تأويل القرآن العظيم-المجلد الخامس
سلسلة تأويل القرآن العظيم
(أنوار التنزيل وحقائق التأويل)
المجلد الخامس
- للعلامة الإنساني الجليل محمد أمين شيخو قدس سره
- جمع وتحقيق: الأستاذ المربي عبد القادر يحيى الشهير بالديراني
لمحة عن الكتاب
لقد نهج العلاَّمة بالدين وتأويل القرآن العظيم منهجاً سامياً عليّاً، يسمو بالإنسان لأسمى حياة... لم يكن عليه من سبقه من الكتبة والمفسرين والعلماء السابقين، منهجاً يمكِّن أي إنسان أياً كان مستواه الإدراكي والثقافي أن يدركه بمستواه، ويسعد بمعانيه، ويعلم ساعتها كيف أن القرآن الكريم: {الۤر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ} سورة يونس، الآية (1). مجملاً ومفصلاً.
لتُعلم حقائق الآيات بدقائقها والمراد منها.
ونهضَ بالدعوة إلى الله فبرهن وأبان الحجج تترى.
كشفَ حقائق المذاهب والطرق الملتوية ودحضها بالمنطق والحجة، فخاطب الإنسان ونفسه، واستنهض تفكيره، وعرض نظام الأكوان وما فيها من إحكام في التسيير وإتقان في صنع الخلْق: من عظمةٍ للجبال.. هي بحقيقتها عظمة خالقها التي أضفاها عليها، ووسعة وعظمة للبحار والسموات أضفاها عليهما أيضاً الواسع العظيم جلَّ شأنه لتصل النفس الطالبة للإيمان لليقين بشهود عظمة الإلۤه ووسعته اللانهائية كما آمن وأيقن السابقون الأُول. إذ يأبى الله أن يترك هذا الإنسان المعرِض منغمساً في شهواته، متجرداً عن إنسانيته، مُعرضاً عن موئل الفضائل والمكرمات جلَّ كماله، ضائعاً لا يدرك خيراً من شر ولا حسناً من سيءِّ.
يرى تعاليم الإلۤه سجناً وقيداً لطاقاته وإمكانياته وحرِّيته، فأرسل له من يوقظ تفكيره، وينبهه إلى مغبة أمره وعظيم خسرانه، ليأخذ بيده إلى دار السلام حيث الرضى والمكرمات والسعادة والإكرام بالأمان.كل ذلك ليتوب الإنسان وينال المكرمات، ولكي لا يقول غداً وهو بالحسرات:
{.. يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا} سورة الفرقان، الآية 27.
باب التوبة والسعادة مفتوح، فالتوبة بالعجل قبل فوات الأمل.
الصيغ المتوفرة:
هذا الكتاب متوفر بعدة صيغ: كتاب إلكتروني، صوتي، وورقي
كتاب إلكتروني:
معلومات الكتاب الإلكتروني
- الكتاب الإلكتروني بصيغة PDF، ePUB.
- الكتاب الإلكتروني مجاني.
- روابط التحميل تظهر لكم بعد تقديم الطلب.
- الكتاب متوفر على منصات غوغل بلاي، أبل ستور، أمازون.

كتاب صوتي:
معلومات الكتاب الصوتي
- الكتاب الصوتي بصيغة MP3.
- الكتاب الصوتي مجاني.
- روابط التحميل تظهر لكم بعد تقديم الطلب.
- الكتاب متوفر بشكل صوتي ومجاني في موقعنا، ومتوفر أيضاً في مواقع الكتب الصوتية العالمية الشهيرة.

كتاب ورقي:
معلومات الكتاب الورقي
- الكتاب الورقي متوفر للشراء من موقع الأمازون وشركائه، في أنحاء العالم.

أسئلة متعلقة بتأويل القرآن الكريم
قال الله تعالى: {وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ}. ما معنى العرجون القديم؟ ولماذا وردت كلمة القديم؟
الأخ الفاضل حفظه المولى الكريم ...آمين العرجون: العروج. والقديم: تكرار نزول القمر في منازله منذ قديم الزمان لم يتبدَّل ولم يتغيَّر، نظام رباني صارم في الدقة. {وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ}: القمر يولد في بداية الشهر هلالاً ويزداد حجمه يوماً بعد يوم حتى إذا ما انتصف الشهر أصبح بدراً كاملاً بأشد سطوع وإشراقٍ بنوره ثم يبدأ بالتناقص تدريجياً، فيعود كما كان في ابتداء إشراقه نحيلاً بنوره الخافت، هذا حاله بالدنيا وهذا نظام قائم منذ بداية الخليقة ينزل في منازله، وهذا النظام مطابق لحاله النفسي ولما كان عليه في الأزل فهو ينتقل في منازل القرب من الله منزلة إثر منزلة وشيئاً فشيئاً فما يلبث حتى يتراجع عنها ثم بعدها يرجع إلى منزلة القرب مرة ثانية، وهكذا إلى نهاية الدوران.
قال الله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ}
قال تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ..}: من بعدك. {..الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا..}: الرسل. نطبع هذا الحق في قلوب أهل الإرشاد ليكونوا مرشدين ليهدوا الناس. {..فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ..}: من الناس، كل كافر قاسي القلب ظالم لنفسه ولغيره. {..وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ..}: مؤمن، ذاك الذي يطمع في الجنة. هذا سمع بيان رسول الله ﷺ تاب وأعرض عن المعرضين وسار مع أهل الحق، اقتصد فلم يعد يقع بالمحرَّمات، صار يحاسب نفسه وأهله على كل شيء، هذا صار له صلة ولم تحصل له صلاة. الصلة فيها انقطاع، أما الصلاة لا انقطاع فيها عن حضرة الله ولا تكون إلا بالرابطة برسول الله ﷺ. {..وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ..}: هؤلاء هم السابقون السابقون أهل التقوى والإرشاد. {..بِإِذْنِ اللَّهِ..}: يطلقه الله للعمل. لعمل المعروف والإحسان، هذا أصبح مرشداً كاملاً لذلك يسمح الله له بالإرشاد إرشاد الناس إلى الحق. {..ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ}: اطلبه أيها الإنسان يعطِك الله. لا الدنيا وشهواتها تطلب.
أريد منكم أن تشرحوا الآية 23 من سورة الحشر.
يقول تعالى في سورة الحشر الآية (23): {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ}.
{هُوَ اللَّهُ..}: هنا يبلِّغ رسولُ الله الخلق عما شهده من الله عزّ وجل ويخبرهم عن أسماء الله الحسنى التي شهدها ورآها فإن ارتبطت نفسك بنفس المتكلم ﷺ بروابط المحبة والتعظيم رأيت بمنظاره ما يتلوه عليك عن هذه الآية من الذكر الحكيم. و( الله ): وهو الاسم الأعظم وهو اسم الذات يدلك لفظها على المسمى جلَّ جلاله واسم الله الأعلى يشتمل على سائر الأسماء الحسنى، فلو شاهدت ما آل إلى الله من مزيد الفضل والإكرام وعظيم الرحمة والمحبة والحنان عليك وعلى كل الخلق أيها الإنسان، ولو رأت نفسك ما يكلؤك به من البر والخير والإنعام الذي يغمر الكون كله ونعمه تعالى التي تشمل الموجودات جميعها، وشرط هذه الرؤية أن تؤمن به تعالى من ثنايا كونه العظيم، أقول لو رأيت هذه الرحمة والحنان أيها المؤمن لتولهت به حباً وهياماً وطارت نفسك إليه شوقاً وغراماً وعرجت في بحور الجلال والجمال والعظمة ولحلقتَ بنفسك التجاءً وإقبالاً عليه ولما انقطعت عنه بعدها أبداً.
إذن ( الله ): هو الذي تتوله الأنفس به إذا هي أقبلت عليه ورأت ما آل إليه من إكرامٍ وإنعامٍ وبرٍّ وفضلٍ وإحسانٍ، والله خلقك لتتعرف عليه وتنال جناته.
{..الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ..}: لا مسير في هذا الوجود سواه ولا متصرف في هذا الكون إلا هو، كل جيل يأتي ويذهب ويتلوه جيل آخر، فمن أين الحياة التي ترفد الأجيال تلو الأجيال والتي تغمر الوجود كله والجمال الذي يمسح الكون كله، فمثلاً العين التي تصوّر مئات الصور في اللحظة الواحدة أليس الله هو المتصرف بها وبأجهزتها وغذائها والملحقات بها من غدد دمعية وما إلى هناك لكي تتضح لديك الرؤية، فالعين لا تستطيع أن ترى إلا بإذنه تعالى فإن شاء أراها وإن شاء منعها وجردها من كل خصائصها وقواها، كذا الهواء بتركيبه ونسبه الثابتة هل غيره تعالى أوجدها ونظمها وجعلها متوافقة مع جسمك بهذا النظام العجيب الدقيق، هل من إلۤه غيره يعطي ويغني فهو مصدر الإحسان والعطاء وكل ما خلا الله باطل وإلى زوال ولا يبقى سوى الله، فمن المتصرف في هذا الكون جميعه غيره؟! من يأتي بالسحب والأمطار وبالليل والنهار والحر والبرد والصيف والشتاء؟ فلا حركة ولا سكنة إلا به تعالى هو المتصرف في كافة شؤون الكون كله.
{..الْمَلِكُ..}: تقول ملِكُ البلاد وهو الحاكم المتصرف في شؤون البلاد بواسطة القوانين التي يرسمها وهو الذي يتدخل في الشؤون العامة فقط ولا يتدخل في خصوصيات المواطنين واختيارهم، وهذا مثال لنقرِّب لك وجه الحقيقة ولله المثل الأعلى، والله عزّ وجل أعطى الناس جميعاً حرية الاختيار فأنت تختار ما تشاء ومنه تعالى الإمداد والحول والقوة لتنفيذ اختيارك، فالله المَلِك. فهو يملك جسمك وهو بكل خلية من خلاياك في عينيك وفي كافة جوارحك كلها بيده نَفَسُكَ بيده تعالى وروحك لا يملكها سواه، وكذا الجنان منه تعالى وهو يملكها والآخرة والدنيا بين يديه يملكها، ولكنه منحك الاختيار تختار لنفسك ما تريد وهو تعالى منه التنفيذ والحول والإمداد يسلِّط كل نفس على مستحقيها، وكذا الشيطان ليس له سلطان إلا على نفوس آثمة تتطلب هي الرذيلة، {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً..} سورة الأنعام: الآية (129).
{..الْقُدُّوسُ..}: أي كل من أقبل عليه والتفت نحوه تعالى يزيده بالأنوار ليطهِّر نفسه ويحيطها بالتجليات العلية القدسية فهو يقدِّسك، أي يطهِّرك ويزكِّيك من كل العلل والأدران، والملائكة قالوا {..نُقَدِّسُ لَكَ..} سورة البقرة: الآية (30). أي نطهِّر النفوس بنورك وعن طريقك يا الله وبحولك وإمدادك. والأنبياء والرسل كلهم مقدسين بإقبالهم العالي على الله فهم معصومون من الزلل والخطأ، وهم (قديسين)، يطهِّرون نفوس من يصاحبهم بالنور الإلۤهي المتوارد على قلوبهم، فالرسول القديس يغمرهم بالتجلي الإلۤهي العالي وينير لهم عقولهم وقلوبهم فينسى المؤمن الدنيا وما فيها مهما عظمت ويذهب عنهم الأدران والعلل وأوضار الدنيا جميعها ويحفهم بالأنوار القدسية وبهالة من التجليات الإلۤهية السنية.
{..السَّلَامُ..}: هو تعالى السلام، لم يخلق في هذا الوجود أي مظهر من مظاهر العنف والدمار ولم يخلق للإنسان أنياب أو مخالب، كذا لم يوجد في هذا الكون شيئاً من وسائل الدمار أو القنابل، بل هو تعالى السلام ومنه السلام، في الأصل كنا جميعاً في جنة عالية وليس في الجنة إلا الهناء والسعادة والمسرات والنعيم والأنوار فلا شقاء في الجنة ولا آلام ولا أحزان ولا قتل ولا دمار، فمنه تعالى الجنة التي فيها السلام، إذ هو تعالى السلام وجئنا إلى هذه الدنيا لننال الجنات، فإن وفى الإنسان بعهده وأخلص لربه السلام نال بدل الجنة جنات فإن حصل ذلك لا تكون هناك حروب أو آلام أو شقاء أو أمراض ولا زلازل ولا طوفانات ولا أعاصير، {مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ..} سورة النساء: الآية (147). وتكون الحياة كلها وبجميع وجوهها هناء خالية من جميع المنغصات وبأمان شامل وسلام كامل، ولكنّ الإنسان ذاته هو غيَّر وبدَّل وتنكب سبل السلام وراح يخترع ويكتشف وسائل الدمار والتعدي فجلَبَ لنفسه الشقاء والأحزان والآلام لأنه تخلى عن الله، أي تخلى عن السلام {..وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلُواْ..}.
فالله أسماؤه حسنى وكلها سلام وأمان وكل ما نراه من مظاهر العنف والبطش كل ذلك منشأه من لدن ذلك الإنسان، إذ ترك الله وأعرض عنه فترك السلام فإلى أين سيذهب؟!. إذا ترك الخير والأمان والسلام فماذا يجد من دونه غير الحروب والآلام والشقاء.
{مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ..} سورة النساء: الآية (79).
الله بعثك إلى هذه الدنيا لتنال الجنات المتزايدة بدل الجنة الواحدة، وفي الجنة لا خوف ولا حزن ولا خسران ولا ألم، وخلقنا لهذا فهو تعالى السلام. والآن إن رجعت البشرية عن كفرها وطغيانها وتركت الدنيا والتكالب عليها ووفت بعهدها وعادت إلى خالقها وبارئها وليس لديه تعالى سوى السلام يعيشون بأمان واطمئنان وسلام -لا يتخلله أي كرب أو نغص أو آلام- ومغمورين بجنات ربهم التي أتوا لنوالها وشرطها الإيمان فالتقوى.
{..الْمُؤْمِنُ..}: إن الله عزّ وجلّ لا يعامل عباده إلا بأسمائه الحسنى وبما فيه الخير والإحسان، وهو كذلك لا يتغير فسبحان الذي يُغيِّر ولا يتغير، فمهما كفر الإنسان ومهما عتا عن أمر ربه تراه تعالى يرزقه ويمده بالحياة ويعطيه كافة رغائبه وشهواته ويعطيه الغنى والثراء ويمده بكل ما تتطلبه نفسه من شهوات: {قُلْ مَن كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدّاً..} سورة مريم: الآية (75). فلا يعامل الله الإنسان نداً لند أو يعامله بالمثل وتعالى الله عن ذلك الوصف. بل يرحمه ويحنو عليه كما تعامل الأم الرؤوم طفلها العليل ولله المثل الأعلى {..كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ..} ولا يعامل عباده إلا بالرحمة والله مؤمن أنه لا يتغير عن هذا أبداً. ولا يتحول عن هذه المعاملات الودية الرحيمة الحنونة العطوفة بالإنسان مهما غيروا ومهما ابتعدوا عنه يبقى الله يغمرهم بحنانه وعطفه ولا يقابلهم بالمثل، فهو تعالى مؤمن من ذاته لذاته أن لا يتغير مع هذا الإنسان ولا يحمل عليهم مهما غيّر الإنسان وبدَّل.
{..الْمُهَيْمِنُ..}: كل ما في الكون يسير بنظام محكم وقانون ثابت لا يتغير ولا يتبدل على مر العصور وكر الأزمان، فالشمس تشرق في نفس اللحظة في نفس اليوم من كل سنة دون زيادة أو نقصان.
كذا الماء المكوَّن من ذرتي هيدروجين وذرة أوكسجين ولا تزداد هذه النسب ولا تتبدل ولا يعتريها خلل إذ لو ازدادت نسبة أي مادة عما هي عليه الآن لاختل نظام الكون واضطرب.
والنجوم في مجراتها تسير بمدارات ثابتة، والكواكب أيضاً تدور في أفلاكها والشمس والقمر كلٌ يجري وفق ناسوت لا يعتريه الخلل.
فالموجودات من صغيرها إلى كبيرها تسير بهذا النظام، وكيف أمرها تعالى فأتمرت ولا عصيان في ذلك ولا خروج عن إرادته تعالى أقول الله المهيمن أعطى تلك النفوس نعيمها وأشبعها سروراً وسعادة نفسية ومن ثم أمرها فأتمرت، فهو تعالى مهيمن عليهم بما يغمرهم به من نعيم وبسط ومسرات فسار الوجود بهذا النظام العجيب وكلٌّ راضٍ بوظيفته ويؤديها على أتمَّ وجه وأكمل صورة. فهيمن تعالى على كل ذرة في أجسامنا وعلى كل خلية من خلايا أجسام باقي الموجودات يغذيها بفضله وبرّه وإحسانه حتى تسير بالكمال لا خلل ولا نقص. كله كمال بكمال، هو تعالى مسيرهم ومهيمن عليهم بإحسانه وفضله، وهم راضون بهذا النعيم وتلك الوظيفة التي أوكلت لهم على أن يدوم هذا العطاء من الله، فهو تعالى كافيهم وموفّي لكل نفس نعيمها وبسطها وسرورها فسار الوجود كما تراه الآن على هذا الوجه من الكمال، أيضاً هذا الإنسان المكلف الله مهيمن عليه إذ يغمره بفضله وإحسانه ويعطيه كافة متطلباته من ماء وهواء وغذاء، فأرواح الناس جميعاً بيده وهم مفتقرون لعطائه الدائم الذي لا ينقطع عنهم طرفة عين، فهو تعالى مهيمن عليهم بفضله وبرّه وإحسانه وبما يغمرهم به من نعمة وكلهم في عوز له تعالى شعروا بذلك أم لم يشعروا ولكن عند فقدان النعمة كلهم يقولون: (يا الله)، فالله مهيمن عليهم بنعمه، فإذا احتبس النَفَس وانقطع ترى الإنسان الضعيف يجأر إلى الله بالدعاء والتوسل. فالله مهيمن على الخلق كافة بما يتحفهم به من عطائه وخيره.
{..الْعَزِيزُ..}: المتفرد بالكمال ومن غيره النقص ولا كامل إلا الله، وكل كامل من كماله تعالى يتكامل، فهو تعالى كمال بكمال.
{..الْجَبَّارُ..}: بما أن لله الأسماء الحسنى فقط، فالجبار تعني: جبار الخواطر يغنيك بعد الفقر والفاقة، يبدِّل خوفك أمناً وسلاماً وسقمك صحةً ونشاطاً، فهو تعالى الذي يقيل العثار ويأخذ بأيدي المتوسلين إليه ويجبر كسرهم ويقبل توبة التائبين ويبدلهم بالنعيم والجنات بدل الشقاء والآلام فلا يجبر الخواطر سواه، فلا حول ولا قوة إلا به تعالى ولا ملاذ إلا إليه، ويجبر المكسور بأن يشفي نفسه.
{..الْمُتَكَبِّرُ..}: دائماً هو تعالى بتزايد وتنامٍ وتعاظم متسامٍ متشاهق في نفوس عباده المؤمنين والله أكبر، يوسِّع لك العطاء ومهما قلت كبير فهو أكبر وأكبر، ومهما رأيت من عظمته تعالى فهو تعالى أعظم وأعظم ولا نهاية لعظمته ولا حدّ فإذا آمن الإنسان وصلى بمعية رسول الله ﷺ وتلا رسولُ الله آيات الذكر الحكيم عليه وسمع المؤمن المصلي آيةً وشاهدها بنور رسول الله الموصل لنور الله، ينشده بعظمة هذه الآية ويندهش بها وتأخذ لبّه وعقله عظمة وإجلالاً وتنصعق نفسه إكباراً وتعظيماً لما شاهده من طرف ربه وهو بهذه الحالة من الذهول والتعظيم والتقدير لصاحب هذه الآية العظيمة، يقول له رسول الله ﷺ: (الله أكبر)، أي: ما زال هناك أوسع وأعظم وأسمى وأرقى وأعلى مما رأيت، أي: هاك خذ وشاهد ما هو أكبر، فدائماً هو تعالى بتزايدٍ عليك يذيقك من عطائه ما هو أشهى وألذ وأحلى ويريك من عظمته ما هو أسمى وأرقى.
فما خلق الله الخلق إلا ليعطيهم مزيد برّه وفضله ويكلؤهم بعنايته ورحمته ويوسّع لهم الجنة التي كانوا فيها إلى جنات أسمى وأشهى، فالله يحب أن يتكبر عليك بعطائه أي يزيدك أكثر وأكثر من جنة إلى جنة أكبر متكبر عليك بالخير والعطاء والجنات.
أما إذا جاء الإنسان وأعرض عن ربه ورفض عطاءه العظيم، وتحوَّل عن ربه الرحيم دون أي التفات، وما أراد إلا الدنيا فيطلقه الله لما يريد ثم يبعث له رسوله ليهديه وينذره مغبة ما هو فيه من ضلال، فما زاده ذلك إلا بعداً وعتواً وما أراد إلا الدنيا وشهواتها عناداً وكفراً، فبماذا يعامله الله بعد ذلك؟!. قال تعالى: {..نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى..} سورة النساء: الآية (115). يتركه الله وشأنه واختياره ويعطيه من الدنيا ما يريد {قُلْ مَن كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدّاً..} سورة مريم: الآية (75). إذا كان هو تكبَّر وهو لا يريد الجنة، فالله عزيز لا يتذلل له بل يتكبر عليه، لأنه هو تكبَّر وأدار ظهره، هو لا يريد الجنة ولا يريد الله فيتركه الله وشأنه (فالكبر على المتكبر صدقة) فعلى الإنسان أن يتراجع عن كبره ويعود إلى ربه {أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} سورة النمل: الآية (31) الله لا يذل ولا من معه.
{..سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ}: فما أعظمك يا إلۤهي وهذه أسماؤك وما أسماك وأرقاك! أسماؤك كلها حسنى فكيف يتحوَّل عنك التائهون ويلتفتون إلا الزائل الفاني، ويتخذون من دونك ولياً، تلج أنفسهم بالأصنام والشهوات وعبادة الآباء الذين لا حول لهم ولا قوة وأنت وحدك صاحب الأسماء الحسنى.
فمن الذي يسبح المخلوقات، والأجرام والنجوم كلها تسبح فضل الله ونعمه فمن يسبحها سواه ومن يسيرها سوى الله، فكيف يشركون بالله ويتخذون من دونه آلهة، والله أسماؤه كلها حسنى فكيف يتحول عنه التائهون ويلتفتون إلى غيره.
بسم الله الرحمن الرحيم لدي سؤال حول تأويل الآية: {أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ} [الزخرف : 18] وربطها بالآيات قبلها وبعدها والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الآيات الكريمة قبل الآية وبعدها تصف حال الإنسان المعرض كيف أنه:
1- ينسب لله البنات ويحب لنفسه البنين: {أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُم بِالْبَنِينَ}.
2- يسود وجهه عندما يبشّر بالأنثى، لأنه يريد ذكراً: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ}.
3- يصف الملائكة بأنهم إناث: {وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً..}.
فهذه الآيات تبين تناقض هذا الإنسان المعرض.
{أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ..}: والحلية هي المرأة، الأم التي ولد منها هذا الإنسان، لولا أن والده استحلاها لما وُلِد فهذا الإنسان لولا المرأة لم يولد، فكيف الآن يخاصم ويطلب ذكوراً ويرفض الإناث!
كيف ينسب لله البنات ويصف الملائكة بأنهم إناث وهو لا يرضى ذلك لنفسه، لو كان محبّاً حقّاً لله هل ينسب له ما لا يرضى لنفسه!
هل شهد خلق الملائكة أنهم إناثاً حتى يصفهم بذلك! زوراً!
الحقيقة أن هذا الإنسان المعرض ليس لديه حجة واحدة فيما يدعيه {..وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ} في طلبه الذكور وحججه، لا يطلب طلباً منطقياً، بل متناقضاً قامت عليه الحجة بسرعة، لأنَّ اختلافه وتناقضه ظاهر، ولا يستطيع أن يبين بياناً منطقياً أبداً.
وجد البعض أن هناك تناقض في القرآن، حيث وجد أن الملائكة الذين قاتلوا في وقعة بدر مع الصحابة الكرام في سورة الأنفال (1000 ملك) في قوله تعالى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (9)}. وفي سورة آل عمران (3000 من الملائكة) في وقعة بدر أيضاً، في قوله تعالى: {إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (124)}.
أي هناك تناقض عددي في القرآن ويجب أن لا يكون فيه تناقض، سؤال هام جداً نرجو الإجابة.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
ورد في سورة آل عمران: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} انتهى الحديث عن وقعة بدر، والآن بدأ صلى الله عليه وسلم الحديث عن وقعة أحد والتي هو الآن في صددها:
{إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ}: هذه في وقعة أحد لا في وقعة بدر. يساعدونكم بوقعة أحد لتنتصروا عليهم وتحسّوهم بإذنه من أول المعركة، وهذا وقع بأول المعركة لأن الجنة تحت ظلال السيوف وهي الآن تحت ظلال الملائكة الكرام.
انتهى الكلام عن وقعة أحد أيضاً فلا ذكر للثلاثة آلاف من الملائكة في وقعة بدر في هذه السورة، بل كلها تتحدث عن وقعة أحد.
والآن: {بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ}: وهذه الآية نزلت في حمراء الأسد وهي بالمرحلة الثانية لوقعة أحد، حين أرسل أبو سفيان أخباراً زائفةً بأنه أتاه مدد جديد بغية تخويف النبي صلى الله عليه وسلم أشجع خلق الله وبثِّ الرعب في صفوف من معه من الصحابة الكرام، ولكنه لم يُفلح بل انقلب السحر على الساحر، لأنه حين لم يخافوا ظنّ أبو سفيان أنهم قد جاءهم مدد عظيم من المدينة المنورة، فألقى الله في قلبه وفي قلوب من معه الرعب، حتى قال: (لو لم تأته إمدادات عظيمة لما ثبت وهو يريد مهاجمتنا)، ففرَّ ومن معه هاربين، والقبائل العربية تشاهد هزيمة أبو سفيان لمسافة تقارب (400كم)، وقالت العرب: إنَّ أبا سفيان ومن معه هاربون مكسورون. عندها لم يكن هناك من يقول أن وقعة أحد هزيمة أبداً، وثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه كما ورد بالآيات القرآنية التالية:
{الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ..}: أي في القسم الأول من وقعة أحد، حين ظنُّوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قُتل ووقع ما وقع. {..لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ}: هؤلاء الذين شجعوهم بحمراء الأسد لقتال أبي سفيان ومن معه، كأبي بكر وعمر وغيرهما شجعوا الذين استجابوا لله وللرسول من بعدما أصابهم القرح، هؤلاء لهم أجر عظيم.
{الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ..}: هذا ما بثه أبو سفيان ليخيف الصحابة، وهم في حمراء الأسد يتابعونه لقتاله، ولكنهم ثبتوا ولم يخافوا وازدادوا إيماناً على إيمانهم. {.. فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ..}: الله هو الذي يُحاسب عنا وقد وعدنا بالنصر حتماً سينصرنا. {..وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}: وكَّلناه كل أمرنا فلا سلطان يعلو عليه جلّ وعلا.
فثلاثة آلاف من الملائكة بوقعة أحد، لذا كان النصر على المشركين سريعاً من بداية المعركة بقوله تعالى: {..إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ..}، والخمسة آلاف وعدهم الله بهم لو عاد أبو سفيان بجيشه ولكنه انهزم {..وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ..} سورة الأحزاب: الآية (25). انتصروا بالرعب لأن الله بهم رؤوف رحيم، وكانوا قد تعبوا بالقسم الأول من معركة أحد، فوفَّر عليهم تعالى الجهد والقتال ونصرهم نصراً عظيماً دون قتال، فكانت وقعة أحد وقعة نصر عظمى، فقد كان صداها على المشركين وعلى القبائل العربية التي شاهدت أبا سفيان وجيشه مهزوماً على طول الطريق من المدينة إلى مكة، وانكشف أمر وقعة أحد بأنها وقعة نصر عظيمة كما قال البوصيري رحمه الله:
وسَلْ حنيناً وسَلْ بدراً وسَلْ أُحُداً فصول حتفٍ لهم أدهى من الوَخِمِ
ومنذ عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي كافة العصور كان الناس يعلمون ويقولون: بأن وقعة أحُدٍ نصر عظيم، إلا في عصرنا هذا. وكل إناءٍ بما فيه ينضح، فقد قالوا: أنها هزيمة، إذ بحبهم للدنيا انشلّت لديهم العزيمة، فأصبح بمنظارهم المعكوس النصر هزيمة، والضعف والخوار والهزيمة نصراً.
فكيف يُهزَمون ورسول الله صلى الله عليه وسلم معهم مقاتلاً بروحه وجسمه ونفسه الشريفة؟! وقول الله: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ..} سورة الأنفال: الآية (33).
ففي المرحلة الأولى من أحد: سمعوا بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قُتل، فتوقفوا ثم انتقلوا في المرحلة الثانية لمعركة أحد إلى الهجوم ففرَّ المشركون خاسئين، وللنجاة بأرواحهم الخبيثة طالبين.
فالملائكة كانت في وقعة بدر ألف ملك عدداً، وفي المرحلة الأولى من وقعة أحد ثلاثة آلاف، وبنهاية معركة أحد في حمراء الأسد كان الوعد الإلۤهي خمسة آلاف، صدق الله العظيم ونصر رسوله الكريم، ونحن على ذلك من الشاهدين.
والحمد لله رب العالمين.
استمع مباشرة:










