تأويل القرآن العظيم-المجلد الرابع
سلسلة تأويل القرآن العظيم
(أنوار التنزيل وحقائق التأويل)
المجلد الرابع
- للعلامة الإنساني الجليل محمد أمين شيخو قدس سره
- جمع وتحقيق: الأستاذ المربي عبد القادر يحيى الشهير بالديراني
لمحة عن الكتاب
لقد نهج العلاَّمة بالدين وتأويل القرآن العظيم منهجاً سامياً عليّاً، يسمو بالإنسان لأسمى حياة... لم يكن عليه من سبقه من الكتبة والمفسرين والعلماء السابقين، منهجاً يمكِّن أي إنسان أياً كان مستواه الإدراكي والثقافي أن يدركه بمستواه، ويسعد بمعانيه، ويعلم ساعتها كيف أن القرآن الكريم: {الۤر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ} سورة يونس، الآية (1). مجملاً ومفصلاً.
لتُعلم حقائق الآيات بدقائقها والمراد منها.
ونهضَ بالدعوة إلى الله فبرهن وأبان الحجج تترى.
كشفَ حقائق المذاهب والطرق الملتوية ودحضها بالمنطق والحجة، فخاطب الإنسان ونفسه، واستنهض تفكيره، وعرض نظام الأكوان وما فيها من إحكام في التسيير وإتقان في صنع الخلْق: من عظمةٍ للجبال.. هي بحقيقتها عظمة خالقها التي أضفاها عليها، ووسعة وعظمة للبحار والسموات أضفاها عليهما أيضاً الواسع العظيم جلَّ شأنه لتصل النفس الطالبة للإيمان لليقين بشهود عظمة الإلۤه ووسعته اللانهائية كما آمن وأيقن السابقون الأُول. إذ يأبى الله أن يترك هذا الإنسان المعرِض منغمساً في شهواته، متجرداً عن إنسانيته، مُعرضاً عن موئل الفضائل والمكرمات جلَّ كماله، ضائعاً لا يدرك خيراً من شر ولا حسناً من سيءِّ.
يرى تعاليم الإلۤه سجناً وقيداً لطاقاته وإمكانياته وحرِّيته، فأرسل له من يوقظ تفكيره، وينبهه إلى مغبة أمره وعظيم خسرانه، ليأخذ بيده إلى دار السلام حيث الرضى والمكرمات والسعادة والإكرام بالأمان.كل ذلك ليتوب الإنسان وينال المكرمات، ولكي لا يقول غداً وهو بالحسرات:
{.. يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا} سورة الفرقان، الآية 27.
باب التوبة والسعادة مفتوح، فالتوبة بالعجل قبل فوات الأمل.
الصيغ المتوفرة:
هذا الكتاب متوفر بعدة صيغ: كتاب إلكتروني، صوتي، وورقي
كتاب إلكتروني:
معلومات الكتاب الإلكتروني
- الكتاب الإلكتروني بصيغة PDF، ePUB.
- الكتاب الإلكتروني مجاني.
- روابط التحميل تظهر لكم بعد تقديم الطلب.
- الكتاب متوفر على منصات غوغل بلاي، أبل ستور، أمازون.

كتاب صوتي:
معلومات الكتاب الصوتي
- الكتاب الصوتي بصيغة MP3.
- الكتاب الصوتي مجاني.
- روابط التحميل تظهر لكم بعد تقديم الطلب.
- الكتاب متوفر بشكل صوتي ومجاني في موقعنا، ومتوفر أيضاً في مواقع الكتب الصوتية العالمية الشهيرة.

كتاب ورقي:
معلومات الكتاب الورقي
- الكتاب الورقي متوفر للشراء من موقع الأمازون وشركائه، في أنحاء العالم.

أسئلة متعلقة بتأويل القرآن الكريم
السلام عليكم ما تأويل قوله تعالى: {وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} الشعراء 219 . وشكراً
يقول تعالى في كتابه العزيز في سورة الشعراء: {الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ}: فحينما يقوم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قيام الليل ويقوم معه بالرابطة القلبية طائفة من المؤمنين. {وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ}: والآن لنأتي لشرح كلمة الساجدين: وهم الذين فكّروا في بدايتهم ورأوها، حتى تصاغرت نفوسهم وتنازلوا عن كبرهم، ورأوا أن العظمة كلها لله تعالى وأن الفضل والبر لا يأتي إلا منه، حيث أنهم كانوا قبل سجودهم في انقطاع عن ربهم وفي حجاب عن نور الله، وهذا الانقطاع والعمى سببه الكبر والشهوات، فعندما تخلّوا عن شهواتهم الغالية على نفوسهم وضحّوا بها لرضاء الله، وهي التي كانت حجابهم عن الله وجناته، وعندما رأوا بدايتهم، أي عادوا إلى ربهم وزال الحجاب بينهم وبين الله فعادوا إلى خلقهم الأول وتذكّروا عالم الأزل. (ابن آدم اطلبني تجدني فإن وجدتني وجدت كل شيء) فعندما شاهدوا الحضرة الإلۤهية، أي أسماء الله الحسنى، عندها تذكّروا الأزل وتذكّروا أنهم كانوا في الجنة، والآن رجعوا إلى الجنة هؤلاء الساجدين بعد أن غدوا في الجنة {..كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا ، خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا} سورة الكهف: الآية (107-108). لذلك قال صلى الله عليه وسلم لأصحابه ولنا لأن وظيفته صلى الله عليه وسلم باقية: (أعينوني على أنفسكم بكثرة السجود)، (وأقرب ما يكون العبد إلى ربه ساجداً). فكلما تنازلوا عن كبرهم وشاهدوا بدايتهم "أي بالأزل"، أي عادوا إلى جنتهم، كلما رقوا بالإقبال على الله لجنات أعلى وأعلى. إذن: فكل من ضحّى بالدنيا لرضاء الله فقد رفع الغطاء عن وجهه والتفت إلى ربه، فيأتي دور الرسول صلى الله عليه وسلم لإنارته برؤية الحياة الأزلية، أي الجنة التي كان بها، ويزيده جنات وجنات. فنفسه الشريفة صلى الله عليه وسلم دائماً تتقلّب لكل ساجدٍ تنازل عن شهواته لرضاء ربه، وبالتالي وهذه الشهوات كانت سبب عماه وتنازل عنها، فقد رجع إلى نوره وضيائه الذي كان معه بالأزل، والرسول صلى الله عليه وسلم هو سفير الله فهو يكشف له عن جنات أعلى وأعلى. فكن من الساجدين يستشفع بك محمد الأمين إلى الله، ويعرج بك بجنات ربك، وهذه الصحبة النفسية مع الرسول هي حقيقة الصلاة والشفاعة (والصلاة معراج المؤمن). أما المتكبر غير الساجد هذا لا يلتفت لا إلى الله ولا إلى رسوله، أما إن سعى للإيمان صادقاً، غدا من أهل التقوى، أي من الساجدين، وكل تقي ساجد، وكل ساجد تقي مستنير. هؤلاء صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل زمان ومكان. فالكون وآياته والموت وتأثيراته، جميع ذلك يقود طالب الإيمان ويوصله إلى الإيمان ويوصله إلى الإلۤه، فهنا يأتي دور الرسول لينقله إلى أسماء الله الحسنى وجناته العلى.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
سيدي الفاضل أدامكم الله ذخراً لنا وفتَح الله بصائرنا لتكونوا سراجنا المنير في دروبنا العاثرة المظلمة.
أما بعد:
سيدي الفاضل لدى قراءة القرآن يستطيع القارئ أن يلاحظ بأن ذكر الرسل والأنبياء الكرام صلوات الله عليهم أجمعين في القرآن الكريم يأتي تقريباً واضحاً صريحاً بأسمائهم الشريفة كالشمس في رابعة النهار، إلا ذكر سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لم يأتي ذكر اسمه الشريف إلا نادراً، حتى ليختلط الأمر على القارئ فيشعر في كثير من الأحيان بأن الكلام ليس عنه صلى الله عليه وسلم وخصوصاً عند ذكر معارضة قومه له وإنذارهم بالساعة، بالرغم من أن سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام لم يلقَ معارضة من قومه إلا في بداية الدعوة وبعدها فتح الله عليه فتحاً عظيماً، والأمثلة في القرآن الكريم كثيرة كسورة الأنعام و يونس وهود والرعد والفرقان والزخرف والدخان وغيرها.
فهل المقصود هو سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام وإن كان كذلك فلما يتوعَّد الله أحفاد أحفاد قومه المعارضون بالساعة ولا تزر وازرة وزر أخرى، ولما كثرة ذكر معارضة قومه له بالرغم من أن أكثرهم آمنوا فيما بعد، والحسنة تمحو السيئة. وإن لم يكن محمداً عليه الصلاة والسلام المقصود فمن يكون؟!
أدامكم الله سنداً وحافظاً لنا دنيا و برزخ وآخرة. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الأخ الفاضل حفظه المولى الكريم ... آمين
لو تذكَّرت معاني أوائل أحرف السور لعرفت مديح رسول الله من كتب العلامة، والله يكلِّمه وحده ويكلِّم المرسلين والأنبياء عن طريقه لعرفت أنه أسماهم وأعلاهم وهو الممدوح من الله أكثر منهم جميعاً فهو المقرَّب إليه تعالى وهم جميعاً من بعده بل لو عرفت أن الله آتاه السبع المثاني والقرآن العظيم فالله يتكلم معه ويكلِّمنا ويكلِّم الرسل والأنبياء من خلاله لعرفت شأنه العظيم صلى الله عليه وسلم.
ولو قرأت آية (81) من سورة الزخرف: {قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ} لأدركت أنه أسبقهم وأسماهم وأعلاهم، وبالحديث الشريف الذي أمره تعالى بالتحدُّث به: «آدم فمن دونه تحت لوائي» وبسورة النجم ألم تقرأها يا أخي!.. {وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى}: على العالمين.
وبالنسبة للشطر الثاني من سؤالك يا أخي:
أما طلب سيدنا إبراهيم صلى الله عليه وسلم الإمامية لذريته أجابه تعالى: {..لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} سورة البقرة (124). ولو كانوا أبناء أبناء أبنائه والظالم كإبن نبي الله نوح عليه السلام لم يقبله الله لظلمه.
وأنت يا أخي قلت المعارضين أي الكفرة أفلا يحذِّرهم الله بالساعة ليخافوا ويؤمنوا؟!
ألم يقل صلى الله عليه وسلم: «يا فاطمة ويا عباس عم رسول الله والله لا أغني عنكم من الله شيئاً..» فأين شفاعة الظلم المزعومة والتي لا أصل لها!
«لا يأتِني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم والله لا أغني عنكم من الله شيئاً»
قال تعالى في سورة الزمر (15): {قُلْ إِنِّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ}: بالمناسبة هو صلى الله عليه وسلم وحاشاه لا يشفع لنفسه إن عصا ولا لابنته ولا لعمِّه، فكيف بالمعارضين من أمته أحفاد الأحفاد الأحفاد؟!
على كلٍّ: لا نفرِّق بين أحدٍ من رسله.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيماً (53) إِن تُبْدُوا شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً} [الأحزاب: 53-54].
يرجى شرح التعاليم الواردة في الآية الكريمة السابقة.
في هذه الآيات العظيمة الكريمة تمَّ نقل المؤمنين من الجاهلية إلى الإسلام ومن الضلالة إلى الهدى، من العمى القلبي إلى البصيرة ومن الشقاء إلى النعيم والهناء وبتطبيق المؤمنين لهذه القوانين والنصائح الإلۤهية المفيدة سيَّدهم تعالى على الأمم.
إذن: كان العرب قبائل همجية لا نظام لهم ولا قانون لسيرهم، الفوضى تعمُّهم فلا تنشأ لهم دولة ولا حضارة يغيبون في جوف الصحاري لا مبادئ لديهم فجاء الإسلام ونظَّمهم وِفق نظامٍ ومبادئ ثابتة، وهذه الآية من الآيات الفاصلة التي فصلت بين العرب والجاهلية وبين الإسلام المتقدّم المنظَّم، ونظمت المسلمين قروناً، ففيها قوانين الحياة الاجتماعية الكاملة وقانون دخول البيوت والنظام الاجتماعي الإنساني الذي يورث المحبة بدل البغضاء، والتآخي والتآلف بدل العداء والتنافر، وبما يكفل السعادة للمجتمع الإنساني من النواحي الاجتماعية والراحة النفسية.
ومن المسلَّم به أن القانون الإلۤهي الذي يضعه الخالق عزَّ وجل يكفل سعادة الخلق عامَّة آحاداً وجماعات، صغاراً وكباراً نساءً ورجالاً، وفي كل زمان ومكان وعصر ومصر فجاءت الآية:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ..}: والطعام هنا ليس المقصود فيه ذلك الطعام المادي من مأكل ومشرب، فليس بيت النبي مطعم أو فندق، إنما المقصود بالطعام في الآية الكريمة الغذاء النفسي، فكما للجسم غذاء لديمومة الحياة، كذلك للنفس غذاء لتواصل الحياة القلبية وعدم الانقطاع عن الله، وهذا الغذاء تجده عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي مجالسه التي هي روضة من رياض الجنة، تُنال بها العلم والمعرفة والنعيم القلبي الذي يروي النفس رياً ويغنيها عن الدنيا الدنية وملذاتها وبهرجها الزائل المنقضي المحرَّم، فهذا الغذاء القلبي عند رسول الله دائمي لما بعد الحياة الدنيا وبه تنال الجنات والمكرمات وهو الغذاء الحقيقي الباقي للنفس.
والله يعلِّم المؤمنين آداب الدخول على بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالرسول لديه مشاغل وأعباء كبيرة، فلا يجوز الدخول إلى بيته إلا ضمن مواعيد محدَّدة ونظام وضمن الإذن والأدب، وهذا النظام لم يكن معروفاً عند العرب في الجاهلية حتى جاء الإسلام ونزلت هذه الآية الكريمة لتعلِّم المسلمين النظام في أيام أو أوقات الدروس النظامية، كساعة حضور درس الجمعة، ودرس قراءة القرآن وحفظه، ووقت كتابة دروس الوحي وغيرها، فبذا يهذِّب طباعهم ويشذِّب عاداتهم ويقوِّم الاعوجاج.
{..غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ..}: ليكن همّك الحقائق والعلم والمعرفة، ولا يكن نظرك إلى الصورة من أثاث البيت وبنائه وفرشه وزينته فهذه الأمور الشكلية والصور لا يعبأ بها إلا من خفَّت همَّته وضعفت عزيمته، أما أصحاب الطموح العالي، فهم ينظرون إلى اللب ويتركون القشور والسفاسف من الأمور، يفكرون ويعقلون ما يتلى عليهم من العبر والقصص النبوية والآيات.
{..وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا..}: للدروس، ضمن دعوة من قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وضمن الأنظمة المذكورة أعلاه للدروس.
{..فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا..}: أي إذا استفدت أنت ونلت مرادك وعثرت على غذائك القلبي وانتهت الدروس فافسح المجال لغيرك واترك المجال لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليتفرَّغ لشؤونه ومهامه الجسام الخاصة وأمور الأزواج والأبناء، فهو رحمة للعالمين قاطبة، ويؤسس لبناءٍ عظيم يدوم قروناً، فلديه من المشاغل الكثيرة، فلا تعرقل مسيرة الأمّة بجلوسك، كما لزوجاته رضي الله عنهن لكل واحدة يوم تتشرَّب به العلوم والمعرفة لتكون هادية لبنات جنسها من المؤمنات.
{..وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ..}: الرسول رحيم ولطيف وحليم يؤانسك ويلاطفك، من حنانه الشديد لا يتكلَّم بكلمة خشية أن يُجرَحَ أحدٌ أو ينفر فيهلك النافر.
{..إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ..}: هذا الشيء يثير عليه بسببك حفيظة زوجاته بحقهن، فالوقت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمين جداً والثانية لها قيمة، فلا تقتل وقت النبي فهذا يؤذيه، والرسول رحيم وحليم وحنون.
{..فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ..}: لا يقول لأحد انصرف خشية أن ينكسر خاطره، وبالتالي ينقطع عن رسول الله وبذلك يكون قد انقطع عن الله لأن رسول الله هو حبل الله المتين.
{..وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ..}: الله يبيِّن الحق ويضع النظام الكفيل بسعادة البشرية جمعاء أفراداً وأمماً ولتدوم السعادة قروناً.
{..وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ..}: هذا قول الله تعالى الذي هو أعلم بقوانين العباد وسبل خيرهم وهو المحب الرحيم بهم يأمرهم بالحجاب ويبيِّن حكمته لنساء الرسول صلى الله عليه وسلم اللواتي هنَّ قدوة لنساء المؤمنين ليتبعوهن بالحجاب.
فإذا وفد وافد لبيت رسول الله ولم يجد أحداً ولم يكن فيه سوى النساء بيَّن الله نظام الحديث أن يكون ضمن الحاجة، وأن يكون من وراء حجابٍ ساترٍ لمحاسن المرأة كلها فلا يتلوَّث القلب بجرثوم الشهوة المهلكة ويبقى من المرأة حديثها الذي هو من وراء حجاب، ويجب أن يكون الحديث جدياً للغاية وحازماً.
{..ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ..}: لطهارة القلب من أن يتلوَّث بجرثوم الشهوة في حال معاينة محاسن المرأة وجمالها، فالحجاب الغاية منه سلام القلب وطهارة النفس.
{..وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ..}: المؤمن لا يصدر منه هذا العمل الشنيع، المؤمن حريص أشد الحرص على عدم مضايقة النبي وإيذائه.
{..وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً..}: لا يجوز لأحد من المؤمنين أن يتزوّج إحدى نساء النبي من بعده، هذا لأن الزواج إنما هو رابطة نفسية كما في عقد القران: (زوَّجتك نفسي بنفسي لنفسك)، وبهذه الرابطة النفسية ينهض القوي بالضعيف إلى مدارج الإيمان، ويأخذ الرجل المؤمن بيد المرأة إلى الجنات ويشربها من مشربه العالي ويغدق عليها بما أنعم الله عليه من العطاءات والجنات، فهو شفيعها ليصل بها إلى رضاء الله والجنات، وهكذا صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم من زوجاته الطاهرات داعيات مرشدات لبنات جنسهن المؤمنات وأنقذهن من الظلمات إلى النور، فمن هو أسبق من رسول الله وأعلى منه حتى يأتي من بعده ويشرِّب أزواجه من التجليات الإلۤهية العظمى أكثر مما شرَّبهن رسول الله؟!...
طبعاً لا يوجد أحد أعلى وأعظم من رسول الله، والإسلام ليس فيه انخفاض بل دوماً علو وسمو ورفعة ولا يرضى بالتراجع، لذلك حُرِّم على المؤمنين الزواج من زوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعده تحريماً على التأبيد.
{..إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيماً}: مخالفته عظيمة جداً، فبعد أن كانت تأخذ من أعلى باب وأعظم نوال عن طريق سيد الرسل والأنبياء تنخفض مرتبتها وتأخذ من أحد المؤمنين!
هذا لا يرضى الله به أبداً. {..إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيماً}.
قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ..} ما هو اللسان هنا؟ هل يعني لغة الخطاب أم المحصول المعرفي للقوم ودرجتهم الحضارية ومخزونهم الثقافي؟
لسان قومه يعني كل ما ذكرت.
أولاً يأتي بلغتهم كما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم باللغة العربية {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ} سورة الشعراء: الآية (195):
كما كانوا بزمن سيدنا عيسى مخزونهم الثقافي ومحصولهم المعرفي ومتميزين في مجال الطب فأتاهم بما عجز طبهم عن الإتيان بمثله.
أما العرب مخزونهم الثقافي كله كان ببلاغة اللغة العربية، فأتاهم ببلاغة القرآن ما عجزوا عن الإتيان بسورة من مثله، كذلك بعهد سيدنا موسى كانوا متفوقين بالسحر فأتاهم بما عجز سحرهم عن الإتيان بمثله، ما أزهق علومهم السحرية بحيث عاد هؤلاء الأساطين عن سحرهم وساروا مع سيدنا موسى.
أما اللغة فمهما كانت، تُترَجَمُ معانيها إلى اللغة المناسبة لأن اللسان تُتَرجَمَ معانيه إلى كافة اللغات فيعمم.
حضرة الأستاذ الموقر
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
حفظكم الله ورعاكم.... آمين
ما المقصود في هذه الآيات الكريمة من ذكر الشياطين (التي يتبعها شهاب) و (وحفظ السموات من الشياطين) و (كيف تسترق السمع وعلى من؟؟) وما المقصود قوله تعالى (وجعلناها رجوماً للشياطين).
ولكم جزيل الشكر
تسأل ما المقصود من ذكر الشياطين في الآيات:
{وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (16) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (17) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ} سورة الحجر: الآية (16-18).
نقول: إن ترابط الآيات وأحكامها يبين لك المعنى والمراد بشكل واضح جلي: فالآيات السابقة من سورة الحجر تقول:
{وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ..} الآية (14): لو فتح الله على قلوبهم وأراهم الحقائق شهوداً عياناً وذلك دون سعي منهم ولا جدّ واجتهاد لما ثبت عليها بل لنكثوا وعادوا للمعارضة وذلك لأنه:
من أخذ البلاد بغير حربٍ هان عليه تسليم البلاد
فمهما رأى الإنسان ومهما ذاق من أحوال علوية، إن لم يكن قد دفع ثمنها هذه لا يثبت عليها بل يتراجع ويعود لكفره.
{..بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ} الآية (15): ظنوا ذلك سحراً.
إذن: الإيمان والسعي الذاتي والصدق بالطلب هو الأساس والأصل ومن دون الإيمان لا يصدق المرء بطريق الكمال، بل يتراجع وينكث يمشي خطوة إلى الأمام ويتراجع أخرى.
ما هو طريق الإيمان:
الذي لا تراجع بعده أبداً؟!. انظر في السماء، لذلك أورد تعالى هذه الآية لتسلك ما سلك أبوك إبراهيم إلى الإلۤه ولمشاهدة حضرة الله، بعدها ليس للشيطان عليك سبيل أبداً، يستطيع الشيطان أن يسلب من الإنسان كل شيء إلا الإيمان، قال تعالى: {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا..}: هذه فكر بها كي تصل للحق، هذا طريق الإيمان الحق، لا تتطلب المعجزات ورؤية الملائكة.
{..وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ}: الزينة لكي تراها وتستدل بها، فإن لم تفكر وتسير بهذا الطريق فلن تؤمن بلا إلۤه إلى الله ولن تحفظ من إغراءات شياطين الإنس والجن، هذا هو الطريق الإيماني الذي سلكه سيدنا إبراهيم عليه السلام وأهل الكهف وجميع المؤمنين فكروا بالسماء بالشمس بالقمر بالنجم حتى توصلوا للإلۤه.
{وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ}: فهم حفظوا بالإيمان عن طريق السماء من الشيطان فهذا الإيمان الراسخ الثابت الذي لا يخلّصُك أحدٌ إياه ولو اجتمعت جميع الشياطين، الذي آمن وسلك الطريق الذي سلكه سيدنا إبراهيم عليه السلام لا سلطان لهم عليه أبداً. قال تعالى: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} سورة النحل: الآية (99).
إذن: النظر في السماء سرعان ما يصل بك إلى الإيمان حيث لا مطمح للنفس بالشهوات فيها، فالشهوات المنحطة أرضية، فإن خاف المرء من معقبات الموت، ونظر في السماء مفكراً، لأوصلته للإيمان بالله تعالى الحق الذي لا رجوع بعده، أبداً لأن الإنسان هو الذي حصل عليه بذاته لذاته بسعيه، فهو الذي رأى الحق وعرف الحق وشاهد من الحق آيات، فلا سلطان للشيطان عليه أبداً، وقد عقّب تعالى عن الشيطان في محاولة ثانية يقوم فيها لاستراق السمع ليتكلم عن المغيبات وتقع فيتبعوه. ولكن هذه الخطوة الجريئة إنتحارية إن سلكوها حقاً واسترقوا الأوامر الإلۤهية اليومية التي يأمر الله بها الملائكة عندها يكون قد قضى على نفسه إذ يتبعه شهاب ثاقب ويحرقه.
السؤال الثاني: كيف يسترقون السمع وعلى من، بقوله تعالى: {إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ} سورة الحجر: الآية (18)؟
إذا صدق المرء في أي أمر وأصرّ عليه فإن الله يطلقه لما يريد ويمكنه من بلوغ ما أصرّ على طلبه.
وهؤلاء الشياطين أعوان السحرة والعرافين أرادوا أن يسترقوا السمع من الملأ الأعلى، حيث الملائكة هناك تأخذ الأوامر، وكيفية العمل مع العباد من عطاء أو حرمان وتقسيم الأرزاق أو حلول المصائب والبلاءات على قوم ما، فهؤلاء الشياطين يصعدون لهناك لكي يسترقوا السمع خلسة ومن ثم يفشوا الأسرار للكهنة الإنسيين والسحرة أعوانهم فيقوم هذا الساحر بإعلام الناس بأمور غيبية لا يعرفها أحد فيظن الناس به خيراً وهو عكس ذلك ويتبعوه فيوردهم موارد التهلكة وهذا ما لا يرضى به الله ولا يمكّن الشياطين منه لأن الله تعالى يقول: {..وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً} سورة الكهف: الآية (51). فهؤلاء الشياطين الذين يصعدون للملأ الأعلى لاستراق السمع من يسترق منهم يكون مصيره الموت المحتم، فيرسل الله له شهاب ويحرقه به وهذه الشهب كثيراً ما ترى لاسيما في القرى.
وتسأل: ما المقصود من قوله تعالى: {..وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِّلشَّيَاطِينِ..} سورة الملك: الآية (5)؟
أي: إن آمنت عن طريق السماء كما آمن سيدنا إبراهيم حفظت بالنور الإلۤهي من كل شيطان أن يدخل عليك وأن يكون له سلطان عليك، فبالإيمان عن طريق المصابيح التي في السماء حفظ من شر الشيطان، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى إن صعد هذا الشيطان الانتحاري واسترق السمع في الملأ الأعلى وأخذ أمراً من الأوامر التي تتلقاها الملائكة فإن الشهاب يلحق به ويتبعه حتى يدركه ليحرقه ويكون مصيره الموت الزؤام.
استمع مباشرة:










