تأويل القرآن العظيم-المجلد الرابع
سلسلة تأويل القرآن العظيم
(أنوار التنزيل وحقائق التأويل)
المجلد الرابع
- للعلامة الإنساني الجليل محمد أمين شيخو قدس سره
- جمع وتحقيق: الأستاذ المربي عبد القادر يحيى الشهير بالديراني
لمحة عن الكتاب
لقد نهج العلاَّمة بالدين وتأويل القرآن العظيم منهجاً سامياً عليّاً، يسمو بالإنسان لأسمى حياة... لم يكن عليه من سبقه من الكتبة والمفسرين والعلماء السابقين، منهجاً يمكِّن أي إنسان أياً كان مستواه الإدراكي والثقافي أن يدركه بمستواه، ويسعد بمعانيه، ويعلم ساعتها كيف أن القرآن الكريم: {الۤر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ} سورة يونس، الآية (1). مجملاً ومفصلاً.
لتُعلم حقائق الآيات بدقائقها والمراد منها.
ونهضَ بالدعوة إلى الله فبرهن وأبان الحجج تترى.
كشفَ حقائق المذاهب والطرق الملتوية ودحضها بالمنطق والحجة، فخاطب الإنسان ونفسه، واستنهض تفكيره، وعرض نظام الأكوان وما فيها من إحكام في التسيير وإتقان في صنع الخلْق: من عظمةٍ للجبال.. هي بحقيقتها عظمة خالقها التي أضفاها عليها، ووسعة وعظمة للبحار والسموات أضفاها عليهما أيضاً الواسع العظيم جلَّ شأنه لتصل النفس الطالبة للإيمان لليقين بشهود عظمة الإلۤه ووسعته اللانهائية كما آمن وأيقن السابقون الأُول. إذ يأبى الله أن يترك هذا الإنسان المعرِض منغمساً في شهواته، متجرداً عن إنسانيته، مُعرضاً عن موئل الفضائل والمكرمات جلَّ كماله، ضائعاً لا يدرك خيراً من شر ولا حسناً من سيءِّ.
يرى تعاليم الإلۤه سجناً وقيداً لطاقاته وإمكانياته وحرِّيته، فأرسل له من يوقظ تفكيره، وينبهه إلى مغبة أمره وعظيم خسرانه، ليأخذ بيده إلى دار السلام حيث الرضى والمكرمات والسعادة والإكرام بالأمان.كل ذلك ليتوب الإنسان وينال المكرمات، ولكي لا يقول غداً وهو بالحسرات:
{.. يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا} سورة الفرقان، الآية 27.
باب التوبة والسعادة مفتوح، فالتوبة بالعجل قبل فوات الأمل.
الصيغ المتوفرة:
هذا الكتاب متوفر بعدة صيغ: كتاب إلكتروني، صوتي، وورقي
كتاب إلكتروني:
معلومات الكتاب الإلكتروني
- الكتاب الإلكتروني بصيغة PDF، ePUB.
- الكتاب الإلكتروني مجاني.
- روابط التحميل تظهر لكم بعد تقديم الطلب.
- الكتاب متوفر على منصات غوغل بلاي، أبل ستور، أمازون.

كتاب صوتي:
معلومات الكتاب الصوتي
- الكتاب الصوتي بصيغة MP3.
- الكتاب الصوتي مجاني.
- روابط التحميل تظهر لكم بعد تقديم الطلب.
- الكتاب متوفر بشكل صوتي ومجاني في موقعنا، ومتوفر أيضاً في مواقع الكتب الصوتية العالمية الشهيرة.

كتاب ورقي:
معلومات الكتاب الورقي
- الكتاب الورقي متوفر للشراء من موقع الأمازون وشركائه، في أنحاء العالم.

أسئلة متعلقة بتأويل القرآن الكريم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته السيد المربي الفاضل أدامكم وحفظكم الله أرجو من حضرتكم الكريمة شرح وبيان معنى الآيات التالية من سورة المرسلات: من الآية 29 إلى الآية 33. وجزاكم الله عنا وعن المسلمين كل خير.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. 29- {انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ}: هؤلاء في الدنيا كانوا ببعد عن الله عزَّ وجلّ، لاهين ساهين بالدنيا وشهواتها، فهذا انشغل بالمال والجمع والمنع وذلك بالجاه والحكم والملك، وآخر بالنساء وغيره بالبنين، إلى ما هنالك من شهوات الدنيا التي تحجب النفس عن منبع النور وعن الله عزَّ وجلّ، وهي سبب التكذيب. والآن في الآخرة يُقال لهم: انظروا أعمالكم وبناءكم وتلك مشتهياتكم التي طالما عصيتم الله من أجلها والتي كان هواكم فيها، وكانت سبب خسارتكم جنات ربِّكم، انظروا إلى خزيكم وعاركم وأعمالكم المنحطة التي عادت عليكم بالأذى والشر وعلى البشرية كلها. عندها يلبسهم حالٌ فظيع من الخزي والعار والخجل ولا يجدوا للخلاص من سبيل، عندها يُقال لهم: 30- {انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ..}: شيء يحجب عنكم هذه الحالة الجهنمية حالة اللوم والعار والخزي. {..ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ}: كل واحد بحسب درجته: (منافق، فاسق، كافر)، ثلاث شعب للمداواة كلٌّ حسب درجته الجهنمية يكون علاجه بالنار، ولكن هذه النار: 31- {لَا ظَلِيلٍ..}: لا تنقذهم ولا تشفيهم، بل تحرقهم فتحوِّلهم عن حالهم الأشد حرقاً من النار، إذن: النار تجدي ولكنها لا تشفي. ما في غير ظلّ الله هو الذي يشفي، ويبدلهم بدل ألمهم ومرضهم جنات عليّة تنسيهم كل شيء مخزي ومؤلم، يغيبون بجنان النعيم عن أحوالهم. أما النار لا يرون فيها سوى الألم والعذاب. {لَا ظَلِيلٍ..}: كل ما كانوا ينعمون به في الدنيا من أموال وفيرة وجاه عريض، لا تقرّبهم من الله بل تحجبهم، هذه النار لا ترجعهم إلى ظلِّ الله الذي فيه الجنّات والنعيم، ولا ينعمون بالتجلّيات الإلۤهية، إذ لا ظلَّ إلا ظلّه تعالى وتجلّياته العليَّة السنيّة هذه التي تجدي وتشفي، أما هذا المعرض يلقي بنفسه في النار كالمستجير من الرمضاء. {..وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ}: مهما حاول الخروج منها يعود إليها صاغراً، يرجع لهذا اللهيب، يرجع للنار وحريقها الملهب. 32- {إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ}: النفس المجرمة وعللها ولهيبها وحريقها يحيط فيها من كل جانب وبكميات كبيرة كالقصر: يحيط فيهم من كل جانب. (تَرْمِي بِشَرَرٍ): يخرج من صدورهم وهو هذا اللهب من الشرور التي كسبوها في حياتهم الدنيا محيطاً فيهم. اقتصروا على هذه الحالة، أعمالهم تتراءى أمامهم وهم يحترقون فيها. 33- {كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ}: الجمل المريض إذا هاج يصبح مرعباً، وهؤلاء أيضاً شبَّههم تعالى بالجمل الهائج من جرّاء أحوالهم المرعبة الفظيعة التي لا تطاق، وهو يتخبَّط بها خبط عشواء، الله تعالى يقول: {..فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ} سورة البقرة: الآية (175): ما هذا الشيء الذي جعلهم يصبرون على النار؟! ما أعظم آلامهم النفسية وأمراضهم القلبية التي تجعلهم في هيجان وذعر! حتّى يقبل أن يُلقي بنفسه في النار (نار الله الموقدة).
قال الله تعالى: {وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ}.
ما معنى العرجون القديم؟ ولماذا وردت كلمة القديم؟
الأخ الفاضل حفظه المولى الكريم ...آمين
العرجون: العروج.
والقديم: تكرار نزول القمر في منازله منذ قديم الزمان لم يتبدَّل ولم يتغيَّر، نظام رباني صارم في الدقة.
{وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ}: القمر يولد في بداية الشهر هلالاً ويزداد حجمه يوماً بعد يوم حتى إذا ما انتصف الشهر أصبح بدراً كاملاً بأشد سطوع وإشراقٍ بنوره ثم يبدأ بالتناقص تدريجياً، فيعود كما كان في ابتداء إشراقه نحيلاً بنوره الخافت، هذا حاله بالدنيا وهذا نظام قائم منذ بداية الخليقة ينزل في منازله، وهذا النظام مطابق لحاله النفسي ولما كان عليه في الأزل فهو ينتقل في منازل القرب من الله منزلة إثر منزلة وشيئاً فشيئاً فما يلبث حتى يتراجع عنها ثم بعدها يرجع إلى منزلة القرب مرة ثانية، وهكذا إلى نهاية الدوران.
بسم الله الرحمن الرحيم السادة الأفاضل سلام من الله عليكم ورحمة من لدنه وبركات
لما وجدت من منطقية وحق في ما تطرحون من قضايا وأجوبة يظهر من خلالها ما تنطوي عليه التشريعات الإلٓهية من كمال ورحمة ما دفعني أن أسأل عن هاتين القضيتين:
هل صحيح ما سمعت وقرأت في كتب التفسير عن آية:
{إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} من سورة المؤمنون الآية /6/، أن ملك اليمين يحق لمن يأخذها أن يصنع بها ما يشاء وتكون كزوجته من دون زواج شرعي؟
هل حقاً هذا حلال؟ وأن الصحابة كان عندهم الكثير منهن؟ وهل في زمننا هذا فرضاً يقبل أحد أن تكون امرأة أجنبية في بيت رجل مسلم بين زوجته وأولاده لاسيما إن كانوا شباباً يتصرّف بها كيف يشاء؟ هل يرضى أحد هذا لنفسه؟ إن كان هذا مصيرها عند المسلم أليس من الأولى تركها بين أهلها وعدم أسرها؟
أرجو أن لا يكون ما قلته فظاً، فإن كان ما قيل هو أمر الله فأرجو توضيح الأمر وإن كان غير ذلك فأرجو تبيان وجه الحقيقة ولكم جزيل الشكر.
يا أخي أنت تقيس زمن الصحابة الكرام الذين غدوا كالنجوم و كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء بمسلمين هذا الزمان الضعفاء، وتريد أن ينطبق في زماننا ما انطبق على هؤلاء الأتقياء الذين هدوا البشر وسادوا الأمم، فهذه الموازنة غير صحيحة، فالآن الإسلام ضعيف والمسلمين كما ترى في ضعف كبير، لذا ملك اليمين غير موجود أصلاً، و بالنسبة لملك اليمين لا يستطيع القيام بإصلاحها وإيمانها إلا أن يكون تقياً، و لكن اليوم أين التقوى! حتى بعهد الصحابة لم يحصل أخذ ملك اليمين والأسرى إلا بعد أن قوي الإسلام، لقوله تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا..} سورة الأنفال: الآية (67). إذاً في هذا العصر لا يحصل هذا الموضوع لأن المسلمين ضعفاء وأن المتقين مفقودون في هذا العصر.
وأنت أجبت نفسك بنفسك وقلت أن هذا غير مقبول في وقتنا الحالي، وأنه ليس من الممكن أخذ ملك اليمين. أما في عصر الصحابة الأتقياء فهذا وارد ولها موضوعها وأسبابها، فهذه مُلك اليمين حينما تُؤخذ أسيرة و يُطلق عليها لفظ (عبدة) و هي دون الزوجة، تشعر بقلّة قيمتها وتفقد مكانتها الشيطانية الإغوائية والإغرائية، كما لا يستطيع العسكري الجندي أن يظهر ملكاته أمام الضباط لأنه يعلم أن الضابط لا يعبأ به فلا يستطيع أن يتمادى، بل هو شبه مكبوت، فلضعف نفسها يمنع عنها أذى نفسها الذي تشربته بالكفر، وبكلمة (يا عبدة) تشعر أنها ليست بالقيمة كالمؤمنة، فيكون هذا حافزاً لها و دافعاً يدفعها لكي تفكّر؛ من الذي خفضني و رفع تلك الزوجة؟! فتجد الإيمان هو الذي يعزّ الإنسان فتبدأ بسلوك طريق الإيمان بالتفكير. ولا يستطيع أن يقودها إلى الإيمان إلا أن يكون امرأً تقياً بصيراً ينظر بنور الله ورسوله، فلا يستطيع أي إنسان غير التقي أن يقودها إلى طلب الإيمان، فإن آمنت وتغيّرت نفسها من الشر إلى الخير وسلكت مسالك المؤمنات، عندها بإيمانها هو الذي يرفع شأن الإنسان، فإن كانت للمؤمن رابطة قلبية برسول الله فهي سابقة للرابطة الزوجية، وهذا الرجل المؤمن التقي يُعطى هذه الأَمَة ليخرجها من الظلمات إلى النور.
وبالنسبة للعدد: فالمؤمن التقي يستطيع أن يأخذ من ملك اليمين ما يستطيع أن يرى أولادها ويشرف عليهم الإشراف المكمل دون أن يهضم حق أحد منهم، إذاً يأخذ ملك اليمين ولكن الغاية إنسانية لا شهوانية منحطة بل لينقذها من براثن الكفر إلى مراتع الإيمان ويُربّي أولادها التربية الصالحة، فيأخذ بحدود ما يستطيع أن يربي الأولاد ويربيهن ويتفرّغ لهم جميعاً (إذا أحببت أن تطاع فاسأل المستطاع).
وبالأصل فإن ملك اليمين توضع بين النساء المؤمنات اللواتي هن أعلى شأناً منها بإيمانهن، وإذا لم يتقدَّم أحد للزواج بها ولم تعد تصبر، بل يُخشى عليها أن تعود للكفر إن بقيت دون زواج وأن تقع بالفواحش، فبهذه الحالة يحق للمؤمن التقي التسرّي بها دون دفع مهر خدمةً لها لإنقاذها وهو ليس بطالب شهوة وحاشاه، بل هي التي تتطلب، فلماذا تكلّفه فوق عمله الإنساني قيم مادية؟! وهي ليست بعدُ أهلاً لذلك المهر.
إذاً ملك اليمين سُمّيت بهذا الاسم من اليمين لما فيها من خير عظيم فهداية نفس إنسانية خير مما طلعت عليه الشمس إن كان يستطيع هدايتها، وبالطبع لها حدود.
إذن الصحابة الكرام في أول العهد لم يكن هناك ملك يمين، ولكن بعد بلوغهم التقوى كان الله يزوجهم ملك اليمين لإنقاذهن وإخراجهن من الظلمات إلى النور، وسمح للأتقياء التسرّي بهنَّ خدمة لهنَّ، فكيف بزماننا هذا من لم يخرجوا أنفسهم هم بذاتهم من الظلمات! فكيف نطلب منه إخراج غيره! فلا يحق لنا أن نكلفه بأمور وهو لا طاقة له بها. فالإيمان الحقيقي في هذا الزمان لا يكاد يحصل فكيف بالتقوى! فالتقي هو الذي يتفضّل عليهنّ وهو ليس بحاجة لهنَّ بل هو الذي يُخرجهنَّ من الظلمات إلى السموّ والعلوّ ويستحيل أن يؤثِّرن عليه ما دامت صحبته القلبية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ ملك اليمين لا يحصل إلا لرجل تقي يقوم بهداية أمّة كاملة، فهل هذا موجود في زماننا؟!
إذاً في وقتنا هذا لا مجال للبحث في هذا الموضوع أبداً، فهل يستطيع أعمى القلب أن يقود غيره؟! فنحن نريد أن نتكلم عن واقعنا الحالي لا أن نجلس في بروج عاجية نلقي الحكم العليّة على الناس، وإذا نزلنا إلى الواقع العملي نجد العكس تماماً فالواقع الراهن في زماننا هذا لا مجال للبحث في موضوع ملك اليمين والرق ولا مجال للمقارنة بين مسلمين هذا الزمان وبين الصحابة الذين هدوا الأمم، فأنت يا أخي تقارن هذا الزمان بالصحابة وهذه المقارنة خاطئة فأين الثرى من الثريا، فنرجو أن تسأل أسئلة تنطبق على الواقع ممكن أن تتحقق تفيدنا وتفيدك، ورحم الله امرؤ عرف حدّه فوقف عنده.
وأنت تقول قرأت في كتب التفاسير ووجدت ما وجدت، فلماذا لم تقرأ بكتب العلّامة محمد أمين شيخو قُدِّس سره؟ وفي كتاب (الغرب حرر الإنسان من العبودية والإسلام لِمَ لَمْ يُحرّره؟!) لتجد الحق الساطع والبرهان اللامع على إنسانية الدين الإسلامي وأنه تعالى ما شرع شيئاً إلا وفيه الكمال المطلق ولسبيل قويم ينهض بالإنسانية إلى السمو والعلو.
أستاذي الفاضل حبذا لو تكرّمتم بتأويل الآية التالية: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ} سورة محمد: الآية (19).
{فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ..}: إن السادة الأنبياء والرسل الكرام عاهدوا الله قبل مجيئهم إلى الدنيا على الأمانة وبرُّوا بعهدهم، ولم يختلفوا عنه ولم ينقطعوا عنه طرفة عين لا ليل ولا نهار، فهم في صلاة دائمية لا ينقطعون عنه أبداً يقول ﷺ: «نحن معاشر الأنبياء تنام أعيننا ولا تنام قلوبنا» فبقي لهم نورهم، والله وملائكته يصلّون عليهم لأنهم صلوات الله عليهم دائمي الوجهة إلى الله، لذلك بعثهم الله منقذين لعباده هادين للناس، يقول ﷺ: «إنما بعثت معلماً»: أي للإيمان. فيرى ﷺ الناس فيما هم فيه ويضع نفسه مكانهم، فيسلك من أجل دلالتهم على الله ليعلِّم الكيفية التي يصلون بها إلى الله تعالى تماماً كما فعل سيدنا إبراهيم العظيم حينما فكر في نشأته وتربيته، فبحث عن مربيه وتنقل في تفكيره بين الكوكب والقمر والشمس وما أن أدرك تعالى صدقه في الوصول بهذه الأصول حتى أوصله تعالى: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ} سورة الأنعام: الآية (75).
وتدل كلمة (وَكَذَلِكَ): أن هذا القانون عام كل من سلكه وصدق فيه فإن الله يريه ملكوت السماوات والأرض لأن باب الله مفتوح إليه ليريه.
إذاً كلمة: (فَاعْلَمْ) أي: اشهدْ من أجلهم، لتشهد لكلِّ من فكَّر وعقل كلمة (لا إلۤه إلا الله) بأنوارك العليَّة الموصلة بهم إلى نوري، والله نور السموات والأرض.
{..وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ..}: الاستغفار من غفر، وغفر: غطى وستر، والذنب ما علق بالنفس ولم يخرج إلى حيز العمل، لذا فمن رحمته ﷺ وحنانه وحبه لإنقاذ الخلق وهدايتهم يعلق بنفسه ممّا هم فيه، لشدّة تأثّره وحزنه عليهم، ويُمحى بنور الله، فقلبه ﷺ ليس حديداً وليس قاسياً ولكن نفسه الشريفة الطاهرة مرهفة نقية وحساسة جداً وصافية كلها حنان وحب، ومن مخالطته واحتكاكه بالناس وضمن وظيفته يعلق بنفسه منهم فينعكس عليه، ويزول باستغفاره مباشرة عنه وعنهم، فذنبه ﷺ ما علق بنفسه منهم إذ تنعكس شهواتهم على نفسه الشريفة آلاماً وضيقاً وهمّاً وحزناً، فهو ﷺ لا يستهوي إلا الكمال ولا يعشق إلا الحضرة الإلۤهية.
لذا يطلب منه تعالى أن يستغفر، أي: يقبل عليه فيغمره بتجلياته العظمى وأنواره الكبرى ليغطي ويستر عن قلبه هذه الذنوب التي علقت بنفسه ﷺ منهم وانعكست عليه ليزيلها ﷺ بالله باستغفاره.
{..وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ..}: أما استغفاره للمؤمنين وللمؤمنات فإنه ﷺ مهبط التجليات الإلۤهية فبوجهته بالنور الإلۤهي إليهم حين صلاتهم، فإنه يذهب عنهم إصرهم أي: إصرارهم على حب الدنيا الدنية، والأغلال التي كانت عليهم، أي: الشهوات الدنيئة التي ارتكبوها، وتزدان نفوسهم بالكمالات وحب الفضيلة كذا مثل الصلوات الخمس بمعيته ﷺ: «أرأيت لو كان بفناء أحدكم نهر يجري يغتسل فيه كل يوم خمس مرات، ما كان يبقى من درنه؟ قال: لا شيء. قال: فإن الصلاة تذهب الذنوب كما يذهب الماء الدرن» سنن ابن ماجه رقم /1367/. خمس لقاءات مع الرسول ﷺ بالكعبة تذهب عنهم كل ما علق بهم بوجهتهم للرسول والكعبة.
{..وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ}: لا تخفى على الله منكم خافية، فلا تشفى نفس إلا بربها وهذا هو الطريق إلى الله تعالى بالصلاة إذ فيها للمؤمن الصادق ما يغنيه عن لذائذ الدنيا الدنية وينهى نفسه عن الفحشاء والمنكر، والخيرات الباقية الدائمة للنفس تنال كلها بالصلاة: {..وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ..} سورة التوبة: الآية (103).
تأويل الآية رقم 56 من سورة القصص
قال الله تعالى: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ(56)
ذكرت الهداية ثلاث مرات في هذه الآية، فهل معناها واحد أم مختلف؟
الهداية واحدة ولكن المعنى مختلف:
{إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ..}: هنا الطالب للهداية، هو الرحيم صلى الله عليه وسلم وليس الإنسان ولا إكراه بالدين.
وبالجملة بعدها: {..وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ..}: الهداية بطلب الإنسان الراغب. أي: أيُّ من طَلَبَ الهداية من نفسه ومشيئته لنفسه بسلوك صادق فالله يهديه، أي يقبل عليك بصدق يا محمد صلى الله عليه وسلم فأهديه بك يا رحيماً بعبادي.
"فالثاني راغب والأول زاهد معرض عن ربه".
{..وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}: أي الصادقين بالطلب الذين بصدقهم سيسلكون بطريق الحق لا يبدَّلون ولو أطبقت عليهم أمم الأرض، ولهؤلاء الصادقين الشأن والنصر.
استمع مباشرة:










