تأويل جزء تبارك
سلسلة تأويل القرآن العظيم
(أنوار التنزيل وحقائق التأويل)
المجلد الثامن (جزء تبارك)
- للعلامة الإنساني الجليل محمد أمين شيخو قدس سره
- جمع وتحقيق: الأستاذ المربي عبد القادر يحيى الشهير بالديراني
لمحة عن الكتاب
بات العالم على طوفانٍ من الشقاء والآلام، وأصبحت الحياة مرَّة وممجوجة، وغرق الناس في بحر من الضياع، لا يعرفون من أين كانت البداية وإلى ما تكون النهاية، وسوق الثقافة العالمية أضحت كاسدة لأنَّ بضاعتها مبتذلة فاسدة تبعث الملل والسآمة ولا جديد مفيد فيها، والعلوم الإنسانية صارت لا إنسانية تحمل الإبادة والتدمير وتكرس العسف والظلم وتهرق أنهاراً من الدماء.
إن عدم فهم الكثير من الناس لحقيقة الدين الإسلامي الحقيقي السامي قبل أن يبيِّنه فضيلة لعلّامة الإنساني الكبير محمّد أمين شيخو قدّس سرّه وابتعادهم عنه وتصديقهم الدسوس الإسرائيلية والتفاسير المتناقضة التي تجعل الدين بنظر الكثيرين قالباً جامداً لا يلبي حاجات ومتطلبات العصر ولا يواكب التيارات الفكرية ويقف حائراً أمام الكثير من القضايا ويعجز عن تفسير أمور حياتية كثيرة قد جعل الدين مهجوراً عند غالبية المسلمين، قال تعالى: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً} سورة الفرقان: الآية (30).
فسيطرت على الأذهان نظرية أن الدين أفيون الشعوب، وأنه كلام أجوف رنان يملأ الفم ويقرع الآذان، كلام يُلقى من بروج عاجية يتدمر الواقع من تطبيقه، ووعود خلّابة بالفردوس ولكنها كمن يبني بالرمال على الشطآن، حتى أعلن الملحدون أن عصر الأديان قد ولّى، فراح الناس يضعون القوانين ويبتدعون النظم التي تتماشى مع أهوائهم وشهواتهم وأطماعهم، فازداد الأمر سوءاً، وتوالت الأزمات على كافة المستويات وفي مختلف المجالات، فانهارت مجتمعات وتدهورت أمم وأفلست دول، وساد الطغيان وسقطت الحضارة التي كانت الأمل بعودة الفردوس المفقود.
وفجأة اهتزَّ العالم، وارتجَّت روحانية الأرض: نجم إلهي يستطيع قَلْبَ المفاهيم، ويحوِّل وجه التاريخ، ويدير الرؤوس، ويحني الجباه، ويضيء عوالم الفكر، ويحل أزمات الفكر العالمي وينتشله من الضياع وعبودية المادة والتبعية العمياء، خلَّص الفكر الديني من المشكلات والتناقضات والاختلافات، ولو اتَّبعه الناس لأصبحت الشريعة صافية نقية كيوم مبعثها أول مرة، ليلها كنهارها، هذا الفجر الجديد هو الذي أظهره العلّامة الإنساني الكبير محمد أمين شيخو قدّس سرّه، والذي من بيانه العظيم:
* عصمة السادة الأنبياء والرسل العظام عليهم السلام، وبرهن أنهم معصومون عصمة مطلقة، فلا يخطئون أبداً ولا يستطيع أن يتسلط عليهم أحد أبداً، لأنه لا يقع منهم خطأ، وحاشا أن يخطؤوا وهم: {لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ..}: أي لا يسبقون الله بالقول: {..وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ}. سورة الأنبياء: الآية (27).
* وأيضاً هذه النبوءة التي ظهر أثر منها في عام /2000م/ بأصغر جراحة طبية على الإطلاق (الحجامة)، والتي خرَّت درة علوم الطب ساجدة على أعتاب شرطة محجمها، فاكتسحت كل الأمراض التي كانت عصيَّة على الطب والشفاء منها بحكم المستحيل كالأمراض الوراثية "الناعور" وأمراض الأورام "السرطان" والأمراض المناعية والأمراض العصيَّة "الشلل، والعقم..." وحملت الشفاء والعافية والصحة والوقاية لكل بني البشر، ورسمت يد النبوة البسمة والأمل على الشفاه التي آلمتها البأساء والضراء.
* ومن بيانه العظيم كلمة (الله أكبر) عند ذبح الحيوانات، والتي جعلت اللحوم التي نتناولها وأطفالنا عقيمة من كل أشكال الجراثيم والفيروسات والعوامل الممرضة، فدرأت عنّا وعن أبنائنا فلذات أكبادنا المعاناة والأمراض، وكانت الفيصل الذي أوقف ووقى من الجائحات والأوبئة والكوارث التي تهدد الثروة الحيوانية في سورية حين طبقوا التكبير على الدواجن والخراف والعجول بمسلخ دوما الكبير، ولو طبّقوا التكبير بالبلاد الأُخرى لما كان هناك جنون بقر أو أمراض طيور أو أنعام، ولما حرقوها بدل أن يغنموها ويتمتعوا ويأكلوها.
* أما كأس الماء النَّقي اللذيذ الرويِّ الذي يشربه العالم والذي لم تدرك تكنولوجيا الحضارة وأدواتها وعلومها أن ينبوعه يستقي من الأقطاب ماؤه، فهذا الإنسان العليم كشف تلك النظرية العلمية الجبارة، أن مياه الينابيع من القطبين، وكشف معاني سورة الفاتحة والقرآن الكريم ولم يسبقه لذلك بشر.
* وأما العلوم الاقتصادية كانت نظرية توزيع الزكاة الحل الأمثل والوحيد لكل الأزمات الاقتصادية التي تعصف بالعالم من تفاديها إلى الخروج منها، هذه النظرية " توزيع نسبة الزكاة" التي تزهق كافة النظريات الإلحادية المدمرة وتولد الإنسانية والمحبة والسلام للبشرية في عصرنا، وتقضي على الفقر والشقاء والعداوة والخسارة. وفي مجال العلوم الاجتماعية والنفسية فقد بيَّن ما يكفل الخلاص من كل أشكال المعاناة النفسية واليأس والشفاء منها، وذلك ما لم تستطعه علوم الشرق والغرب، ولو فكروا بجلالها ومنافعها وفوائدها لكانت السعادة في متناول الأيدي ولأصبحت الجنة على الأرض.
* وهو الوحيد في العالم الذي كشف أحابيل السحرة وخبثهم، بل الذي يقضي على السحر من وجوده بما بيَّنه وأظهره في كتابه (كشف خفايا علوم السحرة).
* ومن علوم اللغة ما جعل لحركة الحرف القرآني قيمة تحمل من المضامين والمعاني ما يحمل النفس على تقدير كلام الله العظيم، ناهيك عن قيمة الحرف والكلمة والآية بل السورة وما فيها من حبكة وترابط ومعاني ومشاهد قلبية يشبه حبك وترابط النظام الكوني الصارم بالدقة، ما أوقر في العقول أن الصنع والقول من مصدر واحد هو الإله العظيم جلَّ جلاله. وبدأت النفوس من خلال هذا البيان العظيم من معاني القرآن وحده، كما في بعض القارات من الأرض الآن تتجه إلى الخالق العظيم وتستنير بنوره، ولأمكن السير بكلام الله العظيم على الصراط المستقيم، ولتشربوا الحق بما عرفوا من الحق ولَدَلُّوا بعضهم على الحق، ولغدت الجنة على الأرض، ولراحت النفوس تدرك وتعي أن هذا البيان (القرآن العظيم) يتناسب مع كمال الله سبحانه وتعالى وأسمائه الحسنى، وذاته العلية، ومع كل المجتمعات العصرية الحاضرة.
الصيغ المتوفرة:
هذا الكتاب متوفر بشكل: كتاب إلكتروني.
كتاب إلكتروني:
معلومات الكتاب الإلكتروني
- الكتاب الإلكتروني بصيغة PDF، ePUB.
- الكتاب الإلكتروني مجاني.
- روابط التحميل تظهر لكم بعد تقديم الطلب.
- الكتاب متوفر على منصات غوغل بلاي، أبل ستور، أمازون.

أسئلة متعلقة بتأويل القرآن الكريم
في الآيات الكريمة: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) [النور 31] (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً) [الأحزاب: 59] بما أن المحكمات من الآيات تكون صريحة وواضحة، فلِمَ لم تأتي واضحة كلمة (الوجه) بهاتين الآيتين الكريمتين؟
{..وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ..}: الخمار: هو الستار، أي الحجاب، وكلمة الحجاب: أي يحجب الرؤية، فإذا كان الوجه مكشوفاً فهذا اسمه سفور وليس بحجاب، وأخطأ الناس. وكلمة الجيوب: تشمل العيون والفم والأنف لأن كل فتحة هي جيب وفي الآية: {..وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ..} شملت الجيوب في الوجه وغيره.
{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً}. لو كان الوجه مكشوفاً، فإذاً يعرفن. أما بالآية: {..ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ..}: أي لكي لا يعرفْنَ فمعناها تتكلم عن الوجه وحجابه. فهذا ليس سؤالاً أبداً لأن الوجه موجود ضمناً.
أريد منكم أن تشرحوا الآية 23 من سورة الحشر.
يقول تعالى في سورة الحشر الآية (23): {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ}.
{هُوَ اللَّهُ..}: هنا يبلِّغ رسولُ الله الخلق عما شهده من الله عزّ وجل ويخبرهم عن أسماء الله الحسنى التي شهدها ورآها فإن ارتبطت نفسك بنفس المتكلم ﷺ بروابط المحبة والتعظيم رأيت بمنظاره ما يتلوه عليك عن هذه الآية من الذكر الحكيم. و( الله ): وهو الاسم الأعظم وهو اسم الذات يدلك لفظها على المسمى جلَّ جلاله واسم الله الأعلى يشتمل على سائر الأسماء الحسنى، فلو شاهدت ما آل إلى الله من مزيد الفضل والإكرام وعظيم الرحمة والمحبة والحنان عليك وعلى كل الخلق أيها الإنسان، ولو رأت نفسك ما يكلؤك به من البر والخير والإنعام الذي يغمر الكون كله ونعمه تعالى التي تشمل الموجودات جميعها، وشرط هذه الرؤية أن تؤمن به تعالى من ثنايا كونه العظيم، أقول لو رأيت هذه الرحمة والحنان أيها المؤمن لتولهت به حباً وهياماً وطارت نفسك إليه شوقاً وغراماً وعرجت في بحور الجلال والجمال والعظمة ولحلقتَ بنفسك التجاءً وإقبالاً عليه ولما انقطعت عنه بعدها أبداً.
إذن ( الله ): هو الذي تتوله الأنفس به إذا هي أقبلت عليه ورأت ما آل إليه من إكرامٍ وإنعامٍ وبرٍّ وفضلٍ وإحسانٍ، والله خلقك لتتعرف عليه وتنال جناته.
{..الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ..}: لا مسير في هذا الوجود سواه ولا متصرف في هذا الكون إلا هو، كل جيل يأتي ويذهب ويتلوه جيل آخر، فمن أين الحياة التي ترفد الأجيال تلو الأجيال والتي تغمر الوجود كله والجمال الذي يمسح الكون كله، فمثلاً العين التي تصوّر مئات الصور في اللحظة الواحدة أليس الله هو المتصرف بها وبأجهزتها وغذائها والملحقات بها من غدد دمعية وما إلى هناك لكي تتضح لديك الرؤية، فالعين لا تستطيع أن ترى إلا بإذنه تعالى فإن شاء أراها وإن شاء منعها وجردها من كل خصائصها وقواها، كذا الهواء بتركيبه ونسبه الثابتة هل غيره تعالى أوجدها ونظمها وجعلها متوافقة مع جسمك بهذا النظام العجيب الدقيق، هل من إلۤه غيره يعطي ويغني فهو مصدر الإحسان والعطاء وكل ما خلا الله باطل وإلى زوال ولا يبقى سوى الله، فمن المتصرف في هذا الكون جميعه غيره؟! من يأتي بالسحب والأمطار وبالليل والنهار والحر والبرد والصيف والشتاء؟ فلا حركة ولا سكنة إلا به تعالى هو المتصرف في كافة شؤون الكون كله.
{..الْمَلِكُ..}: تقول ملِكُ البلاد وهو الحاكم المتصرف في شؤون البلاد بواسطة القوانين التي يرسمها وهو الذي يتدخل في الشؤون العامة فقط ولا يتدخل في خصوصيات المواطنين واختيارهم، وهذا مثال لنقرِّب لك وجه الحقيقة ولله المثل الأعلى، والله عزّ وجل أعطى الناس جميعاً حرية الاختيار فأنت تختار ما تشاء ومنه تعالى الإمداد والحول والقوة لتنفيذ اختيارك، فالله المَلِك. فهو يملك جسمك وهو بكل خلية من خلاياك في عينيك وفي كافة جوارحك كلها بيده نَفَسُكَ بيده تعالى وروحك لا يملكها سواه، وكذا الجنان منه تعالى وهو يملكها والآخرة والدنيا بين يديه يملكها، ولكنه منحك الاختيار تختار لنفسك ما تريد وهو تعالى منه التنفيذ والحول والإمداد يسلِّط كل نفس على مستحقيها، وكذا الشيطان ليس له سلطان إلا على نفوس آثمة تتطلب هي الرذيلة، {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً..} سورة الأنعام: الآية (129).
{..الْقُدُّوسُ..}: أي كل من أقبل عليه والتفت نحوه تعالى يزيده بالأنوار ليطهِّر نفسه ويحيطها بالتجليات العلية القدسية فهو يقدِّسك، أي يطهِّرك ويزكِّيك من كل العلل والأدران، والملائكة قالوا {..نُقَدِّسُ لَكَ..} سورة البقرة: الآية (30). أي نطهِّر النفوس بنورك وعن طريقك يا الله وبحولك وإمدادك. والأنبياء والرسل كلهم مقدسين بإقبالهم العالي على الله فهم معصومون من الزلل والخطأ، وهم (قديسين)، يطهِّرون نفوس من يصاحبهم بالنور الإلۤهي المتوارد على قلوبهم، فالرسول القديس يغمرهم بالتجلي الإلۤهي العالي وينير لهم عقولهم وقلوبهم فينسى المؤمن الدنيا وما فيها مهما عظمت ويذهب عنهم الأدران والعلل وأوضار الدنيا جميعها ويحفهم بالأنوار القدسية وبهالة من التجليات الإلۤهية السنية.
{..السَّلَامُ..}: هو تعالى السلام، لم يخلق في هذا الوجود أي مظهر من مظاهر العنف والدمار ولم يخلق للإنسان أنياب أو مخالب، كذا لم يوجد في هذا الكون شيئاً من وسائل الدمار أو القنابل، بل هو تعالى السلام ومنه السلام، في الأصل كنا جميعاً في جنة عالية وليس في الجنة إلا الهناء والسعادة والمسرات والنعيم والأنوار فلا شقاء في الجنة ولا آلام ولا أحزان ولا قتل ولا دمار، فمنه تعالى الجنة التي فيها السلام، إذ هو تعالى السلام وجئنا إلى هذه الدنيا لننال الجنات، فإن وفى الإنسان بعهده وأخلص لربه السلام نال بدل الجنة جنات فإن حصل ذلك لا تكون هناك حروب أو آلام أو شقاء أو أمراض ولا زلازل ولا طوفانات ولا أعاصير، {مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ..} سورة النساء: الآية (147). وتكون الحياة كلها وبجميع وجوهها هناء خالية من جميع المنغصات وبأمان شامل وسلام كامل، ولكنّ الإنسان ذاته هو غيَّر وبدَّل وتنكب سبل السلام وراح يخترع ويكتشف وسائل الدمار والتعدي فجلَبَ لنفسه الشقاء والأحزان والآلام لأنه تخلى عن الله، أي تخلى عن السلام {..وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلُواْ..}.
فالله أسماؤه حسنى وكلها سلام وأمان وكل ما نراه من مظاهر العنف والبطش كل ذلك منشأه من لدن ذلك الإنسان، إذ ترك الله وأعرض عنه فترك السلام فإلى أين سيذهب؟!. إذا ترك الخير والأمان والسلام فماذا يجد من دونه غير الحروب والآلام والشقاء.
{مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ..} سورة النساء: الآية (79).
الله بعثك إلى هذه الدنيا لتنال الجنات المتزايدة بدل الجنة الواحدة، وفي الجنة لا خوف ولا حزن ولا خسران ولا ألم، وخلقنا لهذا فهو تعالى السلام. والآن إن رجعت البشرية عن كفرها وطغيانها وتركت الدنيا والتكالب عليها ووفت بعهدها وعادت إلى خالقها وبارئها وليس لديه تعالى سوى السلام يعيشون بأمان واطمئنان وسلام -لا يتخلله أي كرب أو نغص أو آلام- ومغمورين بجنات ربهم التي أتوا لنوالها وشرطها الإيمان فالتقوى.
{..الْمُؤْمِنُ..}: إن الله عزّ وجلّ لا يعامل عباده إلا بأسمائه الحسنى وبما فيه الخير والإحسان، وهو كذلك لا يتغير فسبحان الذي يُغيِّر ولا يتغير، فمهما كفر الإنسان ومهما عتا عن أمر ربه تراه تعالى يرزقه ويمده بالحياة ويعطيه كافة رغائبه وشهواته ويعطيه الغنى والثراء ويمده بكل ما تتطلبه نفسه من شهوات: {قُلْ مَن كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدّاً..} سورة مريم: الآية (75). فلا يعامل الله الإنسان نداً لند أو يعامله بالمثل وتعالى الله عن ذلك الوصف. بل يرحمه ويحنو عليه كما تعامل الأم الرؤوم طفلها العليل ولله المثل الأعلى {..كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ..} ولا يعامل عباده إلا بالرحمة والله مؤمن أنه لا يتغير عن هذا أبداً. ولا يتحول عن هذه المعاملات الودية الرحيمة الحنونة العطوفة بالإنسان مهما غيروا ومهما ابتعدوا عنه يبقى الله يغمرهم بحنانه وعطفه ولا يقابلهم بالمثل، فهو تعالى مؤمن من ذاته لذاته أن لا يتغير مع هذا الإنسان ولا يحمل عليهم مهما غيّر الإنسان وبدَّل.
{..الْمُهَيْمِنُ..}: كل ما في الكون يسير بنظام محكم وقانون ثابت لا يتغير ولا يتبدل على مر العصور وكر الأزمان، فالشمس تشرق في نفس اللحظة في نفس اليوم من كل سنة دون زيادة أو نقصان.
كذا الماء المكوَّن من ذرتي هيدروجين وذرة أوكسجين ولا تزداد هذه النسب ولا تتبدل ولا يعتريها خلل إذ لو ازدادت نسبة أي مادة عما هي عليه الآن لاختل نظام الكون واضطرب.
والنجوم في مجراتها تسير بمدارات ثابتة، والكواكب أيضاً تدور في أفلاكها والشمس والقمر كلٌ يجري وفق ناسوت لا يعتريه الخلل.
فالموجودات من صغيرها إلى كبيرها تسير بهذا النظام، وكيف أمرها تعالى فأتمرت ولا عصيان في ذلك ولا خروج عن إرادته تعالى أقول الله المهيمن أعطى تلك النفوس نعيمها وأشبعها سروراً وسعادة نفسية ومن ثم أمرها فأتمرت، فهو تعالى مهيمن عليهم بما يغمرهم به من نعيم وبسط ومسرات فسار الوجود بهذا النظام العجيب وكلٌّ راضٍ بوظيفته ويؤديها على أتمَّ وجه وأكمل صورة. فهيمن تعالى على كل ذرة في أجسامنا وعلى كل خلية من خلايا أجسام باقي الموجودات يغذيها بفضله وبرّه وإحسانه حتى تسير بالكمال لا خلل ولا نقص. كله كمال بكمال، هو تعالى مسيرهم ومهيمن عليهم بإحسانه وفضله، وهم راضون بهذا النعيم وتلك الوظيفة التي أوكلت لهم على أن يدوم هذا العطاء من الله، فهو تعالى كافيهم وموفّي لكل نفس نعيمها وبسطها وسرورها فسار الوجود كما تراه الآن على هذا الوجه من الكمال، أيضاً هذا الإنسان المكلف الله مهيمن عليه إذ يغمره بفضله وإحسانه ويعطيه كافة متطلباته من ماء وهواء وغذاء، فأرواح الناس جميعاً بيده وهم مفتقرون لعطائه الدائم الذي لا ينقطع عنهم طرفة عين، فهو تعالى مهيمن عليهم بفضله وبرّه وإحسانه وبما يغمرهم به من نعمة وكلهم في عوز له تعالى شعروا بذلك أم لم يشعروا ولكن عند فقدان النعمة كلهم يقولون: (يا الله)، فالله مهيمن عليهم بنعمه، فإذا احتبس النَفَس وانقطع ترى الإنسان الضعيف يجأر إلى الله بالدعاء والتوسل. فالله مهيمن على الخلق كافة بما يتحفهم به من عطائه وخيره.
{..الْعَزِيزُ..}: المتفرد بالكمال ومن غيره النقص ولا كامل إلا الله، وكل كامل من كماله تعالى يتكامل، فهو تعالى كمال بكمال.
{..الْجَبَّارُ..}: بما أن لله الأسماء الحسنى فقط، فالجبار تعني: جبار الخواطر يغنيك بعد الفقر والفاقة، يبدِّل خوفك أمناً وسلاماً وسقمك صحةً ونشاطاً، فهو تعالى الذي يقيل العثار ويأخذ بأيدي المتوسلين إليه ويجبر كسرهم ويقبل توبة التائبين ويبدلهم بالنعيم والجنات بدل الشقاء والآلام فلا يجبر الخواطر سواه، فلا حول ولا قوة إلا به تعالى ولا ملاذ إلا إليه، ويجبر المكسور بأن يشفي نفسه.
{..الْمُتَكَبِّرُ..}: دائماً هو تعالى بتزايد وتنامٍ وتعاظم متسامٍ متشاهق في نفوس عباده المؤمنين والله أكبر، يوسِّع لك العطاء ومهما قلت كبير فهو أكبر وأكبر، ومهما رأيت من عظمته تعالى فهو تعالى أعظم وأعظم ولا نهاية لعظمته ولا حدّ فإذا آمن الإنسان وصلى بمعية رسول الله ﷺ وتلا رسولُ الله آيات الذكر الحكيم عليه وسمع المؤمن المصلي آيةً وشاهدها بنور رسول الله الموصل لنور الله، ينشده بعظمة هذه الآية ويندهش بها وتأخذ لبّه وعقله عظمة وإجلالاً وتنصعق نفسه إكباراً وتعظيماً لما شاهده من طرف ربه وهو بهذه الحالة من الذهول والتعظيم والتقدير لصاحب هذه الآية العظيمة، يقول له رسول الله ﷺ: (الله أكبر)، أي: ما زال هناك أوسع وأعظم وأسمى وأرقى وأعلى مما رأيت، أي: هاك خذ وشاهد ما هو أكبر، فدائماً هو تعالى بتزايدٍ عليك يذيقك من عطائه ما هو أشهى وألذ وأحلى ويريك من عظمته ما هو أسمى وأرقى.
فما خلق الله الخلق إلا ليعطيهم مزيد برّه وفضله ويكلؤهم بعنايته ورحمته ويوسّع لهم الجنة التي كانوا فيها إلى جنات أسمى وأشهى، فالله يحب أن يتكبر عليك بعطائه أي يزيدك أكثر وأكثر من جنة إلى جنة أكبر متكبر عليك بالخير والعطاء والجنات.
أما إذا جاء الإنسان وأعرض عن ربه ورفض عطاءه العظيم، وتحوَّل عن ربه الرحيم دون أي التفات، وما أراد إلا الدنيا فيطلقه الله لما يريد ثم يبعث له رسوله ليهديه وينذره مغبة ما هو فيه من ضلال، فما زاده ذلك إلا بعداً وعتواً وما أراد إلا الدنيا وشهواتها عناداً وكفراً، فبماذا يعامله الله بعد ذلك؟!. قال تعالى: {..نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى..} سورة النساء: الآية (115). يتركه الله وشأنه واختياره ويعطيه من الدنيا ما يريد {قُلْ مَن كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدّاً..} سورة مريم: الآية (75). إذا كان هو تكبَّر وهو لا يريد الجنة، فالله عزيز لا يتذلل له بل يتكبر عليه، لأنه هو تكبَّر وأدار ظهره، هو لا يريد الجنة ولا يريد الله فيتركه الله وشأنه (فالكبر على المتكبر صدقة) فعلى الإنسان أن يتراجع عن كبره ويعود إلى ربه {أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} سورة النمل: الآية (31) الله لا يذل ولا من معه.
{..سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ}: فما أعظمك يا إلۤهي وهذه أسماؤك وما أسماك وأرقاك! أسماؤك كلها حسنى فكيف يتحوَّل عنك التائهون ويلتفتون إلا الزائل الفاني، ويتخذون من دونك ولياً، تلج أنفسهم بالأصنام والشهوات وعبادة الآباء الذين لا حول لهم ولا قوة وأنت وحدك صاحب الأسماء الحسنى.
فمن الذي يسبح المخلوقات، والأجرام والنجوم كلها تسبح فضل الله ونعمه فمن يسبحها سواه ومن يسيرها سوى الله، فكيف يشركون بالله ويتخذون من دونه آلهة، والله أسماؤه كلها حسنى فكيف يتحول عنه التائهون ويلتفتون إلى غيره.
سورة آل عمران الآية (64)
ورد في تأويل القرآن العظيم {..فقل تعالوا ندع أبنائنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم..} أرجو لو تكرمتم علينا تأويل وشرح هذا المقطع من الآية الكريمة.
يقول تعالى: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} سورة آل عمران 61.
وهذه تتم بأن يطلبوا مشاهدة نفسية للحقّ والحقيقة.
- وهي رؤية يقظة فيغمضوا أعينهم طالبين بصدق مشاهدة قلبية للحقيقة ويجمعوا أنفسهم ويستحضروا أبناءهم ونساءهم ويبتهلوا بقلوبهم إلى الله بصدق.
- عندها يشاهدون الحقيقة قلبيا بجلاء فيريهم الله.
- فإغماض العينين لصرف النفس عن الدنيا وما فيها، واستحضار الأحباب والأعزاء عندها تتجه النفس للمطلوب فترى الحقّ والحقيقة لتتبعها.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أدامكم الله عونا وسندا لكل المسلمين.
ما تأويل الآية (49) من سورة الأحزاب: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً}.
إن خطب وعقد ولم يدخل ولم تنشأ العلاقة الزوجية من رحمة ومودة، والتي بها تنشأ العلاقة النفسية البناءة بين الزوجين ومدتها ستة أشهر، فتنتقل من العلاقة الجسمية إلى العلاقة النفسية فينهض الرجل المؤمن ببنت جنسه ويسمو بها، ويخرجها من الظلمات إلى النور، فالزواج الغاية منه غاية إنسانية لا غاية شهوانية بهيمية.
وأنت تقول: (زوَّجتُكِ نفسي بنفسي إلى نفسك)ِ، وهي أيضاً تقول: (زوجتكَ نفسي بنفسي إلى نفسكَ)، وهذه العلاقة النفسية بين الزوجين تكون بواسطة الجسد. {..فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا..}.
فإن لم يحصل الدخول ولم تنشأ العلاقة الزوجية، إنما حصل عقد الزواج فقط إن أراد الرجل إلغاء العقد وحلَّهُ. فليس على المرأة أن تتربص بنفسها، أي: بالعدة ثلاثة قروء.
{..فَمَتِّعُوهُنَّ..}: أعطها ما يجبر خاطرها وقد جاء التفصيل في سورة البقرة قال تعالى: {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنُّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ مَتَاعاً بِالْمَعْرُوفِ..}: إن خطبتها وعقدت، ولم تسمِّ مهراً، عليك أن تقدِّم لها ما تجبر به خاطرها، بعقدك عليها ثم طلاقك منها تكسر خاطرها ولذلك متعها، أي: أكرمها على حسب حالك ريثما تتأهل وتتزوج. {..حَقّاً عَلَى الْمُحْسِنِينَ} سورة البقرة، الآية (236). إن كنت من أهل الإحسان هكذا تفعل.
{وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ..} نصف المهر تدفعه لها. فالله خلقك للإحسان وعمل المعروف.
{..وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً}: دون تفرقة ودون خصام، يجب أن تكون سموحاً. فلا تختلف معها من أجل مهر أو هدايا أو ما شابه ذلك، فلتكن معاملتك إنسانية تجبر خاطرها، تجعلها مسرورة لا مكسورة الخاطر.
قال الله تعالى: {..يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ..} سورة الزمر، الآية 6. ما هي الظلمات الثلاثة الواردة في الآية الكريمة؟
الأخ الفاضل حفظه المولى الكريم ... آمين
الناس كلهم في ظلمات "ما عدا السادة الأنبياء والمرسلين أنوار الحق"، وذلك حين أعرض الإنسان بالأزل عن الله ونور الله وارتمى على الشهوات انقطع عن الله ووقع بالظلمة الأولى، وحين ولجت نفسه الجسم غدا بظلمته الأولى داخل ظلمة الجسم الثانية، ثم خرج إلى الدنيا ولبسها، أحاطت بنفسه الظلمة الثالثة ظلمة الدنيا. وحجبها للنفس عن الله منبع النور فكان:
1- بحجاب الإعراض عن الله وفقدان نوره الأزلي بسبب لبسه للشهوات بلا نور الله.
2- حجاب الجسم فوق حجاب الإعراض.
3- حجاب الدنيا حيث لبسها ونسي الماضي.
طريق النجاة:
أولاً: اليقين بالموت، فالإيمان بواسطة آيات الله الكونية تعيد إليه النور "نور الله".











