أسرار السبع المثاني وحقائقها
سلسلة تأويل القرآن العظيم
(أنوار التنزيل وحقائق التأويل)
أسرار آيات فاتحة الكتاب في القرآن الكريم
- للعلامة الإنساني الجليل محمد أمين شيخو قدس سره
- جمع وتحقيق: الأستاذ المربي عبد القادر يحيى الشهير بالديراني
لمحة عن الكتاب
الحياة الطيبة من الله تعالى، دنيا وآخرة، بمعناها المحض، لا تتم بياناً وأحوالاً إلا بواسطة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم خليفة الله في أرضه، بدائمية وظيفته، التي يقوم بإدخال المؤمنين بالصلاة وبالفاتحة على حضرة الله، خالق الجمال والفضيلة والكمال، منذ غور الأزل السحيق إلى أعماق الأبد السرمدي مجداً وسمواً.
فمن شاء العلم، فبها العلم والفتوح والكشوف والعلو العظيم، مكتسبات النفس المقبلة مع الإمام على الله، أي التي اتّقت الله فانطبعت بها حقائق أسمائه تعالى الحسنى: {صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ} سورة البقرة، الآية (138).
هذه هي الوسطية الحقّة بين الله وخلقه، التي توسّط بها علامتنا الجليل محمّد أمين شيخو قدّس سرّه بما بينه من أسرار عظيمة انطوت تحت عبارة السبع المثاني مفتاح فهم كلام الله. إن شئت إدراك إعجازها العلمي بعد إعجازها البياني، فاسلك طريق الإيمان بصدق وإخلاص، واطلب من الله بطريق الإيمان، يبعث الله لك فوراً سراجه المنير ، وليس البيان كالعيان، والحمد لله في بدء وفي ختم
الصيغ المتوفرة:
هذا الكتاب متوفر بعدة صيغ: كتاب إلكتروني، صوتي، وورقي
كتاب إلكتروني:
معلومات الكتاب الإلكتروني
- الكتاب الإلكتروني بصيغة PDF، ePUB.
- الكتاب الإلكتروني مجاني.
- روابط التحميل تظهر لكم بعد تقديم الطلب.
- الكتاب متوفر على منصات غوغل بلاي، أبل ستور، أمازون.

كتاب صوتي:
معلومات الكتاب الصوتي
- الكتاب الصوتي بصيغة MP3.
- الكتاب الصوتي مجاني.
- روابط التحميل تظهر لكم بعد تقديم الطلب.
- الكتاب متوفر بشكل صوتي ومجاني في موقعنا، ومتوفر أيضاً في مواقع الكتب الصوتية العالمية الشهيرة.

كتاب ورقي:
معلومات الكتاب الورقي
- الكتاب الورقي متوفر للشراء من موقع الأمازون وشركائه، في أنحاء العالم.

أسئلة متعلقة بتأويل القرآن الكريم
بسم الله الرحمن الرحيم كنت أقرأ تأويل سورة الأعراف ففهمت معنى الألواح في الآية {وكتبنا له في الألواح..} صفحة 241 لكني لم أفهمه في الآية {..وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه..} صفحة 244 فما تعني كلمة الألواح هنا؟ أدامكم عزكم الله.
أنزل الله تعالى على ألواح نفس سيدنا موسى التوراة وطبعها في قلبه، قال تعالى: {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ..} سورة الأعراف: الآية (125). فالله أراد أن يبوّء بني إسرائيل مكانة عظيمة ويجعلهم هداة للبشرية مهديين. {وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فيها..} سورة الأعراف: الآية (137): ولكن هذه المنزلة تحتاج أن يكونوا علماء رحماء أتقياء ينشرون الهدى بين الناس لذلك ذهب سيدنا موسى ليأتي لهم بالرسالة فما أن غاب عنهم حتى فتنهم السامري بعمل رصيد من ذهب بذلك أحبوا العاجلة وتركوا الآخرة. ولما عاد إليهم سيدنا موسى عليه السلام ورآهم على هذه الحالة من التدهور والانحطاط، نظر إليهم فوجدهم في الدنيا غارقون وعن الله والهدى مبتعدون فلا يناسب حالتهم تلك الألواح وما فيها من دلالة سامية للتوراة تنهض بهم وبالأمم إلى عليين، فهؤلاء مرضى قلوب والآن لا يناسبهم سوى العلاج والمداواة فألقى الألواح، أي: لم يعد يتكلم لهم بهذا البيان السامي الذي جاءهم به، بل تركه جانباً وبدأ يعالج الوضع الذي هم فيه، فألقى الألواح أي تركها جانباً. معلم جاء ليدرس طلاب في المرحلة العالية ومعه المنهاج فتفاجأ بأن الطلاب في درجة علمية متدنية فما تراه يصنع والحالة هذه يا ترى! ألا يؤجل منهاج المرحلة الثانوية ويبدأ بترميم ومعالجة ضعفهم لينهض بهم لسوية أعلى! إذن يترك المنهاج ويضعه جانباً ويبدأ بنهج جديد يناسبهم، كذلك سيدنا موسى ترك وأجَّل ما عنده من علوم ومعارف، {..وَأَلْقَى الألْوَاحَ..}: لم يعد يتكلم لهم بدلالته السامية التي جاء بها عن الله لما رآه من تدهورٍ في حالتهم القلبية وميلهم إلى الدنيا الدينة وعبادتهم العجل، أي: حب العاجلة، فبدأ يعالج أمراضهم.
قال الله تعالى: {كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (26) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (27) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ}.
الحديث عن قوم فرعون بعد هلاكهم يحدِّثنا تعالى عنهم ليكونوا لنا موعظة وعبرة قال تعالى في سورة الدخان:
{كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (26) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ}.
{وَنَعْمَةٍ..}: ليست نِعمة، إنها عادت عليهم بالسوء، إن ما فيه الأغنياء من ترف يسمَّى نَعمة بالفتح، إنه إمداد لهم ثم يأخذهم الله بما كسبوا.
{..كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ}: همَّهم الدنيا وشهواتها والتلذُّذ بما فيها من أموال ونساء وأولاد وطعام وشراب وهذه اللذائذ حجبتهم عن حضرة الله والإيمان به وحرمتهم مما أعدَّه تعالى لهم من جنات فعادت لذائذهم عليهم بالشقاء والحسرات والخسران والهم والغم بالدنيا قبل الآخرة.
{كَذَلِكَ..}: قانون عام، هذا قانون لكل الناس. {..وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ}: وسيرث الأرض المؤمنون بعد.
السلام عليكم:
السيد الكريم بخصوص أسماء سور القرآن الكريم. على أي أساس سميت كل سورة باسم معين؟ وما هو سبب تسميتها. البقرة؟ النساء؟ النحل؟ الدخان؟ الخ وشكراً.
قال لي أحد علماء إنكلترا: يا أخي، أنت شهادتك بالأدب الإنكليزي أو الأدب العالمي، فهل رأيت إلى أي سماء بلغ العلم والأدب العالمي، أنهم في قصصهم الأدبية: في البداية وبمقدمة القصة رموز ومعاني تشرح لك بشكل موجز مجريات القصة بأكملها ثم يأتي التفصيل، ثم تجد أيضاً أن أسماء أشخاص القصة أو الرواية تعبِّر عن دورهم في القصة، فاسم كلٍّ منهم يعبِّر عن دوره في الرواية أو القصة. أليس هذا دليل على الرقي الأدبي الذي ما بلغته الأجيال قبلنا؟
أجبته: كلا فإنَّ كتابنا المقدس القرآن الكريم كلام الله، تجده يبيَّن لك في بداية كلِّ سورة على أنه مفتاح السورة، ويكشف لك عما تحويه هذه السورة ثمَّ يأتي التفصيل، هذه من ناحية ومن ناحية ثانية: كل اسم من أسماء الأنبياء عليهم السلام يرمز إلى دوره في الحياة ويدلُّك إلى صفاته، فمثلاً اسم سيدنا موسى صلى الله عليه وسلم يعني أنه كان حداً في إحقاق الحق والبطش بالباطل، وكذا سيدنا نوح صلى الله عليه وسلم لأنه كان حزيناً ودائم البكاء والنواح على قومه في خلواته مع ربه. وسيدنا إبراهيم عليه السلام لأنه تبرأ من قومه الضالين المضلين وهام بربه وهلمَّ جره. فالذي تتفضل به هذا قديم ووارد عندنا في كتاب الله المقدس القرآن، فلماذا لا تنظر إلى سموه وعلوه عندنا في القرآن.
فيا أخي السائل: سؤالك عن هذه الأمور وعن تسميات السور في القرآن بكذا وكذا لأن العبر والحِكَم للسورة حتى للقرآن كله تكمن تحت هذه الألفاظ، فسورة البقرة مثلاً كلها تدور بموضوعها حول حب الدنيا المستحكم في قلوب بني إسرائيل والذي أوصلهم إلى عمى البصيرة مع ما آتاهم به رسولهم من معجزات لم يسبق لها مثيل لا قبلها ولا بعدها، مع ذلك وبسبب استحكام حبِّ الدنيا في قلوبهم الذي ولَّد فيهم البخل والجبن والخساسة واللؤم، وكافة الصفات الناقصة، فلم يكتسبوا الكمال من رسولهم المنقذ لهم سيدنا موسى عليه السلام فلم يقدّروه ليعظموه وتلفت نفوسهم له فتستنير، ومع علمهم أنه رسول الله بمعجزاته فقط وليس من تقديرهم أو إيمانهم، ولا بجهادهم لأنفسهم، وحبُّ الدنيا رأس كل خطيئة، فهم لم يكلفوا أنفسهم مشقة الإيمان الذاتي ليصلوا إلى ربهم والذي يشهدهم حقيقة نبيه سيدنا موسى عليه السلام. فلم يقدروه، فكيف يرون بدونه رؤية حقيقية، وبدون نوره وهو السراج المنير، وكيف يشهدون الحقائق إن لم يقدروه؟!
أيضاً غلبة حب الدنيا كانت حجاباً لقلوبهم ونفوسهم عن الاستنارة بنوره، فسورة البقرة كلها تدور حول قصة بني إسرائيل التي تبين بخلهم وشحهم رغم أن الله أمرهم عن طريق رسوله أن يذبحوا بقرة لم يرضوا بهذه التضحية، وقد قال صلى الله عليه وسلم: لتتبعنَّ سنن من قبلكم شبراً بشبر... إذن نحن أيضاً أصبحنا الآن كبني إسرائيل الذين أحبوا الدنيا فأورثوا البخل والجبن فعادوا ربهم بعدم تطبيقهم أمره واتباعهم للكفرة بسبب حرصهم على دنياهم والله يحذرنا من اتباعهم فقصة البقرة تشير إلى صفات من لا يؤمن بالله ولا يقدر رسوله، فليس الكلام عن بقرة عادية ذبحوها أو لم يذبحوها، فسورة البقرة بحث لك عن هذه العلل النفسية لتتجنبها، كما تبحث لك في الإيمان وسلوكه لتصلي وكيلا تبخل بالإنفاق وكيلا يكون حبك للدنيا أعظم من رغبتك في الإلۤه.
كذلك في سورة النساء يبين الله تعالى لك الأحكام المتعلقة بنصف المجتمع من النساء وعن حقوقهن وواجباتهن، ولم يبحث بالأحكام إلا بعد أن دلَّك على طريق الإيمان لأن الإنسان إن لم يؤمن يبقى كبني إسرائيل لا يطبق الأحكام ويحرم المرأة حقوقها، ويبخل فلا ينفق، وإذا رجعت إلى شرح القرآن في كتاب تأويل القرآن العظيم للعلامة محمد أمين شيخو لوجدت أن فهم معاني السور والقرآن يرتبط أوثق الارتباط بالإيمان بلا إلۤه إلا الله لقوله تعالى {..قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء..} سورة فصلت: الآية (44). وبداية السور والمسمّيات.
فيا أخي: اقرأ بهذا الكتاب للعلامة واسلك سبيل الإيمان المبين فيه بذاتك تفهم عندها الحكمة العظيمة المنطوية وراء كل سورة من سور القرآن، وتفهم سبب تلك المسميات للسور كسورة البقرة والنساء والنحل والدخان.... الخ
فإن فهمتها وآمنت بها فستشهدها نفسك وتشهد ما فيها من علاج وشفاءات البشرية من أمراضهم الجهنمية التي وصلت بهم إلى الدرك الأسفل وإلى الشقاء والحروب والبلاءات بالأمراض وبأمراض الأنعام، والنكبات والكوارث كلها لكي يؤمنوا ولو فهموا كلام خالقهم وخالق الكون وطبقوه بعد أن عقلوه وشاهدوه بنفوسهم لأصبحت الدنيا جنات، ولنالوا كل المكرمات وحلَّ الأمان والسلام وانتهى الخصام وزالت الآلام، فكل أمّة اتبعت كلام ربها القرآن سمت وعلت وسلَّمها الله أمور عباده، وعاشوا بهناء. نالوا الجنات بالبقاء الأبدي، فالله أرسلنا إلى الدنيا ولم يتركنا في عماء بل بعث لنا رسله لينقذونا بكلامه ونصحه {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ..} سورة الأعراف: الآية (96). ولما أرسل عليهم زلازل وبراكين وطوفانات وأعاصير وأمراض في أنعامهم وطيورهم {..وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ} سورة سبأ: الآية (17).
حتى هذه المصائب قد ذكر تعالى أنها العلاجات الصغرى، أما العلاجات الكبرى فهي بعد الموت في قوله تعالى {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} سورة السجدة: الآية (21). لعلهم يرجعون عن طغيانهم وقسوتهم وظلمهم ولؤمهم وليخلعوا ثياب البهيمية والشيطانية ويرتدوا ثياب الإنسانية، فإن آمنوا واستأنسوا بالله وصلّوا، أصحبوا إنسانيين حقاً متقيدين بشريعة الله، ولغدت الأرض جنات وهذا هو مراد الله من خلقه.
إذن:
- ما أوردته وسألت عنه فلكل اسم معنى ومغزى وعبر تدور السورة كلها حوله حتى القرآن بكامله يدور حول تلك الحكم.
- لو عقلت سور القرآن التي تدور حول هذه المسميات وطبّقتها، لنلت الجنات في الدنيا وبعد الانتقال منها، وأصبحت في أمان ممن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون على فراقها لأنهم بها نالوا الجنات.
- القرآن (هو حبل الله المتين ونوره المبين من تمسك به نجا ومن تركه إلى غيره هلك) فكل أمة تمسكت به عن إيمان وفهم رفع الله شأنها، ومثال على ذلك الدولة العثمانية لا التركية والدولة السلجوقية التي بقيت أجيالاً في الفوز والنصر والأمن والأمان، والدولة الكردية في زمن صلاح الدين الأيوبي (الأيوبيين) حتى المماليك في شتى البلاد عندما طبقوا هذا الكتاب سيَّدَهم الله في الدنيا وجعلهم سادة ومن قبلهم نالوا أكثر منهم أيضاً. المهم فهم كلام الله يتم بالإيمان الذاتي كما ذكر تعالى: {..قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى..}.
والحمد لله في بدءٍ وفي ختم
قال الله تعالى: {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} ما تفسير كلمة العظيم؟ مع العلم أن العظمة لله؟
الأخ الفاضل حفظه المولى الكريم... آمين
عندما ابتلى الله سيدنا إبراهيم بكلمات فأتمَّهن، وآخر هذه الابتلاءات وأعظمها هي أمره تعالى بذبح ابنه، فاستجاب سيدنا إبراهيم وكذا ابنه سيدنا إسماعيل عليهما السلام. استجابا للأمر دونما تردُّد، والله تعالى يقول في سورة الصافات (106): {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِينُ}. وبهذا البلاء والامتحان نجح سيدنا إبراهيم نجاحاً كبيراً ورقي رقياّ عظيماً وسما وعلا حتى غدا إمام الناس ليوم القيامة ولآخر الدوران قال تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً..} سورة البقرة (124).
إذن عندما أُمرَ بذبح ابنه فلذة كبده، وذلك عندما كبر إسماعيل عليه السلام وظهرت منه علامات النبوة، فأحبه سيدنا إبراهيم وعشقه ولكن عندما جاء الأمر من الله بأن يذبحه قال سمعاً وطاعة يا رب، وبذلك ظهر صدقه واستسلامه لله. وحبه لله فوق كل حب.
لمَّا طبَّق ذلك بالتمام نال الرسالة {..قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً..}. والآية (125) بسورة البقرة: {..وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى..} الآن أصبحت أهلاً للإمامية والرسالة وأن يأتم الناس بك، فنال ذلك المقام العالي والمنزلة السامية بتلك التضحية الكبرى فغدا إماماً للناس جميعاً، وكان القدوة المثلى لكل طالبي الإيمان، وطريقه الذي سنَّه بسلوك طريق الإيمان عن طريق التفكير بالنجم والقمر والشمس فكان منهاجاً لمن أراد الوصول للإلۤه. فكل من أراد الصلاة الصحيحة والإيمان الحق عليه أن يتخذ من مقام إبراهيم مصلىَّ.
وبهذه الصلاة الصحيحة والإيمان الحق يسري لقلب المؤمن التقي النور الإلۤهي وبه يستطيع نحر وساوس الشيطان الخناس وأن يبعده عنه وهو بالمحراب، وما كان هذا ليكون إلا باقتفاء أثر الرسول سيدنا إبراهيم عليه السلام وبمساعدته القلبية إضافة لمساعدة إمامه رسول الله ﷺ. فكل ذلك بصحيفة سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام.
والآن بالحقيقة يا أخي: أن كلامك حق: أن العظمة لله وحدَه ولا عظيم سواه، ولكن الله يمنح ويُلبس عظمته للمخلوق، كالمحيط عظيم بأعماقه ومياهه، والسماء عظيمة بأبراجها وأجرامها، ولكن هذه العظمة ليست لها وإنما يلبسها الله لها لوظيفة، فهي لله ألبسها لمخلوقاته، فمثلاً الجبل عظيم برسوخه وثباته ولكن يرجع في الآخرة هباءً منثوراً وترجع العظمة لصاحبها، فإذا ألبس الله رداء العظمة لمخلوق هابته الناس وإن سحبها فهي لله وذلَّ هذا المخلوق وذهبت عنه العظمة، وبما أن الحديث هنا عن الذبح، فلذلك حينما ظهر رسول الله ﷺ قال له تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ}: والنحر: هو الذبح، فعندما ظهر ﷺ نحر شياطين كفرة العالم إن كانوا عبَّاد النار أو مشركو روما أو العرب المرتدة للكفر، فصلى ﷺ لربه ونال مدداً منه تعالى أمدَّ به أصحابه وحطَّم شياطين الطاغوت والطغيان كلها وجعل كلمة الله هي العليا، وكذلك سيدنا إبراهيم عليه السلام بتضحيته بابنه إرضاءً لله جعله الله إماماً للناس {..قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً..}: ولم يخص أناس عن أناس فشملت الناس ليوم القيامة.
فعمله هذا صار كعمل رسول الله ﷺ ساري على البشرية كلها إلى يوم القيامة بهداية الخلق وإنقاذهم من الظلمات إلى النور والإيمان، وهذا العمل عظيم وعظيم والله ألبسه لباس العظمة، وسبحان المعطي والآخذ فالعظمة كلها لله ومن الله وبالله.
من هو فتى موسى عليه السلام في سورة الكهف الآية رقم60 وما المغزى من ذكر القصة في هذه الآية وبعدها؟
أخي الكريم: بالطبع إنّ هذا الفتى هو مريد سيدنا موسى عليه السلام أحبّ وطلب صحبة سيدنا موسى وخدمته ليتقرّب إلى الله بخدمة رسوله ويتعلّم منه ويصل للتقوى بمعيّته، والتقوى هي الاستنارة الدائمية القلبية بنور الله بواسطة رسوله. فإن وصل للتقوى غدا صاحب بصيرة قلبية يرى بنور الله الخير من الشر والحقّ من الباطل فيعمل الخير وعند الموت يصبح ووجهه أبيض عند الله فيدخل الجنّة بعمله {وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} سورة الأعراف الآية 43.
بالطبع ذكر في كتب التفسير والتاريخ أنّ اسم الفتى يوشع بن نون؛ ولكنّ الله لم يذكر اسمه "يوشع" بل اكتفى بوصفه للتعبير عن اسمه بقوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ..}، والفتى مشتقة من الاستفتاء وهو السؤال لمعرفة الحق من الموضوع المسؤول عنه بغية المعرفة وكشفه الحقيقة. فهذا الفتى بخدمته وصحبته وأسئلته لسيدنا موسى يطلب وجه الله والقرب زلفى منه بواسطة رسوله (سيدنا موسى عليه السلام).
فالقصّة التي ذُكر فيها هذا الفتى إنما تحدّثنا عن دروسٍ عظيمة. منها صدق سيدنا موسى الرهيب وسعيه في تحصيل العلم ولو أمضى عمره كلّه في الحلّ والترحال؛ نلمس ذلك في قوله عليه السلام: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا} سورة الكهف الآية/60/. أمضي حقباً: أي طول عمري.
وعندما أخبره الفتى {قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً} [الكهف: 63]، فما كان من سيدنا موسى عليه السلام إلا أن قال: {قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصاً} [الكهف: 64]: أي جعل الله تعالى تلك المعجزة "إحياء الحوت وانزلاقه في البحر" علامة على مكان اجتماع سيدنا موسى مع الرجل الصالح (الخضر) عليه السلام.
ثانياً: المغزى المراد من هذه القصة أنّه لمّا دعا سيدنا موسى على فرعون وقومه {وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}: بساتين وحدائق. {رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ}! أنت ما أعطيتهم لهذا، ليضلُّوا. {رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ}: إذ أن هؤلاء: {فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ}: فلعلَّهم إذا وقعت الشدة عليهم يرجعون.
لذلك أجابه تعالى بأنّه: {..قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} ولأجل هذه الاستقامة أرسله تعالى لسيدنا موسى عليه السلام ليلتقي بالرجل الصالح ويتعلّم منه مراده تعالى من أفعاله لكيلا يدعو على القوم بالشدّة بل بالرحمة لأنّه تعالى أرسله رحمة لقوم فرعون وقومه. وأراه تعالى ثلاثة أمور غيبيّة ظاهرها فيه النقمة وحقيقتها كلّها نعمة وخير وهذا هو المغزى من ذكر هذه القصّة.
استمع مباشرة:










