عند ذلك يفتح الله له أبواب الخير، فاليأس حالته مؤقتة.
أما القنوط: يتضمن المستحيل وعدم توقع مجيء الخير وحصوله إطلاقاً. فحالة القنوط تكون عندما يقطع المرء أمله من الله، وهذه لا تكون إلا عند الكافرين فلم يعد لديهم أي توقع خير أو فوز ولا نصر، ولا يرتجون الفرج، حالة من الإحباط والانهيار لبعدهم عن الله، لا يعرفون ربهم فلا يلتجئون إليه، لذلك تلزمهم حالة القنوط وتستمر معهم ولا تفارقهم.
سيدي ومرشدي الحبيب أكرمكم الله دنيا وآخرة على هذه العلوم الربانية النافعة للبشرية جمعاء.
في سورة النجم الآية 52 ((وقوم نوح من قبل إنهم كانوا هم أظلم وأطغى))
والسؤال: كيف قوم سيدنا نوح أظلم وأطغى من قوم عاد وثمود علماً أنهم لم يكن أحد في الأرض غيرهم والأرض كلها لهم ولم يعبدوا سوى الأصنام تقرباً لله أما عاد فقد بطشوا بطش الجبارين وثمود مكروا لقتل سيدنا صالح وكانوا أهل حضارة مزدهرة وقوية أما قوم سيدنا نوح فقد سخروا منه فقط عندما رأوه يصنع السفينة فكيف هم أظلم وأطغى؟
أرجوا تبيان ذلك وشكراً لكم
قوم نوح هم أول من عبد الأصنام وهم البادئون بالكفر بالعالم وفتحوا هذا الباب والبادئ بالشر أظلم وهم أئمة الكفر، وكل من بعدهم تابع لهم يسيرون على نهجهم، لذا كانوا أظلم وأطغى من قوم عاد وقوم ثمود ولأنهم هم الذين فتحوا لهم الطريق وعلموهم، وهم آباؤهم وهؤلاء لحقوهم بالكفر. {وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ..} سورة الطور: الآية (47).
وجد البعض أن هناك تناقض في القرآن، حيث وجد أن الملائكة الذين قاتلوا في وقعة بدر مع الصحابة الكرام في سورة الأنفال (1000 ملك) في قوله تعالى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (9)}. وفي سورة آل عمران (3000 من الملائكة) في وقعة بدر أيضاً، في قوله تعالى: {إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (124)}.
أي هناك تناقض عددي في القرآن ويجب أن لا يكون فيه تناقض، سؤال هام جداً نرجو الإجابة.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
ورد في سورة آل عمران: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} انتهى الحديث عن وقعة بدر، والآن بدأ صلى الله عليه وسلم الحديث عن وقعة أحد والتي هو الآن في صددها:
{إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ}: هذه في وقعة أحد لا في وقعة بدر. يساعدونكم بوقعة أحد لتنتصروا عليهم وتحسّوهم بإذنه من أول المعركة، وهذا وقع بأول المعركة لأن الجنة تحت ظلال السيوف وهي الآن تحت ظلال الملائكة الكرام.
انتهى الكلام عن وقعة أحد أيضاً فلا ذكر للثلاثة آلاف من الملائكة في وقعة بدر في هذه السورة، بل كلها تتحدث عن وقعة أحد.
والآن: {بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ}: وهذه الآية نزلت في حمراء الأسد وهي بالمرحلة الثانية لوقعة أحد، حين أرسل أبو سفيان أخباراً زائفةً بأنه أتاه مدد جديد بغية تخويف النبي صلى الله عليه وسلم أشجع خلق الله وبثِّ الرعب في صفوف من معه من الصحابة الكرام، ولكنه لم يُفلح بل انقلب السحر على الساحر، لأنه حين لم يخافوا ظنّ أبو سفيان أنهم قد جاءهم مدد عظيم من المدينة المنورة، فألقى الله في قلبه وفي قلوب من معه الرعب، حتى قال: (لو لم تأته إمدادات عظيمة لما ثبت وهو يريد مهاجمتنا)، ففرَّ ومن معه هاربين، والقبائل العربية تشاهد هزيمة أبو سفيان لمسافة تقارب (400كم)، وقالت العرب: إنَّ أبا سفيان ومن معه هاربون مكسورون. عندها لم يكن هناك من يقول أن وقعة أحد هزيمة أبداً، وثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه كما ورد بالآيات القرآنية التالية:
{الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ..}: أي في القسم الأول من وقعة أحد، حين ظنُّوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قُتل ووقع ما وقع. {..لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ}: هؤلاء الذين شجعوهم بحمراء الأسد لقتال أبي سفيان ومن معه، كأبي بكر وعمر وغيرهما شجعوا الذين استجابوا لله وللرسول من بعدما أصابهم القرح، هؤلاء لهم أجر عظيم.
{الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ..}: هذا ما بثه أبو سفيان ليخيف الصحابة، وهم في حمراء الأسد يتابعونه لقتاله، ولكنهم ثبتوا ولم يخافوا وازدادوا إيماناً على إيمانهم. {.. فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ..}: الله هو الذي يُحاسب عنا وقد وعدنا بالنصر حتماً سينصرنا. {..وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}: وكَّلناه كل أمرنا فلا سلطان يعلو عليه جلّ وعلا.
فثلاثة آلاف من الملائكة بوقعة أحد، لذا كان النصر على المشركين سريعاً من بداية المعركة بقوله تعالى: {..إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ..}، والخمسة آلاف وعدهم الله بهم لو عاد أبو سفيان بجيشه ولكنه انهزم {..وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ..} سورة الأحزاب: الآية (25). انتصروا بالرعب لأن الله بهم رؤوف رحيم، وكانوا قد تعبوا بالقسم الأول من معركة أحد، فوفَّر عليهم تعالى الجهد والقتال ونصرهم نصراً عظيماً دون قتال، فكانت وقعة أحد وقعة نصر عظمى، فقد كان صداها على المشركين وعلى القبائل العربية التي شاهدت أبا سفيان وجيشه مهزوماً على طول الطريق من المدينة إلى مكة، وانكشف أمر وقعة أحد بأنها وقعة نصر عظيمة كما قال البوصيري رحمه الله:
وسَلْ حنيناً وسَلْ بدراً وسَلْ أُحُداً فصول حتفٍ لهم أدهى من الوَخِمِ
ومنذ عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي كافة العصور كان الناس يعلمون ويقولون: بأن وقعة أحُدٍ نصر عظيم، إلا في عصرنا هذا. وكل إناءٍ بما فيه ينضح، فقد قالوا: أنها هزيمة، إذ بحبهم للدنيا انشلّت لديهم العزيمة، فأصبح بمنظارهم المعكوس النصر هزيمة، والضعف والخوار والهزيمة نصراً.
فكيف يُهزَمون ورسول الله صلى الله عليه وسلم معهم مقاتلاً بروحه وجسمه ونفسه الشريفة؟! وقول الله: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ..} سورة الأنفال: الآية (33).
ففي المرحلة الأولى من أحد: سمعوا بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قُتل، فتوقفوا ثم انتقلوا في المرحلة الثانية لمعركة أحد إلى الهجوم ففرَّ المشركون خاسئين، وللنجاة بأرواحهم الخبيثة طالبين.
فالملائكة كانت في وقعة بدر ألف ملك عدداً، وفي المرحلة الأولى من وقعة أحد ثلاثة آلاف، وبنهاية معركة أحد في حمراء الأسد كان الوعد الإلۤهي خمسة آلاف، صدق الله العظيم ونصر رسوله الكريم، ونحن على ذلك من الشاهدين.
والحمد لله رب العالمين.
بسم الله الرحمن الرحيم
{..وإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} سمعنا شروح كثيرة لهذه الآيةِ فما هو تأويلها الحق؟
مع جزيل الشكر.
إن كلمة (اليوم) لا تقتصر على المعنى المتعارف عليه لدى عامّة الناس، أي اثنتا عشرة ساعة، بل قد تبتدئ من اللحظة كما في آية {..كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} سورة الرحمن: الآية (29). ويطول ويقصر بحسب قرائن الكلام وما يدل عليه مسرى الحديث فاليوم المعدود من قبلنا هو اثنتا عشرة ساعة وسطياً، وقد يزيد عنها في فصل الصيف كما ينقص عنها في فصل الشتاء.
إذن اليوم هو فترة زمنية غير محدودة بزمن محصور ومقصور تبتدئ من اللحظة وتطول وتقصر ونعود إلى الآية التي نحن بصددها:
{..إِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ..}: هنا الخطاب لسيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم وكلمة {..رَبِّكَ..}: أي ربك يا محمد. ففي هذا اليوم الذي يؤم لك المرء فيه وترتبط نفسه بنفس الشفيع المشفّع بروابط التقدير والمحبة والتعظيم، كما ارتبطت نفوس السحرة بنفس سيدنا موسى عليه السلام.
أقول: في هذا اليوم وإن شئت فقل في تلك اللحظة، إن قدّرت رسول الله وعظّمته يعرج بك إلى الله ويُدخِلُ نفسك في حضرة الله وترى بنوره صلى الله عليه وسلم طرفاً من عظمة الله وجلاله وتشهد بواسطة ذلك السراج المنير ما تشهد من كمال الله تعالى ورحمته ومزيد برّه وفضله فينقلك رسول الله منه إلى الله عزّ وجلّ وتنتقل من تقدير الرسول إلى تقدير الله.
وفي هذا اليوم يغدو المرء عالماً حكيماً من بعد ما كان جاهلاً. إذ تفتّحت منه عين البصيرة وانكشفت له الحقائقُ حقائق الأمور خيرها من شرها فغدا بصيراً من بعد ما كان أعمى القلب {..فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ..} سورة الحج: الآية (46). فهذه أكبر وأعظم نعمة ينعمها الله على إنسان قال تعالى: {وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ} سورة فاطر: الآية (19). وهذا كلّه بفضل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فإنَّ فَضلَ رسـول اللـه ليـس له حـدٌّ فيُعْـرِبَ عنـه ناطـقٌ بفَـمِ
وهذا اليوم له ما بعده، وخيره يتنامى ويتعاظم ليعمَّ القاصي والداني، فالصحابة العظام بتعظيمهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم غدوا علماء حكماء كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء، فهدوا الأمم خمسين جيلاً. ولا تزال بصحيفتهم الأمم والأجيال. والخيرات تتوالى عليهم. كلّ هذا بفضل ذلك اليوم.
{..إِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} فهذا اليوم الذي تؤم بنفسك لرسول الله الذي سما وعلا وتجعله إمامك وقدوتك على بصيرة وهدى وتصل به إلى السناء والضياء خير لك من عمرٍ تعمّر فيه ألف سنة بالصلاح والعبادة والفضيلة. وفي اكتساب العلوم والخيرات.
فلو عمَّرت ألف سنة على هذا المنوال من الاستقامة والصلاح، أي: لم تطرف عينك إلى حرام ولم تستمع بإذنك إلى منكر ولم تمتد يدك إلى محرم، وأمضيت عمراً بلغ ألف سنة على هذه الوتيرة، فهو بالمساواة كلحظة بقرب رسول الله، هذا القرب النفسي الذي يرفُقُه التقدير والمحبة. ومن نال هذا هو الإنسان حقاً الذي استأنس بالله ورسوله وصار ينفع الناس كلهم وهذا هو التقي حقاً بالدرجات العلى سما وعلا.
وهذا ما حصل مع سحرة فرعون عندما قدروا سراجهم المنير موسى عليه السلام، وشاهدوا الحقائق بنوره صلى الله عليه وسلم بلحظة واحدة، نالوا علوماً ما كانوا ليعرفوها ولم يسمعوها قبل ذلك، فتكلموا كلاماً شهودياً يقينياً. وآمنوا بهذه اللحظة برب موسى وهارون فهدَّدهم فرعون بالقتل والتنكيل والتعذيب فما وهنوا ولا ضعفوا بل كان جوابهم {..لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ} سورة الشعراء: الآية (50). وضحوا بالدنيا وما فيها وقالوا: {..فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} سورة طه: الآية (72). فالدنيا لم تعد لها قيمة عندهم وذلك من بعد أن وعدهم فرعون بالملك والإنعام والإكرام والقرب لديه: {قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَّمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} سورة الشعراء: الآية (42). إلا أن الذي رأوه عن طريق سيدنا موسى أعظم وأكبر إذ رأوا البداية فقالوا: {..لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا..} سورة طه: الآية (72). ورأوا النهاية فقالوا: {إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيى}. هذا الشيء فهموه بلحظة. {وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى}(5). كل هذا البيان والعلم بطرفة عين إذا كانوا سحرة كفرة لا يفقهون شيئاً، فهذه اللحظة الإيمانية بواسطة رسول الله صلى الله عليه وسلم تعادل ألف سنة بالصلاح والعبادة والاستقامة والانكباب على شتى العلوم المختلفة بهذه اللحظة ينل ما أعدَّه الله له مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
أريد تأويل الآية (21) من سورة الزمر: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَاماً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ}.
{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً..}: يحضنا الله عزَّ وجلّ لكي نسعى للوصول بالأصول فنحصل على هذه الرؤية، ونرى أن يد الله هي المتصرّفة في شؤون الكون كله، ونتوصل لنشاهد ألا إلۤه إلا الله فالمسألة مسألة شهود بعين البصيرة وليست بالأقوال "باللسان" لأنك يا مسلم تقول أشهد أن لا إلۤه إلا الله.
فهل يقبل القاضي العادل من الشاهد أن يقول: (أشهد بالحادثة الفلانية) وهو لم يرها؟! والله عزّ وجلّ يأمرنا: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ..} سورة محمد: الآية (19).
والآية تقول: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ..}: أي ماذا تنتظر أيها الإنسان وما الذي يشغلك عن هذه الرؤية، وأنت لم تُخلق ولم تخرج إلى الدنيا إلا من أجلها، قال أحد العارفين بالله: (إن امرؤٌ ذهب من عمره ساعة في غير ما خلق له حريٌّ أن تطول عليه حسرته يوم القيامة).
ونزول الأمطار نراه وكذلك نرى الدورة المائية، ولكن المطلوب هو أن ترى يد الله هي الحاكمة المسيّرة.
{..فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ..}: وجاءك تعالى بكل احتياجاتك، فسلك لك المياه العذبة الرقراقة الصافية الآتية من الأقطاب ببرودتها الشديدة، كل هذا هدايا يُواددك الله بها ولكي تفكِّر في هذه النعم فتحب الله على ما يغزوك به من نعمة فتستنير بنوره فترى الخير من الشر وتنال الخير.
{..ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ..}: من أين هذه الألوان المتنوعة المتعددة وهذه الصبغات المختلفة من الذي لوَّن وأخرج وهي في الأصل بذرة ميتة، يد من أوجدت وأبدعت ألا يجدر بك أن تفكر وتدقِّق في هذا كله، حتى تتوصل لتلك اليد المسيّرة الحنونة الرحيمة وهذا كله زائل ومنقضي والله هو الباقي الذي لا يزول، فابحث عن الدائم جلَّ فضله ليدوم لك العطاء منه.
{..فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً..}: يفقد الحياة والنضارة والاخضرار، إذن: مَن الممد له الذي أخرجه ودبَّ فيه الحياة من ثمَّ قطعها عنه؟ ماذا تنتظر أليس حري بك أن تتعرف عليه جل شأنه!
{..ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَاماً..}: لا حياة فيه.
وهكذا الدنيا تبدأ جميلةً نضرةً لا تدوم، بل تفنى وتزول والإنسان يخرج طفلاً ثم شاباً يتمتع بالقوة والنشاط والجمال، ثم لا يلبث أن يهرم ويشيخ ويموت فلا باقي إلا الله فكل من تتعلق به من الدنيا نهايته إلى الفناء والزوال وأنت أيضاً لك بداية ولك نهاية.
{..إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ}: أصحاب القلوب الحيّة بالله المؤمنون، أي أولئك اهتموا باللبّ وتركوا القشور، فتفتحت منهم عين البصيرة.
الذين فكّروا واهتدوا هذه الآية تذكِّرهم بربهم وبنهايتهم.













