تأويل القرآن العظيم-أنوار التنزيل وحقائق التأويل
سلسلة تأويل القرآن العظيم
(أنوار التنزيل وحقائق التأويل)
- للعلامة الإنساني الجليل محمد أمين شيخو قدس سره
- جمع وتحقيق: الأستاذ المربي عبد القادر يحيى الشهير بالديراني
لمحة عن الكتاب
لقد نهج العلاَّمة الجليل محمد أمين شيخو بالدين وتأويل القرآن العظيم منهجاً سامياً عليّاً، يسمو بالإنسان لأسمى حياة... لم يكن عليه من سبقه من الكتبة والمفسرين والعلماء السابقين، منهجاً يمكِّن أي إنسان أياً كان مستواه الإدراكي والثقافي أن يدركه بمستواه، ويسعد بمعانيه، ويعلم ساعتها كيف أن القرآن الكريم: {الۤر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ} سورة يونس، الآية (1). مجملاً ومفصلاً، لتُعلم حقائق الآيات بدقائقها والمراد منها، ونهضَ بالدعوة إلى الله فبرهن وأبان الحجج تترى.
كشفَ حقائق المذاهب والطرق الملتوية ودحضها بالمنطق والحجة، فخاطب الإنسان ونفسه، واستنهض تفكيره، وعرض نظام الأكوان وما فيها من إحكام في التسيير وإتقان في صنع الخلْق: من عظمةٍ للجبال.. هي بحقيقتها عظمة خالقها التي أضفاها عليها، ووسعة وعظمة للبحار والسموات أضفاها عليهما أيضاً الواسع العظيم جلَّ شأنه لتصل النفس الطالبة للإيمان لليقين بشهود عظمة الإلۤه ووسعته اللانهائية كما آمن وأيقن السابقون الأُول.
إذ يأبى الله أن يترك هذا الإنسان المعرِض منغمساً في شهواته، متجرداً عن إنسانيته، مُعرضاً عن موئل الفضائل والمكرمات جلَّ كماله، ضائعاً لا يدرك خيراً من شر ولا حسناً من سيءِّ، يرى تعاليم الإلۤه سجناً وقيداً لطاقاته وإمكانياته وحرِّيته... فأرسل له من يوقظ تفكيره، وينبهه إلى مغبة أمره وعظيم خسرانه، ليأخذ بيده إلى دار السلام حيث الرضى والمكرمات والسعادة والإكرام بالأمان، كل ذلك ليتوب الإنسان وينال المكرمات، ولكي لا يقول غداً وهو بالحسرات: {.. يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا} سورة الفرقان، الآية 27.
باب التوبة والسعادة مفتوح، فالتوبة بالعجل قبل فوات الأمل.
الصيغ المتوفرة:
هذا الكتاب متوفر بعدة صيغ: كتاب إلكتروني، صوتي، وورقي
كتاب إلكتروني:
معلومات الكتاب الإلكتروني
- الكتاب الإلكتروني بصيغة PDF، ePUB.
- الكتاب الإلكتروني مجاني.
- روابط التحميل تظهر لكم بعد تقديم الطلب.
- الكتاب متوفر على منصات غوغل بلاي، أبل ستور، أمازون.

كتاب صوتي:
معلومات الكتاب الصوتي
- الكتاب الصوتي بصيغة MP3.
- الكتاب الصوتي مجاني.
- روابط التحميل تظهر لكم بعد تقديم الطلب.
- الكتاب متوفر بشكل صوتي ومجاني في موقعنا، ومتوفر أيضاً في مواقع الكتب الصوتية العالمية الشهيرة.

كتاب ورقي:
معلومات الكتاب الورقي
- الكتاب الورقي متوفر للشراء من موقع الأمازون وشركائه، في أنحاء العالم.

أسئلة متعلقة بتأويل القرآن الكريم
بسم الله الرحمن الرحيم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته لدي سؤال حول الآيات (قال رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي واجعل لي وزيراً من أهلي هارون أخي..) سورة طه {25-35}، و (وأخي هارون هو أفصح مني لساناً فأرسله معي ردءاً يصدقني إني أخاف أن يكذبون) القصص {34-35}. هل سيدنا موسى لا يستطيع مواجهة فرعون لوحده حتى طلب أخاه هارون؟ أم لا يستطيع أن يتكلم بسبب عقدة بلسانه أو لأنه أقل فصاحة من سيدنا هارون؟ فما حقيقة هذه الآيات أو تأويلها لأن الآيات التالية تشير أنه تكلم هو وواجه القوم وغلبهم. أرجو التوضيح وجزاكم الله خير الجزاء.
الحمد لله رب العالمين الذي بعث الأنبياء منذرين ومبشرين فكانوا قدوة للعالمين بما تحلت نفوسهم من صفات سامية عليَّة، وتخلّت عن كل شائبة ورديَّة فكانوا بذلك نبراساً للأمم والأجيال تلو الأجيال. فها هو سيدنا موسى عليه السلام يعطينا درساً في المودة والإخاء تجاه أخيه هارون (عليه السلام) بل ويعطي العالمين أجمعين بما أُنزل في الذكر الحكيم. وكما هو معروف أن سيدنا موسى عليه السلام أثناء إقامته في قصر الملك (فرعون) كان يذهب إلى أخيه هارون سرّاً ليتلقى عنده الدروس الدينية العلية ويترقى في مدارج الكمال يوماً بعد يوم وهاهو الآن قد أُهّل لأن يكون للناس إماماً بعد أن تخرج من مدرسة سيدنا شعيب، وكلَّفه الله عزَّ وجلَّ وقلَّده الرسالة ليبلِّغ العالمين دلالة ربهم الرحيم: {إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (12) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (13) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14) إِنَّ السَّاعَةَ ءاَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (15) فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لاَ يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (16) وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (17) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (18) قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى (19) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (20) قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (21) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى (22) لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى (23) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى} طه [12-24]. فهذا التكليف وهذا المقام الذي بلغه سيدنا موسى لم يبلغه أحد في زمنه، وهذا النوال العظيم الذي ناله بأن يكون سفير رب العالمين لعباده، لذا أحب سيدنا موسى أن يشرك أخاه سيدنا هارون في ذلك العطاء العظيم لأن نفسه عليه السلام قد جبلت على حب الخير والإحسان و"ابدأ بالإحسان من بدأك بالإحسان"، ولم ينسَ سيدنا موسى عليه السلام الفضل الذي ناله عن طريق سيدنا هارون إذ كان في يوم من الأيام مريداً صادقاً عنده وكان سيدنا هارون نِعْمَ المرشد الأمين والناصح الرحيم، والآن قد آن الأوان لأن يردَّ له المعروف والإحسان ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، فطلب من ربه أن يجعل سيدنا هارون وزيراً له وأن يشركه في أمره فيصبح رسولاً وهذه أسمى وأعلا الرتب العليَّة، وعندما رأى الله عزَّ وجلّ ما يكنُّه سيدنا موسى من حب الخير وردِّ الجميل والله مع الخير والمعروف فقبل طلبه وقال : {اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي} طه [42]، وفي سورة الشعراء قال سيدنا موسى: {وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ} : شخص متهم قد قتل نفساً فكيف يذهب لأهل المقتول وفرعون ملك جبار طاغية ولهم عليه هذا الذنب أما عن الآيات في سورة طه {قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ، وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ، وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي} لأن الكلام بحسب السامع، فالمؤمن يضيق صدره من مواجهة الكافر بسبب الصدود والإعراض الذي يلاقيه في نفوسهم، فسيدنا موسى يعرفهم ويعرف إعراضهم عن الحق فطلب من ربه أن يشرح صدره وييسر أمره حتى يستطيع الكلام والبيان. كيف؟ بأن يرسل هارون أخاه معه فيكون له أنس وأنيس فهو يعرف سيدنا هارون وصفاء نفسه ونقاءها وطهارة هارون وصلاحه فطلبه معيناً لكي يؤازره ويسانده قلبياً في التبليغ، فيرى أذناً صاغيةً سامعةً للحق ونفساً عاليةً مقبلةً على ربها، فيركن لهذه النفس الصافية الزكية قلباً، عندها ينطلق لسانه لهداية الكافرين المعاندين ويستفيض في الشرح والبيان براحة قلبٍ واطمئنان. ومن المعروف أنه إذا كانت النفس مرتاحة مطمئنة تجود بما عندها من البيان أما إذا كانت منكمشة مضطربة فلا تستطيع الكلام فبوجهة سيدنا موسى إلى أخيه هارون المقبل بنفسه على الله يرتاح ويستأنس به على مواجهة وهداية هؤلاء المعرضين (فرعون وقومه). فبارتياح سيدنا موسى وانشراح صدره بتوجهه لأخيه هارون النقي التقي تنحلل العقد وتنفرج الأسارير وتسري الحكم من قلبه على لسانه، فلا عقدة بلسان سيدنا موسى ولا غيرها مما يدعيه عميان القلوب فالأنبياء أكمل الناس خَلقاً وخُلقاً والله اصطفاهم واختارهم مبلغين فهم أفصح الناس وأبلغهم وأكملهم صورةً وحقيقةً. فما كان كلام سيدنا موسى مع ربه إلا لكي يشرك أخاه هارون في أمره لينال الخير والفضل العميم بهذا التكليف العظيم من رب العالمين، والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه. والآيات تشير أن سيدنا موسى هو المتكلم وهو الذي واجه القوم وحده، أما سيدنا هارون فلم ينطق بكلمة واحدة، بل كان في ذكرٍ دائمٍ لربه متجهاً لسيدنا موسى يؤازره ويسانده في حاله القلبي وسيدنا موسى من خلال نفس سيدنا هارون الطاهرة الزكية النقية يشركه في أمره ويشدد به أزره فيتم النصر ويزهق الباطل.
تأويل الآية (48) من سورة إبراهيم:
قال الله تعالى: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ}.
الآيات التي قبل هذه الآية الكريمة تتحدث عن فساد الزمان: {وَسَكَنتُمْ فِي مَسَـاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ * وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ..}: دبَّروا تدبيرات لردِّ الحق.
{..وَعِندَ اللّهِ مَكْرُهُمْ ..}: هذه التدبيرات كلُّها عند الله. هو الفعَّال، بيده كل شيء. كل فعلهم ضمن علمه.
{..وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ}: تدبيرات عظيمة كلُّها ستعود عليهم الكل بيده تعالى.
{فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ..}: الله وعد رسله بالنصر. {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي..}: سورة المجادلة (21).
أهل الحق لا بدَّ من نصرتهم.
{..إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ..}: لا بدَّ أن ينصر رسله.
{..ذُو انْتِقَامٍ}: لا بدَّ أن يسوق لهؤلاء المنكرين شدة لا تبقي في نفوسهم أثراً للخبث، لكن يؤخّرهم لأجل أن يظهر عملهم، ثم ينصر رسله ويرسل لهؤلاء المعرضين بلاءً عمومياً يذهب بهم، وتقع الساعة ساعة هلاك الأمم الضالة ويسود السلام ربوع المعمورة إلى نهاية الدوران.
اليوم قد انتشر الفساد في السموات والأرض بما كسبت أيدي الناس، فالمياه قد تلوثت بالنفط، والهواء كذلك فسد بدخان المصانع والمعامل والسيارات، وكذلك الأرض اختلفت واختلفت أنظمتها كارتفاع في درجات الحرارة وذوبان الثلوج في القطبين وغور المياه الجوفية وفقدانها وانتشار الأوبئة والأمراض في كل مكان وكثرة الحرائق والزلازل والفيضانات، وفي السماء أقمار صناعية محمَّلة برؤوس نووية تنذر البشرية في كل وقت بفناء العالم ساعة سقوطها على الأرض.
وبقيام الساعة التي وعد الله المفسدين بالأرض بها، ونصر رسل الله وقصم ظهر الكفر وأهله، سوف تزول هذه المفسدات من الأرض وتزول البنايات والمصانع والكهرباء والمعامل والمقاصف... وتتبدَّل وتنقلب وهذا معنى قوله تعالى:
{يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ..}: فلا ترى أيُّ مظهر من مظاهر الفساد، وتعود الحياة إلى صفائها ونقائها، كذلك السماء تعود إلى صفائها ويذهب عنها كل فساد وتلوث ودخان ويرفل الناس بالسعادة والهناء.
{.. وَبَرَزُواْ للّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ}: ليس للدنيا بعدها بقاء طويل بعدها يوم القيامة، «تؤلِّف ولا تؤلِّفان». والآن مضى 1430 سنة، قرُب الألفان... ويوم القيامة يبرزون ليجزون على أعمالهم وكلهم بين يديه تعالى.
قال الله تعالى: {وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاء الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ}
هل الجزاء والعطاء على العمل الصالح يكون فقط الضعف كما ورد بالآية الكريمة السابقة؟
أم أن الله تعالى يجزي على العمل الصالح عطاءً غير محدود؟
الأخ الفاضل حفظه المولى الكريم... آمين
يكون الجزاء على العمل الصالح عطاءً غير محدود، والضعف هنا تعني مضاعفة الجزاء من ضعف إلى ضعف بزيادة لا نهاية لها، وكرمه تعالى أكبر وأكبر يضاعف الأجر أضعافاً لا حدَّ لها والله ذو الفضل العظيم.
{..جَزَاء الضِّعْفِ..}: أي بشكل مضاعف أي " متوالية هندسية".
والله يخلق أولاً ذكراً وأنثى في البداية، ثم البشرية كلُّها تتضاعف منهما هذا هو خلق الله بشكل مضاعف، كذلك عطاؤه تعالى متوالٍ متنامٍ متزايدٌ بديمومة لا حدَّ لها.
الرجاء شرح الآية (12) من سورة الأنعام كيف يكتب الله على نفسه الرحمة؟
{قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُل لِلّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}.
{قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ..}: استثر تفكيرهم لعل إن فكروا آمنوا فعليهم الأمان.
بماذا يفكرون؟ يفكرون بيد من هذه السموات من الذي يسيرها ويحرِّكها، بيد من هي قائمة؟ قائمة بدون أعمدة {اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا..} سورة الرعد: الآية (2). وإمدادها وحياتها بيد من؟ وتسير بنظام صارم في الدقة غاية في الإتقان والكمال. فالله يكلف رسوله الدعوة وتبليغ الناس وإرشادهم ولفت أنظارهم لكي يفكروا في السموات والأرض فيؤمنوا الإيمان الصحيح عن طريق السموات والأرض.
والصحب الكرام ومن تابعهم بإحسان إلى يوم القيامة عندما سمعوا هذه الدعوة انطلقوا بصدق وتصميم وآمنوا كما علّمهم الرسول ﷺ (إنما بعثت معلماً): لطريق الإيمان.
فطبقوا تطبيقاً كاملاً وبصدق ولم يستهتروا ولم يفرطوا بقوانينهم، أي ساعة تفكر بُكْرةً وأصيلاً وغيرها وكما وجههم بهذه الآية {..لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ..}. آمنوا عن طريق الآيات الكونية وشاهدوا وعقلوا، فاستعظموا الصانع جلَّ وعلا عن طريق صنعه وفتشوا عن ربهم حتى وجدوه، وهذا الإيمان المبني على التفكير والذي أرشدهم إليه الرسول الكريم ﷺ والمنبعث من ذات الإنسان هو الأساس والركيزة الأولى وعليه الاعتماد في بلوغ الإنسان مدارج الكمال، فعندما آمنوا وعقلوا جاء دور الرسول عندها: {..قُل لِلّهِ..}: هنا جاء دور الرسول ﷺ.
فبعد أن آمنوا هذا الإيمان عندما يرجعوا لعند الرسول ﷺ يتلو عليهم بدروسه هذه الآيات التي آمنوا عن طريقها، والتلاوة هي الإعادة قال تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ..} سورة الجمعة: الآية (2). التي آمنوا بها هم بأنفسهم. فالرسول ﷺ يعيد لهم هذه الآيات التي آمنوا عن طريقها ولكنها مزدانة بالتجلي الإلۤهي القدسي الأعظم والنعيم الأبدي. بهذه التلاوة يوسِّع لهم الرسول ﷺ آفاق مشاهداتهم ويوصلهم إلى مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ويدخلهم مداخل أكبر وأعظم ما كانوا ليعرفوها ولكنها من خلال نفس الآيات التي آمنوا بها حينما سألهم {..لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ..} آمنوا وعقلوا.
فهؤلاء المؤمنون تفيدهم الرحمة لذلك قال تعالى:
{..كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ..}: كيف تكون الرحمة: {..لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ..}: يجمع لهؤلاء المؤمنين أعمالهم الصالحة وما قدّموه بالحياة الدنيا وآثار أعمالهم بعد موتهم، فهؤلاء لهم وارد لا ينقطع بما أثمر عملهم، مثلاً: الذي يخرج في سبيل الله مجاهداً ويستشهد، عمله دائم الخير عليه إلى يوم القيامة يجمعها الله له حتى يوم القيامة ليعطيهم العطاء الأكبر في الآخرة, ولو مات صورة لكن الخير جارٍ عليه إلى يوم القيامة، عمله جاري وهذه الانتصارات للإسلام في صحيفته.
قال تعالى: {..وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ..} سورة يس: الآية (12).
أما الآية: {..الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ..}: خسر مقامه العالي وخسر الجنات وما أهّل له من العطاء وسبب ذلك {..فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}: كل من لا يؤمن ليس لديه عمل صالح، وإن لم يكن له عمل صالح ليس له جنة لأن الجنة بالأعمال.
أستاذي الفاضل حبذا لو تكرّمتم بتأويل الآية التالية: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ} سورة محمد: الآية (19).
{فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ..}: إن السادة الأنبياء والرسل الكرام عاهدوا الله قبل مجيئهم إلى الدنيا على الأمانة وبرُّوا بعهدهم، ولم يختلفوا عنه ولم ينقطعوا عنه طرفة عين لا ليل ولا نهار، فهم في صلاة دائمية لا ينقطعون عنه أبداً يقول ﷺ: «نحن معاشر الأنبياء تنام أعيننا ولا تنام قلوبنا» فبقي لهم نورهم، والله وملائكته يصلّون عليهم لأنهم صلوات الله عليهم دائمي الوجهة إلى الله، لذلك بعثهم الله منقذين لعباده هادين للناس، يقول ﷺ: «إنما بعثت معلماً»: أي للإيمان. فيرى ﷺ الناس فيما هم فيه ويضع نفسه مكانهم، فيسلك من أجل دلالتهم على الله ليعلِّم الكيفية التي يصلون بها إلى الله تعالى تماماً كما فعل سيدنا إبراهيم العظيم حينما فكر في نشأته وتربيته، فبحث عن مربيه وتنقل في تفكيره بين الكوكب والقمر والشمس وما أن أدرك تعالى صدقه في الوصول بهذه الأصول حتى أوصله تعالى: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ} سورة الأنعام: الآية (75).
وتدل كلمة (وَكَذَلِكَ): أن هذا القانون عام كل من سلكه وصدق فيه فإن الله يريه ملكوت السماوات والأرض لأن باب الله مفتوح إليه ليريه.
إذاً كلمة: (فَاعْلَمْ) أي: اشهدْ من أجلهم، لتشهد لكلِّ من فكَّر وعقل كلمة (لا إلۤه إلا الله) بأنوارك العليَّة الموصلة بهم إلى نوري، والله نور السموات والأرض.
{..وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ..}: الاستغفار من غفر، وغفر: غطى وستر، والذنب ما علق بالنفس ولم يخرج إلى حيز العمل، لذا فمن رحمته ﷺ وحنانه وحبه لإنقاذ الخلق وهدايتهم يعلق بنفسه ممّا هم فيه، لشدّة تأثّره وحزنه عليهم، ويُمحى بنور الله، فقلبه ﷺ ليس حديداً وليس قاسياً ولكن نفسه الشريفة الطاهرة مرهفة نقية وحساسة جداً وصافية كلها حنان وحب، ومن مخالطته واحتكاكه بالناس وضمن وظيفته يعلق بنفسه منهم فينعكس عليه، ويزول باستغفاره مباشرة عنه وعنهم، فذنبه ﷺ ما علق بنفسه منهم إذ تنعكس شهواتهم على نفسه الشريفة آلاماً وضيقاً وهمّاً وحزناً، فهو ﷺ لا يستهوي إلا الكمال ولا يعشق إلا الحضرة الإلۤهية.
لذا يطلب منه تعالى أن يستغفر، أي: يقبل عليه فيغمره بتجلياته العظمى وأنواره الكبرى ليغطي ويستر عن قلبه هذه الذنوب التي علقت بنفسه ﷺ منهم وانعكست عليه ليزيلها ﷺ بالله باستغفاره.
{..وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ..}: أما استغفاره للمؤمنين وللمؤمنات فإنه ﷺ مهبط التجليات الإلۤهية فبوجهته بالنور الإلۤهي إليهم حين صلاتهم، فإنه يذهب عنهم إصرهم أي: إصرارهم على حب الدنيا الدنية، والأغلال التي كانت عليهم، أي: الشهوات الدنيئة التي ارتكبوها، وتزدان نفوسهم بالكمالات وحب الفضيلة كذا مثل الصلوات الخمس بمعيته ﷺ: «أرأيت لو كان بفناء أحدكم نهر يجري يغتسل فيه كل يوم خمس مرات، ما كان يبقى من درنه؟ قال: لا شيء. قال: فإن الصلاة تذهب الذنوب كما يذهب الماء الدرن» سنن ابن ماجه رقم /1367/. خمس لقاءات مع الرسول ﷺ بالكعبة تذهب عنهم كل ما علق بهم بوجهتهم للرسول والكعبة.
{..وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ}: لا تخفى على الله منكم خافية، فلا تشفى نفس إلا بربها وهذا هو الطريق إلى الله تعالى بالصلاة إذ فيها للمؤمن الصادق ما يغنيه عن لذائذ الدنيا الدنية وينهى نفسه عن الفحشاء والمنكر، والخيرات الباقية الدائمة للنفس تنال كلها بالصلاة: {..وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ..} سورة التوبة: الآية (103).
استمع مباشرة:










