حقيقة سيدنا محمد ﷺ
سلسلة (قصص الأنبياء الكرام عليهم السلام)
- للعلامة الإنساني الجليل محمد أمين شيخو قدس سره
- جمع وتحقيق: الأستاذ المربي عبد القادر يحيى الشهير بالديراني
لمحة عن الكتاب
الأنبياء عليهم السلام صفوة الله من خلقه وخيرته من عباده اجتباهم هداةّ واصطفاهم لأنهم مهديّون.
وإنّ عدم معرفة الإنسان بمقام النبوّة وما ينشأ عنها من العصمة قد يجر الإنسان إلى الاعتقاد بإمكان وقوع الخطأ من الأنبياء زعماً منه أنّ الأنبياء الكرام عليهم السلام كغيرهم من الرجال، وقد يتفاقم به الأمر فينسب لهم الخطأ ويسعى في تأويل أعمالهم العالية بما لا يليق بشرف مقامهم ومكانتهم وفي ذلك ما فيه من تباعد النفس عنهم والحرمان من محبّتهم وتقديرهم، والله تعالى يقول: {...فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} سورة الأعراف، الآية 157.
ونريد في بحثنا هذا أن نبيّن حقيقة التقوى ومعنى النبوّة والعصمة التي تنشأ عنها.
كما نريد أن ندحض تلك المزاعم التي تزعم أنّه ﷺ رجل كغيره من الرجال يقع في الأخطاء، فله العصمة كما يزعمون في الأمور الشرعيّة التي أوحي له فيها وأرسل فيها للناس، وفي ما وراء الرسالة له حكم الإنسان المجتهد، أي يصيب ويخطأ، ويصحّح الله له خطأه.
ونريد أن نبيّن أنّه ﷺ لا يمكن أن يسحر وهو ﷺ حبيب ربّ العالمين وأشرف الأنبياء والمرسلين، وهو ﷺ الذي أُرسل رحمة للعالمين.
كما تجدون في هذا الكتاب بحوثاً رائعة أخرى تبيّن كماله ﷺ وحكمته البليغة الفريدة.
هل حقاً سُحر النبي ﷺ؟ هل حقاً شُقّ صدره الشريف؟
الصيغ المتوفرة:
هذا الكتاب متوفر بعدة صيغ: كتاب إلكتروني، صوتي، وورقي
كتاب إلكتروني:
معلومات الكتاب الإلكتروني
- الكتاب الإلكتروني بصيغة PDF، ePUB.
- الكتاب الإلكتروني مجاني.
- روابط التحميل تظهر لكم بعد تقديم الطلب.
- الكتاب متوفر على منصات غوغل بلاي، أبل ستور، أمازون.

كتاب صوتي:
معلومات الكتاب الصوتي
- الكتاب الصوتي بصيغة MP3.
- الكتاب الصوتي مجاني.
- روابط التحميل تظهر لكم بعد تقديم الطلب.
- الكتاب متوفر بشكل صوتي ومجاني في موقعنا، ومتوفر أيضاً في مواقع الكتب الصوتية العالمية الشهيرة.

كتاب ورقي:
معلومات الكتاب الورقي
- الكتاب الورقي متوفر للشراء من موقع الأمازون وشركائه، في أنحاء العالم.

أسئلة حول قصص الأنبياء الكرام عليهم السلام
من علّم آدم عليه السلام الزراعة؟
الأخ الفاضل حفظه المولى الكريم ... آمين بما أنه نبي مرسل لإنقاذ البشر وإخراجهم من الظلمات إلى النور بدءاً من عالم الجن وعالم الملائكة، ومن بعدهم لإنقاذ أبنائه وقد امتدوا أجيالاً وقبائل كثيرة، وبما أنه لم ينقطع عن الله طرفة عين ولم ينحجب، فهو دائماً بمحادثة قلبية مع الله، وكافة الرسل والأنبياء كما تقول الآية: {..لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} سورة الأنبياء (27). فهو تعالى معلمهم ومعلمه، كما يقول ﷺ: «علَّمني ربي فأحسن تعليمي». وكما بالآية: {عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى} سورة النجم (5). فهو رسول وسيدنا آدم رسول وكلاهما الله معلمهما فعلَّمه الله فأحسن تعليمه. سيدنا داوود عليه السلام: {..عَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ..} سورة الأنبياء (80). وسيدنا نوح عليه السلام: علَّمه صناعة مركبة النجاة صنع السفينة "سفينة سيدنا نوح". كذلك إن أنتم آمنتم وارتبطتم بهم فكنتم أتقياء فالله أيضاً يكلّمكم من خلالهم ويعلِّمكم. {..وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ..} سورة البقرة (282). ودائماً المؤمن التقي لا يتعلم إلا من الله. وهؤلاء الحواريون صحابة سيدنا المسيح عليه السلام قال لهم ﷺ: «نأكل ونشرب ونلعب ونطرب ونحن في محادثة قلبية مع الله». فالله معلم سيدنا آدم الزراعة. والله كلَّمه وحذره من عداوة إبليس كما هو واردٌ بالقرآن الكريم.
سيدي الفاضل لقد قرأنا بعض الأجوبة على موقعكم الكريم وخصوصاً التي تسأل عن السيد المسيح عليه السلام، وبناءً على ما تقدم من أجوبتكم الكريمة لمسنا أن هناك حرب عالمية ثالثة بعد هذه الأحداث مباشرةً. وعليه فإن الحرب تطحن في رحاها الأخضر واليابس ومن المؤكد أنها ستؤدي الى مجاعات وأهوال مما لا يتحمله عقل إنسان فنرجو من حضرتكم يا سيدي أن تتكرموا علينا وترشدونا عن فترة هذه الأحداث والأهوال هل هي طويلة الأمد أم قصيرة الأمد.
وسمعت حديث يقول (إذا كان فناء في كسرى ونار في الخليج فتمونوا لعام) هل هذا الحديث صحيح أم غير صحيح.
بالنسبة لسيدنا عيسى عليه السلام هل سيأتي والمعجزات التي أيده الله بها معه علماً أن الله تعالى يقول وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون. ولكم جزيل الشكر.
1- من يشك بحدوث حرب نووية عالمية يا أخي! هذه هي الحرب الثالثة التي ستحدث الآن بعد هذه الشدائد والأهوال وكفى بالواقع شهيداً.
2- إن كان بإمكانك التموين لعام فلمَ لا تموِّن وأنت تسمع وترى ما يحدث في العالم من كوارث وبلاءات.
وقد نشأنا بطفولتنا وكان آباؤنا وكل الناس يموّنون تمويناً سنوياً بشكل طبيعي، كما كانوا يساهمون بمساعدة الفقراء والمساكين على التموين السنوي، فما المانع من التموين!..
هذا وقد أزفت الآزفة، ليس لها من دون الله كاشفة.
3- الله سبحانه وتعالى لم يرسل معجزات بل أرسل فوق وأعظم من المعجزات وهي الحجامة وشفاءاتها.
فالمعجزات مجالها محدود ومشاهدوها مقصورون على فئة حاضرة بالمكان، أما لحجامة فشملت وبلغت مسرى الليل والنهار وشملت العالم كله ولم يستفيدوا منها فيؤمنوا رغم ما لمسوه من شفاءاتها، فما قولك أن سيدنا عيسى عليه السلام سيأتي بمعجزات! إن أتى أو لم يأتِ فإنه رسول الله ويَطلب منّا الإيمان والتقوى وعلينا الاستجابة لأمره فهو من أمر الله.
أمّا التكبير (ذكر اسم الله على الذبائح) فقد شمل أنعام الأرض بالطول والعرض وفيه الإمكانية ألا تموت بقرة واحدة حرقاً، حتى أنها لو أصيبت البقرة بجنون البقر وكبَّرت عليها عند ذبحها فإن جراثيم جنون البقر تزول وتصبح البقرة صالحة للأكل، فلا تحرق منها واحدة، ومع ذلك لم يستجيبوا لأكبر من المعجزات ألا وهو التكبير الذي يوفر عليهم حرق مئات الملايين من البقر والمليارات من الطيور.
فما سؤالك عن سيدنا عيسى أنه سيأتي بمعجزات أو لن يأتي!
هو أدرى وأعلم إن كان مناسباً أن يأتي بالمعجزات أو لا يأتي، فإن كان المناسب أن يأتي فسيأتي وإن لم يكن مناسباً فلا يأتي.
والغريب أنّ الذين طلبوا المعجزات لم يؤمنوا وهلكوا، والذين لم يطلبوها كالصحابة الكرام رضوان الله عليهم آمنوا واتقوا وكانوا سبب إيمان أجيال ما يزيد على ألف عام والهداية تجري وتسري، ومن كانوا أهلاً للنار بسببهم أصبحوا أهلاً للسعادة والنعيم والجنان.
ومن ناحية أخرى: كافة الذين جاءهم معجزات كانوا كفرة معتزين بكفرهم وفي استعلاء، فالمعجزة للكفرة حتى يؤمنوا.
أما بقدوم سيدنا عيسى عليه السلام بعد قيام الساعة الكبرى لا يبقى كفرة إلا مذلولين منكسرين خاضعين ولن يعود لديهم أي استعلاء. {..وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ..} سورة آل عمران: الآية (55). فما يهمك وأمر المعجزات؟
ما هي أكثر فتنة لسيدنا محمد ﷺ؟ وما هي أسماء جهنم؟
1- سيدنا محمد ﷺ لم يفتن أبداً، وليس لديه لا أقل ولا أكثر. إنما هو مفتونٌ فقط بالله وقد سلَّم نفسه لله (والذي نفس محمد بيده) وليس معه إلا الله وليس معه شيء إلا الله، ومن قال عنه أنه مفتون بغير الله فكل إناء بما فيه ينضح، ومن يضع برسول الله دسوس لا أصل لها إنما هي فتنته هو وضعها برسول الله وحاشا أن يُفتن رسول الله إلا بالله.
لم يُفتن سيدنا محمد ﷺ إلا بربه وفتن العالمين جميعاً به وحولهم عن مفاتن الدنيا كلها إلى عطاءات ربه، وكل ما خلا الله باطل وضلال وكل فتنة من فتن الدنيا ضلال وسيد الخلق شهد به ربه: {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى} سورة النجم: الآية (2). ودليل فتنته بربه أنه ترك الدنيا وملذاتها والفتن كلها وشغف بربه وذهب إلى غار حراء الذي قدر فيه ربه وحصل على ليلة القدر فيه وشهدت العرب كلها بأن محمداً عشق ربه ولو فتن بغير الله لما سموه محمد الأمين، فهو الذي لم يصافح امرأة ولم يفتن بامرأة قط ولم يسجد لصنم أبداً، وما عرف إلا الله ولا تكلم إلا عن الله وما دلَّ إلا على لا إلۤه إلا الله، وهو الذي عرَّف الناس بكمالات الله وصفاته العلية، وهو الذي وجه كافة ملكاته وطاقاته وميولاته حباً بالله وسلَّم نفسه تسليماً مطلقاً لله حتى كان ﷺ يُقسم بالله بقوله (والذي نفس محمد بيده) فكان بذلك وحيٌ يوحى ولسانه ﷺ بالله ينطق وهو معلّم الأنبياء وإمام المرسلين جميعاً، وسيدنا موسى قد فتن بربه فتوناً قال تعالى عنه: {..وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً..} سورة طه: الآية (40). أي فتن بحب الله.
وكذا سيدنا داوود قال تعالى عنه: {..وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ..} سورة ص: الآية (24). أي فتن بحب الله فجعل يوماً لذكر الله ويوماً للمُلك يقضي بين الناس فما بالك بسيدهم وإمامهم وسيد المحبين لله.
أحبَّ الله حباً ميّزه عن جميع السادة الرسل الكرام والأنبياء العظام فسيدنا إبراهيم خليل الله وسيدنا موسى كليم الله وسيدنا عيسى من روح الله أما سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام حبيب الله.
وآية: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ..} سورة آل عمران: الآية (31): دليل صادق على أن سيدنا محمد سيد المحبين لله، فلم يسمع إلا كلام الله ولم يطع سوى الله وأسمع العالمين وحببهم بالله ومن أطاعه فقد أحب الله، إذن هذا دليل على أنه لم يفتتن إلا بالله، فلم يفتتن بالدنيا وما فيها لأن الدنيا ملعونة ملعون ما فيها وتبعدُ عن حب الله لأن حب الدنيا رأس كل خطيئة، أما سيدنا محمد فهو معصوم عن الخطأ والزلل ولم يزغ بصره عن حضرة ربه شوقاً وشغفاً وحباً له {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى} سورة النجم: الآية (17).
والله يقول: {فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ ، بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ ، إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ..} هذا هو المفتون {..وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} سورة القلم: الآية (5-6-7). فكل من يظن بالرسول أنه فتن بغير الله وأن أية فتنة من فتن الدنيا دخلت قلبه، فإن هذه الفتنة في الحقيقة في الشخص الذي ظن هذا الظن السوء، هي فيه ويظنها في رسول الله بمنظاره الخاطئ وما هي برسول الله أبداً، لأن الله يشهد بسموه وعلوه وأنه لعلى خلق عظيم، لأنه تخلَّق بكمالات الله تعالى كلها فلم يزغ بصره إلى الدنيا أبداً {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى}.
نفسه الشريفة الطاهرة النقية الزكية ما حوت إلا الله، وما تلوثت هذه النفس الشريفة الطاهرة بأدران الدنيا ومفاتنها أبداً كالماء العذب الطاهر النقي ذراتها.
فهو الوحيد الذي خرج بين الناس والأمم جميعاً وعرفهم بالله وعلّم الصحب الكرام ثم العالمين جميعاً كمالات الله ومعاني أسمائه الحسنى وكلمة (الله) مأخوذة من كلمتي أَلِهَ ووَلِهَ، أي لو شاهدت ما آل إلى الله تعالى من مزيد الفضل والإكرام عليك وعظيم المحبة والحنان لتولهت به حباً وهياماً ولطارت نفسك عارجاً في بحور الجلال والجمال والعظمة الإلۤهية ولحلّقت نفسك عشقاً وشغفاً بذي الجلال إقبالاً عليه لا ترى إلاه ولا تنطق بسواه ولا تنشغل فكراً وقلباً إلا بالحبيب الأول. وبهذا المضمار كان لسيد الخلق قصب السبق.
فكان الناس قبل مجيئه ﷺ مفتونين بالدنيا وحبها حتى الصحابة الكرام كانوا في ضلال مبين "كما ذكر تعالى"، فأخرجهم من حب الدنيا الدنية إلى حب الله وستّر نساء العالمين، فما أحب ﷺ إلا الله وحبّب العالمين بالله فلم يفتن ﷺ إلا بربه خالق الجمال، والذي يقول أنه أحب غير الله فقوله الدسوس التي لا أصل لها ولا دليل ولا تبرير وهي أقوالٌ باطلة وكل تبرير بني على باطل فهو باطل، مردود.
لو أحب أحدٌ ربه كما أحبه سيدنا محمد ﷺ لسماه الله تعالى حبيبه، إذاً هو أحب الله أكثر من كل البشر لذلك حظي باسم حبيب الله.
2- جهنم اسمها جهنم ومباني الأسماء الأخرى لا علاقة لها بها بل لكل مبنى معنى، فاسأل ما شئت نجبك بإذن الله.
بسم الله الرحمن الرحيم
{فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 37]
ما هي الكلمات التي تلقاها سيدنا آدم عليه السلام؟ وشكراً.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَبهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ..}: لقد ظنّ سيدنا آدم أنّه عصى ربّه عندما ذكّره تعالى بنهيه عن الشجرة، لأنّه كان يجهل المراد والحكمة التي أُخرج من أجلها إلى الدنيا، ولكنّه تلقى منه تعالى كلمات، وبهذه الكلمات عاد لإقباله العالي على ربّه. وهذه الكلمات هي:
1- إنّ خروجه من الجنّة ما تمّ لولا إرادة الله السابقة {..إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً..} سورة البقرة: (30).
2- إنّ خروجه عن طريق إبليس لم يكن بملكه، لكنّه كان في حالة لا تسمح له بالتذكر {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آَدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا} سورة طه: (115): أي عزماً على المخالفة والمعصية.
3- لقد كانت استجابة آدم عليه السلام لإبليس ناجمة عن حبّه الشديد لربّه ونيّته العالية لأنّه ظنّ بأنّ أكله من الشجرة سيمكّنه من الخلود الأبدي بالنظر لوجه الله الكريم والطمأنينة به تعالى والأمن والأمان (وإنما الأعمال بالنيات)، وكانت نيّة سيدنا آدم بأكله من الشجرة الخلود إلى حضرة الله، كما يخلد الطفل إلى حضن أمّه الرحيمة الحنونة، {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آَدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى} سورة طه: (120). فالله تعالى بعلمه بما في نفس آدم عليه السلام من النيّة العالية من الأكل منَ الشجرة ناداه أن:
يا آدم قد علمنا نيَّتك من عملك، فما كان أكلك من الشجرة إلاَّ حبّاً بي، لقد أنساك حبُّك العظيم لي وصيتي فلا تخجل ولا تغض حياءً مني، فلك من نيَّتك العالية ما يجعلك تعود إلي في الحال.
وما أن سمع آدم عليه السلام ذلك من ربِّه، وما أن نظر إلى نيَّته العالية حتى عاد متسارعاً إلى ربِّه مقبلاً عليه.
فتاب عليه ربه، أي: فعاد عليه في الحال بتجلِّيه {..إِنَّهُ هُوَ التَّوابُ الرَّحِيمُ} سورة البقرة: الآية 37.
4- قد بين له تعالى عدوّه الحقيقي ليحذره هو وذريّته من بعده من هذا المخلوق، الذي أكل الحسد قلبه وملأ الغيظ نفسه. فلما عرف غاية ربّ العالمين، اطمأنّ لذلك، وأقبل ثانية.
{..فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}: فهو تعالى التواب إذ يسوق للإنسان دوماً ما يجعله يؤوب ويعود لخالقه ليتفضّل عليه بنعمته ويغمره ببرّه ورحمته.
وللتفصيل في البحث نرجو الرجوع إلى كتاب تأويل الأمين للعلامة محمد أمين شيخو قدس سره/ص219 حتى ص297 تجد قصة سيدنا آدم كاملة.
ذكرت قصة سيدنا موسى عليه السلام في القرآن أكثر من مرة وموضوعها واحد، مع تشابه النصوص في كل موضع، والتكرار في النص الأدبي يضعفه فكيف يتناسب ذلك مع إعجاز القرآن وبلاغته؟
الأخ الفاضل حفظه المولى الكريم ... آمين
قال الذين لا يعرفون قدر القرآن بأن فيه ذكراً كثيراً عن موسى، دوماً موسى، موسى، موسى!
الحقيقة لكل قصة مغزى والكل يدور حول التعريف بكلمة لا إلۤه إلا الله.
لنرجع لجدِّ سيدنا موسى عليه السلام وهو سيدنا إبراهيم ﷺ الذي استدل بفكره أن عبادة الأصنام لا أساس لها وما زال يبحث ويفكِّر حتى اهتدى إلى الله سبحانه وتعالى فقال: {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}: لمَّا آمن بهذا وعرف أن الإلۤه واحد وهو معه حيثما سار عاد إليهم يذمُّ آلهتهم مبيناً لهم ضلالهم إلى أن فعل ما فعل بآلهتهم، ولكن كيف قال بهذا وهو وحيد وقومه كلهم ضده؟
عندما آمن بلا إلۤه إلا الله عرف أن السير كلَّه بيده ففعل ما فعل. جرت مجادلة بينه وبين النمرود فبهت الذي كفر. كان بإمكان النمرود أن يقتله لكنه تعالى حوَّل فكر النمرود فجعله يأمر بإخراجه من بلده بدلاً من قتله، مع أنه لو كان له حول أو قوة لأمر بقتله. لو كان له فعل لتخلص منه لكن السيْر كلُّه بيد الله.
وهلك الكافرون في النهاية. خرج سيدنا إبراهيم ورزق بإسماعيل ﷺ فلمّا أحبه ذلك الحب الشديد أمره الله بذبح ابنه ثم فداه. كل ذلك يجريه الله لنعلم أن الفعل بيده تعالى وحده، وأن الحب يجب أن يكون خالصاً لله. جاء سيدنا يعقوب جد بني إسرائيل، ولمَّا مال إلى يوسف عليه السلام من دون إخوته أرى الله تعالى تلك الرؤيا ليوسف ﷺ فهام يعقوب بابنه وكان ما كان لينقطع يعقوب عن ابنه، لأنه بعد ما زال دونه في المكانة فما أن نضج يوسف عليه السلام فصار أهلاً لأن يمشي يعقوب عليه السلام في معيته حتى جمعه به.
كذلك أولاد يعقوب ﷺ، المراد من قصتهم مع سيدنا يوسف: أن الإنسان إن تاب أمكن رفع شأنه وبنو إسرائيل كل قصتهم إنما ذكرت لتبيِّن لنا أن الفئة القليلة إن رجعتْ إلى الله سيَّدها على غيرها أما إن فسدت ذلَّت، كما وقع لهم مع فرعون. كل ذلك عبرة لنا بعدهم كيلا نسير بسيرهم:
{وَإِذْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَونَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ} سورة الأعرف (141).
فلما التجأوا أرسل الله سيدنا موسى ﷺ أرى تعالى فرعون رؤيا يحذِّره بها حناناً عليه ورأفة به علَّه يرجع ويرعوي عن غيه وضلاله وبما أنه لم يرجع بل قتل وذبح، أرانا تعالى كيف ربى موسى ﷺ ليرينا أن الفعل بيده تعالى وحده، إذ ساق موسى لقصر فرعون كل ذلك لنعرف أن الفاعل هو الله وحده ولا تصرُّف إلا به.
ثم ردَّ موسى لأمه إذ حرَّم عليه المراضع ثم بيَّن لنا تعالى أنه لا يعطي الرسل إلا بالحق. شبَّ سيدنا موسى وكان في عزَّة ونعيم لكنه جازف بكل ذلك تجاه نصرة الحق، تجاه مرضاة الله.
وذهب سيدنا موسى إلى شعيب عليه السلام وعاد إلى فرعون وفرعون كان خائفاً ذلك الخوف من رؤياه التي رآها في نومه.
فلمَ لم يقتل موسى! هذا دلالة على أن الفعل بيد الله وحده فلا فاعل إلا الله.
بدلاً من قتل موسى ﷺ قال له فرعون هل معك آية؟
وألقى العصا وكانت المباراة ووقع الحق. هنالك عظَّم السحرة موسى ﷺ اتجهوا نحوه فاستناروا بذلك السراج، شاهدوا الكمال الإلۤهي فسجدوا وهاموا. أما بنو إسرائيل حيث أنهم لم يعرفوا شأن موسى ﷺ فلم يؤمنوا ذلك الإيمان الذي آمنه السحرة.
جرت مناقشات بين فرعون وقومه وما تجرأ أن يؤذي موسى عليه السلام وأخيراً لم يُهلك الله فرعون مباشرة بل أراهم معجزة البحر علهم يرجعون ثم ألقى الموج فرعون على ساحل البحر لعلَّ بني إسرائيل يتعظون، ولكن وبما أنهم لم يؤمنوا بلا إلۤه إلا الله عندما مرَّوا على قوم يعكفون على أصنام لهم، قالوا: اجعل لنا إلۤهاً كما لهم آلهة. ثم كانت قصة عبادة العجل وذهاب السبعين مع موسى عليه السلام يستغفرون لقومهم، فلما قال لهم إن الله يأمركم بقتل أنفسكم لم يصدَّقوه، بل قالوا: لن نؤمن لك بهذا القول حتى نرى الله جهرة ونسمع منه. فصعقوا ثم قتلوا أنفسهم، لكن وحيث أنهم لم يؤمنوا بلا إلۤه إلا الله عندما أمروا بفتح القدس لم يطيعوا ووقعوا في التيه أربعين سنة، ودخل بعدها في بيت المقدس.
وهكذا فالحقيقة ليست إيراد القصص في القرآن الكريم حكايات تتلى إنما لكل قصة عبرة ومغزى ومن ورائها موعظة وفكرة وكلها تدور حول كلمة «لا إلۤه إلا الله» ولكل قصة مناسبتها ومكانها وتخدم فكرة معينة وليس هناك تكرار أبداً، فلابدَّ من إيرادها في مكانها من القرآن لاستكمال المعنى وإتمام وحدة الموضوع فليست هذه القصص أساطير تروى إنما فيها فائدة كبرى تشرح وضع الناس اليوم إذ: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ}: ولكن هي لنا لنحذر من أخطاء غيرنا ونتجنبَ سير الهالكين ونسلك مسالك المؤمنين، «والكَيِّس من اتعظ بغيره والشقيُ من اتعظ بنفسه».
استمع مباشرة:










