تأويل سورة الماعون
سلسلة تأويل القرآن العظيم
(أنوار التنزيل وحقائق التأويل)
- للعلامة الإنساني الجليل محمد أمين شيخو قدس سره
- جمع وتحقيق: الأستاذ المربي عبد القادر يحيى الشهير بالديراني
لمحة عن الكتاب
المكذّب بالدين: امرؤٌ معرض عن الخالق منبع الكمالات ومنار ينابيع الهدايات وموئل الخيرات، من أشاح عنه تعالى فقد أشاح عن الجنّات، وأضاع المكرمات وبالأمراض النفسيّة باء فتحوّل لدنياه الدنيّة إثر حرمانه لنفسه من الرحمة والإنسانيّة وبذا فقد فتح وعاء نفسه وسقاءها إلى الدناءة والانحطاط، فانصبّ فيها الجفاء والقسوة وعدم الوفاء، وكان البخل والجبن إلفه وأليفه، والكذب والخيانة حليفه وكان نبراساً للدنيء من الأخلاق.
ترى وأرى في تضاعيف هذا الكتاب القيّم الثمين أنّ صفتيه من دعِّ اليتيم وعدم الحضِّ على طعام، كاشفٌ من الكواشف التي تُظهر حقيقة هذا الإنسان المحروم من كلِّ عطفٍ وحنان، فاحذره أكثر ممّا تحذر الكاسر من الوحوش والضاري من الحيوان، فهو الوحش المعب المختبئ في جلد إنسان، بل هو أشر من كلّ مخلوق وأخطر من كلِّ حيوان، وسبب ذلك كلّه عدم سلوكه عمليّاً طريق الإيمان.
فاحذر على نفسك وأشفق من الحرمان وسوء المصير واسمُ بالإيمان الحقّ إلى المقام العالي الرفيع، مقام الأُنس بالله وبك تأنس الخلائق غبطةً أبدية بالجنان.
﴿وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. سورة العنكبوت الآية (6)
الصيغ المتوفرة:
هذا الكتاب متوفر بشكل: كتاب إلكتروني.
كتاب إلكتروني:
معلومات الكتاب الإلكتروني
- الكتاب الإلكتروني بصيغة PDF، ePUB.
- الكتاب الإلكتروني مجاني.
- روابط التحميل تظهر لكم بعد تقديم الطلب.
- الكتاب متوفر على منصات غوغل بلاي، أبل ستور، أمازون.

أسئلة متعلقة بتأويل القرآن الكريم
يقول سبحانه وتعالى في سورة الأعراف: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157) قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}. خطاب الله تعالى لموسى عليه السلام ومن معه بأن محمد صلى الله عليه وسلم مكتوب في التوراة والإنجيل مع أن الإنجيل نزل بعد موسى بألفي سنة، فلماذا ذكر الله الإنجيل في هذا الموقف مع أنه لم ينزل بعد؟!
الأخ الفاضل حفظه المولى الكريم ... آمين يا أخانا: الله عزَّ وجلَّ محيط بالعوالم جميعها وهو خالقها أَو ليس الذي خلق بأعلم بمن يخلق؟! فالله علمه شامل وعطفه على الخلائق كامل وهو المحيط في نفوس العوالم وعنده علم الغيب.
وذُكْرُ اللهِ الإنجيل لسيدنا موسى قبل حين، هذه من الأمور الغيبية {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ..} وسيدنا موسى عليه السلام رسولٌ عظيم ومن الذين رضي الله أن يظهرهم على غيبه، فأخبره بأن البشرية سيلزمها كتاب وهو الإنجيل، وكل رسول سابق يتكلم عن الرسول اللاحق الذي سيأتي بعده ليتبعه الناس ولا يعارضونه فهو يمهِّد له، وكذلك سيدنا موسى تكلم بما أعلمه الله عن سيدنا عيسى ووصفه وأوصى بني إسرائيل بإتباعه وأنه سيأتي معه كتاب اسمه الإنجيل وتكلم أيضاً من التوراة كلام الله عن سيدنا محمد النبي الأمي صلى الله عليه وسلم وكذلك تكلم سيدنا عيسى عن النبي الأمي صلى الله عليه وسلم، وجاء ذكره في التوراة وفي الإنجيل، وكلام الله واسع وشامل للعوالم كلها كما هو القرآن، فيه ذكركم وذكر من سيأتي بعدكم وذكر من كان قبلكم، والله أخبر رسوله سيدنا موسى بما سيكون بعده من أحداث ليخبر قومه فيتبعوا المرسلين. إذن: لا غرابة ولا عجب في ذكره تعالى للإنجيل قبل تنزيله وهو تعالى المتكلم به، هو سينزله على سيدنا عيسى بعد سيدنا موسى أفلا يعلمه؟!
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أريد تأويل الآية 2 في سورة الحشر: {..يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ..} .
والسلام عليكم
هذه الحادثة حادثة بني النضير، وهذه الحادثة تاريخية معلومة حين حاول بني النضير قتل رسول الله والقضاء على الحركة الإسلامية بمهدها، ولكنَّ رسول الله نجا من كيدهم له بالقتل ورجع عليهم ومعه الصحابة الكرام، فجبن اليهود رغم ما عندهم من سلاح وعتاد وغنى، إذ ألقى الله في قلوبهم الرعب وأخذوا يخربون بيوتهم من أجل الهزيمة والفرار، وتمَّ لهم ما أرادوا إذ أخرجهم رسول الله ليس فقط من بيوتهم بل من الجزيرة العربية بأسرها وبقوا مدحورين ومهزومين حتى وصلوا هم وأهل حصون خيبر إلى أذراعات (درعا) جنوبي الشام، فحين كانوا يخربون بيوتهم لئلا يستفيد عدوهم منها كغنائم حرب دمّروها بأيديهم وبعد هزيمتهم بالرعب فقط، هدّم الصحابة الكرام حصونهم كلها وخربوها وأتمّوا خربها لأنهم ما كانوا ليتحصّنوا بحصون، كانوا يتحصّنون برسول الله وبالله، وهذا ما بيّنته آيات القرآن الكريم في سورة الحشر وفي سورة الأحزاب وصدق الله العظيم {..وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ..} سورة المنافقون: الآية (8). والآيات التي تلي الآية (2) من سورة الحشر تشرح لك هذا الكلام.
سيدي الكريم وأستاذي الفاضل أرجو التفضل علينا بشرح الآية التالية مع التركيز على تأويل كلمة سرادقها ودمتم لنا نعم السادة وشكراً: {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقاً} سورة الكهف: (29).
يقول تعالى في سورة الكهف
{وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ..}: غير هذا المربي لا يوصلك للحق، فمن لا يعرف المربي ولا يفكر بالتربية لا يستطيع الوصول للحق الذي إن أقبلت نفسك عليه رأت الحق، إن أدبرت فلن ترَ شيئاً منه.
فلا يمكن أن تصير إنساناً ولا أن تعرف الحق إلا بمعرفة المربي: بالتفكير الصحيح تصل بسرعة لهذه المعرفة. ما هذا الطعام الشراب الماء؟
{..فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ..}: الله تعالى أعطى الاختيار للإنسان: أعطيناهم الاختيار إن سرت بهذا الطريق بهذه الدلالة توصلت لهذه المعرفة وإلا ظللت بعيداً لا تفقه شيئاً لا سمح الله كالأنعام بل أضل. {..إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً..}: الذين ظلموا أنفسهم حضَّرنا لهم النار، فمن ظلم نفسه هيَّأنا له ما يناسبه من النار، لأن الألم النفسي سيكون عليه أعظم من النار، فالذين ظلموا أنفسهم بعدم تفكيرهم إذ حرموها مما أُعِدَّ لهم من خيرات.
فما أعظم ألم هذا الشخص الذي ستكون النار دواءً له ويرضاها ليخلص من ألمه! فالنار تسلّيه عن ألمه.
{..أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا..}: من الآن لفَّت حولهم وهي من هنا محيطة بنفوسهم، ولكن الشهوات الدنيوية الدنية حجاب آني عنها.
{وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً..} سورة طه الآية (124).
{..وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ..}: غداً كالقطران "الزفت" المغلي عندما يستغيث يسقى منه: لكن المريض يحتاج لعلاج مرّ كريه. فهم لشدة ألمهم يصيحون وتخفيفاً عنهم عذاب أنفسهم يؤتون بماء كالقطران المغلي. {..يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقاً}: دوماً رفيقهم الإساءة من هلاك لهلاك.
فالله تعالى خلقك وفطرك على فطرة الكمال، ففي الآخرة وعندما يرى الكافر فرار الناس منه ويرى دناءته وحقارته تغلي النار في نفسه: نار الخجل والحقارة فلا بدَّ له من النار المحرقة كي تسلِّيه عن ألم نفسه.
أخي الفاضل أبو عامر الرجاء بعد هذا البيان إن لم يتضح لك المعنى أو بعض الأمور لم تفهمها يرجى تحديد النقاط التي لم تفهمها.
قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ}
وقد ورد في القرآن الكريم في أغلب الآيات {..تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ..}.
لم وردت في هذه الآية {..تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ..} وكذلك لم وردت كلمة جنات بعدها في هذه الآية {..تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ}.
أما في باقي الآيات في القرآن تأتي كلمة (جنات) سابقة ل: {..تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ..}.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
يقول سبحانه وتعالى:
{..تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ..} وهم {..فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ}.
إذاً: الأنهار تجري من تحتهم ومن تحت الجنات أيضاً، ولا فرق بينهما وبين الآية: {..تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ..}: أي من تحت الجنات والمؤمنون فيها، فالآيتان تؤديان نفس المعنى.
أما المقصود بالأنهار التي تجري من تحت الجنات: فهي اللذائذ التي تتطلَّبها النفس وما تشتهيه من طعام وشراب {..أُكُلُهَا دَآئِمٌ..}: متواصل لا ينقطع لا شبع ولا جوع مهما تلذَّذت النفس تجد أكثر وأكثر.
في الدنيا النفس تتلذذ بالمادة عن طريق الجسم، إذاً: تتلذذ من وراء حجاب الجسم وحجاب المادة التي نأكل منها.
أما في الجنة والحكم فيها للأنفس، فالنفس بذاتها دون حجاب تهفو على أنفس الفواكه مثلاً أو ما تشتهيه، وتأخذ اللذائذ خالصة بأكبر ما يمكن دونما حجاب.
فهذه الأنهار في الجنة ليس من شيء يشبهها في الحياة الدنيا حيث قال تعالى في سورة السجدة (17): {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}: مما لا عينٌ رأت ولا أذُنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر.
أنهار فيها شفاء للقلوب وغذاء لها، تُخامر النفس بلذائذ لا يماثلها شيء في الدنيا.
بسم الله الرحمن الرحيم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته لدي سؤال حول الآيات (قال رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي واجعل لي وزيراً من أهلي هارون أخي..) سورة طه {25-35}، و (وأخي هارون هو أفصح مني لساناً فأرسله معي ردءاً يصدقني إني أخاف أن يكذبون) القصص {34-35}.
هل سيدنا موسى لا يستطيع مواجهة فرعون لوحده حتى طلب أخاه هارون؟ أم لا يستطيع أن يتكلم بسبب عقدة بلسانه أو لأنه أقل فصاحة من سيدنا هارون؟ فما حقيقة هذه الآيات أو تأويلها لأن الآيات التالية تشير أنه تكلم هو وواجه القوم وغلبهم. أرجو التوضيح وجزاكم الله خير الجزاء.
الحمد لله رب العالمين الذي بعث الأنبياء منذرين ومبشرين فكانوا قدوة للعالمين بما تحلت نفوسهم من صفات سامية عليَّة، وتخلّت عن كل شائبة ورديَّة فكانوا بذلك نبراساً للأمم والأجيال تلو الأجيال.
فها هو سيدنا موسى عليه السلام يعطينا درساً في المودة والإخاء تجاه أخيه هارون (عليه السلام) بل ويعطي العالمين أجمعين بما أُنزل في الذكر الحكيم.
وكما هو معروف أن سيدنا موسى عليه السلام أثناء إقامته في قصر الملك (فرعون) كان يذهب إلى أخيه هارون سرّاً ليتلقى عنده الدروس الدينية العلية ويترقى في مدارج الكمال يوماً بعد يوم وهاهو الآن قد أُهّل لأن يكون للناس إماماً بعد أن تخرج من مدرسة سيدنا شعيب، وكلَّفه الله عزَّ وجلَّ وقلَّده الرسالة ليبلِّغ العالمين دلالة ربهم الرحيم:
{إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (12) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (13) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14) إِنَّ السَّاعَةَ ءاَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (15) فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لاَ يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (16) وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (17) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (18) قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى (19) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (20) قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (21) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى (22) لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى (23) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى} طه [12-24].
فهذا التكليف وهذا المقام الذي بلغه سيدنا موسى لم يبلغه أحد في زمنه، وهذا النوال العظيم الذي ناله بأن يكون سفير رب العالمين لعباده، لذا أحب سيدنا موسى أن يشرك أخاه سيدنا هارون في ذلك العطاء العظيم لأن نفسه عليه السلام قد جبلت على حب الخير والإحسان و"ابدأ بالإحسان من بدأك بالإحسان"، ولم ينسَ سيدنا موسى عليه السلام الفضل الذي ناله عن طريق سيدنا هارون إذ كان في يوم من الأيام مريداً صادقاً عنده وكان سيدنا هارون نِعْمَ المرشد الأمين والناصح الرحيم، والآن قد آن الأوان لأن يردَّ له المعروف والإحسان ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، فطلب من ربه أن يجعل سيدنا هارون وزيراً له وأن يشركه في أمره فيصبح رسولاً وهذه أسمى وأعلا الرتب العليَّة، وعندما رأى الله عزَّ وجلّ ما يكنُّه سيدنا موسى من حب الخير وردِّ الجميل والله مع الخير والمعروف فقبل طلبه وقال : {اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي} طه [42]، وفي سورة الشعراء قال سيدنا موسى: {وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ} : شخص متهم قد قتل نفساً فكيف يذهب لأهل المقتول وفرعون ملك جبار طاغية ولهم عليه هذا الذنب أما عن الآيات في سورة طه {قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ، وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ، وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي} لأن الكلام بحسب السامع، فالمؤمن يضيق صدره من مواجهة الكافر بسبب الصدود والإعراض الذي يلاقيه في نفوسهم، فسيدنا موسى يعرفهم ويعرف إعراضهم عن الحق فطلب من ربه أن يشرح صدره وييسر أمره حتى يستطيع الكلام والبيان. كيف؟ بأن يرسل هارون أخاه معه فيكون له أنس وأنيس فهو يعرف سيدنا هارون وصفاء نفسه ونقاءها وطهارة هارون وصلاحه فطلبه معيناً لكي يؤازره ويسانده قلبياً في التبليغ، فيرى أذناً صاغيةً سامعةً للحق ونفساً عاليةً مقبلةً على ربها، فيركن لهذه النفس الصافية الزكية قلباً، عندها ينطلق لسانه لهداية الكافرين المعاندين ويستفيض في الشرح والبيان براحة قلبٍ واطمئنان.
ومن المعروف أنه إذا كانت النفس مرتاحة مطمئنة تجود بما عندها من البيان أما إذا كانت منكمشة مضطربة فلا تستطيع الكلام فبوجهة سيدنا موسى إلى أخيه هارون المقبل بنفسه على الله يرتاح ويستأنس به على مواجهة وهداية هؤلاء المعرضين (فرعون وقومه).
فبارتياح سيدنا موسى وانشراح صدره بتوجهه لأخيه هارون النقي التقي تنحلل العقد وتنفرج الأسارير وتسري الحكم من قلبه على لسانه، فلا عقدة بلسان سيدنا موسى ولا غيرها مما يدعيه عميان القلوب فالأنبياء أكمل الناس خَلقاً وخُلقاً والله اصطفاهم واختارهم مبلغين فهم أفصح الناس وأبلغهم وأكملهم صورةً وحقيقةً.
فما كان كلام سيدنا موسى مع ربه إلا لكي يشرك أخاه هارون في أمره لينال الخير والفضل العميم بهذا التكليف العظيم من رب العالمين، والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه. والآيات تشير أن سيدنا موسى هو المتكلم وهو الذي واجه القوم وحده، أما سيدنا هارون فلم ينطق بكلمة واحدة، بل كان في ذكرٍ دائمٍ لربه متجهاً لسيدنا موسى يؤازره ويسانده في حاله القلبي وسيدنا موسى من خلال نفس سيدنا هارون الطاهرة الزكية النقية يشركه في أمره ويشدد به أزره فيتم النصر ويزهق الباطل.












