تأويل سورة الفيل
سلسلة تأويل القرآن العظيم
(أنوار التنزيل وحقائق التأويل)
- للعلامة الإنساني الجليل محمد أمين شيخو قدس سره
- جمع وتحقيق: الأستاذ المربي عبد القادر يحيى الشهير بالديراني
لمحة عن الكتاب
بيان يتلوه بيان، ونصح وإرشاد يتلوه تحذير و وعيد... هذا لمن ابتعد وعن الحقّ حاد، وبشارة وترغيب يتلوه تحبيب وتمجيد، وهذا لمن سلك طريق الهداية الذي سنّته الرسل الكرام لأقوامها على مرّ العصور والأجيال.
هذا البيان الذي أجراه الله على قلب السيّد محمّد أمين شيخو "قدّس الله سرّه" بالنور بمعيّة وشفاعة سيّد الرسل الكرام سيّدنا محمّد ﷺ، وقد أفاض علينا بهذه المعاني العالية بدروسه أيّام الجُمَع مكلّلة بالنور والسعادة والحبور، تحمل الحقيقة من الله سبحانه وتعالى في طيّاتها، ألقاها على مسامع مريديه، ينقلون هذا العلم الذي آتاه الله إيّاه ولايكتمونه عملاً بقول رسول الله ﷺ وإرشاده
الصيغ المتوفرة:
هذا الكتاب متوفر بشكل: كتاب إلكتروني.
كتاب إلكتروني:
معلومات الكتاب الإلكتروني
- الكتاب الإلكتروني بصيغة PDF، ePUB.
- الكتاب الإلكتروني مجاني.
- روابط التحميل تظهر لكم بعد تقديم الطلب.
- الكتاب متوفر على منصات غوغل بلاي، أبل ستور، أمازون.

أسئلة متعلقة بتأويل القرآن الكريم
ما معنى أن سورة (يسٓ) هي قلب القرآن؟ وما السر فيها حتى يقرأها الناس على موتاهم في المقابر بعد دفن الميت؟ وهل قراءتها واجبة؟
1- ما معنى أن سورة "يسٓ": هي قلب القرآن؟ في مطلع سورة "يسٓ" يخصُّ الله تعالى حبيبه "رسول الله" بالنداء بـ {يـسٓ}: أي يا سالم، يا سليم من الشوائب والنواقص واصفاً إياه، يكشف كمالاته وهذه الصفات الكاملة التي خاطبه الله بها والقرآن الحكيم الذي لم يأتِ أحد بمثله متحدياً البشرية جمعاء، بل الإنس والجن ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً، هما حجتان دليلان كافيان على ممر الأزمان يشهدان أنك رسولي، يدلان أنه رسول من عند الله وسيره على الصراط المستقيم، فلم يصافح امرأة قط وما تاه عن الحق وما وقع في إثم حتى لُقِّبَ بالصادق والأمين، هذا السير كان سبباً لأن يتنزّل عليه القرآن الحكيم الذي لم يفهمه أحد مثل فهمه ولم يظهر الحكمة فيه إلا هو فصنع ما صنع، فكم وكم من نسخ للقرآن الكريم بين ظهراني المسلمين هل بلغوا شأوه أو أثراً من آثاره أو جاؤوا بمثله ولو اجتمعوا جميعاً. لا لم يبلغوا. فكم له من المقام العظيم عند الله تعالى؟! حتى أغدق عليه لطف كلامه."إنه حبيب الله". هذا وقد شمل مطلع هذه السورة صفات رسول الله وكمالاته وتأييد الله له برسالته وكلماته. {وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ}: وبهذا فقد حوى لبَّ القرآن، كما أن الحياة للقلوب لا تأتي إلا من الله عزَّ وجل عن طريق رسوله الكريم وكلامه العظيم فتحيى القلوب وينال المؤمن بها الجنات. هذا من جهة، ومن جهة أخرى: فإن موقع هذه السورة في أول الربع من المصحف الشريف كما أن القلب المادي يقع في الصدر في أول الربع الأعلى من الجسم، ومن المعروف "ربع يس" في ربع القرآن الذي يبدأ بسورة يس، إذن فهي في مكانها في القرآن كما هو موقع القلب بالبدن، فهي قلب القرآن.
2- ما السر فيها حتى يقرؤها الناس على موتاهم في المقابر بعد دفن الميت؟ الجواب: بما أن كلام الله هو الحياة للنفوس والقلوب فبعد الموت تفنى الأجسام وتبقى النفس، عدم لا يكون وليس هناك إلا الله ولا فائدة إلا منه سبحانه ولا يبقى هدىً وشفاءً إلا من كلامه الرحيم، قال تعالى في سورة فصلت (44): {..قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء..}: أي "القرآن" فعند قراءة هذه السورة الكريمة وبهذا الخطاب من الله عزّ وجل لرسوله الكريم يتحرك قلب المؤمن الكامل ممن حضر الدفن ولعل أحد أعزاء الميت وأحبائه وأهله يستفيد قلبه لدى سماعه هذه الآيات وهو بهذا الصفاء إثر تأثره بموت المتوفى فتنتقل الفائدة من هذا القلب إلى قلب المتوفى، وبهذا يتم النفع له وقد يدوم ما دام ذلك المتأثر بموته تائباً آيباً إذ كان سبباً في نقله من سبل الغواية إلى سبل الهداية ويبقى هذا الخير بصحيفة المتوفى أيضاً.
3- هل قراءتها واجبة؟ الجواب: طالما أنها قد تفيد المتوفى، فحتماً تجب قراءتها إن أمكن. كان صلى الله عليه وسلم ينظر بنظرات النبي في قومه فلا يجد لديهم أي طلب للحق ولا تطلُّب فما يأمل ولا يظن بتنزيل كلام الحق عليه لهم وكانت نظرات النبوة في محلها، مضت 13 سنة بمكة ولم يؤمنوا بل حاربوا الحق وعاندوه للموت، وكانوا قد حاولوا قتله وهيهات، وغير المتوقع الذرية والشباب الذين آمنوا فضلاً من الله العظيم وكرماً. قال تعالى: {وَمَا كُنتَ تَرْجُو أَن يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ..} سورة القصص (86). وكافة كبار قومه قتلوا في معركة بدر وغيرها وهم الذين أنكروا رسالته ولكن الله الرحيم العظيم شهد بسورة "يس" برسالته بالأدلة الواقعية المحسوسة الملموسة وهي أخلاقه الحسنى وكلامه تعالى إليه، فهو يفهمه لا سواه وكفى بالله شهيداً. وصدق الله العظيم.
ورد في كتاب محمد أمين شيخو يرد على معارضيه تحت عنوان المس المعنوي وأخطؤوه ص129 أن المس في القرآن لا يأتي إلا بالشكل المعنوي. لكن الله تعالى يقول في كتابه العزيز: {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنُّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ مَتَاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُحْسِنِينَ} البقرة 236 نلاحظ معنى ((لَمْ تَمَسُّوهُنُّ)) يقصد به لم تجامعوهن وهو معنى مادي.. وهناك عدة أمثلة وردت في القرآن الكريم بالمعنى المادي.
الرجاء التوضيح.
للزواج بالإسلام معنى سامٍ إنساني رحيم، بلغه صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم و من تابعهم بإحسان، فحين يعقد الزوج المؤمن التقي المصاحب بنفسه للسراج المنير صلى الله عليه وسلم، فهو يبغي إخراج زوجه من الظلمات إلى النور وإنقاذ هذه النفس إلى عوالم السماء النورانية، بالعروج بنفسها إلى الله وإنارة نفسها دنيا وبرزخ وآخرة. فعند التصميم على الزواج وعقد العقد أو دفع المهر، عندها يتجه بنفسه المستنيرة بنور الحبيب صلى الله عليه وسلم الموصل لنور الله إلى نفسها فينيرها ويسمو بها عروجاً إلى حضرة الله (وهذا هو المس الشريف النوراني) يحدث ذلك نفسياً قبل المواقعة اللمسية المادية عندها يُدخل السعادة على قلبها لتتحد النفسان برابطة شريفة ويسموان (وهداية نفس خير مما طلعت عليه الشمس) كما بين حبيبنا صلى الله عليه وسلم. ولا تنس يا أخي لفظ عقد الزواج بأن القصد نفسي لا مادي "رطلي لحم". إذ العقد؛ قول الزوج: زوّجتكِ نفسي بنفسي إلى نفسكِ.
وتجيبه بذاتها أو بوكيل "وليّ أمرها": زوّجتكَ نفسي بنفسي إلى نفسِكَ على صداق قدره كذا وكذا.
فالزواج بالإسلام كله سموّ وخير وديمومة بصحبة نفسية دنيا وآخرة لينجيها من ظلام الموت، لذا وردت الآية بالمسّ فكل مؤمن تقي إنسان: بإيمانه استأنس بالله منبع الخير وبه يستأنس كل مخلوق. خلع بإيمانه ثوب الحيوانية الشهوانية الأنانية ولبس ثوب الإنسانية.
قال الله تعالى: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً}
بسم الله الرحمن الرحيم
{مُّحَمَّدٌ..}: معنى اسم محمد ﷺ أي كامل الأوصاف جامع للكمال الصوري والمعنوي ولا شائبة فيه.
{..رَّسُولُ اللَّهِ..}: هذه الآية تبيِّن أن رسول الله ظهر وانتصر، الآن ظهر ولم يظهر بمكة "يا من بالمدينة المنوَّرة أظهرك الله".
{..وَالَّذِينَ مَعَهُ..}: كل من آمن وارتبطت نفسه بنفسه ﷺ وبكل زمان ومكان وليس فقط على الصحب الكرام.
{..أَشِدَّاءُ..}: المؤمن قبل رابطته برسول الله لا يستطيع ولا يحق له الشد على غيره خوفاً من الخطأ والظلم، بعد الرابطة يحق له أن يشد ويهد على غيره لأنه صار بالنور، بقلبه رحمة وحنان ويستطيع علاج غيره.
{..عَلَى الْكُفَّارِ..}: من رحمتهم بهم ليردُّوهم إلى الحق والسعادة والجنات، وهذه الغاية من القتال والشدة على الكفار.
{..رُحَمَاء بَيْنَهُمْ..}: هذه علامتهم لا يختلفون مع بعضهم، على العكس الكل يُجل ويحترم ويخدم الآخر، لأن الخلاف من الشيطان والشيطان لا سبيل له على المؤمنين الذين هم مع رسول الله ﷺ، قال تعالى: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} سورة النحل (99).
{..رُحَمَاء بَيْنَهُمْ..}: وهذه الآية الكريمة تنفي الخلاف بين سيدنا عمر بن الخطاب مع سيدنا خالد بن الوليد ولو كان هناك خلاف بينهما لرجع خالد وانقلب على سيدنا عمر حيث الجيش كله بيده، ولا يُعقل أن يتصارع طفل له من العمر ثمانية أعوام مع شاب عمره ثمانية عشر عاماً ويصرعه وهذه القصة اختلاق.
كذلك هذه الآية تنفي خلاف معاوية بن أبي سفيان مع سيدنا علي بن أبي طالب والرسول ﷺ قال: «اختلاف أمتي خير» لذا قال ﷺ: «إذا ذُكرَ أصحابي فأمسكوا» لأنهم كما قال: «حكماء علماء كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء» ويفهم على سياستهم من كان في مرتبة الصحابة في التقوى وما دون ذلك يخطئون فهمهم فلا يجب الخوض بالخطأ عنهم وكما أمرنا تعالى: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} سورة البقرة (134). أو لا تتحدَّث عنهم هكذا لا يأمرنا الله إلا بالخير.
مثلهم كمثل اختلاف الليل مع النهار، وكاختلاف الشتاء مع الصيف وما ينتج عن هذا الاختلاف من مواسم فهو لخير، فهم الذين اختلقُوا الخلاف مع بعضهم للخير ولدفع مركبة الإسلام، وهكذا كل مؤمن يكون في قلبه العطف على إخوانه. والله أصدق القائلين فهو أصدق ممن اتَّهم المؤمنين بالاختلاف على الدنيا ومناصبها وهم قد طلَّقوا الدنيا وغدوا مع أهل السموات ولا يسمح للفتن بالعبور إليهم.
{..تَرَاهُمْ..}: يا محمد ﷺ. {..رُكَّعاً سُجَّداً..}: طائعين طالبين الفضل من الله لهم ولغيرهم لذلك قاموا يدلُّون الناس على الحق وعلى الإيمان فخرجوا لفتوح العراق والشام من نير استعمار البيزنطيين وعبَّاد النار وكل هذا بمعية رسول الله ﷺ، فهو بملاحظة قلبيةٍ لهم ومشاهد أعمالهم وأحوالهم وراضٍ عنهم لأن الله رضي عنهم بالقرآن الكريم.
{..يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ..}: غايتهم هداية الخلق وليس جمع المال، فتحوا العالم بالتجارة أكثر من السيف أي بالمعاملة الإنسانية، كان هدفهم الاجتماع مع الناس ودلالتهم على الله وهدايتهم لذلك عملوا بالتجارة.
{..وَرِضْوَاناً..}: طلبهم بأعمالهم هذه رضاء الله عنهم وإقام الصلاة لنفوسهم ولغيرهم، وبهذا رضي الله عنهم.
{..سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم..}: عندما يتكلم الله ويتكلم رسوله ﷺ فهم يتكلمون عن القلوب لا على الأجساد «إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم».
{..سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم..}: أي نفوسهم، نفوسهم دائماً متوجهة إلى الله سبحانه وهم بالنور وبشهود لأسمائه تعالى الحسنى لأنهم بمعية رسول الله ﷺ أي قلوبهم لامعة مشرقة، نور في وجوههم.
{..مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ..}: كل هذا لأنهم آمنوا وعملوا صالحاً، آمنوا بالبداية شاهدت أنفسهم أنهم ما كانوا شيئاً كانوا نطفة والله خلقهم منها وكل شيء منه سبحانه لذلك تنازلوا عن العُجب بنفوسهم وتخلُّوا عن ذاتهم لله ورسوله.
{..ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ..}: لقد بين التوراة والإنجيل مثلهم، كالأسباط إخوة سيدنا يوسف ﷺ، وكذلك الحواريين الذين حاوروا سيدنا عيسى وآمنوا به ﷺ، وكذلك جماعة سيدنا داوود، كل هؤلاء اتقوا وكان طلبهم هداية الناس فالمدرسة مفتوحة وهناك طلاب والمعلمين والأساتذة موجودين بكل زمان.
"ولكن من الذي أوصلهم لهذا الكمال وكيف وصلوا"؟
{..كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ..}: هؤلاء المؤمنين اجتمعوا مع رسول الله وسمعوا بيانه ودلالته فعرفوا أن الدنيا من مال وجاه وولد وزوجة وشهوات هي الحجاب بينهم وبين الله سبحانه وأنها السبب في انقطاعهم عن حضرة الله، فكَّروا وأخرجوا الشطأ من نفوسهم أي الدنيا وشهواتها، الشطأ من الشطن وهو البعد والوطء وهو الدوس والدعس، فالدنيا وشهواتها أبعدت نفوسهم عن حضرة الله وقطعتها عنه لذلك دعسوا عليها عندما فكروا، قالوا ما الذي قطعنا عن الله؟ نظروا فرأوا أن الشيء المحبَّب على أنفسهم من الشهوات هو الذي قطعهم فضحُّوا به ورموه.
فبالتفكير ينبت الإيمان بالقلب. {لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ} سورة آل عمران (92).
إذا ضحَّى الإنسان بالدنيا وفكَّر وآمن هنا يأتي دور رسول الله ﷺ وعمله مع هذا المؤمن. {..فَآزَرَهُ..}: آزر رسول الله ﷺ هذا المؤمن، آزر هذا الإيمان محبةُ رسول الله والدخول بمعيته على الله.
{..فَاسْتَغْلَظَ..}: قوي هذا المؤمن، والله سبحانه قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} سورة التوبة (123).
الغصن إن كان ضعيفاً ينكسر إذا كبر واستغلظ متن ولا ينكسر، كذلك الإيمان بالنفس يكون فيه الإنسان بالبدء مثل الطفل بعدها صِبا بعدها سن الرشاد والقوة.
{..فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ..}: نضج، تعهَّده الزارع فكبر فبتعهُّد رسول الله لهذا المؤمن ينضج المؤمن على ما يسوقه الله له من أعمال عالية نتائجها النور والإقبال عن طريق رسول الله ﷺ.
{..يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ..}: محمد صلوات الله عليه وكل الرسل والأنبياء.
{..لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ..}: يُفشل خطط الكفار ويحبط مساعيهم ونواياهم الخبيثة وكل هذا ليرجعوا إلى الحق والسعادة أي مثل المؤمن كحبة قمح نبتت فتعهَّدها الزرَّاع فغلظ سوقها ثم أنبتت سنابل وكذلك رسول الله فقد غرس في نفوس المؤمنين بذور الإيمان فنبتت وتفرَّع المؤمنين وكثروا مما يُعجب الرسول ويسرُّه ويغيظ الكفار ويؤلمهم.
{..وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا..}: هذا الوعد لكل المؤمنين بكل زمان ومكان.
{..وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ..}: المؤمن يعمل صالحاً ويبحث عنه لأنه يعلم أنه سببٌ للإقبال على الله.
{..مِنْهُم..}: كل الذين آمنوا من بعد الصحب الكرام بصحائفهم ولهم على إيمانهم أجر فهم الذين فتحوا البلاد ونشروا الإسلام وكانوا سبباً في هداية المؤمنين.
{..مَّغْفِرَةً..}: كل شيء فعلوه بالجاهلية غفره الله لهم بالنور وشفيت نفوسهم منه.
{..وَأَجْراً عَظِيماً}: وأجراً عظيماً: صاروا كالأنبياء نفوسهم شموس من شدة الأنوار التي يصبُّها الله عليهم حتى شمل هذا الأجر أجسادهم فلقد حرَّم الله على الأرض أن تأكلها أجراً لهم والكل بصحائفهم ولهم من إيمانهم أجراً عظيماً.
والحمد لله رب العالمين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
السيد المربي الفاضل أدامكم وحفظكم الله أرجو من حضرتكم الكريمة شرح وبيان معنى الآيات التالية من سورة المرسلات: من الآية 29 إلى الآية 33.
وجزاكم الله عنا وعن المسلمين كل خير.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
29- {انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ}: هؤلاء في الدنيا كانوا ببعد عن الله عزَّ وجلّ، لاهين ساهين بالدنيا وشهواتها، فهذا انشغل بالمال والجمع والمنع وذلك بالجاه والحكم والملك، وآخر بالنساء وغيره بالبنين، إلى ما هنالك من شهوات الدنيا التي تحجب النفس عن منبع النور وعن الله عزَّ وجلّ، وهي سبب التكذيب. والآن في الآخرة يُقال لهم: انظروا أعمالكم وبناءكم وتلك مشتهياتكم التي طالما عصيتم الله من أجلها والتي كان هواكم فيها، وكانت سبب خسارتكم جنات ربِّكم، انظروا إلى خزيكم وعاركم وأعمالكم المنحطة التي عادت عليكم بالأذى والشر وعلى البشرية كلها.
عندها يلبسهم حالٌ فظيع من الخزي والعار والخجل ولا يجدوا للخلاص من سبيل، عندها يُقال لهم:
30- {انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ..}: شيء يحجب عنكم هذه الحالة الجهنمية حالة اللوم والعار والخزي. {..ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ}: كل واحد بحسب درجته: (منافق، فاسق، كافر)، ثلاث شعب للمداواة كلٌّ حسب درجته الجهنمية يكون علاجه بالنار، ولكن هذه النار:
31- {لَا ظَلِيلٍ..}: لا تنقذهم ولا تشفيهم، بل تحرقهم فتحوِّلهم عن حالهم الأشد حرقاً من النار، إذن: النار تجدي ولكنها لا تشفي.
ما في غير ظلّ الله هو الذي يشفي، ويبدلهم بدل ألمهم ومرضهم جنات عليّة تنسيهم كل شيء مخزي ومؤلم، يغيبون بجنان النعيم عن أحوالهم. أما النار لا يرون فيها سوى الألم والعذاب.
{لَا ظَلِيلٍ..}: كل ما كانوا ينعمون به في الدنيا من أموال وفيرة وجاه عريض، لا تقرّبهم من الله بل تحجبهم، هذه النار لا ترجعهم إلى ظلِّ الله الذي فيه الجنّات والنعيم، ولا ينعمون بالتجلّيات الإلۤهية، إذ لا ظلَّ إلا ظلّه تعالى وتجلّياته العليَّة السنيّة هذه التي تجدي وتشفي، أما هذا المعرض يلقي بنفسه في النار كالمستجير من الرمضاء.
{..وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ}: مهما حاول الخروج منها يعود إليها صاغراً، يرجع لهذا اللهيب، يرجع للنار وحريقها الملهب.
32- {إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ}: النفس المجرمة وعللها ولهيبها وحريقها يحيط فيها من كل جانب وبكميات كبيرة كالقصر: يحيط فيهم من كل جانب. (تَرْمِي بِشَرَرٍ): يخرج من صدورهم وهو هذا اللهب من الشرور التي كسبوها في حياتهم الدنيا محيطاً فيهم.
اقتصروا على هذه الحالة، أعمالهم تتراءى أمامهم وهم يحترقون فيها.
33- {كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ}: الجمل المريض إذا هاج يصبح مرعباً، وهؤلاء أيضاً شبَّههم تعالى بالجمل الهائج من جرّاء أحوالهم المرعبة الفظيعة التي لا تطاق، وهو يتخبَّط بها خبط عشواء، الله تعالى يقول: {..فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ} سورة البقرة: الآية (175): ما هذا الشيء الذي جعلهم يصبرون على النار؟! ما أعظم آلامهم النفسية وأمراضهم القلبية التي تجعلهم في هيجان وذعر! حتّى يقبل أن يُلقي بنفسه في النار (نار الله الموقدة).
سيدي الفاضل كيف نستطيع أن نفهم بعض الآيات في القرآن الكريم جاءت بصيغة الماضي في نفس الوقت هي تتكلم عن أحوال يوم القيامة، مثال (ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون).
هل نفخ بالصور أم سينفخ بالمستقبل؟! وهناك الكثير الكثير من الآيات. وتقبلوا خالص احترامي
ونفخ في الصور إذ ذاك أي: يوم القيامة للحديث عنه وهاك أحداثه ومشاهداته يقول لنا تعالى. ذلك يا أخي إن القرآن الكريم أحداثه مشهودة فعندما يذكر تعالى أحداث الآخرة فالأتقياء المستنيرون بنور الله عن طريق رسول الله يشاهدون ما يُتلى عليهم شهوداً حقيقياً {.. وقُرآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً} سورة الإسراء: الآية (78): مشهوداً لرسول الله صلى الله عليه وسلم للمؤمنين الذين ارتبطوا به قلبياً.
ومثال على ذلك: السحرة الذين قدَّروا وعظموا سيدنا موسى عليه السلام لعمله الذي قضى على علمهم فالتفتوا بقلوبهم إليه وشاهدوا بنور الله عن طريق رسوله شاهدوا أحوال أهل الجنة وأحوال أهل النار فتكلموا عن الآخرة عن شهود منهم إذ شاهدوا وقالوا: {إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيى ، وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى ، جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء مَن تَزَكَّى} سورة طه: الآية (74-76).
فهؤلاء شاهدوا أحوال يوم القيامة وتكلموا عنها فأصبحت عندهم أمراً حاصلاً وانقضى.
إذن: بالنسبة لهم (نفخ في الصور) وحصل وانتهى والقرآن كله مشهود والماضي والمستقبل كله بيد الله وحاصل لمن يؤمن بالآخرة، إذن الإيمان شهود يقيني فوق الزمان والمكان.











