تأويل سورة الفيل
سلسلة تأويل القرآن العظيم
(أنوار التنزيل وحقائق التأويل)
- للعلامة الإنساني الجليل محمد أمين شيخو قدس سره
- جمع وتحقيق: الأستاذ المربي عبد القادر يحيى الشهير بالديراني
لمحة عن الكتاب
بيان يتلوه بيان، ونصح وإرشاد يتلوه تحذير و وعيد... هذا لمن ابتعد وعن الحقّ حاد، وبشارة وترغيب يتلوه تحبيب وتمجيد، وهذا لمن سلك طريق الهداية الذي سنّته الرسل الكرام لأقوامها على مرّ العصور والأجيال.
هذا البيان الذي أجراه الله على قلب السيّد محمّد أمين شيخو "قدّس الله سرّه" بالنور بمعيّة وشفاعة سيّد الرسل الكرام سيّدنا محمّد ﷺ، وقد أفاض علينا بهذه المعاني العالية بدروسه أيّام الجُمَع مكلّلة بالنور والسعادة والحبور، تحمل الحقيقة من الله سبحانه وتعالى في طيّاتها، ألقاها على مسامع مريديه، ينقلون هذا العلم الذي آتاه الله إيّاه ولايكتمونه عملاً بقول رسول الله ﷺ وإرشاده
الصيغ المتوفرة:
هذا الكتاب متوفر بشكل: كتاب إلكتروني.
كتاب إلكتروني:
معلومات الكتاب الإلكتروني
- الكتاب الإلكتروني بصيغة PDF، ePUB.
- الكتاب الإلكتروني مجاني.
- روابط التحميل تظهر لكم بعد تقديم الطلب.
- الكتاب متوفر على منصات غوغل بلاي، أبل ستور، أمازون.

أسئلة متعلقة بتأويل القرآن الكريم
الأستاذ المربي عبد القادر الديراني السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ذكرت المرأة في القرآن الكريم كثيراً فمرات عديدة ذكرها الله سبحانه وتعالى باسم المرأة ومرات ذكرها سبحانه وتعالى بالزوجة وفي بعض المرات ذكرها سبحانه وتعالى بالأنثى فلماذا ذكرت بأكثر من اسم وهل هو من إعجاز القران؟ ولماذا تذكر في كل مرة باسم مختلف وهل لهذا علاقة بحالة الإيمان لديها؟ ومن الأمثلة على ذلك قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}، وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا}. وذكرت بسور أخرى بالمرأة قوله تعالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا}. والسؤال لماذا لم يقول الله تعالى زوج نوح وزوج لوط؟؟؟ وقوله تعالى أيضاً في امرأة فرعون، في قوله تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ}. وقال تعالى على لسان زكريا: {وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا} وقال تعالى: {قَالَ رَبِّ أَنَّىَ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاء}. وقال تعالى: {وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ}. يرجى شرح الفرق ولماذا ذكرت في طلب سيدنا زكريا بالأولاد في أول مرة بالمرأة وثاني مرة بالزوج.
لكل كلمة معنى وهي حسب ورودها في الآية الكريمة: فالزوجة: مأخوذة من الازدواجية والمثنى، وذلك بالرابطة النفسية لأن الزواج إنما هو زواج نفسي ورابطة نفسية فهو يقول لها حين العقد: (زوجتكِ نفسي لنفسكِ) وهي تقول: (زوجتكَ نفسي لنفسكَ). إذن: الزواج ليرقى الأعلى بالأدنى في مدارج الإيمان وليس الزواج جسدي لحمي فقط، لقضاء شهوات منقضية فحسب.
والمرأة: الرجل مرتبط بالأعلى برسول الله صلى الله عليه وسلم بروابط التقدير والمحبة وهذه الروابط معنوية قلبية، والمرأة ترتبط بزوجها فينعكس عليها ما يناله الرجل بسعيه وإيمانه وتقواه، يعود لبيته ليرى ذلك في صفحات نفس امرأته. فالمرأة: مرآة زوجها وهو ينقذها ويأخذ بيدها وذلك بإخلاصها له. وهكذا أمهاتنا زوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم ينعكس عليهنّ من جانب رسول الله سيّالات من الأنوار والمحبة الإلۤهية. امرأة نوح وامرأة لوط بلغوا منازل عالية ومدارج راقية بمعية سيدنا نوح وسيدنا لوط عليهما السلام ونالوا عن طريقهما نوالاً عظيماً ولكنهما تحولتا عنهما، امرأة سيدنا لوط تحولت بنفسها وحوّلت وجهتها نحو قومها وأهلها الأرذال، فصارت تلمّ منهم الأوضار والخبائث فهلكت بهلاكهم إلا أنها نالت في البداية مع سيدنا لوط نوالاً كبيراً وبلغت مراتب عليّة فوق العالمين وفيها قال تعالى: {وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً..} سورة النحل: الآية (92). وكذلك امرأة سيدنا نوح تحوَّلت عن سيدنا نوح إلى ابنها، وابنها متحوَّل للمجتمع الفاسد فكان المشرب آسن نتن فهلكوا جميعاً. المرأة مشتقة من كلمة المرآة، أي تغدو نفسها بالإخلاص لزوجها مرآة لنفسه، يغدوان كنفس واحدة، وعكسهما تماماً امرأة فرعون كم كانت ستعب من طرف فرعون أوضاراً وينعكس فيها إعراضاً وأمراضاً من ناحيته، إلا أنها وبتوجهها لسيدنا موسى وتعلقها به قلبياً نالت منزلةً عالية ومرتبة سامية حتى أنها تخلت عن مُلك فرعون والنعيم الدنيوي، إذ قالت: {..رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ..} سورة التحريم: الآية (11). أما كلمة أنثى: فهذا اسم جنس يصح على كل مخلوق من المخلوقات سواءً أكان مكلفاً أو غير مكلف فللقط أنثى وللذئب أنثى وللحصان أنثى وللجمل أنثى وهكذا... ولا يصح أن تقول عنها زوجة أو امرأة.
والأنثى كذلك تَصِّح على الإنسان أيضاً، فهنالك نوعان: (ذكر) وهو الذي يقوم بالتذكير فيتذكر الغاية التي قَدِم لهذه الحياة من أجلها ويتذكر عهده وميثاقه فيعمل لأجل نجاحه ولوفائه، وكذلك يقوم بتذكير غيره من الإناث الزوجات اللواتي نسين العهد والجنات، فعلى الذكر هدايتهن وبإنسانيته يعيدهن لربهن ليصبحن حوراً عين كأنهن اللؤلؤ المنثور وينعمن بالجنات لذا كان مقصد الزواج نفسياً ليرقى بنفسها للسمو والعلو لا ليكونوا شهوانيين اللحم، كأكلة لحوم البشر.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
لدي أسئلة بخصوص فترة الرضاعة والآيات القرآنية التي وردت في هذا الخصوص:
في سورة البقرة: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} (البقرة: 233).
في سورة لقمان: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} (سورة لقمان: 14).
في سورة الأحقاف: {وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} (سورة الأحقاف: 15).
السؤال الأول: ما هي مدة الرضاعة؟ ففي الآيتين الأوليتين عامين وفي الثالثة 21 شهرا إذا كانت مدة الحمل 9 أشهر، وهل يوجد اختلاف بين الحولين والعامين؟
السؤال الثاني: في الآية الثانية ورد (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً) وفي الثالثة (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا) فما مدلول كل منهما؟
السؤال الثالث: في الآية الثالثة ورد (حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ) فلماذا تحديداً في سن الأربعين؟
وجزاكم الله كل خير.
جواب السؤال الأول: الآيتان في سورة البقرة: (233) وسورة لقمان: (14) هما اللتان قررهما الله تعالى للرضاعة ومدتها عامين /24/ شهراً، ففي الآية الأولى في سورة البقرة (233): الرضاعة تتم في /24/ شهر وهذا الرضاع في إشباع، كذلك فترة الإرضاع /24/ شهراً في الآية الثانية في سورة لقمان (14).
أما الطفل السيد المذكور في سورة الأحقاف الذي حملته أمه كرهاً إذ كانت لا تحب الأولاد ووضعته كرهاً هو سيدنا سليمان العظيم وتمّت ولادته كمولود "السبيعي" إذن حملته ستة أشهر وفي أول السابع وضعته فبقي قانون الرضاعة /24/ شهراً هو نفسه في جميع الآيات.
وليس هناك تناقض كله يشدُّ بعضه بعضاً، لا اختلاف بين الحولين والعامين فهما نفس المدة (24 شهر).
جواب السؤال الثاني: {..وَهْناً..}: عامّة لجميع الأمهات فيصيبهن الوهن والوحام وهذه معروفة. {..كُرْهاً..}: هذه خاصة لأم سيدنا سليمان العظيم إذ كانت تكره الأولاد فبعث الله لها الملك العظيم سيدنا سليمان {..فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً}، والقبول برضى بقدر الله فهذه علامة كمال الإيمان، ولا تجري الأمور بما تحب وبما لا تحب ضمن الأهواء المدمرة، كلا.
أما عن سؤالك الثالث: كل الأنبياء عليهم السلام وليس سيدنا سليمان عليه السلام فقط في سن الأربعين، أي سن النضوج، يمنحهم الله الرسالة والنبوة.
بسم الله الرحمن الرحيم
السؤال: في سور الفتح الآية رقم 10 لماذا وردت كلمة (عليهُ) بضم الهاء وليس بكسرها؟ وشكراً.
يقول تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً}.
عندما خرج المسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة قاصدين البيت الحرام معتمرين، رفض أهل مكة دخول المسلمين وكان صلح الحديبية، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان رضي الله عنه للمفاوضة مع قريش، ولمّا تأخّر سيدنا عثمان ظنَّ المسلمون أن المشركين غدروا به وقتلوه.
نوجز القول فنقول:
{إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ..}: (إنما) هنا أداة تفيد الحصر فالذين كانوا يبايعون الرسول تحت الشجرة وهي بيعة الرضوان، هم بالحقيقة إنما يبايعون الله، فجاءت (عليهُ) حتماً: معروفة لأنه لا تنطبق على الحضرة الإلۤهية أن تأتي بالجر والخفض، بالحقيقة والمعنى.
والصحابة الكرام بهذه البيعة ارتفعوا ونالوا مراتب ومنازل عالية ما كانوا ليبلغوها، لولا هذه البيعة فارتفعوا نقلة واحدة إلى السموات بتقواهم هذه.
فكانت بيعة الرضوان، بايع المسلمون رسولَ الله على الشهادة في سبيل الله، إذ أنهم لم يخرجوا للقتال ولم يعدُّوا له العدَّة إنما كان خروجهم للعمرة فقط، وفوجئوا بهذه الحادثة. فبايعوا الرسول على القتال في سبيل الله حتى الشهادة، ومعنى المبايعة هنا هي أخذ العهد والمواثيق، وهي المشاركة فقد باعوا نفوسهم لله وللرسول، وشاركوا رسول الله بأن لهم الجنة فضحّوا بالغالي وبأعزّ ما يملكون والجود بالنفس أسمى غاية الجود.
لذا ضمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعهدهم وغمرهم بحاله الشريف القدسي فارتفعوا على مراتب ومنازل ما كانوا ليبلغوها لولا مشاركتهم ومبايعتهم لرسول الله. بايعوا الرسول يعني بايعوا الله: هو صلى الله عليه وسلم خليفة الله في أرضه وسفيره.
قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ..}: لأن الله تعالى بتلك اللحظة بايعهم بذاته في علياه فعلوا علواً بمناصرتهم لرسوله وغدوا في عليين، فلا خفض عليهم بعدها ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون، بلغوا في هذه البيعة التقوى، قال تعالى: {..وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا..} سورة الفتح: الآية (26). والتقوى: هي الاستنارة بنور الله فقد شاهدوا أسماء الله الحسنى عن طريق رسول الله ورفعهم رسول الله ونهض بهم، وبضمه لهم وانضمامهم له ورسول الله دوماً مع الله، لذا صار لهم الدخول على الله وبلغوا مرتبة التقوى واسم الله هو لفظ الجلالة باللفظ المفخم الجامع لأسماء الله الحسنى كلها.
فاللغة العربية تخضع للمعاني القرآنية السامية العلية وإذا تضارب المبنى مع المعنى نأخذ المعنى ونترك المبنى، والمبنى يتبع المعنى وليس العكس فالمعنى هنا يتضمن الرفعة والعلو والسمو ولا يأتي بالخفض والكسر أي (عليهِ)، إنما هو بالرفع والضم {عليهُ}: فهم بهذا العهد بايعوا الذات الإلۤهية وباعوا أنفسهم لله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أما بعد:
جاء في كتاب الله العزيز بعد بسم الله الرحمن الرحيم {فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ ، وَمَا لَا تُبْصِرُونَ} سورة الحاقة: الآية 38-39.
ثم جاء في سورة الحجر الآية 72: {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ}.
السؤال هو: كيف قال الله سبحانه وتعالى أنه لا يقسم بأي شيء نبصره وأي شيء لا نبصره في آية ثم أتى على ذكر قسم بعمر الرسول الكريم؟
الرجاء تأويل هاتين الآيتين على تلك المفارقة وحاشا لله من ذكر شيئين متناقضين في كتابه العزيز.
جزاكم الله كل خير وشكراً.
يقول تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ ، وَمَا لَا تُبْصِرُونَ}.
المعروف عموماً أن العظيم لا يقسم إلا بعظيم حقاً، وتأبى العظمة الإلۤهية اللامتناهية القسم بالكون وما فيه من سموات وأرض وما فيهن، إذ هذا الكون بما فيه هين ويسير على رب العالمين، وتلك مخلوقات لم تحمل التكليف، فالله يقول: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ ، وَمَا لَا تُبْصِرُونَ}: أي جميع ما يقع عليه بصرك من عوالم مادية، كل ما تراه بعينك هذا على الله يسير والكون كله بكلمة كن كان. فالخطاب هذا في الآيات موجّه لهؤلاء عميان البصيرة وذلك ما تشير إليه الآيات بعدها: {..قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ} ، {..قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ}.
إذن، الخطاب موجّه لهؤلاء الذي لا يؤمنون {..فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} سورة الحج: الآية (46): وبما أن الخطاب في الآيات عن أناس لا يؤمنون. والله أمر رسوله أن يخاطب الناس على قدر عقولها، فكيف هو سبحانه وتعالى ألا يخاطبهم على حسب درجة فهمهم فالحديث بآية: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ ، وَمَا لَا تُبْصِرُونَ} إنما يتحدث عن رؤية بصرية وليس رؤية بصيرية، فالله يقول:
{فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ ، وَمَا لَا تُبْصِرُونَ}: فكل ما تقع عليه عينك من مخلوقات، هذه لا يقسم الله بها، وكذا هناك عوالم لا يستطيع الإنسان رؤيتها كالأجرام السماوية من نجوم ومجرات وما فيها هذه كلها لا يراها الإنسان، كذلك لا يقسم الله بها، وهنالك مخلوقات دقيقة لا تراها العين لدقة حجمها كذلك لا يقسم بها الله وهي منطوية تحت كلمة: {..لَا تُبْصِرُونَ} فالله لا يقسم بهذه.
فالله لم يقسم بآياته أبداً بما تبصر الناس قاطبة وبما لا تبصر رغم عظمتها بالنسبة لنا، إلا أنها ليست عظيمة بالنسبة لرب العالمين لأنها مخلوقات لم تحمل الأمانة والتكليف فكان رقيها النفسي محدود ولم تفز بما فاز به الإنسان العظيم الذي حمل الأمانة وحقق مراد الله من خلقه فنجح بها نجاحاً منقطع النظير صلى الله عليه وسلم، وبذّ بصدقه وسبقه جميع الكائنات وكان له قصب السبق بين الناجحين الأوائل، ذلك هو السابق الأسبق سيد السادة النبيين والمرسلين والعالمين أقسم الله بحياة الرسول العالية الغالية صلى الله عليه وسلم إذ قال تعالى: {لَعَمْرُكَ..}: يا محمد وحياتك العالية: {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ}: لعمرك الذي لم تضيع منه لحظة إلا كسبتها في الخيرات وعمرك السامي المليء بجلائل الأعمال والبطولات المشحونة بالجهاد الإنساني المقدس والتضحيات، المتميز على سائر القرون بالفضيلة، فكان نبراساً يهدي البشرية إلى ما تصبو إليه من كمال وفضيلة وحياة طيبة.
وعمره صلى الله عليه وسلم الذي ليس فيه نقص ولا شائبة إنما هو من كمال إلى أكمل ومن رقي إلى أرقى عروج في بحور الأسماء الحسنى دون تقصير أو كبوة، لذا خصه الله بالقسم دون العالمين طرّاً، لما له من عظيم الشأن وعالي المكانة فعظّم وأكرم وأنعم وأكبر بعمر هذا الرسول الكريم وصلِّ وسلم عليه تسليماً، يأتك الخير العظيم بأجمعه فهو صلى الله عليه وسلم بجهده وجده واجتهاده استحق أن يتنزل عليه الذكر للعالمين من بين العالمين.
إذن، لا يقسم تعالى بما نبصر بأعيننا ونحصل عليه بعلمنا البشري وندركه بحواسنا وبتفكيرنا والكلام عن عدم القسم بالبصر لا البصيرة، لأن مشاهدته صلى الله عليه وسلم بالصلاة هي مشاهدة قلبية نفسية لا تستطيع العين أن تحيط بذرة من جمالها.
قال الله تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ)
التأويل:
يرى الإنسان ساعة الموت تفريطه ويرى أعماله وكيف ضيَّع هذه الدنيا الثمينة باللهو واللعب والشهوات المهلكة، فلا يطلب إلا الرجوع إلى الدنيا ليتلافى تقصيره ويعمل الصالحات، ولكنَّ الله يعلم كذبَه لأنه كم وكم أرسل له في دنياه من شدائد ومصائب ولحظة الشدة يتوب ويعاهد على الاستقامة والطاعة وفي الرخاء ينكث عهده ويخالف وعده ويعود إلى عصيانه، لذلك يحذِّرنا الله من هذه الساعة التي لا يفيد وقتها الندم فيقول تعالى: {حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُون}: هكذا يفعل هذا الإنسان، أهكذا حالتهم ساعتها! لِمَ لا ترجع بالرخاء والإكرام؟!
{لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحا ًفِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا..}: ساعتها لا رجعة، إن لم تنل الآن خسرت. {..إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا..}: عند الموت يصحو الإنسان لكن المسكين ضيَّع الفرصة. {..وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ..}: العذاب من ساعة الموت حتى القيامة. {..إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}: ليوم البعث.











