تأويل القرآن العظيم-المجلد السادس
سلسلة تأويل القرآن العظيم
(أنوار التنزيل وحقائق التأويل)
المجلد السادس
- للعلامة الإنساني الجليل محمد أمين شيخو قدس سره
- جمع وتحقيق: الأستاذ المربي عبد القادر يحيى الشهير بالديراني
لمحة عن الكتاب
لقد نهج العلاَّمة بالدين وتأويل القرآن العظيم منهجاً سامياً عليّاً، يسمو بالإنسان لأسمى حياة... لم يكن عليه من سبقه من الكتبة والمفسرين والعلماء السابقين، منهجاً يمكِّن أي إنسان أياً كان مستواه الإدراكي والثقافي أن يدركه بمستواه، ويسعد بمعانيه، ويعلم ساعتها كيف أن القرآن الكريم: {الۤر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ} سورة يونس، الآية (1). مجملاً ومفصلاً.
لتُعلم حقائق الآيات بدقائقها والمراد منها.
ونهضَ بالدعوة إلى الله فبرهن وأبان الحجج تترى.
كشفَ حقائق المذاهب والطرق الملتوية ودحضها بالمنطق والحجة، فخاطب الإنسان ونفسه، واستنهض تفكيره، وعرض نظام الأكوان وما فيها من إحكام في التسيير وإتقان في صنع الخلْق: من عظمةٍ للجبال.. هي بحقيقتها عظمة خالقها التي أضفاها عليها، ووسعة وعظمة للبحار والسموات أضفاها عليهما أيضاً الواسع العظيم جلَّ شأنه لتصل النفس الطالبة للإيمان لليقين بشهود عظمة الإلۤه ووسعته اللانهائية كما آمن وأيقن السابقون الأُول. إذ يأبى الله أن يترك هذا الإنسان المعرِض منغمساً في شهواته، متجرداً عن إنسانيته، مُعرضاً عن موئل الفضائل والمكرمات جلَّ كماله، ضائعاً لا يدرك خيراً من شر ولا حسناً من سيءِّ.
يرى تعاليم الإلۤه سجناً وقيداً لطاقاته وإمكانياته وحرِّيته، فأرسل له من يوقظ تفكيره، وينبهه إلى مغبة أمره وعظيم خسرانه، ليأخذ بيده إلى دار السلام حيث الرضى والمكرمات والسعادة والإكرام بالأمان.كل ذلك ليتوب الإنسان وينال المكرمات، ولكي لا يقول غداً وهو بالحسرات:
{.. يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا} سورة الفرقان، الآية 27.
باب التوبة والسعادة مفتوح، فالتوبة بالعجل قبل فوات الأمل.
الصيغ المتوفرة:
هذا الكتاب متوفر بشكل: كتاب إلكتروني.
كتاب إلكتروني:
معلومات الكتاب الإلكتروني
- الكتاب الإلكتروني بصيغة PDF، ePUB.
- الكتاب الإلكتروني مجاني.
- روابط التحميل تظهر لكم بعد تقديم الطلب.
- الكتاب متوفر على منصات غوغل بلاي، أبل ستور، أمازون.

أسئلة متعلقة بتأويل القرآن الكريم
السلام عليكم ما الفرق بين اللوائح والتوراة؟ الوارد ذكرها في القرآن الكريم؟
عفواً لقد ذكر تعالى الألواح لا اللوائح والتوراة.
التوراة: هو الكتاب السماوي الذي نزل على قلب سيدنا موسى عليه السلام برمضان وطُبعت في نفسه الشريفة حقائقه من الله ومشاهداته وظهرت للصادقين، ومعنى لفظ التوراة: أي على التو رأى معانيها وشاهد أسماء الله الحسنى بالصدق، أي متى توجه المؤمن تجاه سيدنا موسى عليه السلام أو أي رسول وقدّره وعظّمه أو تعلقت بهذا الرسول نفسه رأى من الحقائق المطبوعة في نفسه أنها كلها ضمن الحكمة ورأى عظمة الله وجلاله... وذلك بلحظة وعلى التو بالتقدير وكمثال على ذلك السحرة الذين رأوا الآخرة وأحوال أهل الجنة وأحوال أهل النار بلمح البصر وبمجرد تقديرهم لرسول الله سيدنا موسى عليه السلام.
أما الألواح: أي ما لاح في نفسه الشريفة من آيات وسور يوماً بعد يوم وسورة بعد سورة وآية إثر آية، فهي قضايا وحقائق تلوح على ألواح صدره الشريف وبجمعها كلها تتم التوراة وهي كالقرآن كلام الله وبيانه العظيم. التوراة هي معاني كلام الله وحدوده وطريق سير البشرية والحياة لنوال الجنات والمكرمات انطبعت في ألواح صدره الشريف في هذه الدنيا.
سيدي الفاضل لو سمحت أريد تفسير الآية من 60 إلى 65 والآية من 92 إلى 95 من سورة الكهف وجزاكم الله خيراً.
60- {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ..} فلماذا وردت هذه الآية، قال تعالى كما رأينا: أبصر به: أرهم ملكي. وأسمع: أسمعهم بحناني. كان سيدنا موسى قد دعا على فرعون بقوله: ((وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ..))! ((..رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ ، قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ)) سورة يونس: الآية (88-89).
فلما دعا سيدنا موسى بهذا أمره الله بالذهاب لمجمع البحرين وهنالك تجتمع بعبد علّمه تعالى من لدنه علماً يدلّك على عنايتي بعبادي وحكمتي بخلقي.
فقال لفتاه: {..لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا}: طول دهري، عمري كله. وهكذا الصادق يطلب العلم ولو بالصين، العلم هذا العلم: معرفة مراد الله في خلقه.
61- {فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا..}: لما وصلا لهذا الموضع نسي فتاهُ الحوتَ. لما قاما وثب الحوت وصار في البحر فرآه الفتى ولم يره سيدنا موسى، وكان الله تعالى قد بيّن لموسى صلى الله عليه وسلم أنه سيجعل له علامة على الموضع {..فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا}: أحيي الحوت ونزل إلى البحر، سرب الحوت في البحر.
62- {فَلَمَّا جَاوَزَا..} موسى عليه السلام وفتاه عن الموضع المطلوب {..قَالَ لِفَتَاهُ آَتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا}: تعباً.
63- {قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ..}: أن أذكر لك الحوت "أن أذكر لك قصته" {..وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ..} أن أذكر لك القصة {..وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا} ولكن عجباً كيف سرب!
عجباً: متعجباً من نسيانه وكيف دخل عليه الشيطان.
64- {قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ..}: وكان تعالى أخبره من قبل أن هذه علامة المكان الذي سيوجد فيه العبد. (ذلك ما كنا نبغ): هذا النسيان.
{..فَارْتَدَّا عَلَى آَثَارِهِمَا قَصَصًا}: رجع بعد أن وجد ما أخبره الله من آية. فرجعا على نفس الطريق يقصَّان أثره.
65- {فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا..} وهو الخضر صلى الله عليه وسلم.
{..آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا}: غير علم سيدنا موسى عليه السلام، سيدنا موسى علمه علم التشريع دلالة الخلق على الله. هذا العبد الصالح علمه غدا بمراد الله من فعله.
92- {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا}.
93- {حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا..}: وصل إلى أمة الصين التي كانت في ذلك العصر في أوج الحضارة والفساد والمجون فلم يجدها تفهم عليه القول الحق {..لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا}: لا يعون كلام الحق أبداً فكرهم منصرف بالكلية للدنيا لا يستطيعون التحوّل عنها، بميلهم للدنيا لم يفقهوا عليه شيئاً، كانوا أهل حضارة مائلين للدنيا.
94- {قَالُوا..} قال الأولون "قوم منهم مؤمنون" {..يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ..} الفاسد والمفسود: الآج والمأجوج بنار الترف وزينة الدنيا. مفسدون: لترفهم. إن هؤلاء الذين لا يفقهون قولاً يبعثون الفساد فينا بعملهم نحن لا نريد الصلات بيننا {..فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا..} مالاً {..عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا} لعله كان بينهم وادياً فروق وأقام فيه سداً منيعاً يصعب تخطيه.
95- {قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ..} من مالكم كله. ما ملكني من الأمر وما أعطاني لا يوازي ما ستعطوني فلست أريد منكم شيئاً {..فَأَعِينُونِي..} ساعدوني {..بِقُوَّةٍ..} وإنما أعينوني بقوتكم {..أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا} سداً لأحجز بينكم وبينهم.
استفسار حول الآية (66) من سورة النحل، ما معنى (بطونه)؟
يقول تعالى في سورة النحل: {وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ..}.
{..مِّمَّا فِي بُطُونِهِ..}: أي الحليب ذاته، أي مما في بطون الحليب من مشتقات الألبان من القشطة مثلاً، وزبدة وسمنة وجبن ولبن (خاثر) ولبن مصفى وغيرها من مواد غذائية أخرى مستخرجة من الحليب.
(مما في بطونه): أي يحوي الحليب في داخله أغذية كاملة لأن الطفل يقتصر عليه في غذائه عدة أشهر ليس الإنسان فقط بل العجل ولد البقرة والحمل ولد الغنمة وهلّم جر جميعهم يتغذون على الحليب لما فيه من غذاء، أي يحوي الحليب في بواطنه غذاء كامل.
تجد متنوعات. تجد فيه اللبن (الخاثر) وتجد فيه السمنة التي لا يصلح الأكل إلا بها والقشطة والزبدة والجبنة واللبن المصفى وغير ذلك من مشتقات الألبان.
فالحليب ليس فيه شيء واحد بل يحوي أشياء عديدة، إذن (في بطونه): أي في بطون الحليب كما ذكرنا.
تلقيت ردكم على سؤالي السابق حول تأويل معنى المسّ الوارد في الآية ((236 -البقرة)) وحقا لقد كانت إجابة مقنعة وشافية حيث كنت واثقا مسبقا من قوة بصيرتكم.... ولرغبة ملحة في متابعة تقصي الحقيقة وإزالة الشك نأمل من حضرتكم تأويل معنى المس الوارد في الآيات التالية:
1- ((قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاء إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ)).
2-((وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)).
3-((وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ))
4-((وَيَا قَوْمِ هَـذِهِ نَاقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ))
5-((فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ إِنَّ اللّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ)) وشكراً لبالغ اهتمامكم...
1- بالنسبة للآية الأولى: {قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} أي: أنَّ سيدتنا مريم عليها السلام كانت محجّبة مغطاة الوجه، فلم يرها أجنبي حتى يشتهيها وحاشا لله فتتعلّق نفسه بها إثر مشاهدتها، ذلك لم يحصل أبداً، والآية: {فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا} سورة مريم: الآية (17).
2- الآية الثانية: {وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} ذلك لأن ألم النار وقْعُه على النفس حين يلقون أنفسهم بأجسادهم بالنار مما فيهم من عارٍ وخسرانٍ وآلام ٍنفسيةٍ لا تطاق.
وبالحياة الدنيا بأخذ المخدّر لا تشعر النفس بألم العملية الجراحية. فالمسّ نفسيٌّ عن طريق حريق الجسد الماديّ. الجلود تُحرق والنفوس تتألم كما بالآية {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا} سورة النساء: الآية (56). إنْ لمست النار الجسم، فالنفس تتألم بمسّها للنار عن طريق مسّ جسدها.
3- الآية الثالثة: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} أي: قبل أن يشاهدها بعين الرأس فتمسّها نفسه بالشهوة.
4- الآية الرابعة: {وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آَيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ} آية الناقة مسُّها أي: (النفسيّ) بأنْ يحتالوا ويخفوا عنها ابنها فتغدو عاقراً وتهجر الماء لما أصاب نفسها من فقدان ابنها.
5- الآية الخامسة: {فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ}.
{فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ}: التي وردت في مَعرِض الحديث عن سيدنا يوسف عليه السلام وقصته مع إخوته لدى قصدهم إيّاه لأخذ الميرة بعد أن جاؤوا بأخيهم الأخير في المرة السابقة، وقد كاد يوسف عليه السلام لإبقاء أخيه عنده بما علّمه الله وقد أعطوا أباهم موثقاً من الله إذ: {قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِّنَ اللّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ }: إذا شيء قاهر . {فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ}
أولاً- تشوّهت سمعتهم وكرامتهم بتهمة السرقة وكانت لهم إذ ذاك شهرة بالصلاح: يعقوب وأولاده. {قَالُواْ تَاللّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ}: بعمرنا، والآن حسب الظاهر خرج منهم من يسرق وتبيّن أنهم كاذبين بدعواهم أنهم أبرياء وظهرت السرقة عند أحدهم، وذلك عار كبير لازمهم بين القبائل طيلة عام كامل.
ثانياًـ فقدوا رضا أبيهم: {وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ}: حزناً على فراقه. {فَهُوَ كَظِيمٌ}: خافي حزنه. وكانوا من قبل قد كادوا لقتل سيدنا يوسف عليه السلام ليخلو لهم وجه أبيهم، فما أصعب حالهم وقد أعرض عنهم حزِناً متأسفا حتى فقد بصره وأصابه مرض في معدته... وذهبت كل محاولاتهم للتخفيف عنه حتى {قَالُواْ تَالله تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً}: تمرض نفسك. {أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ}: تهلك نفسك. وأيقنوا بوفاته إن ظلّ على هذا الحال من الحزن.
إذن:
ترد كلمة الضرّ في القرآن الكريم للعذاب الجسدي الماديّ.
والمسّ كما تبيّن سابقاً لا يأتي إلا بالشكل المعنوي، وعليه يكون: {..مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ..}: أنَّ تشوّه سمعتهم ومرض أبيهم عليه السلام أثّر بنفوسهم حتى أصابهم العذاب النفسي وذلّوا حتى قالوا لسيدنا يوسف عليه السلام من قبل أن يعرّفهم بنفسه. {..وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ} الكِبر مقرون بالذل، أي: أنّ الضرّ وهو الملموس الماديّ انقلب عليهم مسّاً نفسياً مؤلماً لانهيار سمعتهم ومرض أبيهم، فانعكست على نفوسهم بالهمّ والغمّ والنكد والحزن، فنتج عن الضر الملموس مسّاً نفسياً ولا ننسَ يا أخي أنه الآن المئات والألوف من أصحاب الأسهم والذين أودعوا أموالهم بالبنوك فأفلست البنوك ومسّت قلوبهم ونفوسهم بالحزن وألم الخسران وانقلب على كثير منهم إلى ضرٍّ أي أصابهم الشلل المادي أو المرض أو حتى الموت فهذه الخسارة حينما علم بها بعضهم أيضاً انتحر، أي نتيجة المسّ أصابه الضرّ وهذا ما حدث لأخوة سيّدنا يوسف عليه السلام عندما انهارت سمعتهم ومرض أبوهم فمسّهم الضرّ كما ورد في الآية الكريمة.
ما معنى قوله تعالى: {فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى} [النجم: 9].
القوسين: القوس يرمز إلى النصر، أي أنه إكليل الغار.
والقوسين أي نصرين، أي النصر الأول والنصر الآخر، في عهده بأول زمانه كان النصر من الله حليف رسول الله ﷺ، ويثبت ذلك قوله ﷺ: (ستفتح عليكم العراق، ستفتح المدائن، ستفتح الشام...).
وقد تمَّ ذلك وفُتحت البلاد وتمَّ النصر حتى الصين وشمل الهند والسند وبلاد إفريقيا كلها، وشمل ثلاثة أرباع الكرة الأرضية.
هذا في زمانه الأول ﷺ وكان أمراً مفعولاً.
وأيضاً النصر الثاني في آخر الزمان، وفي الحديث: (بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً)، بدأ الإسلام غريباً ومن بعد ذلك كان النصر معه دائماً، ثم تسرَّب الضعف للمسلمين وهذه فترة منقضية وآخراً النصر للإسلام لا محالة.
قال تعالى: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} [الأنبياء: 105].
والنصر الثاني يفتح فيه المسجد الأقصى وينتهي فيه أمر اليهود، ويسود الإسلام إلى يوم القيامة.











