تأويل القرآن العظيم

تأويل سورة الماعون

سلسلة تأويل القرآن العظيم

(أنوار التنزيل وحقائق التأويل)

  • للعلامة الإنساني الجليل محمد أمين شيخو قدس سره
  • جمع وتحقيق: الأستاذ المربي عبد القادر يحيى الشهير بالديراني

لمحة عن الكتاب

المكذّب بالدين: امرؤٌ معرض عن الخالق منبع الكمالات ومنار ينابيع الهدايات وموئل الخيرات، من أشاح عنه تعالى فقد أشاح عن الجنّات، وأضاع المكرمات وبالأمراض النفسيّة باء فتحوّل لدنياه الدنيّة إثر حرمانه لنفسه من الرحمة والإنسانيّة وبذا فقد فتح وعاء نفسه وسقاءها إلى الدناءة والانحطاط، فانصبّ فيها الجفاء والقسوة وعدم الوفاء، وكان البخل والجبن إلفه وأليفه، والكذب والخيانة حليفه وكان نبراساً للدنيء من الأخلاق.
ترى وأرى في تضاعيف هذا الكتاب القيّم الثمين أنّ صفتيه من دعِّ اليتيم وعدم الحضِّ على طعام، كاشفٌ من الكواشف التي تُظهر حقيقة هذا الإنسان المحروم من كلِّ عطفٍ وحنان، فاحذره أكثر ممّا تحذر الكاسر من الوحوش والضاري من الحيوان، فهو الوحش المعب المختبئ في جلد إنسان، بل هو أشر من كلّ مخلوق وأخطر من كلِّ حيوان، وسبب ذلك كلّه عدم سلوكه عمليّاً طريق الإيمان.
فاحذر على نفسك وأشفق من الحرمان وسوء المصير واسمُ بالإيمان الحقّ إلى المقام العالي الرفيع، مقام الأُنس بالله وبك تأنس الخلائق غبطةً أبدية بالجنان.
﴿وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. سورة العنكبوت الآية (6)


لقطات شاشة من الكتاب

تأويل سورة الماعون

الصيغ المتوفرة:

هذا الكتاب متوفر بشكل: كتاب إلكتروني.


كتاب إلكتروني:

معلومات الكتاب الإلكتروني

  • الكتاب الإلكتروني بصيغة PDF، ePUB. 
  • الكتاب الإلكتروني مجاني.
  • روابط التحميل تظهر لكم بعد تقديم الطلب.
  • الكتاب متوفر على منصات غوغل بلاي، أبل ستور، أمازون.
تأويل سورة الماعون

  • مقدمة المحقق
  • تأويل سورة الماعون

  • عنوان الكتاب: تأويل سورة الماعون
  • السلسلة: تأويل القرآن العظيم (أنوار التنزيل وحقائق التأويل)
  • للعلامة الإنساني محمد أمين شيخو
  • الناشر: دار نور البشير- دمشق- سوريا
  • النشر الإلكتروني: Amin-sheikho.com
  • حجم الصيغ المتاحة للتحميل:
  1. PDF: 2.92 MB
  2. ePUB: 0.20 MB

  • ePUB: جيد لتصفح الكتاب على أجهزة الكومبيوتر اللوحية، والهواتف المحمولة (منصوح به للتصفح السهل مع تطبيق "غوغل كتب" و"آي بوك").
  • PDF: جيد لتصفح الكتاب بواسطة برنامج (أدوبي ريدر) على أجهزة الكومبيوتر بأنواعها، والهواتف المحمولة بأنواعها، وهو مناسب للأغراض الطباعية.

أسئلة متعلقة بتأويل القرآن الكريم

قال تعالى: {يَوْمَ يَجْمَعُ اللّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ} ما هو تأويل هذه الآية وأين علمهم ولِمَ لم يجيبوا أو يتذكروا؟ وما ربطها بالآيات بعدها عن سيدنا عيسى؟ ولكن في الآيات التي بعدها سيدنا عيسى أجاب: {..قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ..}، وهل هذه الإجابة قالها أم سيقولها يوم القيامة كما نلاحظ من خلال سياق الآيات بعدها، أم متى؟ والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


يقول سبحانه وتعالى: {يَوْمَ يَجْمَعُ اللّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ} سورة المائدة: الآية (109). هذا يومُ العطاء والنوال، إنه يوم القيامة يوم التفرغ لنيل الجزاء على الأعمال، وإنه يوم الفصل، تفصل به جميع الخلائق فأهل الجنة للجنة وأهل النار للنار. والرسل العظام الذين قدَّموا حياتهم كلّها في سبيل إنقاذ عباد الله من الظلمات والأخذ بأيديهم إلى مراتع النور والجنات. هؤلاء الذين ضحّوا بكل شيء، في سبيل مرضاة الله، وظلُّوا طوال حياتهم الشريفة في جهاد عنيف ضد الباطل وأهله، وقدَّموا كل شيء في سبيل هداية أقوامهم قال رسولنا ﷺ: (وهبت روحي وجسدي لأمتي). وكاد أن يذهب نفسه حسرات عليهم ألا يؤمنوا بالله العزيز وكابد الحزن الشديد وأشقى نفسه في سبيل هداية الخلق، يتألم لشقائهم ويحزن لبعدهم، كان ﷺ يعيش من أجل غيره، فلو اجتمعت رحمات الأمهات من عهد أمنا حواء عليها السلام إلى آخر الدوران لا تعدل ذرة من رحمته ﷺ قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} وكذلك جميع الأنبياء والمرسلين. جاهدوا في سبيل إخوانهم في الإنسانية. واليوم آن أوان العطاء العظيم، إنه يوم التفرّغ من أجل النوال الذي يسبي الألباب ويشده العقول والقلوب جميعاً، بما عملوا وما نالوا في قلوبهم من خيرات، والله يريد أن يعطيهم أجرهم غير منقوص لأن الله شكور، لمّا تجلّى الله تعالى عليهم بعد الفصل بأنواره العليّة وتجلياته السنيّة، طارت نفوسهم شوقاً وهياماً في عطاءات ربهم وجميع الأنبياء من لدن آدم عليه السلام حتى إمام المرسلين سيدنا محمد صلوات الله عليهم أجمعين مفتونون بهذا الجانب العظيم جلّ كرمه تعالى والمقام السامي الرفيع الذي نالوه، فلم يتذكروا شيئاً سوى تجليه عليهم في عروجهم وإقبالهم في حضرة قدسه، وغابوا في حبه تعالى عن كل شيء، إذ أنهم مفتونون في أسمائه تعالى الحسنى وتجلياته الكبرى، ويريد الله بسؤاله لهم {..مَاذَا أُجِبْتُمْ..}: أن يذكرهم ويعيدهم إلى الوظيفة فهم الشفعاء الذين يرتقون بنفوس أصحابهم في الإقبال على الله فأراد تعالى أن يرجعهم إلى وظيفتهم، من بعد أن صرفهم عن حزنهم على أهل النار بهذا العطاء العظيم الذي أنساهم كل شيء. وهذا ما ينطبق تماماً على سيدنا عيسى عليه السلام فعندما سأله الله: {..أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ..}، أجاب: {..قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ..} سورة المائدة: الآية (116). هذه الإجابة من بعد ذلك الموقف الذي أنساهم الله كلّ ما مرَّ معهم ليفيض عليهم بما قدّموا في حياتهم للبشر ومن ثمَّ ذكّرهم وأعادهم للوظيفة في الآخرة، فهنا من أجل أن تقام الحجة على المشركين، أن هذا الذي ادّعيتم أنه إلۤه "عن سيدنا عيسى عليه السلام" أنّه هو بذاته ينفي هذه التهمة عن نفسه ويبرّئ نفسه من شرككم. والأمر يومئذٍ لله إذ أن الملك له تعالى ولا إلۤه سواه: {..لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} سورة غافر: الآية (16): عندها  وقد زالت عنهم حجب شهواتهم فتبدّت الحقيقة سافرة. والحمد لله في بَدءٍ وفي ختم.

قال الله تعالى: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلِّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً لِّيُوَاطِؤُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ اللّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ}.
ما معنى النسيء الذي قال الله عنه أنه زيادة في الكفر؟


معنى كلمة النسيء لغوياً هو التأخير، أي هنا تأخير الأوقات للحج.
فالمعروف أن دَيْنُ النَّسيئة هو دَيْنُ التأخير.
ففي الآية: (14) من سورة سبأ قال تعالى: {فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ..}: فمعنى المنسأة هنا هي العصا، وسميت منسأته عندما أخَّرت الدلالة على موت سيدنا سليمان عليه السلام.

فمعنى النسيء هنا هو تأخير الأوقات، فالله يقول أن الحج أشهر معلومات، أما الآن فجعلوها أياماً، الله يقول: (أشهر) ولم يقل: (أياماً) ولم يقل: (أسابيع)، فالنسيء تأخير أشهر الحج عن مواعيدها وجعلوا الحج أياماً.
والآية (36) من سورة التوبة يقول تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ..}: لا تضيِّع هذه الأشهر. بمجرد نيتك الحج غدت وجهتك إلى الله تعالى وهو شهر شوال. بهذا الشهر تتهيَّأ للدخول بذاك المدخل السامي. في مكة وبشهر ذي القعدة تعتمر وتقعد للاستعداد خلال شهر كامل تمرِّن نفسك على الصلة والصلاة الصحيحة، فتطوف وتسعى وتصلي وتعتمر... لقد حرَّم الحاج على نفسه الدنيا والأهل فهي أشهر حرم.

فالأشهر الحرم:
"رمضان": تحرم على نفسك الأكل والشراب والنساء نهاراً، كذا "بشوال" حرَّم الدنيا وأهلها، بل طلقها لفترة وذهب من وطنه للحج.
"ذو القعدة وذو الحجة": حيث يحرم النساء والكلام والحك والتقليم و... بالإحرام.
{إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ..}: تأخير أشهر الحج عن مواعيدها، كذلك القول بالسفور، بالربا بنسبة قليلة وما إليها، كلها من البعد عن الله.
{..يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ..}: الكافر يُضل. المؤمن التقي يعرف فلا يضلُّه أحد.
{..يُحِلِّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً لِّيُوَاطِؤُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللّهُ..}: يوافقوا العدة فيحلوا مَا حَرَّمَ اللّهُ: بالتقديم والتأخير. حيث أضاعوا النظم والقوانين التي جعلها الله للإنسان ليهتدي، فلقد جعلوا الأشهر الحرم رجب... محرم...جعلوها متفرقة مع العلم أن محرم من السنة الثانية جعلوه من الأشهر الحرم، وماذا يحرَّم في رجب مثلاً؟! أو محرَّم!؟
الحقيقة أن الأشهر الحرم هي التي تحرم فيها الطعام والشراب والنساء أثناء الصيام نهاراً. وبأشهر الحج (شوال، ذي القعدة، ذي الحجة) حيث يُحرَّم النساء وحتى الكلام غير الضروري معهن بالإحرام، كذا الحك والغسل ...إلخ.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أما بعد: أستاذي الكريم سؤالي: ما هو مدلول لفظ كلمة (-اشتعل- الرأس شيبا)؟! لم جاءت بلفظ اشتعل، لِمَ لَم تأتِ (شيّب) أو امتلأ أو أصبح؟ فقد ذُكر عن الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم قوله: (شيبتني عاد) فقد ذكر كلمة شيبتني ولم يقل اشتعل رأسي! أفيدونا مما علمكم الله جزاكم الله عنا كل خير.


كما قال ابن جني في فقه اللغة العربية: أن أصل الكلمة في اللغة العربية من حرفين وما زاد في المبنى زاد بالمعنى. فعلى حسب هذه القاعدة يكون معنى كلمة اشتعل مأخوذ من كلمتي شعَّ وعلا. وأعلى شيء بالإنسان رأسه.
أي: يشع الرأس بالبياض.

أستاذي الكريم أود معرفة سبب ورود كلمة (الناس) قبل كلمة (القرآن) في سورة الإسراء ومن ثم ورودها بعد كلمة (القرآن) في سورة الكهف؟ كما في الآيتين التاليتين:
{وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً} الإسراء: 89.
{وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً} الكهف: 54.
وجزاكم الله عنا خير الجزاء.


إن ترتيب الآيات في السورة وترتيب السور كما نراها الآن في كتاب الله العزيز، يختلف عن ترتيب نزولها زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، فترتيب السورة والقرآن ككل ترتيب توقيفي. فكان صلى الله عليه وسلم يقول (ضعوا آية كذا في الموضع كذا) وتمَّ هذا بوحي من الله عن طريق جبريل عليه السلام وهذا ما أثبتته أحاديث كثيرة.
فأسباب النزول زمن النبي انتهت وذهبت مع ذلك الزمان، وترتيب القرآن ترتيب شامل لكل الأزمان، وبهذا الترتيب التوقيفي غدا القرآن الكريم ليس محصوراً في زمن واحد بل هو لكل زمان وعصر (فيه ذكركم وذكر من سيأتي بعدكم وذكر من كان قبلكم)، فالقرآن الكريم شمل العصور على مر الدهور، لأنه كلام رب العالمين المحيط بكل الأزمان وترتيبه بوحي من الله، الذي لا يحصره زمن إنما هو تعالى المحيط بكل شيء.
وقال سيدنا على كرّم الله وجهه: (إن هناك في القرآن آيات لم يحن بعد تأويلها)، والمعنى أنها لا تخصّ ذلك الزمان إنّما تتحدّث عن زمن لاحق، فالآية في سورة الإسراء: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً} سورة الإسراء: الآية (89).
هذه الآية تتكلم عن زمن الرسول صلى الله عليه وسلم حيث انتشر الإسلام في شبه الجزيرة العربية، وبقي اليهود والنصارى والروم والفرس والهند والصين وكذا أمم آخرون، ولكن الصحابة الكرام استجابوا فآمنوا واتقوا وجاهدوا بالله واجتهدوا وله آووا وقد نصروا، فبإيمان الصحب الكرام وتقواهم كانت البشرى للرسول يوم الأحزاب حيث قال ستفتح عليكم الشام ستفتح المدائن ستفتح مكة، فالبشرى أن الإسلام سينتشر في أصقاع المعمورة لذلك تقدمت كلمة الناس لأنهم سيدخلون في دين الله أفواجاً والله قد أمر رسوله: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ..} سورة المائدة: الآية (67): فأنت رحمة للعالمين وليس للجزيرة العربية فحسب. {..فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً}. بعد أن بين لهم كل شيء طالما بالمنطق ما استجابوا وللحق ما أنابوا، ولله لم يخضعوا عندها تشهر في وجههم السيف لهدايتهم. فهنا الأمر بالجهاد والمقاومة ضد هؤلاء المعاندين الكثر الذين أبوا إلا الكفر. وكلمة: {..وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ..}: أي لا يستطيعون أن يصلوا إليك بسوء، ولا لصحبك والنصر حليفكم.
لأنهم برسول الله مرتبطون، فالنصر معهم حيثما ساروا على رغم قلة عددهم وقوة إيمانهم وتقواهم وكثرة عدد عدوهم، والله هو مهيّئ الأسباب ومفتِّح الأبواب، قال تعالى: {..إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ..} سورة الإسراء: الآية (60). فدين الله سينتشر في العالم وهو تعالى ممهد للصحابة فتوح البلاد وقلوب العباد فالناس جميعاً بقبضته.
أما الآية في سورة الكهف، فهي تفيد هذا الزمان الذي صموا أهله عن الحق أذانهم، وللغواية والضلال هرعوا.
{وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً} سورة الكهف: الآية (54).
فالناس في هذا الزمان لم يستجيبوا إذ عرفوا وحرفوا {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ..} سورة النمل: الآية (14). فمهما أراهم الله من آيات لا يرون ومهما سمعوا من عبر لا يسمعون ولا يعقلون فتأخّروا وما تقدّموا، لذلك جاءت كلمة القرآن تسبق كلمة الناس، والإنسان البعيد عن الله يجادل لردِّ الحق بكافة السبل وبالباطل لغلبة شهوته عليه والآية التي بعدها {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ..}: لا يؤمن حتى تأتيه الشدائد والمصائب وهذا ما نراه في كل يوم في زمننا هذا فالآية تتكلم عن هذا الزمن {..أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلاً} سورة الكهف: الآية (55). هلاك عمومي، بلاء شامل يذهب بهم جميعاً ولا يبقى سوى المؤمن ومن لديه قابلية للإيمان وهذا هو واقعنا.

سيدي الفاضل الأستاذ عبد القادر أدام الله عزكم.
اطلعتُ على تأويل الآية (107-108) من سورة هود والتي ذكر في كل منها قوله تعالى: {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ..} والمقصود هم الأشقياء والناجحون وقد أُوِّلت بما يلي: (هذه لا تزول، ما فوقك وما تحتك لا بد منه). والآيات على ما يبدو تخصّ يوم القيامة. فهل يبقى سماء وأرض يوم القيامة (كصورة وكحقيقة)؟ هل المقصود بالسماء الأعمال العالية؟ والمقصود بالأرض الأعمال المنحطة؟ أم ماذا؟
أرجو تفصيل ذلك ودمتم.


كل ما علاك فهو سماك وكل ما دونك فهو أرض بالنسبة لك. يقول سبحانه وتعالى:
{فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ} سورة هود: الآية (106).
بالنسبة للذين شقوا في النار خالدين ما دامت السموات والأرض، فهؤلاء أيضاً مراتب ومستويات، فالمنافقون مثلاً في الدرك الأسفل من النار، وكذلك الذين اتُبعوا لهم ضعف عذاب الذين اتبعوا وهكذا كلٌ حسب أعماله الإجرامية وما قد أسلف في دنياه، وبحسب ما هو متألم، يعطى المناسب له، وطالما أن الإنسان معرض عن الله منبع الرحمة ومانح الحياة والجنات، فهو في هذا الحال من العذاب على استمرار، ومتى تنازل عن كبره الأرعن وأناب إلى ربه الكريم يجد الله غفوراً رحيماً، فيشفيه ويصلح باله ويبدله نعيماً مقيماً. قال تعالى: {ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيّاً (70) وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً (71) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً} سورة مريم: الآية (70-72).
وقال ﷺ: (يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان)، فكلمة: {..إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ..} استدراك، لبيان أن كل علاج على حسب حال صاحبه، فإن أناب المرء إلى ربه ودعاه مخلصاً له، عندها يخرج من صنف المعذبين ويغدو مع المكرمين الصالحين لعطاء ربهم العظيم، وذلك بأن يُذكرهم ربهم ولو بمرورٍ مع أهل الحق في دنياهم، لتكون لهم سنداً لدخولهم في الجنة وذلك بالالتجاء إلى الله بواسطة ذكراهم مع أهل الله ودخولهم على الله بسبب هذا المرور الذي مرُّوا فيه في الدنيا.
{..إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ}: ولا يريد لعباده إلا الخير والسعادة.
{وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ..}: وأهل الجنة أيضاً مستويات ومراتب، فسموات أهل الجنة هم الذين فوقهم، وهم السادة الأنبياء والمرسلون، فهم أسمى وأعلى وأرقى أهل الجنة. وكل إنسان يوجد من هو أعلى منه ومن هو أقل منه بالمرتبة، فالناس درجات وكلُ إنسان وله جنته على حسب حاله، فالذي دونك هو أرض والذي فوقك هو سماء بالنسبة لك.
{..إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ..} استدراك، فالذين في الجنة في عليين أي في جنات عالية من جنة لجنة أسمى وأرقى، بناءً على ما يُعرض لهم من أعمالٍ قدَّموها في دنياهم، وفي الآخرة في الجنة حان أوان جني ما قد زرعوه في دنياهم من أعمالٍ عظيمة وتضحيات كبرى والأعمال تدور أمام ناظرهم، وهم يدورون في أفلاكِ جناته تعالى ويرقون رقياً متواصلاً لا يتناهى، ولكن كيف يستطيع المرء أن يرقى هذا الرقي المتواصل الذي لا يتناهى متنقلاً من جنة إلى جنة أعلى وأسمى؟
أقول: إن الإنسان في هذه الدنيا له فكر وعقل، فبالفكر يتعرَّف إلى الوقائع ويتذكر ما قام به من أعمال وما جرى له من حوادث أما العقل فيشهد به حقائق الأعمال وقِيَمَها الحقيقية التي تؤهّله لأن يُقبل بها على الله. فإذا كان يوم القيامة تعطّل الفكر، إذ لم يبقَ له ضرورة وانكشفت الحقائق للعقل واضحة جلية، وهناك فالملائكة تمرّر على الإنسان سلسلة أعماله التي قام بها في دنياه عملاً بعد عمل. وكلما رأى عملاً من أعماله الصالحة أقبل به على خالقه فارتقى من حال إلى حال، وهكذا حتى تمرّ به جميع أعماله فتعود السلسلة من جديد.
ونظراً لعدم وجود الفكر: عندما تمرّ به الأعمال من جديد فيعقلها ويرقى بها وهو لا يذكر أنه رآها من قبل ويظنها جديدة، وذلك باستمرار فهو متواصل الإقبال، متزايد في الصحة النفسية والتنعّم بمشاهدة ذي الجلال والجمال، إلا أن الأمر يطول والحياة في الجنة لا نهائية سرمدية، فيصل هذا الإنسان لمرحلة من المراحل يعتاد على الجنة التي كان يأخذها استناداً على أعماله، ويعتاد على أعماله تلك التي قدَّمها، وهذا بسبب طول المدى وبسبب تكرارها عليه كثيراً. عندها ينتقل من مرحلة الأعمال إلى مرحلة الصدق، إذ ينتقل في الإقبال بصدق الأنبياء فأضحى صدق الأنبياء يرفعه إلى صدق سيد الخلق النبي الأمي والآن الإقبال على ربه بالصدق لأنه صاحب أهل الصدق وهم الأنبياء والمرسلين {..فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقاً} سورة النساء: الآية (69).
قال تعالى: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً..} سورة الأنعام: الآية (115).
فكلما صدقوا كلما عدَّل الله أوضاعهم أي رفعهم من حال إلى أعلى.
وقال تعالى أيضاً: {لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ..} سورة الأحزاب: الآية (24). ويصبح في هذا الحال {فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ} سورة القمر: الآية (55).
فالصدق غدا هو الدافع والمحرك للرقي في الجنات العلية كما كان الحال مع السادة الأنبياء والرسل في عالم الأزل الذي لم يكن فيه عمل بعد، بل بصدقهم نالوا ما نالوا من المقام السامي والشأن والرفعة وبصدقهم مع ربهم كسبوا عطاءات ربهم الأزلية.
وفي الآخرة بعد أمدٍ طويل يرجع الإقبال بناءً على الصدق بمعية رسول الله النبي الأمي ﷺ كما ذكرنا آنفاً قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ} سورة التوبة: الآية (119).
وعندها يكون العطاء مستمر الجريان مندفق باستمرار دون انقطاع أو فتور قال تعالى {..عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ}: أي متواصل لا ينقطع.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى