تأويل القرآن العظيم-المجلد الثالث
سلسلة تأويل القرآن العظيم
(أنوار التنزيل وحقائق التأويل)
المجلد الثالث
- للعلامة الإنساني الجليل محمد أمين شيخو قدس سره
- جمع وتحقيق: الأستاذ المربي عبد القادر يحيى الشهير بالديراني
لمحة عن الكتاب
لقد نهج العلاَّمة بالدين وتأويل القرآن العظيم منهجاً سامياً عليّاً، يسمو بالإنسان لأسمى حياة... لم يكن عليه من سبقه من الكتبة والمفسرين والعلماء السابقين، منهجاً يمكِّن أي إنسان أياً كان مستواه الإدراكي والثقافي أن يدركه بمستواه، ويسعد بمعانيه، ويعلم ساعتها كيف أن القرآن الكريم: {الۤر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ} سورة يونس، الآية (1). مجملاً ومفصلاً.
لتُعلم حقائق الآيات بدقائقها والمراد منها.
ونهضَ بالدعوة إلى الله فبرهن وأبان الحجج تترى.
كشفَ حقائق المذاهب والطرق الملتوية ودحضها بالمنطق والحجة، فخاطب الإنسان ونفسه، واستنهض تفكيره، وعرض نظام الأكوان وما فيها من إحكام في التسيير وإتقان في صنع الخلْق: من عظمةٍ للجبال.. هي بحقيقتها عظمة خالقها التي أضفاها عليها، ووسعة وعظمة للبحار والسموات أضفاها عليهما أيضاً الواسع العظيم جلَّ شأنه لتصل النفس الطالبة للإيمان لليقين بشهود عظمة الإلۤه ووسعته اللانهائية كما آمن وأيقن السابقون الأُول. إذ يأبى الله أن يترك هذا الإنسان المعرِض منغمساً في شهواته، متجرداً عن إنسانيته، مُعرضاً عن موئل الفضائل والمكرمات جلَّ كماله، ضائعاً لا يدرك خيراً من شر ولا حسناً من سيءِّ.
يرى تعاليم الإلۤه سجناً وقيداً لطاقاته وإمكانياته وحرِّيته، فأرسل له من يوقظ تفكيره، وينبهه إلى مغبة أمره وعظيم خسرانه، ليأخذ بيده إلى دار السلام حيث الرضى والمكرمات والسعادة والإكرام بالأمان.كل ذلك ليتوب الإنسان وينال المكرمات، ولكي لا يقول غداً وهو بالحسرات:
{.. يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا} سورة الفرقان، الآية 27.
باب التوبة والسعادة مفتوح، فالتوبة بالعجل قبل فوات الأمل.
الصيغ المتوفرة:
هذا الكتاب متوفر بعدة صيغ: كتاب إلكتروني، صوتي، وورقي
كتاب إلكتروني:
معلومات الكتاب الإلكتروني
- الكتاب الإلكتروني بصيغة PDF، ePUB.
- الكتاب الإلكتروني مجاني.
- روابط التحميل تظهر لكم بعد تقديم الطلب.
- الكتاب متوفر على منصات غوغل بلاي، أبل ستور، أمازون.

كتاب صوتي:
معلومات الكتاب الصوتي
- الكتاب الصوتي بصيغة MP3.
- الكتاب الصوتي مجاني.
- روابط التحميل تظهر لكم بعد تقديم الطلب.
- الكتاب متوفر بشكل صوتي ومجاني في موقعنا، ومتوفر أيضاً في مواقع الكتب الصوتية العالمية الشهيرة.

كتاب ورقي:
معلومات الكتاب الورقي
- الكتاب الورقي متوفر للشراء من موقع الأمازون وشركائه، في أنحاء العالم.

أسئلة متعلقة بتأويل القرآن الكريم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، في سورة الواقعة: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ، وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ، إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ، فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ}. {أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنتُم مُّدْهِنُونَ، وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ، فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ..}. {فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ، تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}. لو كانوا صادقين هل ترجع بحال من الأحوال؟ وما علاقة الربط بين الإرجاع وكلمة {غير مدينين}؟ وهل هم مدينين أم لا؟ وما معنى مدينين؟ ما هو تأويل الآيات السابقة؟ ما معنى مواقع النجوم؟ وما علاقة ربطها بالقرآن الكريم في الآيات التي بعدها؟ ولماذا لم ترد كلمة (النجوم) بدل كلمة {مواقع النجوم}؟ ما علاقة الرزق بالتكذيب؟ وما المقصود بالرزق؟ وما هو الحديث؟ وما معنى مدهنون؟ وهل التي تبلغ الحلقوم الروح أم النفس أم كلاهما؟ وجزاكم الله خير الجزاء وشكراً.
أولاً- تسأل: [لو كانوا صادقين هل ترجع بحال من الأحوال؟]: الآيات الكريمة في سورة الواقعة: {فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ، وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ، وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ، فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ، تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}. هذه تتكلم عن ساعة الموت، ساعة فراق الأهل والأحباب ساعة ترك الدنيا وزينتها، وتقطع الأسباب، ساعة السفر البعيد عن كل الأصحاب، والأهل ينظرون لذلك الميت بأعينهم ولا يدرون ماذا يحصل له ولا يبصرون الحقائق الماثلة لهذا المحتضر وأن الله أقرب إليه منهم وهم المحيطون به. يقول لهم تعالى بعد أن مات هذا الإنسان وواروه التراب. {فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ}: إن لم يكن عليكم ما عليكم من أعمال تدينكم عند بارئكم، إن لم يكن عليكم أفعال وارتكابات وتقصيرات في جنب ربِّكم وتفريط ومخالفات بأعمال تتنافى مع الإنسانية التي خُلقتم لأجلها، والتي تنافي الفطرة التي فطركم الله عليها، إن لم يكن ذلك الدّين عليكم كنتم استطعتم أن ترجعوا نفس هذا الميت وتخاطبوه، فالنفس باقية لا تموت، بل الجسد هو الذي يموت والنفس تذوق الموت ذوقاً. {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ..} سورة العنكبوت: الآية (57). وعدم لا يكون، فالنفس باقية ببقاء الله، فهي تسمع وتتكلم وإن كان الإنسان صادقاً صالحاً ليس لديه أعمال تنافي إنسانيته من إساءات وإقترافات، عندها تشف نفسه ويسمع خطاب الأموات ويكلمهم ويكلمونه، وهذا حقاً ما حصل مع رسولنا المثل الأعلى ﷺ ويحصل مع كل مؤمن مقتفي أثر الرسول الأعظم ﷺ عندما سلَّم على أصحاب القبور "أهل القليب" فردوا عليه السلام، فسأله بعض الحاضرين هل يسمعونك يا رسول الله؟ فأجابهم ﷺ: والله ما أنتم بأسمع لي منهم. وكذا الصحب رضوان الله عليهم، وهذا عندما توفي فتى عمر رضي الله عنه وحصل ذلك عندما كان سيدنا عمر مشغولاً بأمور الدولة، وبينما كان فتاه يسير في إحدى شوارع المدينة يموج بالحيوية والفتوة وهو على ما عليه من جمال أخاذ وحسن طالع يسبي القلوب وهو جامع للكمال الصوري والمعنوي فكانت صورته لا مثيل لها بالمدينة المنورة، وإذ بامرأة خبيثة تراه فتفتن به وبجماله، ويحرّضها شيطانها لتكيد له وتدبِّر أمراً يلبِّي طلبها الخبيث عرضت نفسها مراراً عليه فلم يشعر بها، وتعمل ما يلفت انتباهه لكن دون جدوى، فكيف يكون لهذه الفاجرة ما تريد والحشمة تسود المدينة؟! مالها من سبيل سوى المكر، فرمت كيساً ثقيلاً من القمح أمام بيتها، وما أن وصل هذا الفتى أمام البيت حتى طلبت منه برجاء وتوسل إدخال هذا الكيس لفناء دارها، لأن زوجها بالقتال والجهاد وهي لا تستطيع حمله، فاستجاب الفتى المؤمن لعمل المعروف والإحسان وكيف لا وهو فتى أمير المؤمنين (عمر). وما أن دلف الباب ودخل فناء الديار، قالت له: ضعه بالغرفة إذ لا أستطيع حمله وما أن دخل الغرفة، حتى غلّقت الرتاج وكشفت عن سوءتها وارتمت عليه رافعةً ثوبه معلنةً طلبها الدنيء المنحط. إلا أنّه سقط أرضاً جثةً هامدةً لا حراك فيها، فظنته الفاجرة قد مات، فماذا تفيد منه؟! سحبته من قدمه خارج دارها وألقته بعيداً عنه إلا أنه كان قد فارق جسده مغماً عليه حياءً من ربِّه وفَرَّت نفسه الطاهرة من الخبث فرارها من النار. وما أن رآه بعض المسلمين حتى عرفوه، إنه فتى عمر أمير المؤمنين، ذلك الشاب الطاهر، فبادروا مسرعين إليه فأيقظوه بالماء وسألوه عمّا جرى له؟ بدأ يتذكر ويسرد عليهم القصة وما أن وصل إلى أن "....رفعت له ثوبه" حتى ارتمى ثانية طريح الثرى. لكن هذه المرة كانت القاضية. إذ ما كان ليحتمل، فمن حيائه الشديد من ربّه وطهارة نفسه، فارقت نفسه جسده إلى غير رجعة، ومات شهيد الطهر والعفاف. وبعد ثلاثة أيام استفقده أمير المؤمنين لعدم حضوره للمجلس وسأل عنه، فأخبروه بالذي كان أثناء انشغاله الشديد بأمور الدولة، فقال: دلوني على قبره ووقف عنده وقرأ له الفاتحة وبعد ذلك سأله: هل ترغب بالعودة والحياة بيننا؟ فأجابه الفتى: لا والله لا أرغب يا أمير المؤمنين ولو ملكّوني الدنيا بحذافيرها، فما أبدلني به ربي خير من الدنيا وما فيها، فوالله لا أرضى أن أبدّل لحظة ولو حيزت الدنيا بممالكها وأسرها. فهذا سيدنا عمر أرجع هذه النفس وتكلّم معها وأجابته، وكل الذين كانوا معه قد سمعوا الخطاب والجواب. وهذا أمرٌ جارٍ ومتيسّرٌ لأهل القلوب والأبصار ودائم الحصول لكل مؤمن تقي، وبالنسبة لسيدنا عمر رضي الله عنه ما قصة "يا سارية الجبل الجبل" عنك بغائبة، عندما تكلم سيدنا عمر مع أحد قادته في بلاد الفرس وهو في المدينة يعلو منبره يخطب بالناس، وفجأةً قطع حديثه وصاح بصوته: يا سارية الجبل الجبل. إذ كان الفرس قد نصبوا لجيش المسلمين كمينهم. وعمر أمير المؤمنين في المدينة رأى الخطر المحدق بهم بعين البصيرة فحذّرهم من ذلك الكمين، وحقاً قد سمع القائد هتاف سيدنا عمر فالتفّ بجيشه وراء ذلك الجبل وباغت العدو وانقلب كمينهم عليهم، وأوقع فيهم هزيمة نكراء. ثانياً- تسأل عن مواقع النجوم وعن ربط الآيات ببعضها: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ}: أي ما يقع عليك يا إنسان من خيرات عظام، هي من نتاج النجوم، إذ لولا النجوم ما أكلت رغيفك. وإن الشمس تحلّ بأبراجها الإثنا عشر وذلك على مدار السنة، وتستمد من النجوم الأبراج هذه الأشعة والضياء وتنقلها لنا، فيتأمّن غذاؤك وشرابك. فبأشعة الشمس ونورها وحرارتها تنبت البقول وتنضج الحبوب وتلوّن الأثمار والأزهار وتبعث فيها الحياة التي تستمدها من النجوم، وتكبر الأجنة في بطون الأمهات. والخلق كلّه عن طريق النجوم. كما أنَّ الكون وحدة مترابطة متناسقة متسلسلة تبدأ من الكبير لتصل إلى الصغير، ومواقع النجوم أيضاً هذه المسافات الواسعة الشاهقة والأبعاد الهائلة بين كل نجم ونجم. كلُّ نجم محافظ على كتلته وقوته، مرتبط بغيره بقوة عظيمة مع هذه الأبعاد الواسعة. وقد ذكر علم الفلك أن نجم قلب العقرب مثلاً، أكبر من الأرض بأكثر من سبعين مليوناً من المرات ولو أنّه حلّ محل الشمس لملأ الفراغ الكائن بين الشمس والأرض ولكانت الأرض نقطة فيه. فما هذه القوة العظيمة التي تحمل هذا النجم الهائل، وما هذه الأبعاد التي بينها، فالعلم الحديث والحضارة العتيدة تعجز عن أن تصل إلى أقرب نجم والذي يبلغ بعده عنا حوالي أربع سنين ضوئية. فالعلم نجح بالوصول إلى القمر وافتخر بذلك وهو بالحقيقة يبعد حوالي نصف ثانية ضوئية، فما بالك بالنجوم ومواقعها، فالحضارة وعلومها تعجز عن الوصول على أقرب نجم فهذا المجال عظيم حقاً بالنسبة لهم ولعلومهم الدنيوية ولحضارتهم المتقدمة. {وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} ولكن الله لا يقسم به لأنه عليه هيّن، بل يقسم بالقرآن الكريم {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ}: كلام ربّ العالمين؛ هذا أعظم من تلك النجوم ومواقعها وخيراتها الدنيوية، فلولا القرآن الذي أنزل على قلب رسول الله ﷺ لما قال أحد في الكون كلمة التوحيد، ولما فُتحت البلاد على يد الصحابة، بل لما سار أحد مع النبي ولما اتبعوا دينه إلا بعد الأربعين حينما نزل عليه القرآن، فبالقرآن صلاح العباد والبلاد، فكم فيه من خيرات! فهو كلام الله ونوره المبين وحبله المتين من تمسك به نجا ومن تركه لغيره هلك، فيه ذكركم وذكر من كان قبلكم وذكر من سيأتي بعدكم. وهو الجامع للخيرات كلها. أما النجوم فهي للدنيا فقط وأما القرآن نور دائمي يمتدُّ من الدنيا إلى القبر حتى الآخرة وهو كلام الله الباقي أبد الآباد وبه الجنات والعطاءات الدائمية السرمدية. وبه ترقى الأنبياء وبه رقى أمامهم ﷺ قال تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ..} سورة البقرة: الآية (285). فهو من المعطي عزَّ وجلَّ، والرسول يرقى بكلام الله ويريك منه ما ترقى أنت به. لذا أقسم الله به ولم يقسم بغيره حين قال: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ} وذلك القسم موجود ضمناً. ثالثاً- {أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنتُم مُّدْهِنُونَ} الحديث هو القرآن، فالرسول ما تحدث إلا بالقرآن شرحاً وتفصيلاً قال تعالى: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} سورة النجم: الآية (3-4). {..مُّدْهِنُونَ}: الدهن لا قيمة له، بل الخير كله والفائدة كلها باللحم، فإن لم تلتحم نفسك بنفس رسول الله فلن تكون معه، ولا يهبط عليك شيء من التجليات الإلۤهية والأنوار القدسية الأبدية. فهؤلاء عميان القلوب ما عرفوا من القرآن إلا رسمه، وما حفظوا إلا لفظه وما طربوا إلا لنغمه، فأخذوا الأواني دون الغذاء وأخذوا الدهن الذي لا قيمة له وتركوا اللحم الذي فيه الفائدة والخير الكثير، فلم يكتشفوا المعاني وراء الألفاظ ولم يعرفوا الحقائق المنطوية في القرآن ولم يجنوا الخيرات المكنونة وراء الأوامر والنواهي لذا هجروه ظهريّاً وتَركوه فتُركوا. {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ}: هذه الآيات شملت الأمم والأفراد إذ لو آمنوا بالرزاق وأطاعوا رسول ربهم لرزقهم الله من حيث لا يحتسبون وجعل لهم من عسرهم يسراً ومن أمرهم رزقاً ومخرجاً. فالمؤمن لا يحتاج لأحد سوى لِبابه تعالى الكريم. والمؤمن عزيز القلب والنفس وافر الكرامة {..وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ..} سورة المنافقون: الآية (8). وغيره ممن لم يتعرف على ربه الرزاق أذلاء لبعضهم البعض، هجروا ربهم ولم يؤمنوا به، فيسفحون كرامتهم ويهدرون ماء وجههم ويضيّعون عبادتهم لله من أجل الرزق ويكفرون بالرزاق فيتبعون أساليب الخداع والمراوغة و "الميكاﭬـيلي" من أجل الحصول على المال، ونسوا بذلك من رزقهم في بطون أمهاتهم، هل كان شرق أم غرب يمدونهم في تلك الظلمات؟! هل من يد سوى يد الله تكلؤهم عندها؟! فلماذا الآن يكذبون وينكرون ذلك ويتذللون لبعضهم البعض من أجل الرزق؟ وغداً يأتيهم الموت بغتةً وبعد الموت يرون أن الله هو الرزاق الوحيد وأن الحول والقوة بيده وحده والحقائق ماثلة أمامهم. رابعاً- تسأل هل التي تبلغ الحلقوم الروح أم النفس أم كلاهما؟ نقول لك بل كلتاهما إذ أن الروح تُسحَبُ والنفس تلحق بها هرباً من البرودة التي تحل بالجسد مع خروج الروح. والحمد لله في بدء وفي ختم
بسم الله الرحمن الرحيم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أيها السادة الكرام: لدي سؤال حول تأويل الآية (ن والقلم وما يسطرون) وكيف نستطيع ربطها مع الآيات (الذي علم بالقلم) و (..إذ يلقون أقلامهم..).جزاكم الله عنا خير الجزاء و الحمد لله رب العالمين.
جواباً للأخ الكريم.
- بالنسبة للآية الكريمة: {ن والقلَمِ و ما يَسْطُرُونَ}.
لقد وضع الله سبحانه وتعالى في أول بعض السور رموزاً لينتبه الإنسان فيفكِّر إن لم يفكِّر فلن يستفيد شيئاً. على الإنسان أن يفكِّر بالصلاة وما فيها، بالصوم وأسبابه وموجباته والغاية منه. بالحج والسرِّ العظيم لفريضته فعليه أن لا يدع قضية إلاَّ ويفكِّر فيها، يقولون: {الم، ألمر، كهيعص، ن، ق}: "الله أعلم بمراده منها". فإما أن الله تعالى على حسب ادعائهم لا يعرف دلالة عباده وحاشا لله العظيم ذلك وتعالى علواً كبيراً، حتى جعل لهم أشياء لا يمكن معرفتها، وإما أن الناس لم يفكِّروا فيهتدوا للمراد منها. وهذا هو الأمر الصحيح والواقع الراجح الذي لا ريب فيه. وقد بدأ تعالى هذه السورة الكريمة بأن خاطب رسوله الكريم قال تعالى: {ن والقلَمِ و ما يَسْطُرُونَ}: وفي هذا الحرف (ن) إشارة إلى القرآن الكريم.
ن: تعني هذا النور الذي أنزلته عليك يا رسولي، هذا القرآن الذي أرسلتك به لبني الإنسان، والذي نزل به الروح الأمين وانطبع في قلبك، هذا الكتاب المنير الذي تبلّغه للبشرية جمعاء لينهضوا من سباتهم إلى وظيفتهم البنّاءة ويسعوا إلى نجاتهم وخلاصهم من الهلاك، هذا القرآن هو النور المنقذ من الظلام والعمى والجهل، فيه العلم الحق والدلالة الإنسانية المنطقية الرشيدة، بتطبيقه تتحقّق السعادة وتنقرض الآلام والأسقام، وكيف لا يحصل ذلك وهو تنزيل من الرحيم الرحمن.
كذلك "ن" بالنسبة لسيدنا موسى عليه السلام كان التوراة كما بالآية الكريمة {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ..} سورة المائدة 44. وقوله سبحانه وتعالى {وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ} سورة الأنبياء 48. وهي نفس كلام الله المنير لقلوب بني البشر، وتشمل الزبور والإنجيل كلام الله لعباده فهو تعالى لم ينسَ من فضله أمّةً ولا شعباً بهذا إنقاذهم وسعادتهم.
ولكن بهذه الآية الكريمة حصراً هذا النور الذي طبعته في قلبك من القرآن النوراني العظيم. إذ لم يطبع في قلب رسول الله لا غرائز ولا شهوات ولا ميول، إلا الله وإلا نور أسماء الله الحسنى وضياء كلماته تعالى التامّات السارية بقلم القدرة الإلهية على قلبك ثمّ على قلوب من يتوجّهون بقلوبهم إليّ، فأنت تطبع في نفوسهم هذا القرآن النور الساري منّي إليك إليهم لتخرج الناس من الظلمات إلى النور.
{وَما يسْطُرُونَ}: عنك هذا البيان العالي الذي طلبته منّي لهم إنقاذهم وهدايتهم الذي لو اجتمعت الإنس والجنّ على أن يأتوا بمثله لعجزوا ويعجزون.
وهو نفس البيان الذي جاءنا به علامتنا بالشروح المعجزة للعالمين لأوائل أحرف سور القرآن الكريم وشرح الفاتح، وهو في كتاب "أسرار السبع المثاني" وهو قيد الصدور بالأسواق، وكشف الحجامة والتكبير ومصادر مياه الينابيع في العالم، وكل البيان.
{وَما يسْطُرُونَ}: وقد سطره ونقله الصحب الكرام رضوان الله عليهم، ونحن بدورنا أيضاً سطرنا علوم العلامة الربانية للناس التي تعجز البشرية عن الإتيان بحقائق مثلها قطعاً. فالله برحمته الشاملة وحبّه الكامل لنا وللعالمين لم ينسَ أحداً ولم ينسنا، فقد أفاض علينا بتأويل جزء عمّ وتأويل القرآن العظيم {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ}. فتأويل جزء عمّ على سبيل المثال واضح بمعانيه النيّرة للعالمين ولنا، وهو بكافّة مكتبات قطرنا ومكتبات البلاد العربية، بل هو مترجم للغات العالم بالإنكليزيّة والفرنسية وغيرها فلا حجّة لأحد فقد أنزل تعالى لنا نوره وهو مسطور والحمد لله ربّ العالمين، فما خصّ بفضله أمّة دون أمّة وفضله العظيم لمن يشاء، فمن شاء الهداية وجدها "ومن يطلب ربّه يلاقيه" والله يهدي بنوره كلّ من شاء وبصدق أراد. {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} سورة الشورى 52.
إذن، القرآن الكريم هو هدي ربّ العالمين لكلّ الصادقين السالكين، هو نورٌ يهتدون به في ظلماء حياتهم وبدونه وبدون تطبيق تعاليمه يضحي الإنسان بدون قانون ولا نظام، بل يمشي خبط عشواء ويخوض في بحار لا يدري من أين أبحر فيها وإلى أين سيرسو!
وهذا القرآن فيه علوم الأوّلين والآخرين، فيه تفصيل لكل شيء، فيه الحقّ الكامل الذي لا يعاب ولا يعتريه نقصان أو انحراف، مهما تطاولت عليه الأزمان، فيه العلم الشامل، إذ من عقل حقائق القرآن فقد أضحى عالماً بصيراً يدرك أسرار الوجود والغاية منه. يدرك المجهول عن الناس أجمعين ويعلّمه الله بهذا الكتاب ما لا يعلمون جميعاً...ويطول الحديث كثيراً كثيراً عن القرآن الكريم.
إلا أنّ القصد هو أنّ هذه الآية الكريمة تبيّن أنّ هذا القرآن الذي بين أيدينا فيه شيئان:
أولاً: في القرآن نور عظيم يهدي من استمسك به إلى الصراط المستقيم.
ثانياً: فيه علوم عظيمة شاملة كاملة تفوق كلّ العلوم؛ فمن تعلّم وعقل وفقه معاني القرآن الكريم فقد أضحى عالماً عظيماً بها، وهذا ما تشير إليه كلمة (القلم) في هذه الآية الكريمة. إذ المراد من القلم في هذه الآية الكريمة: الكتابة. نقول: قلم الوزارة، ونعني بذلك: دائرة التسجيل والكتابة، حيث تُسجَّلُ الوقائع وتُكتب.
- أما بالنسبة للآية الكريمة: {اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ}:
إنّ المراد من كلمة ( القلم ) الواردة في هذه الآية الكريمة: ما ثبَّته الله على صفحات الأنفس من الغرائز، وما أوجده فيها من الشهوات، فلكلِّ مخلوق غريزة خاصة، ولكل مخلوق شهوات مناسبة. فالبطُّ لا يلبث فرخه أن ينقف حتى يعدو إلى الماء، فيسبح فيها بمهارة وإتقان عجيب، والهرُّ يفترس، والعُصفور يبني عشه على أكمل وجه وأتم ترتيب، والنحلة تبني الخلية بناءً مُحكماً وتجني العسل من الأزهار، والطفل الصغير لا يلبث أن يخرج من بطن أمِّه حتى يُحرِّك شفتيه مُستعداً للرضاع.
فمن الذي علَّم فرخ البط السباحة في الماء، وعلَّم الهرَّ الافتراس والقضاء على الحشرات؟ ومن الذي علَّم العصافير كيفية بناء الأعشاش وأرشدها إلى أن تضع فيها ألين الريش ونُتف الحرير؟ أمَّن هذا الذي علَّم النحل بناء الخلية، وعلَّم الطفل منذ خروجه إلى هذا العالم الرضاع؟
تلك هي قدرة الحكيم الخبير والخالق العظيم، كتَبَتْ على صفحات كل نفس ما يناسب معيشتها وما هي بحاجة إليه. فترى كلَّ مخلوق يهتدي بفطرته إلى ما أثبته الله في نفسه من الغرائز مما تقوم به حياته ويتأمَّن معه بقاؤه، وتتم له به سعادته، من غير ما حاجة إلى دلالته وإرشاده إليه، فهذه الغرائز المثبتة على النفوس والشهوات المكتوبة على صفحات القلوب، أمكنتْ كلَّ مخلوق من الاهتداء، وأرتهُ طريق السير في هذا الوجود.
ولولا هذا النقش، وإن شئت فقل لولا هذا القلم لوقفت الخلائقُ حيارى لا تقوم بعمل، ولا تشتهي شيئاً، ولا تهتدي إلى شيء.
فالتعليم إذاً إنما هو بالقلم، أي: توصُّل كلِّ مخلوق إلى كيفية السير في الحياة إنما هو ناشئ عن تلك الكتابة التي كتبتها يد الحكيم الخبير على النفس، فسبحان من أودع الغرائز المختلفة في هذه المخلوقات، وجعل لها هذه الشهوات تدفعها إلى السير وتجعلها تتمتع بلذة الوجود والسعادة في الحياة.
وقد أراد تعالى أن يعرِّف الإنسان ذاتَهُ بهذه الكتابة التي كُتِبت على صفحات نفسه، وأن يسوق له على ذلك القلم الدليل على نفسه فقال تعالى: { عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ }:
فلولا التعليم الذي علَّمك ربُّك لكنت لا تعلم شيئاً، أي: لولا ما كتبه الله في نفسك من شهوة لكنت جماداً لا تفقه ولا تسير في الحياة خطوة، لكنها نعمة الله عليك، أثبتت في نفسك ما تقوم به في حياتك من الغرائز، وما تتأمَّن معه سعادتك من الشهوات، وأنت بهذه الكتابة تندفع وراء حاجاتك وتتعرف إلى كلِّ شيءٍ.
فبهذه الكتابة، وإن شئت فقل: بالقلم علَّمك ربُّك فأصبحت في هذه الحياة تهتدي إلى الأشياء، وتستطيع أن تتعرَّف إلى الموجودات وتلتذ وتنعم بما أوجده ربك من الطيبات، ولولا هذه الكتابة لما وجدت لذة ولا نعمة بشيء ولما اهتديت إلى شيء، وقد أراد تعالى أن يُبيِّن للإنسان ضرورة اهتدائه بربه في سيره في هذه الحياة، وتمتّعه بما أودعه فيه ربه من شهوات، ليكون سيره كله خيراً ولتكون لذته وتمتعه عائدة عليه بالسعادة والهناء.
وهكذا فلو قارنّا بين معنيي (القلم) الواردين في هاتين الآيتين لوجدنا أنّه يشترك في معنى الكتابة والعلم المثبت، العلم المثبت في القرآن الكريم والعلم المثبت على صفحات الأنفس يوم خلقها الله سبحانه وتعالى وأخرجها إلى الوجود.
- أما بالنسبة للآية الكريمة {وما كنْتَ لديْهِم إذْ يلقونَ أقلامَهم أيُّهم يكْفُلُ مَرْيم..}:
والمراد بأقلامهم: ما صبّ في قلوبهم من نور كلام الله عن طريق رسوله سيدنا زكريا عليه السلام، أي مراتبهم النورانية ودرجاتهم النورانية ودرجات إيمانهم بما كسبوا وبالحديث الشريف: (ما صبّ في صدري شيء إلا وصببته في صدر صاحبي أبي بكر).
لعلّ الله يقبل كفالتهم لأمنّا مريم عليها السلام فكانت كفالتها للعظيم عليه السلام سيدنا زكريا.
السلام عليكم ورحمة الله
أدام الله عزكم نرجو منكم تأويل من قوله تعالى {وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ..}، لماذا أتت (واغضض من صوتك) ولم تأتِ (اخفض من صوتك).
غضّ البصر عدم النظر إلى الحرام.
غضّ الصوت أنْ لا يتكلم الإنسان بالباطل: "أي لا يتكلم باللغو".
والأمر يحتاج إلى إيمان، لأن المؤمنين آمنوا بالله وانشغلت قلوبهم بآلاء الله وحب الله فهم لا يتكلمون إلا بما يوصل إلى الله، وكل حديث عن غير الله ولله فهو لغو، لأن سيدنا لقمان عليه السلام يرشد ابنه وهو مؤمن وطالب للتقوى وباستطاعته أن لا يتكلم إلا بالله، وهذا الكلام أيضاً لكل طالبي التقوى "أي: الاستنارة بنور الله"، وبإمكانه الحديث عما يوصل إلى الله والبحوث في آلاء الله والرقي بالمستمعين والدنو بحديثه بهم إلى الله.
فالمفروض على الإنسان أن يتكلّم ضمن التفكير وحساب النتائج الخيرة والحسنة، فيطلبها للمستمعين بكلامه أي بصوته. ولا يتكلم أو ينطق بأهوائه بل ضمن النية الحسنة والكلام الموّجه إلى منبع الخير حضرة الله، فهذا هو القول السديد الذي أوصانا الله تعالى به: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} الأحزاب: الآية (71).
ويكون هذا الكلام ضمن طاعة الله ورسوله، وقديماً قالوا: لا تصاحب من لا يرفعك حاله ويدنو بك من الله مقاله، فهذا قلب المؤمن وإذ كان الكلام من القلب فإنه يدخل في القلب. هذا الذي يغض من صوته هو الذي امتحن الله قلبه للتقوى، أي: الاستنارة الدائمية بنور رسول الله الموصل إلى نور الله، بدليل الآية الكريمة: {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} الحجرات:(3).
ولا علاقة لخفض الصوت ورفعه، لا أن الخفض والرفع بحسب المجلس، فإذا كان المجلس كبيراً، على المرء أن يكون صوته مرتفعاً يسمع الجميع، وإذا كان يتكلم مع شخص واحد بأمور لا يناسب سماعها من قبل الغير يخفض صوته حتى لا يسمعه إلا المخاطب.
المهمّ: أن يتكلم بالحق في الوقت المناسب، بحيث لا يعود عليه وعلى غيره بالضرر وللأشخاص الذين يناسبهم (الذين يسمعون). أي ضمن الحكمة "لا تضع الحكمة في غير أهلها فتظلمها" أي أن يتكلم بما ينفع غيره ويعود عليه بالنفع وبما يرضي الله ورسوله، وبما لا يخالف كلام الله، فإن غض من صوته هكذا فقد فاز فوزاً عظيماً.
هكذا كان صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان نطقهم ذكرى، وهدوا الأمم إلى الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم.
أما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وبالغد القريب عند ظهور سيدنا عيسى صلى الله عليه وسلم، الغض: ألا يتكلموا في مجلسه أبداً لأن الرسول وحيٌّ يوحى يتكلم بلسان الله، وإذا كان المعلم يعطي الدرس فمقاطعته ضرر للجميع وللمتكلم، بل يطلب من الله بدل أن يسأل رسول الله بالكلام، فينطق الله رسوله بما يطلبه هذا المريد الصادق الذي هو قيد الامتحان لنوال التقوى، فمن أراد أن يستنير قلبه في دنياه وبرزخه وآخرته فليغضَّ من صوته عند رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولم يقل سبحانه وتعالى: (أعلى الأصوات)، ولم يقل: (أبشع الأصوات)، بل قال: {..أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ..}، لأن صوت البقر والضباع أبشع وأقبح من صوت الحمير، ولكنهم يصدرون أصواتهم ضمن الوظيفة وضمن الحاجة فالقطّة تموء لأنها بحاجة للخروج من الغرفة أو لأنها جائعة أو عطشى، كذا الأسد يزأر ليرعب فريسته فلا تستطيع الفرار حين انقضاضه عليها، أي ضمن وظيفته، كذلك الكلاب تصدر أصواتاً جماعية لتبعد الوحوش الضارية عن الأمكنة الآهلة، إلا الحمار فهو ينهق بلا حاجة ولا وظيفة، بلا جوع ولا عطش فينهق في منتصف الليل أو عند الظهر بلا سبب والذي يتكلم دائماً بلا سبب فمن قلة الأدب "لسانك حصانك إن صنته صانك".
وكم تدمّر أناس من فلتات لسانهم بدون تفكير، فعلى المرء قبل أن ينطق أن يفكر إلى أين سيصل به الكلام، إن كان إلى خير وبلا ضرر فيتكلم وينفع وينتفع {..وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} فالكلام بغير محله أو الصياح يستنكره الناس وهذا يفعله المجنون الذي لا يفكر. {يُخْلِفُ الْمِيعَادَ}: ما من أحد متروكاً.
تأويل الآية رقم 107 من سورة البقرة
قال الله تعالى: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ}
لفهم الآية الكريمة لا بدَّ لربطها بالآية قبلها {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} سورة البقرة (106).
وجاءت الآية الكريمة ردّاً على اليهود بعد أن احتجُّوا وقالوا للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم:
لطالما أنت مقرٌّ أن موسى رسول الله وجاء بالتوراة من عند الله فالتوراة إذن كلام الله، ونحن نسير بالتوراة كلام الله فلمَ القرآن وما حاجتنا به؟!
فنحن نسير على ما جاءنا به رسول الله موسى عليه السلام، فلمَ القرآن؟!
فأجابهم صلى الله عليه وسلم لكل زمان أحداثه ومجرياته ولكل أوان أحكامه ومقتضياته فالأزمنة مختلفة باختلاف البشرية، فاقتضت الحكمة الإلۤهية أن تكلِّم البشرية بما يلزمها بزمن سيدنا موسى وما بعده إلى أن جاء القرآن، وهنا اختلف الزمان واختلفت البشرية واستحدثت أمور واستجدّت أحداث لزم القرآن لها، فالآن القرآن كلام الله هو المناسب فلكل زمان مناسباته ونفوس الناس الخاصة به.
إذن: الله هو العليم بالأزمان وهو الذي بيده الملك يكلمهم بحسب ما تقتضيه الحكمة وهذا الزمان له مناسباته ولا يناسبه إلا القرآن والتوراة انتهى مفعوله وكلام الله القرآن هو الجاري حكمه إلى نهاية الأزمان.
فجاءت الآية الكريمة {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ..}: والنسخ لغةً هو التثبيت فإذا أردت أن تحتفظ بأوراق مهمة لديك تسارع لنسخ صورة عن الأصل خشية ضياعها، وبعملية النسخ تلك أنت تُثبِّت الأوراق.
فيكون معنى الآية {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ..}: أي نثبِّت حُكمَهَا. {..أَوْ نُنسِهَا..}: نؤخِّر حكمها أي نؤجِّل الحكم فيها.
{..نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا..}: خيرها بحسب زمانها. {..أَوْ مِثْلِهَا..}: بمثلها بالخيرات، أي خير منها بما يتناسب مع كل زمانٍ وظرفٍ وما يتناسب مع الواقع وحسب اللزوم.
قالت اليهود للعرب: محمد كل نهار يأتيكم بحكم، مرة يقول: لا تتزوجوا الكتابيات ومرة يسمح وكذا ردَّ الله تعالى عليهم بهذه الآية: {..أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}: كل شيء عنده بمقدار بقدر الزمان، اللزوم. فهو يعطي كل شيء بقدر، نهى عن الزواج بهن لمَّا كان الإسلام ضعيفاً خوفاً من أن يتبع الولد أمه بالكفر، لمَّا قوي الإسلام سمح.
أيها المؤمن: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ..}: هو أعلم بملكه ويتصرَّف بحسب حاجة الأزمنة والناس.
{..وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ}: من ذا ينصرك من دون الله من يولِّيك وينصرك، هل من أحد غيره دليل ومبيِّن؟!
قال الله تعالى: {قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (92) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (93) قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي}
قال تعالى في سورة طه (92 - 94): {قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا}: مالك؟ {أَلَّا تَتَّبِعَنِ..}: أن تلحق بي وتتركهم. {..أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي}: وجرَّه من رأسه. {قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي..}: المؤمنون إن فصلتهم أخشى أن تقول فرَّقت. {..إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ..}: وخشيت أن أتركهم فتقول: هذا لم يفهم قولي. {..وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي}: فخفت أن ينقسموا.
ما جرى بين سيدنا موسى وسيدنا هارون هذه سياسة العظماء قلَّ من يفهمها، فسيدنا هارون مُعظَّم ومُبجَّل ومُهاب لدى بني إسرائيل وهو مرشد عظيم. وعندما عاد سيدنا موسى من الميقات يحمل لبني إسرائيل الألواح والدلالة العالية من الله لينهض بهم إلى الله وجدهم قد اتَّخذوا عجلاً جسداً يعبدونه وتحوَّلوا عن الله إلى الدنيا فلزم الآن علاجهم من حب الدنيا، ولكن كيف سيجعلهم يتركون العجل وعبادته: هنا جرت هذه الحادثة بين سيدنا موسى وسيدنا هارون اللذين هما على قلبٍ واحد.
فأخذ سيدنا موسى برأس أخيه ولحيتهِ وقال له ما قال. وعندما رأى بنو إسرائيل ذلك فزعوا وخافوا إذ قالوا بأنفسهم لقد فعل موسى بأخيه هارون العظيم ما فعل وهو لا ذنب له ولا خطيئة فما عساه أن يفعل بنا الآن. فتراجعوا عن عبادتهم للعجل بالرهبة والسياسة الحكيمة التي استعملها سيدنا موسى مع أخيه سيدنا هارون وخضعوا وتخلَّوا عن كفرهم وعادوا آسفين لإيمانهم.
استمع مباشرة:










