موسوعة عمّ
سلسلة تأويل القرآن العظيم
(أنوار التنزيل وحقائق التأويل)
- للعلامة الإنساني الجليل محمد أمين شيخو قدس سره
- جمع وتحقيق: الأستاذ المربي عبد القادر يحيى الشهير بالديراني
لمحة عن الكتاب
دعوة للمفكّرين بتأويلٍ عالٍ يبهر العقول والقلوب والعواطف جميعاً ويغرز فيها الإجلال للعظمة الإلهيّة والإيمان ، ذلك لأنّ روعة جلالها وباهر ضيائها جلالاً وضياءً يتوارى دونهما كلّ ما سواهما فما كان أعظم تاليها !. وأعظم به. كان عالماً: (جبلاً) حجب ما سواه.
غطّت دلالته الأجيال ويحقّ أن تفاخر به الأجيال، فطوبى لمن استظلّ بجلال عظمتها واستضاء بباهر لألائها.
فيها براءة الإسلام العظيم من دسوس المغرضين، فيها براءة قلوب السالكين من أهواء الشياطين، بها سعادة الحياة العظمى أبد الآبدين، تنزيل من حضرة الله العلي الرحيم ورسوله الكريم.
الصيغ المتوفرة:
هذا الكتاب متوفر بشكل: كتاب إلكتروني.
كتاب إلكتروني:
معلومات الكتاب الإلكتروني
- الكتاب الإلكتروني بصيغة PDF، ePUB.
- الكتاب الإلكتروني مجاني.
- روابط التحميل تظهر لكم بعد تقديم الطلب.
- الكتاب متوفر على منصات غوغل بلاي، أبل ستور، أمازون.

أسئلة متعلقة بتأويل القرآن الكريم
في سورة الكهف الآية 19. لماذا أحد أصحاب أهل الكهف يكلمهم وكأنه ليس منهم (..كم لبثتم..) (..فابعثوا أحدكم..)
يقول ﷺ: (إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمهم أحدهم) أخرجه أبو داود: رقم/2608. وفي الآية الكريمة: {وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا} سورة الكهف: الآية 19.
ويظهر من قول أحدهم لهم في هذه الآية أنّه أسبقهم أو أوّلهم بالإيمان وهو دلّهم على طريق الإيمان فسلكوا فوصلوا فأمّروه عليهم، وهذا طبيعي لئلا يقع اختلاف ولا تفرقة، لذا فهو يكلمهم كمُعلِّم لهم برضاهم واتّفاقهم ليس إلا.
سيدي الكريم. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أحبّ أن أعرف لِمَ سُمِّيَتْ سورة فُصِّلَتْ بهذا الاسم؟ أي بـ "فُصِّلَتْ" وشكراً لكم.
لقد أجابك تعالى على سؤالك هذا بقوله: {حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}.
وقد بدأ تعالى بتفصيل بداية الخلق، خلق السموات والأرض، بعد إذ كانت نفوساً مجردة لا حجم ولا حول ولا قوة ولا شيء لها، وكيف أمدّها بناء على طلبها أن تكون مسخرة للإنسان بالآيات بعدها: {قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ..}: أي ليل ونهار، تَؤُمُ إليها في دورانها. {..وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠)}: أي بالفصول الأربعة، إذ أن سبب حصول الفصول الأربعة الليل والنهار. {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ}.
واستمر التفصيل إلى نهاية السورة بناء على قوله تعالى: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ..}: على أبو الحكم وأبو سفيان وعلى الكفرة من صناديد قريش. {..وَعَرَبِيٌّ..}: واضح واسع البيان على أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم رضوان الله عليهم أجمعين.
معنى ذلك أنّ آياته قد فُصِّلت، ووضح وتبيّن كلّ شيء للمؤمن عن طريقها، كما آمن أبونا إبراهيم عليه الصلاة والسلام، لأنّ القرآن يفهمه المؤمنون، لقوله تعالى: {..قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ..} [فصلت: 44].
فاسلك يا أخي سبيل الإيمان الشهودي تجد التفصيل أمام عينيك نيّراً واضحاً، يوصلك إلى الإيمان بلا إلۤه إلا الله فتغدو من أهل السعادة والأمان والاطمئنان، طوبى لهم وحسن مآب.
ورد في سورة الكهف الآية رقم (34) بسم الله الرحمن الرحيم {وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ} كيف يصاحب المؤمن الكافر؟ وكيف يدعو المؤمن على صاحبه الكافر؟
يصاحبه لـمّا يتوسم منه التوبة والنجاة والنجاح، والصحابة الكرام صاحبوا أهل الشام والعراق ومصر وكانوا على الكفر فهدوهم إلى الإيمان.
إنه لا يدعو عليه ولكن ينذره بما قد يصيبه إن أصر على الكفر ونكران المنعم المتفضل جل وعلا.
يقول تعالى في سورة الكهف، الآيات (32-44):
32- {وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ..}: بساتين من جميع الفواكه "من فواكه متنوعة" {..وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ..}: من حول الحديقتين أي من أطرافها. {..وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً}: من خضر في الوسط، بين الأشجار خضراً وكلأ.
33- {كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا..}: أثمرت، نضج وآن أوان القطاف. {..وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً..}: كان الحمل تاماً كاملاً، كله أثمر فما من شجرة حملت قليلاً بل كلها أعطت حقها. {..وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَراً}: مستمر الجريان متى شاء وأراد سقى.
34- {وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ..}: كان للرجل غلة وثمر، إذ نضج. {..فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً..}: أنت فقير. {..وَأَعَزُّ نَفَراً}: انظر ما عندي، رغم أنني لست مثلك على السير الذي تدعي بأنه حق.
35- {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ..}: لـمّا قال من قبل أنه أكثر مالاً وأعز نفراً. (وهو ظالم لنفسه): ببعده عن الله استلذ بها ولم يذكر نعمة الله. {..قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً}: ما أظن هذه الخيرات، هل تذهب؟! أمَّنْتُ مستقبلي.
36- {وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً..}: البعث "كما يقال". {..وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنقَلَباً}؟ هنا استفهام. هل أجد خيراً منها بعد الموت؟! كل هذا لا أصل له.
37- {قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ..}: ألا تذكر أصلك ونهايتك، أتنكر الذي خلقك!
ألا تفكر ببدايتك كيف كنت تراباً. {..ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ..}: لـمّا تخلّقت، أصلك من ثمرة أكلها أبوك فصارت نطفة كيف تنكر هذا الإنكار؟ الذي سوّاك من نطفة كلامه ليس بصحيح؟!! {..ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً}: من طور لطور حتى صرت إنساناً ألا تفكر بحالك بأصلك من سواك، من ربّاك من نمّاك؟!
38- {لَّكِنَّا..}: لكن لكنا لازم نعرف جيداً. {..هُوَ اللَّهُ رَبِّي..}: كل الفضل فضله تعالى. {..وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً}: أنا هذا ما رأيته.
39- { وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاء اللَّهُ..}: كان. ما شاءه الله كان وما لم يشأه لم يكن. {..لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ..}: الكل فضله. {..إِن تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ..}: الآن. {..مَالاً وَوَلَداً}: فاحتقرتني، ترى نفسك أنك غني وعندك أولاد ولا تعبأ بقولي!
40- {فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ..}: لم تحسب له حساباً، حسب ما يلزمها، بلاء لا تحسب له حساباً لكنه بلاء ضمن حساب لا يخطئه. {..فَتُصْبِحَ صَعِيدًا..}: تراباً. {..زَلَقًا}: مندثرة، غباراً ذاهباً من يدك، مستنقعاً يزحلق الإنسان، يطوف النهر فلا يستطيع أحد السير فيه، والخيرات لا أثر لها.
41- {أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا..}: يغور. {..فَلَنْ تَسْتَطِيعَ..}: ساعتها. {..لَهُ طَلَبًا}: من الذي يخرجه لك!
42- {وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ..}: أي أن البلاء لابدّ واقع بالمعرض. {..فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا..}: خسر خسارة كبرى وكذلك كثيرٌ ممن يعطى مالاً أو وظيفة ثم تسلب النعمة بكفره.
{..وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا..}: شجر يابس. {..وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا}: هنا شعر وآمن فكل ما يسوقه تعالى للإنسان هو خير له. "قصة الرجلين ومعناها أن الله يعطي العبد فإن شكر وأقبل وإلا يأخذ منه هذه النعمة فإن لم يرجع فله عذاب بئيس.
43- {وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ..}: إذا حل البلاء من يردُّه! {..وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا}: بما عمل الإنسان إن أوتي نعمة يجب عليه أن يشكر ليزداد نعمة.
44- {هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ..}: عندها عرف المسألة بيد الله تعالى. {..هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا..}: رجعة له. {..وَخَيْرٌ عُقْبًا}: يعقب الإنسان ليطهّر له نفسه. (وخير عقبا): من هذا المال فكل ما يصيب الإنسان فإنما هو من حنان الله عليه "أبصر به وأـسمع": فالله تعالى يسوق ما يسوق للإنسان ليرده للحق إن أرسل الشدائد للإنسان فمن شدة حبه تعالى وحنانه ورحمته به.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أما بعد: أستاذي الكريم سؤالي: ما هو مدلول لفظ كلمة (-اشتعل- الرأس شيبا)؟! لم جاءت بلفظ اشتعل، لِمَ لَم تأتِ (شيّب) أو امتلأ أو أصبح؟ فقد ذُكر عن الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم قوله: (شيبتني عاد) فقد ذكر كلمة شيبتني ولم يقل اشتعل رأسي! أفيدونا مما علمكم الله جزاكم الله عنا كل خير.
كما قال ابن جني في فقه اللغة العربية: أن أصل الكلمة في اللغة العربية من حرفين وما زاد في المبنى زاد بالمعنى. فعلى حسب هذه القاعدة يكون معنى كلمة اشتعل مأخوذ من كلمتي شعَّ وعلا. وأعلى شيء بالإنسان رأسه.
أي: يشع الرأس بالبياض.
ما هو الفرق بين علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين؟
هذه الكلمات (علم اليقين) و (عين اليقين) الواردة في سورة التكاثر {كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ}.
اليقين: هو ثبوت الأمر واستقراره في النفس، تقول: يقن الماء في الكأس، إذا استقر وهدأ.
والعلم: هو الرؤية والمشاهدة، وهذه الرؤية على نوعين:
1- رؤية ترى بها النفسُ صور الأشياء.
2- رؤية ترى بها حقائق الأشياء، أي: ما فيها من الشر أو الخير.
فأما رؤية الأشياء، فهذا يكون بواسطة العين، إذ أن النفس في هذه الحال ترى الخيال المرتسم على العين، والعلم المبني على هذه الرؤية المذكورة هو علم ولكن ليس بعلم اليقين.
أما رؤية الحقيقة، فإنما هي إدراك النفس بذاتها ومشاهدة ما في الأشياء من الشرِّ والخير بعين النفس ذاتها سواء كان هذا الإدراك مبنياً على سماع أو رؤية بالعين، وهذا العلم المبني على هذا النوع من الرؤية هو علم اليقين، ولكن كيف تستطيع النفس أن تدرك ما في الأشياء من الشرِّ أو الخير؟ فنقول:
هذا الإدراك يحتاج إلى نور من الله أقوى من الأنوار المادية من نور الشمس والكهرباء و... فإذا أقبلت النفس على ربها، هذا الإقبال لا يكون إلا بالصلاة، تلك الصلاة التي تجتمع فيها النفس بكليتها مقبلة على ربها بمعية السراج المنير ﷺ، وبهذا الجمع والإقبال تستنير بنور الله عن طريق رسول الله لأنه لم ينقطع عن الله، ولأنه لا يزال ﷺ نوره سارياً من الله، وذلك النور هو الذي يكشف لها الحقائق المستكنّة وراء الصور والظواهر، فالمدار إذن كله على الصلاة، وعلم اليقين لا يكون إلا بالصلاة، وما الخلاص من الشرور إلا بالصلاة الحقيقية، قال تعالى: {..إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ..} [العنكبوت: 45].
وبالصلاة الصحيحة يحصل للنفس نور من الله بمعية رسول الله وترى عظمة الله وجلاله وتشهد طرفاً من الكمال الإلۤهي الذي لا يتناهى، وتجد أن الحمد لله وحده فتعظّم خالقها وتحبُّه وتسبح في صلاتها سبحات وتهيم بأنوار وأسماء الله هياماً، وتتذوّق معاني كلام ربها بتلاوتها للآيات الكريمة، فعندها تتكشَّف لها حقائق ما كانت تعلمها من قبل، فتراها ظاهرة جلية، فإذا تَلَتْ أوامر ربها شهدت ما فيها من الخير وإذا هي تَلَتْ نواهيه رأت ما في ارتكابها من الشر، وتكون هذه الرؤية وإن شئت فقل هذا العلم الذي تكسبه النفس في مثل هذا الحال علماً بحقائق الأشياء، أي: بما فيها من الشرّ والخير، فذلك هو العلم الحقيقي الذي سمَّاه تعالى علم اليقين.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ..} [الحديد: 28]: بهذا النور تعلم علم اليقين.
أما كلمة: (عين اليقين) الواردة في الآية: {ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ} أي: سترون حقائق الشهوات والشر الذي انطوت عليه بعين اليقين، أي: بعين النفس لا بعين الرأس، ببصائركم لا ببصركم، وسترون الحقائق ظاهرة لكم تشهدون حقائق ما كسبتم. وهذه الرؤية: النفس بذاتها ترى ذلك دونما حجاب يحجبها وذلك بعد الموت ومفارقة النفس للجسد، كما في الآية: {لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} [قـ: 22].
أما كلمة: (حق اليقين) الواردة في سورة الواقعة، الآيات قبلها: {فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ (89) وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (90) فَسَلَامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (91) وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (92) فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ (93) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (94) إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ} أي: أن ما جاء ذكره بالآيات السابقة واقع لا محالة وحقّ وبالحق والاستحقاق وهذا ما سيثبت ويستقر في النفس، فالنفس سوف يحلُّ بها أحد الأحوال الثلاثة السابقة ويستقرّ فيها وتعيشه ويلبسها لبساً كاملاً بعد زوال عالم الصور إلى عالم الحقائق، وبعد الموت لا توجد صور بل فقط حقائق تعاينها النفس بذاتها وتوقن بها، وهذه هي الحقيقة.











