تأويل القرآن العظيم

تأويل سورة الماعون

سلسلة تأويل القرآن العظيم

(أنوار التنزيل وحقائق التأويل)

  • للعلامة الإنساني الجليل محمد أمين شيخو قدس سره
  • جمع وتحقيق: الأستاذ المربي عبد القادر يحيى الشهير بالديراني

لمحة عن الكتاب

المكذّب بالدين: امرؤٌ معرض عن الخالق منبع الكمالات ومنار ينابيع الهدايات وموئل الخيرات، من أشاح عنه تعالى فقد أشاح عن الجنّات، وأضاع المكرمات وبالأمراض النفسيّة باء فتحوّل لدنياه الدنيّة إثر حرمانه لنفسه من الرحمة والإنسانيّة وبذا فقد فتح وعاء نفسه وسقاءها إلى الدناءة والانحطاط، فانصبّ فيها الجفاء والقسوة وعدم الوفاء، وكان البخل والجبن إلفه وأليفه، والكذب والخيانة حليفه وكان نبراساً للدنيء من الأخلاق.
ترى وأرى في تضاعيف هذا الكتاب القيّم الثمين أنّ صفتيه من دعِّ اليتيم وعدم الحضِّ على طعام، كاشفٌ من الكواشف التي تُظهر حقيقة هذا الإنسان المحروم من كلِّ عطفٍ وحنان، فاحذره أكثر ممّا تحذر الكاسر من الوحوش والضاري من الحيوان، فهو الوحش المعب المختبئ في جلد إنسان، بل هو أشر من كلّ مخلوق وأخطر من كلِّ حيوان، وسبب ذلك كلّه عدم سلوكه عمليّاً طريق الإيمان.
فاحذر على نفسك وأشفق من الحرمان وسوء المصير واسمُ بالإيمان الحقّ إلى المقام العالي الرفيع، مقام الأُنس بالله وبك تأنس الخلائق غبطةً أبدية بالجنان.
﴿وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. سورة العنكبوت الآية (6)


لقطات شاشة من الكتاب

تأويل سورة الماعون

الصيغ المتوفرة:

هذا الكتاب متوفر بشكل: كتاب إلكتروني.


كتاب إلكتروني:

معلومات الكتاب الإلكتروني

  • الكتاب الإلكتروني بصيغة PDF، ePUB. 
  • الكتاب الإلكتروني مجاني.
  • روابط التحميل تظهر لكم بعد تقديم الطلب.
  • الكتاب متوفر على منصات غوغل بلاي، أبل ستور، أمازون.
تأويل سورة الماعون

  • مقدمة المحقق
  • تأويل سورة الماعون

  • عنوان الكتاب: تأويل سورة الماعون
  • السلسلة: تأويل القرآن العظيم (أنوار التنزيل وحقائق التأويل)
  • للعلامة الإنساني محمد أمين شيخو
  • الناشر: دار نور البشير- دمشق- سوريا
  • النشر الإلكتروني: Amin-sheikho.com
  • حجم الصيغ المتاحة للتحميل:
  1. PDF: 2.92 MB
  2. ePUB: 0.20 MB

  • ePUB: جيد لتصفح الكتاب على أجهزة الكومبيوتر اللوحية، والهواتف المحمولة (منصوح به للتصفح السهل مع تطبيق "غوغل كتب" و"آي بوك").
  • PDF: جيد لتصفح الكتاب بواسطة برنامج (أدوبي ريدر) على أجهزة الكومبيوتر بأنواعها، والهواتف المحمولة بأنواعها، وهو مناسب للأغراض الطباعية.

أسئلة متعلقة بتأويل القرآن الكريم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. قد أعجبت أشد الإعجاب بالتأويل الحق للحروف في أوائل السور وإني لأرجو إليكم: 1- تأويل الآية 17 من سورة الحاقة "والملك على أرجائها، ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية". 2- الآية 6 من سورة الزمر "خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق في ظلمات ثلاث ذلكم الله ربكم له الملك لا إلۤه إلا هو فأنى تصرفون". مع فائق الاحترام والتقدير.


1-تأويل الآية 17 من سورة الحاقة: {وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ}: هذا التجلي الإلۤهي من الرحمة والحنان والعطف الإلۤهي الذي به القيام والوجود "وجود الخلائق" منصبٌّ على الخلائق أجمعين ولكن بالآخرة يتم العطاء عن طريق أولاً الرسل الأنبياء حملةُ التجلي الإلۤهي كله على الخلائق أي: بشكل أوضح الجنات وما فيها ينالها المؤمنون والمتقون في الآخرة عن طريق هؤلاء الرسل الثمانية حملة الصحف الأربعة والكتب المقدسة التوراة والزبور والإنجيل والقرآن الأربعة. 2-الآية 6 من سورة الزمر: {خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ..}: من آدم عليه السلام: لا ميزة لشخص على شخص كلهم في الأصل من نوع واحد.{..ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا..}: حواء عليها السلام أصل البشر كلهم من آدم وحواء. لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى. {..وَأَنزَلَ لَكُم مِّنْ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ..}: من أجل تأمين معاشكم {ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ}: من الإبل اثنين ومن الماعز اثنين ومن الغنم اثنين ومن البقر اثنين {..يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ..}: أدوار ثلاثة نطفة ثم علقة ثم مضغة. هذه الأدوار الثلاثة كان الإنسان فيها مبهماً غير معروف ما نوعه وما جنسه نطفة لا ترى بالعين لدقة حجمها ثم علَّقت في جدار الرحم مع البويضة أيضاً غير معروفة النوع وغير متميزة الخلق. ثمَّ مضغة قطعة دم لا أعضاء فيها ولا تمايز. {..ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ..}:بيده حياتك يا إنسان ونماؤك وبقاؤك وبيده مقاليد السموات والأرض لا يخرج شيء من قبضته {.. لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ..}: لا مسير في هذا الكون سواه. {..فَأَنَّى تُصْرَفُونَ } كيف تتحول لسواه. كيف تتركه وتلحق ببشر وتسمع كلامهم الذين لا يحملون لك نفعاً ولا يخلقون لك شيئاً ولا يملكون شيئاً.

تأويل الآية رقم 4 من سورة المعارج
قال الله تعالى: {تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ}


هل هو تعالى بعيد عنَّا هذا البعد، خمسين ألف سنة من سنواتنا؟
الله يرينا قصر عقول الجاهلين الذين يزعمون أن الله بعيد عنَّا، وهو فوق السموات السبع وفوق بحار مسافاتها هائلة بالارتفاع والأبعاد وهو جالس فوق كرسي وعرش تحمله الملائكة، مع أن الآية الكريمة تقول: {..وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} سورة الحديد (4). "ما من اثنين إلا الله ثالثهما وهو الله في السموات وفي الأرض"

- كيف حصروا تعالى بكرسي. والله تعالى يقول: {..وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} سورة ق (16).

لذلك كان جواب الله لرسوله صلى الله عليه وسلم أن يصبر عليهم وعلى جهلهم لعلهم يرجعون إلى التفكير فيعقلون. {فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً}: على هؤلاء المساكين، {إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً}: فهم يرون ربهم بعيداً ويفعلون كلَّ شيء ويرتكبون المعاصي.
ونحن "رسول الله وصحبه" {وَنَرَاهُ قَرِيباً}: آمنا به واستقمنا على أمره وطاعته وعدم معصيته لننال رضاه ومشاهدة وجهه الكريم التي فيها الجنّات ونحن كيفما توجهنا نرى الله معنا، فكيف يقولون أنه فوق السموات السبع بكثير، ستة وأربعون ألف وخمسمائة سنة ولكي تصل الملائكة إليه. إذن فلا حساب ولا عقاب.
فهؤلاء البعيدون يرون الله بعيداً.
{فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً}: على أقوالهم الغير منطقية.

أريد تأويل الآية الأولى من سورة القلم لو سمحتم.


بسم الله الرحمن الرحيم
{ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} سورة القلم الآية (1).
{ن..}: هذا القرآن الذي تتلوه يا محمد ﷺ في حقيقته نورٌ خططناه في قلبك لتخطّه في قلوب من يلتفت إليك بالتقدير والمحبة، ومن ذلك قوله ﷺ: (ما صبّ في صدري شيء إلا وصببته في صدر صاحبي أبو بكر)، وكذلك ما صبَّه سيدنا موسى عليه السلام في نفوس السحرة حينما سجدوا له فأصبحوا مستنيرين، وفتَّحوا بعد عمىً فشاهدوا به ما شاهدوا؛ شاهدوا به أسماء الله الحسنى وهاموا حتى شاهدوا به مجريات الآخرة وأهل الجنة وأهل النار، وكذا الصحابة الكرام "رضوان الله عليهم" الأقوياء جميعاً إلا ما ندر استناروا به ﷺ وخرجوا من الظلمات على النور وأخرجوا العالم أيضاً من الظلمات إلى النور.
قال تعالى: {..مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً..} سورة الشورى: الآية (52): أي القرآن الكريم هو النور.
ن: القرآن الكريم نور تنزل عليك يا محمد صلى الله عليك وسلم يضيء للمؤمنين سبيل التقوى والاستنارة بنور الله.
يقولون: (العلم نور..)؛ وهذا هو العلم الحقيقي، ولا علم سواه بهداية البشر، قال ﷺ: (هو نور الله المبين وحبله المتين من تمسك به نجا..): كالدولة العثمانية حينما تمسكت به هدوا الأمم. (..ومن تركه لغيره هلك) كالأتراك حينما تَرَكُوا تُرِكُوا.

وإذا كان (العلم نور) فكيف إذن القرآن الكريم كلام الله العظيم، ومنبع كل العلوم التي هدى بها ﷺ العالمين إلى الخير والصلاح وملأ أطباق السموات والأرض، هذه العلوم التي جاء بها ﷺ عن الأقوام السابقة واللاحقة وعن الآخرة إنما هي من القرآن الكريم، وكذلك العلم بأسماء الله الحسنى التي فيها هديت الأمم إلى الخير والصلاح.
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً} سورة النساء: الآية (174). وكذلك قال تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ..} سورة المائدة: الآية (44). فكلام الله تعالى في التوراة كذلك في القرآن الكريم نور للمؤمنين وللمتقين، وهو النور الباقي أبد الآباد لهداية بني البشر.
والقلم: قلم القدرة الإلۤهية التي تسري من الله إليك وإلى الناس، أي ما يخطّه الله في قلبك وقلب من يتّجه إليك من معاني القرآن المضيئة.

وما يسطرون: هذا القرآن الكريم الذي سطره كتبة الوحي ونشره الصحب الكرام "رضي الله عنهم" واهتدت واستنارت به أمم كثيرة، تمسكوا به فرفع الله شأنهم على العالمين كأهل الشام حينما أصبح العصر الذهبي للإسلام في دمشق، ومن بعدهم المماليك والأكراد والعثمانيين وكذلك كثير من أمم الهند والسند والتتر المسلمين بزمن الأمير تيمور (تيمور لنك) حينما أصلح الأمم الإسلامية، ونشر الإسلام في دول القوقاز حتى يومنا هذا.

وكلهم رفع الله شأنهم دنيا وآخرة فكانوا مناراتٍ للهدى بهدي القرآن، هذا النور الإلۤهي العظيم (كلام الله) وما ورد في هذه الآية الكريمة {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ}: دليل على أنك ما أنت بنعمة ربك، أي بما أنعم الله عليك بهذا القرآن الكريم، لست بمجنون، أي ليس الحق بمستور عليك.

السلام عليكم
أرجو من سيادتكم شرح الآية 222 من سورة البقرة لماذا جاءت: { فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ }؟ هل يعني ذلك البعد الكامل وعدم رؤيتهن؟ وشكراً لكم.


الاعتزال هنا هو البعد عن المقاربة الزوجية في فترة المحيض لما فيه من الأذى والأضرار التي تعود على الرجل والأنثى معاً. وليكون أثناء المقاربة قبول وعدم نفور وأن تكون العلاقة الزوجية طاهرة لا أذى فيها ولا نفور لدوام المودّة والمحبة بالحلال المشروع. ولا يعني البعد الكامل، وعدم الرؤية إنما البعد عن المقاربة الزوجية فقط.

سلام عليكم.
أستاذي الفاضل، بالآية الكريمة: {..إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ..}.
ما هو الذكر الذي هو أكبر من الصلاة؟! ونحن نعرف نتائج الصلاة ورفعتها...
ولكم جزيل الشكر...


يقول تعالى في كتابه العزيز: {..اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ..} سورة العنكبوت: الآية (45).

فما هي الصلاة في روحها وحقيقتها، وكيف يصليها الإنسان حقاً؟
وماهو هذا "الذكر" الذي هو أعظم من الصلاة؟
حتى يصلي المرء الصلاة الحقيقيّة عليه أولاً أن يؤمن بالله الإيمان الحق.
فكيف يصل المرء إلى هذا الإيمان؟

أقول: إذا صدق الإنسان بتيقنه بالموت وقرر وطلب أن يؤمن وفكر بالآيات الكونية، توصله لخالقها وممدها ويشاهد شهوداً طرفاً من أسمائه تعالى الحسنى، فيشاهد بالنور الإلۤهي حسب الآية الكونية التي يفكر بها، فمثلاً يرى الوسعة الإلۤهية إن فكر بالسماء أو بالبحر، وإن فكر بالجبال يرى العظمة ويشاهد عظمة موجدها القائمة به حاملها وحامل الكرة الأرضية والكون وإن فكر بالقمر يشاهد نور الله وهو يطلبه، وإذا فكر بالطعام بغية الإيمان يرى حب الله وحنانه ودقة صنعه في الخلق ويشاهد الودَّ الإلۤهي وعطفه وهذا كله من أجله فيجد أن الله لم ينسَه.
هو نسي ربّه، ولكن الله لا ينساه فحينها تحب النفس ربها لما يغزوها به من هذه النعم التي هي صنع يديه ولا يستطيع سواه أن يصنعها أبداً، فهو وحده المتفضل عليه العطوف والمحب له، فتلتفت النفس للإلۤه بهذا التفكير وبهذا الإيمان تنعقد للنفس صلة بالله، وحينما يعود للمجتمع وينشغل مع الناس ينقطع هذا الإيمان وتنقطع هذه الصلة بالله ولو أنه حصل يقيناً. ولكنْ هناك شيء أعظم من هذه المخلوقات التي آمن عن طريقها، ألا وهو الإنسان المكلف الناجح في حمله للأمانة، والذي لم ينقطع عن ربه، بل يرتقي في مشاهدات أسماء الله تعالى الحسنى رقياً عظيماً وينال فيه تجلياً أكبر، فإن التفت الإنسان إلى الله من زاوية هذا الإنسان العظيم المستأنس بربه دائماً، والذي لم تطغَ على مشاهدته شهوة أو لذة أبداً، بل شهوته دائماً رضاء الله وإيصال الخلق إلى ما وصل إليه، هذا الإنسان صلى الله عليه وسلم هو الآية العظمى الذي إن اتصل المرء بربه عن طريقه بالصلاة نال نعيماً وملكاً كبيراً، وحظي بما لم تحظَ به المخلوقات جميعها، فإن كان إيمانه عن هذا الطريق وذاق وشاهد من عطاءات الله عليه شاهد ما لا عين رأت، عندها تدوم صلته بالله فتصبح صلاتُهُ صلاة متتابعة متعاظمة متسامية ولن يبغيَ عنها حِولاً، فالإيمان يسبب له صلة آنية، إذا انشغل انقطع عنها، أما الصلة بواسطة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة فهي صلاة لا تبغي النفس انفكاكاً عنها والهوي إلى غيرها من المخلوقات.

والآن نبدأ بذكر الصلاة الدائمية وشرح آثارها على النفس فنقول:
الصلاة الحقيقية تكون بوساطة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي فيه النور الوثيق والمشاهدات العلية، ولأنه هو صلى الله عليه وسلم السراج المنير لقلوب المخلوقات، تصل يا مؤمن بها إلى نور الله بحجمٍ لا تستطيع الكائنات أن تمنح جزءاً يسيراً منه لذا تتمسك النفس بهذه الصلاة ولا ترضى عنها بديلاً.
وبالصلاة الصحيحة: يسري النعيم الإلۤهي في قلب صاحبها ويخالطه ويمازجه ولا ينفك عنه، بوساطة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيسري في النفس سريان الماء في الأغصان الذي يبعث الحياة والنماء ونتاجه الثمار اليانعات والطعوم الطيبة المذاق، أو كسريان الكهرباء في الأسلاك فتُحدث الحركة والدوران والإنارة والضياء.
وكذلك النور الإلۤهي الذي يسري في نفس المؤمن أثناء صلاتها بمعية رسول الله صلى الله عليه وسلم، يُشِعُّ فيها الحياة والنعيم المقيم، ينتقل المؤمن من حالة إلى أعلى وتبعث الغبطة والسرور والبهجة والحبور. وبهذه الصلاة الحقيقية تنحتُّ الشهوات الدنيئة متساقطة، وتنغسل النفس من أدرانها وتزول عنها الصفات المنحطة السيئة، فلا جبن ولا بخل ولا فظاظة ولا غلاظة ولا قسوة قلب ولا حب إيذاء ولا ذل ولا خنوع ولا عدوان، فتنقلب صفات المرء المؤمن إثر صلاته ويصطبغ بصبغة الكمال ويتصف بالصفات الإلۤهية، فإذا هو بشر لا كغيره من البشر، فالصلاة هي التي تقلب القلب المتحجر فتجعله كالياقوت صفاءً ونقاءً وتحوِّل سواد النفس الذي هو كالفحم المظلم فتجعله كالماس برّاقاً لامعاً.

إذن، "الصلاة الصحيحة": هي التي تحوِّل صفات الإنسان عامة فتبدلها بصفات عالية كاملة {صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً..} سورة البقرة: الآية (138).
ومن مظاهرها في نفس المؤمن الرحمة والحنان والكرم والجود والسخاء والمروءة، والعدل والإنصاف وعزة النفس والشجاعة والإباء وهكذا عدِّد ما شئت من صفات الكمال التي يحصل عليها المرء في صلاته وفي ساعات الإقبال على ربه بمعية إمامه صلى الله عليه وسلم.
فالمصلي بهذه الصلاة الصحيحة تجده في غنى قلبي بما غمره به ربّه من خيرات في صلاته، ونفسه قد أُترعت بالكمالات الإلۤهية وبالنعيم الدائم الذي لا يماثله نعيم، فتراه في عزة وإباء عن الشهوات الدنيئة ولا يعبأ بالدنيا وبهرجها ولو سيقتْ إليه بحذافيرها، بل ولو جاءته صاغرة طائعة، لقد نال أسمى وأبهى وأعلى وأرقى منها فأنى لنفسه أن تعود للدناءة بعد العلو وللذل بعد العز.
فصلاته مترعة بالنعيم المقيم والعزة والغنى القلبي والأنوار السنية والمشاهدات العلوية للأسماء الإلۤهية الحسنى، وجسمه واقف في الصلاة ونفسه بمعية إمامه صلى الله عليه وسلم في سياحات تطوي الأكوان طياً لترى وتشهد من عظمة الله وجلاله وبهاه وعالي صفاته وأسمائه الحسنى، بل وترى الأزل والخلْق الأول والآخرة وأحوال أهل الجنة وأحوال أهل النار كل هذا يراه ويشهده بصلاته بمعية رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما شاهد السحرة مع سيدنا موسى عليه السلام إمامهم وسراجهم المنير.

أقول: إذا كانت الصلاة على هذا النحو وبتلك الصورة العالية عندها ينتهي صاحبها عن الفحشاء والمنكر، وصلاته تلك كفيلة أن تغني نفسه وتنهاها عن المحرمات المخزيات من الشهوات، ومعنى النهي أي بما في الصلاة من خيرات ونعيم ومشاهدات للحقائق جعلت النفس لا تلتفت لسواها من شهوات الدنيا لأنها وجدت بصلاتها خيراً منها بما لا يقارن ويقاس، عند ذلك تعافُ النفس المحبب لها سابقاً من الشهوات عن رضى وقناعة وعن طيب خاطر منها.

فيا هل ترى ما هو الذكر الذي هو أكبر من هذه الصلاة العظيمة التي ذكرنا صفاتها وآثارها وأحوالها؟
نقول: الرسول عليه الصلاة والسلام سما وعلا فوق العالمين بما أنزل إليه من الذكر الحكيم لقوله تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ..} سورة البقرة: الآية (285).
ومكث صلى الله عليه وسلم في مكة أربعين سنة لم يعرف شأنه وعلوّ قدره أحد حتى أُنزل عليه القرآن العظيم كلام ربِّ العالمين، عندها اجتمع حوله الصحب الكرام وبعد أن آمنوا واتقوا وطبقوا القرآن سيَّدَهم الله على الأمم فنشروا هدّيه في بلاد الروم البيزنطيين وبلاد الفرس الصابئة هذا كله فضل القرآن العظيم. {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ} سورة ص: الآية (87).
وهذا الذكر أكبر من الصلاة هو كلام الله العظيم: (هو حبل الله المتين ونوره المبين من تمسك به نجا ومن تركه لغيره هلك) فالذين تمسكوا بالقرآن سيَّدَهم الله على الأمم وسلَّمهم أمر عباده ومكَّنهم في الأرض وجعلهم ظاهرين وكمثال على ذلك:
الدولة العثمانية لا التركية والدولة السلجوقية في زمن ألب أرسلان السلجوقي، وقبل ذلك دولة المماليك في عهد الملك الظاهر بيبرس، ودولة الأكراد في زمن صلاح الدين الأيوبي (الأيوبيون)، كلّ أولئك بالتزامهم بكلام ربهم سادوا الأمم وتيمورلنك: الذي حمل المصحف بيد والسيف بيد قاهر ملوك الأرض وقبلهم الصحب الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.

إذن، إن استعاذ الإنسان بربه ودخل في حصنه الحصين وحرزه المنيع الذي هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي، إن دخل بمعية رسول الله على الله يزول الوقر من الأذنين وينكشف الغطاء عن العينين، ويسمع الكلام من المتكلم جلَّ وعلا أي، كلام الله المنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا هو "الذكر" الذي هو أكبر من الصلاة العظيمة.
أي: درجته أعلى وبه الشفاء والهدى.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى