تأويل القرآن العظيم-المجلد الرابع
سلسلة تأويل القرآن العظيم
(أنوار التنزيل وحقائق التأويل)
المجلد الرابع
- للعلامة الإنساني الجليل محمد أمين شيخو قدس سره
- جمع وتحقيق: الأستاذ المربي عبد القادر يحيى الشهير بالديراني
لمحة عن الكتاب
لقد نهج العلاَّمة بالدين وتأويل القرآن العظيم منهجاً سامياً عليّاً، يسمو بالإنسان لأسمى حياة... لم يكن عليه من سبقه من الكتبة والمفسرين والعلماء السابقين، منهجاً يمكِّن أي إنسان أياً كان مستواه الإدراكي والثقافي أن يدركه بمستواه، ويسعد بمعانيه، ويعلم ساعتها كيف أن القرآن الكريم: {الۤر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ} سورة يونس، الآية (1). مجملاً ومفصلاً.
لتُعلم حقائق الآيات بدقائقها والمراد منها.
ونهضَ بالدعوة إلى الله فبرهن وأبان الحجج تترى.
كشفَ حقائق المذاهب والطرق الملتوية ودحضها بالمنطق والحجة، فخاطب الإنسان ونفسه، واستنهض تفكيره، وعرض نظام الأكوان وما فيها من إحكام في التسيير وإتقان في صنع الخلْق: من عظمةٍ للجبال.. هي بحقيقتها عظمة خالقها التي أضفاها عليها، ووسعة وعظمة للبحار والسموات أضفاها عليهما أيضاً الواسع العظيم جلَّ شأنه لتصل النفس الطالبة للإيمان لليقين بشهود عظمة الإلۤه ووسعته اللانهائية كما آمن وأيقن السابقون الأُول. إذ يأبى الله أن يترك هذا الإنسان المعرِض منغمساً في شهواته، متجرداً عن إنسانيته، مُعرضاً عن موئل الفضائل والمكرمات جلَّ كماله، ضائعاً لا يدرك خيراً من شر ولا حسناً من سيءِّ.
يرى تعاليم الإلۤه سجناً وقيداً لطاقاته وإمكانياته وحرِّيته، فأرسل له من يوقظ تفكيره، وينبهه إلى مغبة أمره وعظيم خسرانه، ليأخذ بيده إلى دار السلام حيث الرضى والمكرمات والسعادة والإكرام بالأمان.كل ذلك ليتوب الإنسان وينال المكرمات، ولكي لا يقول غداً وهو بالحسرات:
{.. يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا} سورة الفرقان، الآية 27.
باب التوبة والسعادة مفتوح، فالتوبة بالعجل قبل فوات الأمل.
الصيغ المتوفرة:
هذا الكتاب متوفر بعدة صيغ: كتاب إلكتروني، صوتي، وورقي
كتاب إلكتروني:
معلومات الكتاب الإلكتروني
- الكتاب الإلكتروني بصيغة PDF، ePUB.
- الكتاب الإلكتروني مجاني.
- روابط التحميل تظهر لكم بعد تقديم الطلب.
- الكتاب متوفر على منصات غوغل بلاي، أبل ستور، أمازون.

كتاب صوتي:
معلومات الكتاب الصوتي
- الكتاب الصوتي بصيغة MP3.
- الكتاب الصوتي مجاني.
- روابط التحميل تظهر لكم بعد تقديم الطلب.
- الكتاب متوفر بشكل صوتي ومجاني في موقعنا، ومتوفر أيضاً في مواقع الكتب الصوتية العالمية الشهيرة.

كتاب ورقي:
معلومات الكتاب الورقي
- الكتاب الورقي متوفر للشراء من موقع الأمازون وشركائه، في أنحاء العالم.

أسئلة متعلقة بتأويل القرآن الكريم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته: ما هو تأويل كلا من الآيتين: سورة الحجر (88): {لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ}. سورة طه (131): {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى}.
سورة طه الآية 131: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ..} لا تطمع بأهل الدنيا أن يتبعوك ولا تَمِلْ لما أعطيتهم من مناصب أو مال لتستعين بهم على دلالة عبادي. {..زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ..}: لنخرج لهم به شهوتهم. {..وَرِزْقُ رَبِّكَ..} بمن آمن معك {..خَيْرٌ وَأَبْقَى}. ويرجى الرجوع إلى (تأويل القرآن العظيم المجلد الثالث سورة الحجر الآية 88). وإن أشكل عليك شيءٌ بالمعنى يرجى المراجعة والسؤال.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
سيدي الكريم ورد في السور التالية ما يلي:
من سورة العنكبوت {وَلَمَّا أَن جَاءتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ} (33)، من سورة القصص {فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِن تُرِيدُ إِلَّا أَن تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ} (19)، من سورة الصافات {نَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ} (104).
السؤال ما الحكمة من وجود كلمة (أن) في الآيات السابقة والمراد السامي من وراء ذلك؟ ولكم جزيل الشكر.
يا أخي: كلمة (أن) ترمز باللغة للمفاجأة بوقوع ما لم يكن متوقعاً فهي فجائية، كما أنها مشتقة من الحزن والأنين من أنَّ يئن أنيناً.
فبالنسبة لسيدنا لوط صلى الله عليه وسلم كان بين قوم سفلة وسخين منحطين روائحهم القلبية بسبب عملهم الوسخ الدنيء روائح وخم، والملائكة الكرام نفوسهم صافية كالألماس عطرة روائحها أجمل وأزكى مما خلق الله من ورود وزهور، وبكلمة (أن) أي: أن سيدنا لوط صلى الله عليه وسلم فوجئ بجلال جمالهم وصفائهم ونقاء نفوسهم الملائكية، وكان حزيناً على قومه وما يفعلون بأنفسهم كما ازداد أنيناً وحزناً وخوفاً على هؤلاء الضيوف من الجبارين القذرين.
وأما سيدنا موسى صلى الله عليه وسلم ولما أراد أن يبطش... فهنا يتبين حال سيدنا موسى القلبي وحنانه وحزنه على مستقبلهم الأبدي النيراني الجهنمي بظلمهم وطغيانهم الذي يعقبه لظى وانقلبت رحمته العظيمة لقوة هائلة لصدِّ هذا المعتدي القبطي عن عرض الإسرائيلي أو عن قتله، فموته خير عليه من ظلمه لأخيه الإسرائيلي بالقتل أو سلب العرض وما يعقبه من خسران لجناته وتعرّضه لنيران الآخرة، فهو صلى الله عليه وسلم في أحزان وأنين وبكاء قلبي ونحيب انعكس عنده لشجاعة وقوة لصد المنكر وبطشه.
وبواقعة سيدنا إبراهيم صلى الله عليه وسلم جاءت: {وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ} جاءت أن للسرعة والمفاجأة بإيقاف الذبح عن سيدنا إسماعيل ونتيجة لطاعته لله وحده وحنانه المترع في قلبه الذي يسع العالمين ليوم القيامة في المحراب وصدّ الشياطين عن المسلمين لنهاية الدوران.
ورد في كتاب تأويل جزء عمّ في تأويل سورة الانشقاق الآية 24 ((ومثل الكافرين ذوي العلل النفسية عندما يُبشَّرون بدخول النار كمثل فقير مريض، فإذا أنت سعيت له بالدخول في المستشفى ووفقت في سعيك ثم بيَّنت له ذلك فيكون بيانك بشرى سارّة له، لأن دخوله المستشفى سيباعد عنه ما هو فيه)).
ندرك مما سبق أن بشرى الكافرين بدخول النار بشرى سارة في حين لو عدنا إلى قوله تعالى : {يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَّحْجُورا} الفرقان 22 نلاحظ أنه لا بشرى للمجرم. كيف لنا بالموافقة بين ذلك؟ نرجو الرد وجزاكم الله عنا كل خير.
أخي الكريم لقد شرحت الآيات بغير مواضعها فآية: {..لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ..} تتضمن حينما يرون الملائكة وهذا يحدث عند الموت وبما أنهم ليس لهم أعمال تؤهلهم لدخول الجنّة يقولون: {..حِجْراً مَّحْجُوراً}.
أما الآية الكريمة التي استشهدت أخي الكريم بها (ذات البشارة) ينطبق عليها الحديث: «إن العار ليلزم المرء يوم القيامة حتى يقول يا رب لإرسالك بي إلى النار أيسر علي مما ألقى وإنه ليعلم ما فيها من شدة العذاب»، وأيضاً حديث: «والذي نفسي بيده إنَّ العار من ابن آدم ليبلغُ في المقام بين يدي الله، حتى يتمنَّى أن يُصْرَفَ ولو إلى النار»، والآية الكريمة من سورة الحاقة: {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ}: تبيّن ذلك العار الذي يصل إليه ذلك المعرِض أمام العالمين جميعهم لذا يتطلب النار(المستشفى) للخلاص من هذا العار والخزي. وفي آية كريمة أخرى يدعو سيدنا إبراهيم عليه السلام ربّه: {وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ} [الشعراء : 87]، ليعرّفنا بذلك الخزي العظيم الذي يلبس المجرمين يوم القيامة.
فالآية الكريمة التي تفضلت بالسؤال عنها و التي تبين أنه (لا بشرى للمجرمين)، فهي تتحدث عن ساعة الوفاة وقد يكون بين وقوع الآيتين آلاف السنين كمن توفي من الأقوام السابقة كقوم نوح وعاد و ثمود، فكل واحد منهم ممن لم يؤمن بالله: {يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ..} ساعة الموت لقبض روحه، {..لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَّحْجُوراً} سورة الفرقان /22/. أي يلتمسون ملجأً مهما حقر، يصبح يتطلب أن يحجب عنهم يقول: استروني بمكان لا أحد يراني.
سيدي الفاضل نرجو منكم تأويل الآيات من سورة غافر من الآية (9-16) ولكم جزيل الشكر في البدء والختام.
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة غافر من الآية (9) حتى الآية (16):
10- {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا}: ما فكروا كفروا بلا إلۤه إلا الله، ما فكروا بالكون وآياته فظلَّت نفوسهم محجوبة بحجاب الشهوة عن الله سبحانه وتعالى هؤلاء بعدم إيمانهم انحط عملهم.
الخير من الله فقط إن آمن الإنسان وأقبل على ربه طبع الله بنفسه كمالاً ويطبع في قلبه نوراً فصار يعمل به، هؤلاء جاؤوا للدنيا فما فكروا ولا آمنوا لحقوا الدنيا وشهواتها وانحطاطها فصاروا يعملون السوء ويوم القيامة تنكشف الحقائقُ ويشاهدون خسارتهم الجنة ويشاهدون أعمالهم الخبيثة فتحرقهم نار الحسرة والندامة ويحل بهم الخزي والعار لانكشافهم أمام الخلائق وأمام رب العالمين.
{..يُنَادَوْنَ..}: غداً يوم القيامة. {..لَمَقْتُ اللَّهِ..}: لأنفسكم لأنه رحيم بكم. {..أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ..}: كم أنتم متألمون من أنفسكم فالله يمقت هذا العذاب وهذا الألم لكم، يمقت أحوالكم وأعمالكم ويكرهها أكثر مما تكرهون أنتم ذلك.
الله سبحانه وتعالى يكره الكفر لعباده ولا يرضاه لهم لذلك أرسل لهم من يدلُّهم وبعث معهم كتباً وملائكةً وخلق لهم كوناً وجعل فيه آيات دالة عليه سبحانه وتعالى لكن هذا الإنسان ما سمع ولا فكر ولا آمن ويوم القيامة انكشف حاله ومرضه وعمله فصار يمقت نفسه وحاله الذي صار إليه لذلك يقول: (..حِجْراً مَّحْجُوراً..) سورة الفرقان: الآية (22): ضعوني بمكان لا يراني أحد ولا أرى أحداً.
والله تعالى بهذه الآية يقول: أنا أكره لكم هذا الحال وأمقت لكم ما تعملون من سوء سيعود عليكم ولا أرضى لكم الكفر لذلك أرسلت من يدلكم وينذركم لقاء يومكم هذا.
{..إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ..}: أرسلت إليكم معلم الإيمان من يدلكم ويحذركم، دعوكم للإيمان فما سمعتم دلُّوكم على الطريق للإيمان بلا إلۤه إلا الله فلم تؤمنوا. {..فَتَكْفُرُونَ}: أهكذا فعلتم، حتى صرتم إلى ما صرتم إليه.
11- {قَالُوا..}: الذين كفروا. {..رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ..}: هذه الآية إثباتُ عالم الأزل، الإماتة الأولى في الأزل والإماتة الثانية في الدنيا حين خلوص الأجل.
الموت هو الانقطاع، وهؤلاء الذين كفروا كانوا بالأزل بصلة مع الله تعالى، لكن حين عرض الله تعالى عليهم الأمانة وأخذوا الاختيار وألقى الله بنفوسهم الشهوات استلذّوا بها وانقطعوا عن الله، وخانوا عهدهم أن لا ينقطعوا عنه تعالى طرفة عين ماتوا وصاروا بالظلام لا سمع ولا بصر لهم فقدوا كل شيء، والله من رحمته أحياهم مرة ثانية بهذا الجسد وأرسل لهم أنبياءً ورسلاً وخلق لهم كوناً وجعل فيه أنواراً فما آمنوا ولا أعادوا صلتهم بالله حتى انتهى أجلهم وماتوا ثم يوم القيامة يحييهم الله ويبعثهم للحساب.
قالوا أمتنا نسبوا موتهم لله لا لأنفسهم: ظنهم بالله ظن السوء مثل ظنِّ إبليس (قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي..) سورة الحجر: الآية (39). نَسَبَ الغواية لله.
هم انقطعوا عن الله باختيارهم وماتوا ونسبوها لله، والله يقول بسورة البقرة: (..وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ..) الآية (28).
لآخر لحظة ينسبون السوء لله وهذا الظن به سبحانه أرداهم. (وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنْ الْخَاسِرِينَ) سورة فصلت: الآية (23).
{..وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا..}: عدم تفكيرنا في بدايتنا ونهايتنا جعل شهواتنا الدنيوية تبعدنا عنك يا رب. فالإنسان ما لم يفكر ببدايته كيف كان نطفة ليرى فضل الله عليه ويتنازل عن كبره، ويفكر بنهايته الموت والقبر لتخاف نفسه وتترك الشهوات.
في الآخرة انكشفت لهؤلاء الحقائق وبعد كشف الحقائق ورؤية أعمالهم السيئة اعترفوا لكن ماذا يفيد الاعتراف يومها حيث لا تغيير ولا يستطيعون أن يقدِّموا أعمالاً صالحة يدخلون بها الجنة.
{..فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ..}: مجرم اعترف بجرمه لكن هل يغيِّر؟
الله سبحانه وتعالى يقول بسورة الأنعام الآية (28): (..وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ):
أي لو أعادهم الله مرة ثانية للدنيا لعادوا إلى ما كانوا عليه من أعمال وإجرام ولما آمنوا وعادوا الله والرسول وإنهم لكاذبون.
12- {ذَلِكُمْ..}: ظنكم السوء بالله وعدم تفكيركم جرَّكم للَّحاق بشهواتكم. {..بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ..}: لطاعته. {..وَحْدَهُ..}: أن بيده سبحانه كل شيء ولا حول ولا قوة إلا به. {..كَفَرْتُمْ..}: بهذا. {..وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ..}: أن هناك من فعّال ومسيِّر غير الله. {..تُؤْمِنُوا..}: بالشرك أن لفلان فعل، يرزق ويعطي ويمنع، والطبيب يشفي، وفلان يقتل ويسجن، وأن بهذا الكون ظلم. {..فَالْحُكْمُ لِلَّهِ..}: الحول والقوة والأمر لله المسيِّر، انظروا هل من شركائكم الذين أشركتم بهم وجعلتموهم أنداداً لله من فِعْلٍ في تسيير هذا الكون، من يُسيِّر السحب وينزِّل الأمطار ويُنبت الزرع؟ هل من أحد غيره سبحانه؟ فالحكم له لا حاكم غيره سبحانه وتعالى بهذا الكون. الذين أشركتم بهم فقراء بحاجة إلى من يطعمهم ويسقيهم لا فعل ولا حكم لهم هو سبحانه مسيِّرهم ومسيِّر المخلوقات كلها. فلماذا أشركتم به ومنه كل شيء.
{..الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ}: مهما شاهد الإنسان من فضله ورحمته فهو أعلى وأعلى لا حدَّ لعلوِّه وهو أكبر وأكبر وعنده الكثير الذي لا ينتهي.
وهذا يشاهده الإنسان بالصلاة.
13- {هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آَيَاتِهِ..}: وهذا دليل واضح لتؤمنوا بلا إلۤه إلا الله وأنه سبحانه المسيِّر الفعال لا حكم لأحد غيره فتُقبِلوا عليه ويشفيك ويمدك بعطاءٍ لا حدَّ ولا انتهاء له.
إن فكرتم بآيات الله وآمنتم تخلصون من الشرك.
{..وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا..}: هو سبحانه ينزل المطر وفي الأمطار مواد الحياة على الأرض مثل الفيتامينات. فلو سقيّ الزرع بماء الأنهار فقط دون الأمطار لنبت الزرع بلا ثمر، ما حالُكَ عندها؟ هل من أحد غيره يستطيع إنزال المطر؟ فانظر فضل الله عليك أيها الإنسان وفكِّر حتى تؤمن.
{..وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ}: إن لم ترجع إلى أصلك لا تتذكر، أصلك نطفة إن فكر الإنسان بها وكيف تحولت إلى إنسان كامل ومن حوّلها؟! يشاهد هذا الإنسان فضل الله عليه ويشاهد ضعفه وفقره لله فيتنازل عن كِبره وإعراضه ويؤمن.
14- {فَادْعُوا اللَّهَ..}: يا مؤمنين. {..مُخْلِصِينَ..}: دعوتك يجب أن تكون خالصة لله لا لغاية. {..لَهُ الدِّينَ..}: الميل الحق له سبحانه الخضوع لله وحده. {..وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} ليس لأحد سلطانٌ على المؤمنين، المؤمنُ وليُّه الله.
15- {رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ..}: بميلك للحق وإيمانك يرفعك ويُعلي درجاتك وتحلّقُ بالجنان وكلما قدَّم الإنسان من أعمال صالحة وازداد إيمانه يرى ويشاهد أكبر وأكبر وأعظم وأعظم ويرتفع شأنه على العالمين. {..ذُو الْعَرْشِ..}: هو سبحانه صاحبُ الفيض يُفيض عليك بالخيرات. {..يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ..}: الحياة والإمداد والإلهام، كل من صدق ألقى على لسانه الحق.
هذه الروح للمكلفين المؤمنين الناجحين فقط غير المكلف لا يلقيها الله عليه وهي روحانية عظيمة تجلٍّ من الله على قلوب المؤمنين. وعندما يشاهدها المؤمن يشاهد حقيقة النبوة العليا. فالله يلقي على قلب هذا المؤمن حياة وسعادة وأنواراً وتجليات قدسية، وبذلك لا يبغون عنها حولاً وبهذه الروح الملقاة من رب العالمين يشاهد الحكمة من كل أمر وينطبع القرآن بنفسه وبها النجاة في البرزخ والآخرة.
{..عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ..}: المشيئة هنا للإنسان، كل من أراد الحياة وتوجه إلى الله بطلبها يلقيها الله عليه. {..لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ}: يوم القيامة يوم يتلاقى الإنسان مع من خَلَقه ورباه.
16- {يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ..}: كل إنسان تظهر أمامه أعمالهُ مكشوفةً بين يديه. {..لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ..}: كلهُ بعلمه لا يخفى عليه شيءٌ سبحانه. {..لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ..}: لمن الملك في الدنيا، في البرزخ، في القيامة. {..لِلَّهِ..}: عندها يجيب: لله. أَقرّوا لمن الملك، المؤمن يجتهد ليرى ذلك في الدنيا. {..الْوَاحِدِ..}: الكامل الوحيد، لا يوجد غيره كامل، وما من إلۤهين اثنين إنما إلۤهكم إلۤه واحد. {..الْقَهَّارِ}: معنى اسم القهار أي أن الله أعطى لعباده حرية الاختيار لكن وإن كان لهم الخيرة والاختيار إلا أن تسييرهم إلى ما اختاروا من عملٍ بيده سبحانه فمنه الحول والقوة والامداد، فالظالم يُسلَّطُ على ظالم مثله كان قد ظلم من قبل والسارق لا يتسلط ولا يسرق إلا من مستحق سارق مثله والمال الحلال يحفظه الله كذلك المرأة الطاهرة التي لا تريد الحرام لا يستطيع أحد أن يتسلَّط عليها ولو اختار ونوى، فالله يمنعه ولا يقع اختياره إلا على امرأة طلبها الزنى مثله. (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ..) سورة النور: الآية (26).
والله حَرَّم الظُّلم على نفسه وجعله مُحرَّماً بين الناس، فالله سبحانه لا يسلط أحداً على أحدٍ غير مستحق، فإذا اعتدى قوي على ضعيف وتمكن منه يكون هذا الضعيف معتدٍ على أضعف منه.
وإليك أخي السائل قصة جرت مع أحد مريدي العلّامة محمد أمين شيخو قدس الله سره:
شاب في مقتبل العمر كان ينتمي إلى فئة لا تمت للإسلام بصلة تعرَّف هذا الشاب على العلّامة محمد أمين شيخو وأسلم على يديه وآمن علمت فئته بإسلامه فقرروا قتله.
وذات مرة بينما هذا الشاب المؤمن يسير في أحد أسواق دمشق وإذ بابن عمٍّ له يراه دون علم من قبل هذا الشاب المؤمن، فقرَّر قتله غدراً من خلفه واستلَّ خنجره وركض نحو الشابّ المؤمن من خلفه وما كاد يصل إليه حتى جاءت سيارة وصدمته لعدم انتباهه لها لتركيزه على قتل ابن عمه عندها التفت الشاب المؤمن ليشاهد ما جرى على أثر سماعه صوت صدمة السيارة، وإذ به يرى ابن عمه مُلقىً على الأرض والدماء تنزف منه ومن رحمته ألقى بنفسه عليه وصار يبكي وينتحب فقال له الناس لِمَ البكاء وقد كان بيده خنجراً يريد قتلك به غدراً يا مسكين، ومكره السيئ عاد عليه فالله لم يمكِّن هذا المجرم الكافر من قتل هذا الشاب المؤمن وحال بينه وبين ما أراد ونوى، فعادت نيته الخبيثة عليه.
كذلك لما حان موعد ذهاب هذا الشاب لتأدية الخدمة العسكرية الإلزامية كان لابد من الذهاب إلى بلدته مكان حمولته لتسيير وإنجاز الأوراق المطلوبة من شبعة تجنيدها وما أن علمت حمولته بهذا حتى هيؤوا له اثني عشر رجلاً مسلحاً بالمسدسات لقتله بلحظة واحدة أمام شعبة التجنيد "مكان إنجاز المعاملة" وعندما وصل هذا الشاب مكان شعبة التجنيد وبنفس اللحظة مرَّ مَوْكِب وزير الأوقاف المصري من نفس المكان ولما شاهد مرافقة الوزير هؤلاء المسلحين قبضوا عليهم ظناً منهم أنهم يريدون اغتيال الوزير واعتقلوهم وحققوا معهم وعرفوا السبب، فاستدعى الوزير الشاب المؤمن ودار بينهما نقاش رائع عندها طلب منه أن يرافقه في جولته وبقي معه عدة أيام حدَّثه هذا الشاب المؤمن أثناءها عن علوم العلّامة محمد أمين شيخو وعن بيانه العالي الرفيع الذي ما تكلم به غيره وعن أعماله ورحمته ولطفه فأُعجب الوزير بالعلّامة ووعد الشاب المؤمن أنه سوف يزور العلّامة بعد انتهاء المهمة التي كلفه بها الرئيس جمال عبد الناصر وينهي أعماله إلا أنه حدث الانفصال ولم يتمكن الوزير من الاجتماع بالعلّامة.
إذن هم كادوا لقتله وهو مؤمنٌ مستقيم على أمر الله وطاعته وليس عليه استحقاق لذلك لم يمكِّن الله حمولته منه، فالله عادل ورحيم وكل ما قيل عن أذى السادة الأنبياء وتعذيبهم لا أساس له وحاشا لله أن يجعل عليه سلطاناً وكلها من الدسوس لا أصل لها والله مانع رسله.
17- {الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ..}: ما كسبته بنفسك أيها الإنسان ستشاهده وستجزى به. {..لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ..}: كل إنسان وعمله. {..إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ}: بلحظة يحاسب الخلق جميعاً هذا للجنة وهذا للنار، يسرع سبحانه في حسابهم يوم القيامة فمن أين أتوا بقولهم أن الناس يقفون في ذلك اليوم آلاف السنين والله سريع الحساب، لو أوقف طبيب مريضاً بباب داره مدة طويلة فما يقال عنه!..
والحمد لله رب العالمين
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ورد في القرآن الكريم عن خلق الإنسان آيات كثيرة مختلفة:
{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ} سورة المؤمنون (12).
{إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ..} سورة الإنسان (2).
{وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاء بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً} سورة الفرقان (54).
{إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ} سورة الصافات (11).
{وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتاً (17) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً} سورة نوح.
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} سورة الحج (٥).
وسؤالي الأول: لماذا ورد أحياناً أن خلق الإنسان من ماء وأحياناً من تراب وأحياناً من طين أو من صلصال وما الاختلاف بينهم؟
والسؤال الثاني: ما معنى: (مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ)، (نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ)، (طِينٍ لَازِبٍ)، (صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ)، (فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً).
وجزاكم الله خيراً.
أولاً: لم ورد أحياناً أن خلق الإنسان من ماء وأحياناً من تراب وأحياناً من طين وما الاختلاف بينهم؟
ليس هناك اختلاف إنما وفاق واتفاق وهذا التعداد ليس إلا مراحل وأطوار مرَّ بها الإنسان، كما ورد في الذكر الحكيم عن سيدنا نوح قوله لقومه: {مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً ، وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً} سورة نوح: الآية (13-14).
فالإنسان ذرة بهذا الكون وهو من الكون، وجسمه من مركبات الأرض فكل إنسان تمَّ خلق جسمه من مركبات الأرض ومن المعادن التي في التراب التي تنقلب زروعاً وأثماراً، علماً أن الإنسان ليس فقط جسماً بل هو جسم وروح ونفس وجسمه من دم وأعصاب. والآن هذا التركيب الجسمي، ولأن الإنسان يدخل في تركيب جسمه المعادن كالحديد والنحاس والكالسيوم وغيرها، فهو متوافق في تركيب جسمه مع مركبات الأرض من أجل أن يتآلف معها ويستطيع أن يعيش في هذه الحياة المادية ليؤدي الوظيفة التي خلق من أجلها، فهذه المركبات والمعادن التي في التراب انتقلت إلى صلب الأب عبر الطعام وهي على شكل أطعمة مشتقة ومستخرجة من ماء وتراب، أي من طين كما في الآية: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ} سورة المؤمنون: الآية (12). ولأن التراب لوحده لا يكفي لابدّ من الماء، فتراب وماء أصبح طيناً انتقلت المعادن والمركبات الموجودة في الأرض عبر الأطعمة والفواكه والثمرات والخضراوات وأكلها الأب فتحلَّلت وتحوَّلت وتشكلَّت خلاصتها نطفة في صلب الأب.
فليس هناك أي اختلاف إنما توافق واتفاق وما هي إلا أطوار ومراحل مرَّ بها الإنسان، وكما قال تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ..} سورة الإنسان: الآية (2).
الأمشاج: هي مجموعة المأكولات والزروع والثمرات أكلها الأب فتكوَّنت نطفة في صلبه ثم انتقلت إلى رحم الأم وهناك علّقت في الرحم فكانت علقة، ثمَّ تحوّلت إلى مضغة وهي قطعة لحم، وبدأ ينمو ويتغذى عن طريق أمه إلى أن أصبح جنيناً كاملاً، له عيون وأذنان وأطراف وجزع وأصابع، أي خلقاً كاملاً تاماً.
وعن كلمة (أمشاج) أيضاً: فهي جمعٌ مفرده (مشج)، والمشج: هو أيُّ شيئين اختلطا وامتزجا. ويكون ما نفهمه من كلمة أمشاج هي مجموعة المأكولات والزروع والثمرات وخلاصتها كما ذكرنا من قبل.
ثانياً: بالنسبة لمعنى (مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ):
المضغة: هي قطعة لحم تنقسم قسمين:
مخلقة: يتشكَّل منها الجنين والذي تظهر فيه معالم الإنسان، فتكون هذه المضغة مخلّقة، والقسم الآخر:
غير مخلقة: وهي الخلاص "المشيمة" للتغذية، لتغذية الجنين داخل الرحم.
إذن: (المضغة المخلقة): هي الجنين الكامل الخلق ذكر أو أنثى.
و(غير المخلقة): هي الخلاص "المشيمة" وهذه بعد الخروج من الرحم لا حاجة لها.
و(النطفة): يقولون في العلم الحديث عن النطفة: (حيوان منوي). ولكني لا أوافقهم بذلك، لأن الحيوان ينجب حيوان ولا ينجب إنسان، والإنسان لا ينجب حيوان.
أما نحن نعرف أن النطفة تخرج من الماء الصافي النقي الطاهر.
وهناك (الناطف) نوع من الحلوى مشهور بالشام وحلب يُعرف بطعمه الحلو ولونه الأبيض كأنه نوراني ومذاقه الطيب اللذيذ، ولفظة كلمة (الناطف) من الناحية اللغوية مشتقّة لفظياً من (النطفة)، فهناك تماثل بالصفات من حيث الطهارة والنقاوة والصفاء بين لفظ الناطف ولفظ النطفة، فالنطفة من الماء الطاهر النقي إذا وضعها الإنسان بالحلال، أما إذا وضعها بالحرام فهو يشمئز منها وينفر ويغسل يديه من أثرها، والحقيقة أنه ينفر من عمله.
{أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ، أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ} سورة الواقعة: الآية (58-59): هذه النطفة ستحاسبك غداً يوم القيامة لِمَ ظلمتها ووضعتها في غير موضعها ولابدَّ من ذلك لأن الله أتبع قوله العزيز بآية {نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ} وغداً المحاسبة.
والنطفة هي خلاصة المأكولات ومشتهيات الدنيا تتحوَّل وتصبح نطفة في صلب الأب، وهي طاهرة نقية.
طين لازب: هو الطين اللاصق، أي لازق. فأنت يا إنسان أصلك من تراب وماء أصبحت طيناً إذا وطأه الناس يلصق بأحذيتهم، وبالآخرة يقول المعرض: {..يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً} سورة النبأ: الآية (40). وإن تعلَّقت بالدنيا ولم تنهض بالإيمان إلى جناتك التي تخليت عنها فتذكر أصلك الجسدي الذي هو من طين يلصق بأحذية الناس، فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان، فبِمَ تعتز وتتمسَّك؟ وبأي شيء تتكبّر وأنت تنشأ من الأرض وترابها وستعود إليها لا محاله؟! قال تعالى: {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى} سورة طه: الآية (55).
إذن: ستعود إلى الله، فلِمَ لا ترجع من الآن بنفسك إليه تعالى لتنال ما أعدَّ لك مما لا عين رأت ولا أذُن سمعت ولا خطر على قلب بشر، بدل أن تلصق نفسك بالدنيا ومشتهياتها التي هي من طين ومنتوجاته، وستعود بجسمك طيناً.
صلصال من حمأ مسنون: أي أن الله تجلَّى على هذا التراب، وذاك التجلِّي كان فيه حموٌ "أي حرارة"، فغدا التراب صلصالاً نقياً طاهراً خالياً من أي شائبة ذا صوت رنان "له صليل"، وذاك ما يحدث للطين حين تعرّضه للحرارة فيغدو فخاراً خالصاً من الشوائب {خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ} سورة الرحمن: (14).
مسنون: تقول سن السيف، أي: شحذه وشذبه وأزال ما عليه من الصدأ والنتوءات حتى أصبح سيفاً مصقولاً نقياً قاطعاً. وكذلك عندما تجلّى الله على هذا الإنسان لخلق جسمه غدا طاهراً نقياً، لم يجعل فيه شائبة، عنده القابلية والأهلية من كل ناحية.
إذن: أصل الجن من نار السموم وهو أصل نقي، وكذلك أصل الإنسان طاهر نقي، فلماذا تكبَّر إبليس بأصله وادّعى أن أصله أرقى وأنقى والآية تنفي هذا الادعاء؟! {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاء بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً} سورة الفرقان: الآية (54): هنا يلفت الله نظر الإنسان لكي يتفكر بهذه الآية، فهذا الماء لا بصر فيه ولا سمع ولا أي نوع من أنواع الأحاسيس، كيف حوّله الله وأنشأه حتى صار بشراً سوياً ذا سمع وذا بصر يتكلّم ويدرك ويحسّ بما حوله؟! فمن الذي وضع فيه هذه الأحاسيس وجعل فيه هذه الملكات والقدرات فتراه بشراً كامل الهيئة تامّ التركيب يفكّر ويسمع ويتكلّم وكان قبل ذلك ماءً لا شيء فيه؟! فمن الذي أمدّه بالروح والحياة والقيام والنماء؟ فما أعظم هذا الرب؟! وجعله ذكراً وأنثى.
{..نَسَباً..}: أي ولد ينسب إلى أبيه ويكون أقرباء بالنسب. {..وَصِهْراً..}: الأنثى، البنت حينما تتزوج يكون زوجها صهراً للعائلة. فمن الذي وضع هذه الروابط وتلك العلاقات بين بني البشر؟! ألا تفكّر يا إنسان حتى تتوصّل إلى تلك اليد التي تخلق وتربي.
استمع مباشرة:










