عصمة الأنبياء عليهم السلام
سلسلة (قصص الأنبياء الكرام عليهم السلام)
- للعلامة الإنساني الجليل محمد أمين شيخو قدس سره
- جمع وتحقيق: الأستاذ المربي عبد القادر يحيى الشهير بالديراني
لمحة عن الكتاب
الحمد لله رب العالمين وصلاة الله وسلامه على المرسلين الذين تفوَّقوا على كافة البشر بخلقهم العظيم، وسبقوا في حبِّهم ومعرفتهم بربِّهم سائر العالمين فكانوا بذلك أهلاً لأن يصطفيهم الله تعالى لتلقي رسالاته وجديرين بأن يكونوا هادين لعباده.
وبعد... فقد ذكر لنا تعالى في القرآن الكريم طائفةً من قصص الأنبياء تتجلَّى فيها طهارة تلك النفوس المؤمنة التي عُصمت بإقبالها الدائم على ربِّها من كل معصيةٍ، ويتراءى من خلالها ما قام به أولئك الرجال من جليل الأعمال ليبيِّن لنا قابلية الإنسان للسير في طريق الفضيلة والكمال، وليكون لنا ذلك مثل أعلى نحذو حذوه، وقدوة حسنة نقتدي بها.
غير أنَّ أيدياً أثيمة كافرة بالله ورسله تناولت هذه القصص منذ مئات السنين فكتبت ما يُسمُّونه بالإسرائيليات، وأوَّلت هذه القصص بخلاف ما أراد الله تعالى، وزادت عليها ما لم ينزِّل به الله، وألصقت بالرسل الكرام أعمالاً يترفع عنها أدنى الناس، وهم يريدون من وراء ذلك كلّه أن يبرهنوا على أنَّ الإنسان مجبول على الخطأ، وأنه لا يمكن أن يسير في طريق الفضيلة ليصدّوا الناس عن سبيل الله وليبرِّروا ما يقعون به من أعمال منحطة لا يرضى بها الله، وقد ضلُّوا بذلك وأضلُّوا كثيراً، إذ تناقل الناس جيلاً عن جيل تلك التأويلات الباطلة فدارت على ألسنة الخاص والعام وأدَّى الأمر ببعض المفسرين إلى أن أدرجوها في طيات تفاسيرهم وبذلك نظر الناس إلى الرسل الكرام نظرة نقص وانقطعت نفوسهم عن محبة رسل الله وتقديرهم، وفسدت اعتقادات الكثيرين وساءت أعمالهم، وفي الحديث الشريف: «إنَّما أخافُ على أمتي الأئمة المُضلِّينَ».
ولذلك وإظهاراً للحقيقة، وتعريفاً بكمال رسل الله الكرام أقدم العلامة الإنساني الكبير محمد أمين شيخو قدس الله سرّه على شرح هذه القصص شرحاً مستنداً إلى الآيات القرآنية ذاتها، متوافقاً مع المراد الإلٓهي منها، مبيِّناً كمال أولئك الرجال الذين جعل الله تعالى في قصصهم عبرةً لأولي الألباب، وضرب في طهارتهم وشرف نفوسهم مثلاً للعالمين، قال تعالى: {أُوْلئِكَ الذينَ هَدَى الله فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ..} سورة الأنعام، الآية 90.
وتتميماً للفائدة، وتعريفاً للإنسان بذاته وبخالقه الكريم الذي كرَّمه وفضَّله على كثير ممن خلق تفضيلاً بدأ العلامة الجليل الكتاب بكلمة وجيزة تكلّم فيها عن المُراد الإلٓهي من خلق الكون كلّه مبيِّناً شرف الإنسان ومنزلته العالية بين سائر المخلوقات، تلك المخلوقات التي عرض عليها ربها عرضاً ثميناً عالياً فخافت وأشفقت من التصدي لحمله وما تقدم له إلاَّ الإنسان وشاركه الجان وغامر كل منهما مغامرة وقطع على نفسه عهداً عرَّض فيه نفسه لتحمُّل أكبر المسؤوليات وأعظم المخاطر والتبعات طمعاً فيما يفوز به من النعيم المُقيم والخير اللامتناهي الكثير، فإن هو أوفى بما عاهد عليه الله فقد أفلح ونجح وسَعد سعادة أبدية وفاز بمنزلة من القرب الإلٓهي لا يدانيه فيها أحد من العالمين وإن هو نكث عهده ونقضه كان أحط الخلق جميعاً، وشقي شقاءً أبدياً وكان من الخاسرين.
الصيغ المتوفرة:
هذا الكتاب متوفر بعدة صيغ: كتاب إلكتروني، صوتي، وورقي
كتاب إلكتروني:
معلومات الكتاب الإلكتروني
- الكتاب الإلكتروني بصيغة PDF، ePUB.
- الكتاب الإلكتروني مجاني.
- روابط التحميل تظهر لكم بعد تقديم الطلب.
- الكتاب متوفر على منصات غوغل بلاي، أبل ستور، أمازون.

كتاب صوتي:
معلومات الكتاب الصوتي
- الكتاب الصوتي بصيغة MP3.
- الكتاب الصوتي مجاني.
- روابط التحميل تظهر لكم بعد تقديم الطلب.
- الكتاب متوفر بشكل صوتي ومجاني في موقعنا، ومتوفر أيضاً في مواقع الكتب الصوتية العالمية الشهيرة.

كتاب ورقي:
معلومات الكتاب الورقي
- الكتاب الورقي متوفر للشراء من موقع الأمازون وشركائه، في أنحاء العالم.

أسئلة حول قصص الأنبياء الكرام عليهم السلام
ما هو اسم قوم نوح عليه السلام؟
الأخ الفاضل حفظه المولى الكريم... آمين مالكَ وما للهلكى؟ لا نعلم ولا نحب أن نعلم باسم الهلكى، نريد الصالحين لصلاحنا يا أخي. نحب ذكرى الصالحين من الصحابة من أجل أن تطمح نفوسنا أن تكون مثلهم ونقتدي بهديهم ونفتح طريق الجنة لإخواننا بني البشر.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
من هم قوم نوح عليه السلام؟
الأخت الفاضلة حفظها المولى الكريم ... آمين
قوم نوح هم أول من عبد الأصنام إذ ضلَّ الناس سبيل الحق وابتعدوا عن سُبُل الهداية وغالوا في دينهم وخرجوا عن الحد الذي أمرنا به الله، فصنعوا تماثيل لصلحائهم كنصب تذكارية وهذا هو منشأ عبادة الأصنام، يتذكَّرونهم ويذكرون الأيام التي قضوها برفقتهم ليعيشوا بأحوال ماضية جميلة كانت بالنسبة لهم، إذ كانوا يقبلون على الله برفقة هؤلاء الصلحاء، وتقادم الزمان ونُسُوا أولئك الرجال الصالحين، فاقتصروا على تلك الأصنام وعكفوا عليها تقليداً أعمى واقتفاءً لأثر الآباء والأجداد على غير هدى ولا نور فظنوا أن لها حولاً وقوة وبذلك لم يسمعوا من الرسل واتَّجهوا للحجارة وانقطعت نفوسهم عن الله ووقعوا فيما وقعوا فيه من الشرك والبعد عن الله، فاتَّخذوا تلك الأصنام آلهة يعبدونها من دون الله، هؤلاء هم قوم نوح عليه السلام.
وأشهر أصنامهم: (وَدَّ): الذي يزعمون أنه يُنشئ علائق المودة بين الناس وهو حجر.
(سواعاً): الذي يدَّعون أنه يساعدهم والساعي في خيرهم وسعادتهم.
(يغوث): من يغوثهم في الشدائد والصعاب.
(يعوق): من يعوق عنهم المصائب والشرور.
(نسراً): وهو أكبر هذه الآلهة وزعيمها ونسوا أن الله هو الذي بيده مقاليد السموات والأرض وهو الذي يسيِّر الدماء في أجهزتنا وسمعنا وأبصارنا لأنهم لم يطيعوا رسلهم، وبيده نواصينا والخير المطلق منه، وهو تعالى الذي يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء.
جاء سيدنا نوح عليه السلام يدعوهم ليلاً ونهاراً إلى الله وعبادته سرّاً وعلانية وقضى معهم في دعوتهم إلى الله /950/ سنة آمن معه قليل ونجوا بالسفينة ويُقال أن تعداد الناجين المؤمنين سبعة عشر شخصاً وهلك الباقون بالطوفان لأنهم ما سمعوا من سيدنا نوح ولم يشاهدوا ربهم ولا الآخرة وما تذكَّروا عهدهم مع الله في الأزل، والذين نجوا كانوا آباءنا، آباء البشرية جميعاً.
بسم الله الرحمن الرحيم
سيدي الفاضل السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أرجو من حضرتكم الإجابة على الأسئلة التالية:
- ما معنى اسم سيدنا هارون؟
- ما صلة القرابة بين سيدنا هارون وسيدنا موسى هل هو أخوه من أمه وأبيه أم أنه هناك شرح آخر للآيات (142 و 150 و 151 من سورة الأعراف)؟
- أرجو ذكر لمحة عن سيرة سيدنا هارون قبل تكليفه وسيدنا موسى بالرسالة عند قوم فرعون وبعدها ولماذا لم يتعرضوا له بالمضايقات رغم أنه كان يقوم بالدعوة إلى الله فيهم؟
- أرجو بيان كيفية وفاة سيدنا هارون ومتى توفي؟
ولكم جزيل الشكر مع فائق التقدير والاحترام على ما تتحفوننا به من فيوضات علامتنا الكريم السيد محمد أمين شيخو قدس سره الرباني.
بتغير الأزمان تتغير معاني الألفاظ وتتبدل المفاهيم فالمستحسن في القديم ربَّما يختلف اليوم مفهومه فيصبح العكس.
فمثلاً: كلمة (خان) في زماننا هذا هو الإسطبل والحظيرة، ولكن في الحقيقة كلمة (خان) كانت تطلق على دور الضيافة، أي كانت بمعنى فندق والفنادق وُجِدَت قديماً قبل ظهور السيارة حيث كانت الدواب هي وسائل النقل فعلى كل مسافة 40-50كم يكون هنالك خانات (فنادق قديمة) أي: أماكن لراحة المسافرين وهذا الخان مكوّن من قسمين الأول الأرضي للدواب والخيول والثاني من أجل راحة المسافرين ونومهم وطعامهم، وكمثال على ذلك: خان الحرير وخان مرجان في بغداد وغيرها كثير، ولكن بعد ظهور السيارة لم يعد المسافرون يحتاجون للإقامة في هذه الفنادق (الخانات) والتي بقيت فقط للحيوانات فانحط لفظ الخان بعد أن كان محترماً، والآن أصبحت كلمة الخان كلمة مذمومة تطلق على الحظيرة فتغيرت المفاهيم بتغير الأزمنة.
وكذلك كلمة (هارون) كانت معظَّمة مبجَّلة حتى أن الملوك كهارون الرشيد يتشرفون ويتسمّون بكلمة هارون، فسيدنا هارون العظيم كان معظَّماً مبجَّلاً على ممر السنين والأجيال والأزمان عند بني إسرائيل، سيدنا موسى يعظمونه لمعجزاته أما سيدنا هارون يعظمونه لإرشاده، وقد كان هذا الرجل العظيم معلِّماً لسيدنا موسى عليه السلام وقد رقى رقياً عظيماً في حياته وسما سمواً كبيراً، فكان مرشداً وما زال يسمو حتى أصبح نبياً ثم علا علواً كبيراً فأصبح رسولاً نبياً، فالحقيقة أنه أصبح في منازل القرب من الله وبالفتوحات الربانية التي طرأت عليه. ولفظ كلمة هارون تعني: هام بما رأى بإيمانه من جلال وعظمة وجمال ربه أثناء سعيه، لقد رأى ما رأى من عظمة الله وجلاله ورحمته وكبريائه فبقي عظيماً عند بني إسرائيل وبقي نموذجاً للصلاح والعبادة وأسوةً للأبرار الأطهار، حتى قال بنو إسرائيل لأمنا العظيمة السيدة العذراء مريم عليها السلام العظيمة والمعروفة بالطهارة والتقوى بأنها أخت هذا الإنسان العظيم فعرَّف الناس بالله، فهذا الاسم اسم مديح ولكن تغير الأزمان يؤدي إلى تغير المفاهيم.
فلفظ كلمة هارون مأخوذة من هام بما رأى من أسماء ربه البهيَّة، وهال السحرة مقامه حينما اتقوا وشاهدوا عن طريقه ومع سيدنا موسى أراهم أيضاً أسماء الله وهالهم أيضاً وهاموا بربهم.
ثانياً: تسأل ما صلة القرابة بين سيدنا هارون وسيدنا موسى:
نقول ليس من الضروري أن يكون الأخ هو أخ النسب فقط لقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ..} سورة الحجرات: الآية (10). وهذه هي الأخوة الحقيقية التي اعترف عليها الله فجميع المؤمنين تآخوا فيما بينهم بالله وهذه الأخوة هي الدائمية وهي المعتمدة ولا تزول بزوال الدنيا، أما أخوة النسب فهي منقضية بانقضاء الدنيا، وقال تعالى عن المعرضين في الآخرة {..فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ} سورة المؤمنون: الآية (101). فسيدنا هارون أخو سيدنا موسى بالإيمان وفي الدعوة إلى الله إذ كانا على قلب واحد وفي طريق واحد، فهما أخوان بالصلاح والعبادة والطاعات والقرب من الله.
ومن المعروف أنه إذا اشترك شخصان في صفات متماثلة قالوا عنهما: أخوان فإذا ماثل شخص ما محمد علي كلاي بالقوة قالوا عنه أخو محمد علي كلاي.
والسيدة مريم عليها السلام قالوا عنها كما ورد في الآية: {يَا أُخْتَ هَارُونَ..} سورة مريم: الآية (28). أي: يا أخت هارون بالصلاح والعبادة والطاعات والتقوى رغم الزمن البعيد الذي ينوف على آلاف السنين بين عصر السيدة مريم وسيدنا هارون عليه السلام.
فإذن: اجتمع سيدنا هارون وسيدنا موسى على غاية واحدة وهدف واحد واشتركا في الطلب فكانا أخوين روحيين في تبليغ الرسالة وأخوة في الله فهناك شرح آخر لمعنى الأخوة في الآيات غير معنى أخوة النسب أما آية: {..يَا ابْنَ أُمَّ..} سورة طه: الآية (94): فكلمة (أم) مأخوذة لغوياً مشتقة من أمَّ يؤمُّ وسميت الأم أماً لأن الطفل يؤم إليها ويأوي إلى كنفها ويرتمي في أحضانها، كذلك بالرابطة النفسية الأخوية يَؤُمُّ قلب الأخ لأخيه ويغرف عن طريقه العلم والرحمة والشجاعة والكمالات عن طريق رابطته القلبية به ودوماً يؤمُّ قلبه لأخيه.
وهنا أيضاً سيدنا موسى وسيدنا هارون يؤمّان لطريق واحد ولدعوة واحدة، فهما أخوان في الله وسيدنا موسى قال كما ورد في الآية {قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} سورة المائدة: الآية (25). فسيدنا هارون وسيدنا موسى يسيران على نفس النهج ونفس الطريق ويؤمَّان لشيء واحد.
والسؤال لو كان سيدنا موسى أخاً لسيدنا هارون بالنسب، فلماذا لم تبعث أم موسى ابنها هارون "إن كان هذا حقاً" خلف أخيه سيدنا موسى عندما وضعته في الصندوق وألقت به في اليم لِمَ لمْ تبعث سيدنا هارون بل أرسلت أخته كما جاء في الآية {وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ..} سورة القصص: (11). أي تتبعيه أين يذهب الصندوق ومن يأخذه فتتبعي أخباره.
والأَوْلى أن يخرج الرجل ويلاحق الأخبار ولا تخرج الحريم، إن كان سيدنا هارون أخاً لسيدنا موسى بالنسب فالحقيقة ليس سيدنا هارون وسيدنا موسى أخوة بالنسب إنما هم أخوة بالله وبتبليغ الرسالة وفي الدعوة إلى الله. وهذه هي الأخوة الحقيقية.
ثالثاً: وتسأل عن سيرة سيدنا هارون قبل تكليفه بالرسالة وبعدها.
كان سيدنا هارون مؤمناً مشهوراً بالعبادة والصلاح وعرف بحسن الأخلاق ولطف الطباع والإنسانية والرحمة والسيرة الحسنة والكمالات التي فرضت احترامه على الجميع وسيرته الطيبة الحسنة وعَمِل في الإرشاد وتبليغ الدعوة، فكان مرشداً صالحاً وكان سيدنا موسى يحضر عنده الدروس الدينية فكان معلماً فاضلاً، ولم يكن يتدخل بالسياسة، فكان محترماً ليس عند بني إسرائيل فحسب بل عند آل فرعون أيضاً، لذلك كانوا يقرون بفضل سيدنا هارون وفضل سيدنا موسى وأخلاقهما الحميدة ومن ذلك أتت الآية الكريمة حيث قال آل فرعون: {..أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ} سورة المؤمنون: الآية (47). فسيدنا هارون وسيدنا موسى لم يكونا عابدين لآل فرعون ولم يتبعوهم ويسيروا خلفهم وآل فرعون يعرفون ذلك فاستثنوهم من عبادة فرعون بل وأقروا بفضلهما وبأنهما سادة إذ قالوا {..أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا..} وكلمة (مثلنا) دليل على اعتراف آل فرعون بشرفهما وعلو شمائلهما، أي: سادة مثلنا بالشأن والقيمة، أما قومهما فليسوا هكذا بل هم لنا عابدون.
هذه سيرة سيدنا هارون مثل سيرة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم قبل الرسالة الصادق الأمين اللطيف الطاهر. وكان نموذجاً للبر والطاعات والصلاح والعبادة وكان هذا الرجل العظيم معلماً لسيدنا موسى عليه السلام ولما صار سيدنا موسى نبياً، فكان هذا بصحيفة سيدنا هارون معلمه فرقي وسما سمواً كبيراً حتى أصبح نبياً ولما صار سيدنا موسى نبياً رسولاً كذلك علا سيدنا هارون علواً كبيراً فأصبح رسولاً نبياً فالحقيقة أنه في منازل القرب والسمو من جناب ربه جلَّ وعلا وبعد الرسالة تابع نفس السيرة الحميدة والاستقامة والصلاح والعبادة. حتى قدره بنو إسرائيل على ممر الأزمان والأجيال حتى عهد سيدنا عيسى عليه السلام حيث قالوا عن السيدة مريم العذراء كما ورد في الآية {يَا أُخْتَ هَارُونَ..} أي: يا أخت هارون بالعبادة والصلاح والبر والطاعات والتقوى.
وتسأل لماذا لم يتعرضوا له بالمضايقات رغم أنه كان يدعو إلى الله.
الجواب: قلنا أن سيدنا هارون لم يتدخل بالسياسة بل كان معروفاً بالصلاح والعبادة، لم يتدخل بشؤون الحكم، فلمْ يتعرضوا له بالمضايقات لأنه لم يتدخل في شؤونهم ولم يعارضهم ويواجههم لأن الله لم يكلفه بل كان ملتزماً بجماعته وتسليك المريدين وبنفسه ولا علاقة له بأمور الحكم والسياسة.
أما النقطة المهمة: فهي أن سيدنا هارون العظيم كان مستقيماً فمتى كان الإنسان مستقيماً فلا سلطان لمخلوق عليه وحاشا لله أن يسمح لأحد بالتسلط عليه وهذا قانون دائم السريان.
رابعاً: وتطلب بيان كيفية وفاة سيدنا هارون ومتى توفي.
يا أخي الكريم ألا يموت كل إنسان فالله قال لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ..} سورة الأنبياء: الآية (34). فتوفي سيدنا هارون حينما جاء أجله كوفاة باقي إخوانه الرسل والأنبياء وكل الناس.
سيدي الكريم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
والشكر الجزيل لكل من يقوم على هذا الموقع النافع سمعت أن سيدنا ذو القرنين هو نفسه سيدنا الخضر عليهما السلام فهل هذا صحيح وما الرابط بين القصتين الواردتين عنهما في القرآن الكريم؟ وشكراً لكم سيدي الفاضل.
عندما ذُكرت قصة العبد الصالح مع سيدنا موسى عليه السلام وكيف أن الله آتاه رحمة من عنده وعلَّمه من لدنه علماً، أي علمه إشراقي من الله مباشرة، وعلمه بمراد الله من فعله، وكيف أن سيدنا موسى العظيم نال دروساً بمراد الله من أفعاله على يد ذلك العبد لله الصالح "وهو الخضر عليه السلام كما يسمّيه الناس" وكانت جميع أفعاله ضمن إرادة الله ويطبق مراد الله من قتل الغلام إلى خرق السفينة إلى بناء الجدار، فكل أفعاله بإذن من الله عزّ وجلّ وبأمر منه تعالى.
فعندما ذُكِرَتْ تلك القصص في القرآن عن هذا الرجل الصالح العظيم تولّد عند الصحب الكرام الشوق للاطلاع على المزيد من أعماله العظام، وتاقت نفوسهم لمعرفة الكثير عن العظماء، إذ أصبحت طموحاتهم تتوافق مع طموحات العظماء من السادة الأنبياء والمرسلين، فذكر لهم ﷺ أن هذا العبد الصالح الذي كان يقوم بأعمال فردية ولمرضاة الله وضمن مراد الله مكّنه الله فيما بعد ورزقه فتح العالم بأسره ودانت له الأرض كلها من شرقها إلى غربها، وذلك عندما أرسل الله سيدنا موسى لفرعون ليؤمن بالله وتكون فتوحات العالم كلها على يديه، ولكنه لم يؤمن فحوَّلها الله وكتبها لبني إسرائيل شرط أن يؤمنوا مع سيدنا موسى {وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ..} سورة الأعراف: الآية (137).
ولكن وحيث أنهم رفضوا الجهاد المقدس عندما دعوا له وتقاعسوا عن القتال في سبيل الله بل قالوا: {..فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} سورة المائدة: الآية (24).
والأمور العالمية كلّها هيَّأها الله تعالى والوقت مناسب لهداية الأمم وإخراجهم من الظلمات إلى النور، عندئذٍ رأى سيدنا ذو القرنين ذلك ببصيرته النافذة فجمع حوله الشباب السالكين في الحق المؤمنين الحماسيين ونهض بهم لفتح العالم للنور والضياء وإخراجهم من العمى إلى البصيرة ومن الشقاء والآلام إلى السعادة والجنات، ورأى أن ذلك لا يكون إلا بحمل كتاب الله بيد والسيف باليد الأخرى، فمكّنه الله من طموحه ودانت له الأرض من شرقها إلى غربها.
لي سؤال لو تكرمتم حول أصحاب السيد المسيح عليه السلام "الحواريين" قال تعالى: {إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (112) قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (113) قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (114) قَالَ اللّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ الْعَالَمِينَ} [المائدة: 112-115].
أرجو التكرم بشرح مفصل لتلك الحادثة المذكورة في الآيات السابقة، مع توضيح النقاط التالية:
- هل كان الحواريون يظنون بالسيد المسيح على أنه رجل يمارس السحر، ومعجزاته عبارة عن تخييلات تتم عن طريق عالم الشياطين اللامادي؟ وذلك لأنهم طلبوا طعاماً مادياً أرادوا أن يأكلوا منه ويشبعوا ويطعموا أهليهم ليتأكدوا على أن الأمر ليس بخيالات وأعمال سحرية.
- كيف لم يشعروا بصدق معجزاته طالما أنها من الله عز وجل، ورغم أنهم كانوا يحاورونه ويناقشونه، وأعتقد أنهم اكتسبوا في نفوسهم عن طريق هذه المحاورة شيء من السيد المسيح وشعروا بحاله العالي وصدق كلامه عكس كلام السحرة وحالهم المنحط.
- هل يستطيع الساحر أن يبرئ الأكمه الذي لا ينطق، وهل يدوم حال كلامه لنهاية أجله، أم لفترة معينة.
- بالنسبة لإحياء الميت: كيف يتم ذلك؟ وهل يعود هذا الميت للحياة ثانية، أم مجرد حادثة تحدث لدقائق، ثم يعود الميت إلى قبره؟ وإذا كان الميت سيعود إلى قبره أفلا يظن من رآه أن حادثة الإحياء هذه كانت مجرد تخييلات؟!
- وإذا تشابهت معجزات الإلۤه العظيم مع أفعال السحرة، فكيف ستكون معجزات! وكيف سيميز الناس الحق من الباطل؟
أرجو من جنابكم الكريم التفضل بإجابتي عن هذه الأسئلة، علماً أني بحثت هذا الموضوع مع بعض الأخوة "جزاهم الله خيراً" ولكني لم أصل لقناعة كاملة... ولكم الشكر
أولاً: تسأل هل كان الحواريون يظنون بالسيد المسيح على أنه رجل يمارس السحر ومعجزاته عبارة عن تخييلات تتم عن طريق العوالم اللامادية من الشياطين؟
يا أخي: أليس الطير الذي سوّاه سيدنا عيسى ونفخ فيه فصار طيراً حقيقياً محسوساً ملموساً، فلو كان أنثى فهي تبيض ويخرج لها فراخ، أليس هذا مادي؟ هل هو خيالات حتى أنك تسأل أن الحواريين ظنّوه خيالاً لا مادي؟!
وعندما أبرأ الأكمه والأبرص وشفاهم شفاءً تامّاً ولم يعد المرض إليهم، أليس هذا مادي؟! ومن يظنّه سحر؟! إنه شفاء حقيقي محسوس ملموس لا خيالات حتى ظنوه سحراً يا أخي.
- هل إحياء الميت وإخراجه من قبله وذهابه إلى أهله وذويه وأصدقائه ومجالستهم والتكلم معهم، هل هذا كله سحر وتخييلات، أم وقع بشكل بادٍ ظاهرٍ مادي للعيان فهل هذا سحر وخيالات!...
كلا لم يظنوه سحراً لأن جميع هذه المعجزات قد وقعت ولمسوها وشاهدوها، فهل بعد العيان بيان وبعد اليقين ظنون؟!
إن من ظن الأمر أنه خيالات، فهذا مكذِّب وغير مصدِّق، أما الحواريون فهم مؤمنون ومن قال عنهم أنهم لم يصدِّقوا سيدنا عيسى وهم الذين آمنوا به وساروا معه وصاحبوه وناصروه، إذا لم يصدِّقوه فكيف ساروا معه ونشروا هديه في الامبراطورية الرومانية فيما بعد لو كان هذا ظنّهم، ومن ظن هذا الظن السوء بسيدنا عيسى إذ ذاك فهو كافر بدليل الآية قبلها: {..فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَـذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ} [المائدة: 110] عن معجزات سيدنا عيسى، أولئك عرفوا وحرفوا إذ جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم.
ثانياً: تسأل كيف لم يشعروا بصدق معجزاته طالما أنها من الله رغم أنهم كانوا يحاورونه ويناقشونه، وقد اكتسبوا في أنفسهم وشعروا بحاله العالي وصدق كلامه عكس كلام السحرة وحالهم المنحط.
نقول: بكلامك الذي تفضَّلت به وشرحت شرحاً عالياً وهو عين الصواب الذي لا يُعاب، وكلامك حق إذ تقول أنهم شعروا بحاله العالي وصدق كلامه فلم يظنُّوا أنه يمارس السحر بل حاوروه وناقشوه وسمعوا منه دلالة سامية وبياناً عالياً أذهلهم عن الوجود بمنطقه وبما جاءهم به من الله والذي لا تستطيع البشرية أن تأتي بأثر منه، فهذا البيان العالي أدهشهم وأخذ بألبابهم إكباراً وإعظاماً فلم يعودوا يعوا على ما حولهم فما كانوا عابئين ولا ملتفتين للمعجزات التي يطلبها الناس وغير مكترثين بما هو بنظر الناس عظيماً.
كانوا يناقشون سيدنا عيسى ويحاورونه وبالمنطق يسيرون معه حتى استكملوا دراستهم النظرية وبعد ذلك التفتوا للشيء العملي فطلبوا المائدة منه لإتمام إيمانهم بالعملي أيضاً، وكمثال على ذلك:
من درس في جامعة جميع مواده النظرية وبقي أمامه العمل بميدان الحياة وتطبيق العلم النظري بالعمل، ولا يُعد المهندس الميكانيكي ناجحاً إذا اقتصر بدراسته على المواد النظرية دون تطبيقها والعمل بها.
كذلك الحواريون بعد أن آمنوا مع سيدنا عيسى بالمنطق نظرياً بقي أمامهم التطبيق العملي، وما أن تحقَّق طلبهم حتى انطلقوا في مدارج القدس علواً وسمواً.
إذن: لم يطلب الحواريون المائدة ظنّاً منهم بسيدنا عيسى أنه ساحر، إنما كان طلبهم هذا مرحلة إيمانية عملية ثانية، أرادوها لأنفسهم.
- وتفضَّلت وقلت: هل يستطيع الساحر أن يبرئ الأكمه الذي لا ينطق؟
بالطبع لا يستطيع أبداً.
كذلك أنت يا أخي تبيِّن الصواب بكلامك حيث تفضَّلت وقلت أن الساحر يأتي بالخيالات عن طريق عالم الشياطين اللامادي وأعمالهم غير واقعية، ولكن إن تمَّ شفاء الأكمه والأبرص أليس هذا العمل مادي وقع ولمسه المريض ومن حوله ممن رأوا ذلك ولمسوه لمس البنان! أليس هذا العمل مشهوداً ملموساً.
إذن: فهذا العمل ليس سحراً ولو أن السحرة تستطيع أن تقوم بمثل هذه الأعمال إذن فلا حاجة للمستشفيات وللاستطبابات، والحقيقة أن الساحر لا يقوم بأي عمل فيه نفعٌ للناس وفائدة، ولا يخرج منه إلا الأذى والضرر، ولفهم هذا الموضوع أصدرنا كتاباً بعنوان: (كشف خفايا علوم السحرة)، فإن أردت الاستزادة اقرأ هذا الكتاب من مكاتب الشام تتضح لك حقيقة أعمال السحرة.
- أما عن سؤالك: هل يدوم حال كلام الأكمه الذي شفي على يد سيدنا عيسى؟
نقول: بلا شك حتماً تدوم جميع الشفاءات التي جرت على يد السيد المسيح عليه السلام، وكمثال على ذلك الشفاءات العديدة التي تمَّ شفاؤها بإذن الله عن طريق إجراء عملية الحجامة، تمَّ الشفاء بها من أمراض مستعصية، عجز الطب في أوج تقدِّمه عن شفاء حالة واحدة من هذه الحالات، كما هو الحال في أمراض الناعور والسرطان والشلل ومرض خلوصي بهجت و... ، وهؤلاء أصحاب هذه الأمراض المستعصية وغيرها تمَّ شفاؤهم بعملية الحجامة وفارقهم المرض ولم يعد إليهم أبداً، وهذه الشفاءات تعدُّ في عالم الطب معجزة بحق، وهؤلاء المرضى جميعهم شفوا ودام شفاؤهم.
إذن: سيدنا عيسى شفى الأكمه والأبرص ومن كلمة (يُبرئ): أي يشفي ولا يعود المرض إليه.
- أما بالنسبة لإحياء الميت: فالإحياء برهان وقد يعيش ويطول عيشه بعد إحيائه وقد يموت بعد ذلك فهذا ليس مشروطاً، فلطالما أراهم سيدنا عيسى هذه المعجزة واقتنعوا بها وأيقنوا، ولمسوها لمساً فما يهمّهم بعدها إن مات أو لم يمت!...
- وتسأل: أفلا يظن من رآه أن حادثة الإحياء هذه كانت مجرَّد تخييلات؟
نقول: أبعد الرؤية والشهود بالمحسوس الملموس ظنون وخيال؟!
أبعد العيان واليقين ريب وشك؟!
فإذا كان الميت الذي تمَّ إحياؤه خرج من قبره وتحدَّث مع أقاربه وأحبائه وأصدقائه وسامرهم وآنسهم وكلَّموه وسمعوه، أبعد كل ذلك من الذي يظنّها خيالات؟! أليسوا أهله ويعرفونه؟! ألم يروه ويتيقَّنوا منه أنه هو؟! هل إذا عاش أحد المقرَّبين لك بعد موته وسهر معك ليلة كاملة أو أكثر أو أقل وحدَّثته وحدَّثك، هل تقول بعد ذلك تخيّلات؟! حاشاك من ذلك.
- وتفضَّلت وسألت: إذا تشابهت معجزات الإلۤه العظيم مع أفعال السحرة فكيف ستكون بمعجزات! وكيف سيميِّز الناس الحق من الباطل؟
نقول: إن أفعال الإلۤه العظيم لا تشابه أفعال السحرة، لأن السحر خيال لا حقيقة وأفعال الإلۤه حقيقة لا خيال. فهل السحرة يستطيعون أن يأتوا ببعوضة ويمدّوها بالحياة، وهذا ما عجز عنه أطباء وعلماء هذا العصر الحضاري وقالوا إن الحياة كالزئبق تفرُّ من البنان.
استمع مباشرة:










