تأويل القرآن العظيم

تأويل سورة الفيل

سلسلة تأويل القرآن العظيم

(أنوار التنزيل وحقائق التأويل)

  • للعلامة الإنساني الجليل محمد أمين شيخو قدس سره
  • جمع وتحقيق: الأستاذ المربي عبد القادر يحيى الشهير بالديراني

لمحة عن الكتاب

بيان يتلوه بيان، ونصح وإرشاد يتلوه تحذير و وعيد... هذا لمن ابتعد وعن الحقّ حاد، وبشارة وترغيب يتلوه تحبيب وتمجيد، وهذا لمن سلك طريق الهداية الذي سنّته الرسل الكرام لأقوامها على مرّ العصور والأجيال.
هذا البيان الذي أجراه الله على قلب السيّد محمّد أمين شيخو "قدّس الله سرّه" بالنور بمعيّة وشفاعة سيّد الرسل الكرام سيّدنا محمّد ﷺ، وقد أفاض علينا بهذه المعاني العالية بدروسه أيّام الجُمَع مكلّلة بالنور والسعادة والحبور، تحمل الحقيقة من الله سبحانه وتعالى في طيّاتها، ألقاها على مسامع مريديه، ينقلون هذا العلم الذي آتاه الله إيّاه ولايكتمونه عملاً بقول رسول الله ﷺ وإرشاده


لقطات شاشة من الكتاب

تأويل سورة الفيل

الصيغ المتوفرة:

هذا الكتاب متوفر بشكل: كتاب إلكتروني.


كتاب إلكتروني:

معلومات الكتاب الإلكتروني

  • الكتاب الإلكتروني بصيغة PDF، ePUB. 
  • الكتاب الإلكتروني مجاني.
  • روابط التحميل تظهر لكم بعد تقديم الطلب.
  • الكتاب متوفر على منصات غوغل بلاي، أبل ستور، أمازون.
تأويل سورة الفيل

  • مقدمة المحقق
  • تأويل سورة الفيل

  • عنوان الكتاب: تأويل سورة الفيل
  • السلسلة: تأويل القرآن العظيم (أنوار التنزيل وحقائق التأويل)
  • للعلامة الإنساني محمد أمين شيخو
  • الناشر: دار نور البشير- دمشق- سوريا
  • النشر الإلكتروني: Amin-sheikho.com
  • حجم الصيغ المتاحة للتحميل:
  1. PDF: 2 MB
  2. ePUB: 0.25 MB

  • ePUB: جيد لتصفح الكتاب على أجهزة الكومبيوتر اللوحية، والهواتف المحمولة (منصوح به للتصفح السهل مع تطبيق "غوغل كتب" و"آي بوك").
  • PDF: جيد لتصفح الكتاب بواسطة برنامج (أدوبي ريدر) على أجهزة الكومبيوتر بأنواعها، والهواتف المحمولة بأنواعها، وهو مناسب للأغراض الطباعية.

أسئلة متعلقة بتأويل القرآن الكريم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته سيدي الفاضل أرجو الإجابة على السؤال التالي ولكم جزيل الشكر: لماذا تكررت كلمة الناس بسورة الناس ثلاث مرات بالثلاث آيات الأولى؟ أرجو التوسع إن أمكن شاكرين حرصكم واهتمامكم.


سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم عن المنبع الذي استقى منه هذه العلوم والمكرمات جميعها، فقال له تعالى: قل لهم {..أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} أي: دلّهم عن المنبع الذي استقيت منه ذلك، وقل لهم آمنت واعتززت أنا برب الناس بالخالق، وغيري استعاذ بالمخلوق، فهل يعطي المخلوق كما يعطي الخالق؟! آمنت به فأعطاني ما أعطاني، وأنتم آمنوا به لكي يعطيكم كما أعطاني. هذا سبب ذكر (الناس) لأول مرة. لكنَّهم قالوا له هذا الرب غير عادل، أي: ظالم، لأن هناك تمايز وظلم بين المخلوقات، أي: بين غني وفقير، ومريض وصحيح، فقال له تعالى: قل لهم، أي: بيِّن لهم أنه تعالى: {مَلِكِ النَّاسِ}: فلا ظلم ولا هضم في ملكه، وكل ما يجري هو خير بخير، لمن أعزّه ولمن أذلّه، ولمن أعطاه ولمن منعه، بيده نواصيهم، فلا يستطيع أحد أن يظلم أحداً. قالوا: طالما أنه ملكهم، فلِمَ لا يُدخلهم الجنة جميعاً. فأجابهم: بأنه منحهم حرية الاختيار لينالوا بدل الجنة جنات بناءً على طلبهم، وعاهدوه على السير بنوره، ولكنهم خالفوا العهد فوقعوا فيما وقعوا فيه، فاقتضى علاجهم لإعادتهم إلى جناتهم، إذ ملَّكهم حرية التصرف والاختيار فخالفوا العهد ووقعوا، وإذا كان أب وعنده ابن وقد وقع ألا يسعفه؟ هل يتركه ويتخلى عنه؟! كلا يا أخي، ولو أنك اطلعت على مقدمة كتاب عصمة الأنبياء تجد الجواب واضحاً: الله لم يخلقنا إلا للسعادة وللجنات لو وفّينا بما عاهدنا عليه، وحينما خالفنا العهد وخنَّا الأمانة وحلت بنا الآفات بعث لنا الشدائد، ليشدنا للرجوع عن طريق الغي، ولننال ما أعدّه الله لنا من خيرات وجنات، فإذا عدنا إليه بهذه الشدائد والتجأنا إليه واستنرنا ورأينا خيرنا من شرنا واخترنا هذه الخيرات، لن ننال إلا المكاسب والنعيم المقيم والرقي. وطالما نحن تعهدنا، وهو {إلۤه الناس}، أي: صاحب الحول والقوة من نؤول إليه، منحنا الاختيار ونحن لنا الوفاء باختيارنا أو عدم الوفاء، ولا نخلص من هذه الشدائد إلا بالتجائنا إليه لنستنير بنوره، عندها نكون قد نجحنا بحمل الأمانة. هذا جواب السؤال بشكل موجز، ولك التفصيل والإيضاح كما طلبت، فنقول: تعجب وأعجب ويعجب الناس في كل مكان، وقديماً تعجبت قريش ومن جاورها من الأقوام ومن تلاها من الأمم والشعوب والأجيال: من أين جاء هذا الرجل المدعو (محمد) عليه أفضل الصلاة وأسنى السلام بما جاء به من المعجزات الفردية الكبرى؟! يفوق بشجاعته الصناديد والأبطال، ويبذُّ برأيه الثاقب وحسن تدبّره الأمور أعظم الساسة وأكبر الحكماء. من أين جاء هذا الرجل العظيم بهذه الحكمة البالغة، والقلب الثابت، والشجاعة الرائعة، والجأش الرابط، والكمال الذي لا يدانيه فيه مدان ولا يدرك شأوه إنسان؟! ومن أين جاء بكلام تعجز البشرية عن الإتيان بجملة واحدة من جمله؟! هو شخص وهم أشخاص! فكيف أتى بما يعجزون جميعاً عن الإتيان بشيء منه؟! وهو الذي نشأ في أرض مقفرة لا أثر فيها لمعهد من معاهد العلم، وفي جو لا مدارس فيه ولا علماء. فتسأل وأسأل ويسأل الناس في كل زمان: ما هو المنهل الذي استقى منه هذا الإنسان العظيم جميع تلك المكرمات، وذلك العلم الغزير الذي لا ينضب والذي تتضاءل أمامه جميع علوم البشر. هنالك أمره تعالى بإجابتهم عن حيرتهم وسؤالهم بقوله الكريم: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ}: أي: دلَّهم وبيِّن لهم ليبطل عجبهم، فأنت اعتززت بالخالق وآمنت به واعتصمت به، فأعطاك ما أعطاك وعلَّمك ما علَّمك. بيِّن لهم عن المصدر العالي والمنهل السامي الذي استقت منه نفسك الشريفة ما استقت، فنلت من المكرمات فوق وأعظم ما ناله مخلوق على وجه الأرض. قل لهم: إنَّ غيري اعتزَّ بالمخلوق، واعتززتُ بالخالق، فهل يُقارن عطاء الخالق بعطاء المخلوق؟! اعتصمَ بمن لا يملك شيئاً إلا ما يُمَلِّكُهُ الله، واعتصمتُ والتجأتُ بمن بيده مقاليد السموات العلى والأرض، الذي منحكم الأبصار والأسماع والأدمغة والأفئدة، فالتفتوا ببصائركم وقلوبكم ونفوسكم إليه يعطيكم كما يعطيني، وبهذا الكون وبأنفسكم إن فكَّرتم ودققتم وصدقتم بطلب الهدى هداكم إلى الممد وإلى رب الناس. فسألوه: إنَّ رب الناس غير عادل، فلطالما أنه يمدُّ جميع الناس، فلِمَ هذا التفاوت والاختلاف؟ فهو يخلق القوي والضعيف، والغني والفقير، والصحيح والعليل، وأناس تنعم بالقصور وآخرون يقطنون بأشباه القبور، وأمم قوية متسلطة حاكمة وشعوب ضعيفة محكومة، يتضورون جوعاً لا يجدون مضغة يلوكونها ولا جرعة يشربونها سوى القليل النذر، وشعوب ظالمة يتقلَّبون بلذيذ المعاش وينعمون بالحلو من الحياة والرخاء على حساب شقاء وآلام وجوع الآخرين من يسلبونهم لقمة عيشهم. فلِمَ هذا الظلم وهذا التفاوت في الطبقات، وهذا التباين والاختلاف بين ظالمٍ ومظلومٍ، وحاكمٍ ومحكومٍ، وسيدٍ مستبد وعبدٍ رقيق؟ طالما رب الناس فلِمَ لا يُمدهم بالعدل والقسط إمداداً واحداً ليتحقق التساوي والعدل؟! وإلا فهو غير عادل وظالم. وللجواب على اعتراضهم قال تعالى لرسوله: بيِّن لهم ودلَّهم أنَّ الله عزَّ وجلّ في الأصل عندما خلق الأنفس في عالم الأزل، وعندما كان الناس جميعاً نفوساً مجرَّدة فكانوا سواسيّة، فلا ملك ولا عبد ولا سيّد ولا رقيق، بل كلهم يستمدّون إمداداً واحداً، وهكذا فكانوا على سويّة واحدة كأسنان المشط، ولكنَّهم هم الذي غيَّروا فوقعوا وخالفوا العهد فنكسوا ومرضوا نفسياً، فلزم الدواء المر والعلاج الجسدي لهم ليشفوا نفسياً، فكان هذا التمايز الذي يرونه، ولكنَّ مصدره ليس من الله بل لله العدل المطلق، إنما منشأه من لدن هذا الإنسان ذاته عندما خالف وغيّر، أما الله فهو: {مَلِكِ النَّاسِ}، ولا ظلم ولا هضم في ملكه أبداً، بيده نواصيهم فلا يستطيع القوي أن يعتدي على الضعيف، إلا إن سبق واعتدى الضعيف على الأضعف منه، عندها يُطلق الله القوي عليه ليذوق طعم ظلمه فيرتدع ويكفّ عن عدوانه على من هو أضعف منه، كذا هناك غني وفقير ومترف ومعوز ولكنها دروس وعبر، إذ يعطي كلاً بحسب ما يناسبه ويلائمه، وكذا السعادة ملكه تعالى وبيده. فالمادة لا تجلب السعادة، وخذ من الدنيا ما شئت وخذ بقدره همّاً، كم جلبت الدنيا لأصحابها من بليّات ومخزيات (اللهم اجعل رزق آل محمد كفافاً). فقالوا: طالما أن الله ملك الناس بيده مقاليدهم، فلِمَ لا يُدخلهم جميعاً إلى الجنات؟ ولِمَ النار والعذاب وهو الرحمن الرحيم؟ فقال تعالى: قل لهم {إِلۤهِ النَّاسِ}: إذ منحهم الإطلاق وحرية التصرف والاختيار، ومنحهم الجنات اختياراً ولم يجبرهم إجباراً، وقد طلبوا التكليف والتشريف على سائر الخلائق والكائنات، بدخولهم إلى مدرسة الدنيا، فيعملون الصالحات وينالون بها الجنات، فلهم الاختيار والله كريم بيده التنفيذ والحول والقوة، وهذه الحياة الدنيا مدرسة، المجتهد فيها للحق والخير والصالح من الأعمال ينال، فتسييرهم بحسب صدقهم أو عكسه عائدٌ للإلۤه الذي يؤول إليه تنفيذ طلباتهم ولهم أو عليهم خيرها أو مسؤوليتها، فاختر طريق الحق تنل كل الخيرات، فعليك مسؤولية الاختيار وعلى الله التسيير والتنفيذ. {إِلَهِ النَّاسِ}: يؤول إليه تعالى تسييرهم بحسب اختيارهم.

قال الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم
{إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً (1) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً (2) وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً}


غفر: معناها حال وستر، والمغفر يُلبس بالرأس ليستره ويحول دون وصول الضرر له.
{..مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ..}: أي قبل الرسالة. {..وَمَا تَأَخَّرَ..}: أي بعد الرسالة، فبإقباله ﷺ على الله ودوام التجليات والأنوار الإلۤهية على نفسه ﷺ الشريفة وانصباب نفسه الشريفة على نفوس البشر حناناً وعطفاً وحبّاً لله ورحمةً وتنغمر نفسه الطاهرة النقية السامية بنفوس البشر الملوَّثة بالدنايا لإنقاذهم، ولئلا تعلق بنفسه الشريفة من شوائبهم يحول التجلي الإلۤهي الأعظمي على نفسه التقية وأنوار الله التي تمحو تلك الشوائب والكدورات من أصلها وتُستر نفسه من انتقال أدرانهم لنفسه الطاهرة الكريمة وبذا يستره الله من كل شر ومرض من أمراضهم النفسية فيذهب عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم وتبقى نفسه طاهرة نقية كالماء العذب النقية ذرات نفسه الشريفة. تُمحى أدرانهم القلبية وتُستبدل بالكمالات وتزداد نفسه الشريفة بدوام التجلي ثقة واستنارة وعذوبة وسمواً وعلواً.

{..وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ..}: وقد أتمَّ نعمته عليه لأنه ﷺ رحمةً للعالمين، وقد أتمها عليه فاهتدت بهديه ثلاث أرباع الكرة الأرضية وستهتدي الأمم إلى يوم القيامة.

{..وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً}: المستقيم أقرب خط بين نقطتين. أما الأعوج بعيد، فأقرب طريق للوصول إلى الله هو عندك أقرب شيء لهم لله. بلمح البصر يوصلك ﷺ إلى الله (يا لطيف) دون شعور منك يسحبك من الكائنات ويدخلك على الله بالصلاة ولكن الشرط أن ترتبط نفسك بنفس رسول الله الطاهرة الزكية.

{وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً}: إذن النصر له لا لغيره، لا يأتي النصر للمسلمين إلا عن طريقه ﷺ. هنا تخصيص لرسول الله نصر لا مثيل له.

أما المؤمنون: {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ..}: الهدوء والبسط والسرور.
«الجنة تحت ظلال السيوف».

قال الله تعالى في سورة الطور: {فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ}.
ما المقصود بكلمة السموم؟


أهل الدنيا الذين يقترفون الشهوات المحرَّمة والأعمال المخزية والإجرامات والتعدِّيات هؤلاء بانغماسهم وغرقهم بالشهوات الدنيئة تبتعد نفوسهم عن الرحيم، كالشيطان الذي ببعده وشطنه عن الرحيم تجف نفسه من الحياة القلبية وتشوط فتحترق من البعد وتحتجب عن الله، فتصبح قاسية لا رحمة فيها ولا عطف ولا حنان على المؤمنين، فتودُّ حرقهم وتسميمهم والتفنُّن بتعذيبهم خوفاً من تخليصهم من شهواتهم الجهنمية إن حكموهم وسادوا عليهم، وهؤلاء عند الموت تزول شهواتهم الدنيوية فتنكشف نفوسهم الملتهبة وتعود عليهم هم، هذه النيران القلبية هي السموم "السم نار تشتعل في جسم الملدوغ"، كانت بالدنيا لا تظهر لهم لأن الشهوات القوية تسترهم وتغطي عنهم هذه السموم فهي في قلوبهم مخفية، وعند الموت تزول الشهوات وتبقى هذه السموم فيها وتظهر وتضطرهم أن يلقوا بأنفسهم المسمومة بنار الله الموقدة لتنسيهم ألم عذاب السموم هذا.

السلام عليكم ورحمة الله بركاته
جزاكم الله عنا كل خير على هذا الموقع النافع، أستاذي الكريم أرجو من حضرتكم تأويل الآية الكريمة:
بسم الله الرحمن الرحيم
{يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ} الحديد 13. ولكم ولكل من ساهم في الموقع جزيل الشكر والاحترام.


أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:
{ يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا..}: هؤلاء المنافقين كانوا في دنياهم يسمعون الحق ويحضرون مجالس المؤمنين، وهي مجالس العلم بآلاء الله، إلا أنّ دنياهم بقيت غالية على قلوبهم، لأنهم لم يؤمنوا بذاتهم، فعرفوا الحقّ وحرفوا وأقرّوا بالدين ولكن لم يتخذوه مسلكاً واتخذوا أهواءهم وشهواتهم الدنيئة منهجاً وضلوا عن الذكر بعد إذ جاءهم فوقعوا بعد الموت وهم على ما عليه من النفاق والكفر في ظلمة حالكة، بسبب اتباعهم للشهوات التي أهلكتهم، وأعمالهم أضحت منحطة، لأن نواياهم كانت منحرفة ولأجل دنيا زائلة وغاياتهم نفسانية لا إنسانية، وظهر حالهم المخزي هذا يوم القيامة، ونظروا إلى المؤمنين الصادقين الذين عملوا بما علموا، فكانت أعمالهم الصالحة نوراً لهم في البرزخ والآخرة، {..يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم..} سورة الحديد: الآية (12).
فقالوا لهم: {..انظُرُونَا..}: أي: انظروا إلينا التفتوا علينا لأن هؤلاء المنافقين في ظلمة فيطلبون من المؤمنين إنارة طريقهم وكشف ظلامهم.
{..نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ..}: فأنتم زملاؤنا، وكنا على مشرب واحد في التجلي الإلهي، فباسم الصحبة الدنيوية الطاهرة ساعدونا وأسعفونا، وأفيضوا علينا مما أفاض الله عليكم.
{..قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً..}: ابحثوا في أعمالكم التي قمتم بها في الدنيا عسى أن تجدوا عملاً تواجهوا فيه ربكم فتنالوا الأنوار.
ولما لم يجدوا أيّ عمل صالح خالص لوجه الله، بل كانت أعمالهم كلها كما يقال بالمثل العامي: (حكّلي لحكّلّك)، فلم يجدوا لهم عملاً يقرّبهم لأنهم لم يؤمنوا ولم يتقوا بل وجدوها حسرات عليهم فهووا خزياً وعاراً وانقطع الاتصال بينهم وبين أهل الكمال، هنالك تلقوا علاجاتهم المؤلمة ليتحوّلوا عن خزيهم وعارهم.
{..فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ..}: وهكذا لقد تمّ الفصل بينهم بما ساورهم من ذلّ وبعد عن أهل الحق.
{..لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ..}: هذا العلاج الذي يعالجونه لينسيهم آلامهم النفسية الفظيعة، ويحوّلهم عن العذاب الأكبر، عذاب جهنّم، إلى العذاب الأصغر بالنسبة إليهم عذاب نار الله الموقدة، الذي هو أخف بكثير من آلامهم الجهنّمية الحقيقية لأنهم لا يزالون يتولّون كبرهم ولا يلتجئون إلى الرحمن الرحيم، فكان هذا العذاب نابعٌ من قبل هذا المنافق، {..وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ..}: هذا العذاب الجهنّمي الذي في نفوسهم هو الذي يسبب لهم عذاب النار، نار الله الموقدة. أما من طرف الله فلا يوجد سوى الرحمة والحنان.

تلقيت ردكم على سؤالي السابق حول تأويل معنى المسّ الوارد في الآية ((236 -البقرة)) وحقا لقد كانت إجابة مقنعة وشافية حيث كنت واثقا مسبقا من قوة بصيرتكم.... ولرغبة ملحة في متابعة تقصي الحقيقة وإزالة الشك نأمل من حضرتكم تأويل معنى المس الوارد في الآيات التالية:
1- ((قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاء إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ)).
2-((وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)).
3-((وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ))
4-((وَيَا قَوْمِ هَـذِهِ نَاقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ))
5-((فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ إِنَّ اللّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ)) وشكراً لبالغ اهتمامكم...


1- بالنسبة للآية الأولى: {قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} أي: أنَّ سيدتنا مريم عليها السلام كانت محجّبة مغطاة الوجه، فلم يرها أجنبي حتى يشتهيها وحاشا لله فتتعلّق نفسه بها إثر مشاهدتها، ذلك لم يحصل أبداً، والآية: {فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا} سورة مريم: الآية (17).
2- الآية الثانية: {وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} ذلك لأن ألم النار وقْعُه على النفس حين يلقون أنفسهم بأجسادهم بالنار مما فيهم من عارٍ وخسرانٍ وآلام ٍنفسيةٍ لا تطاق.
وبالحياة الدنيا بأخذ المخدّر لا تشعر النفس بألم العملية الجراحية. فالمسّ نفسيٌّ عن طريق حريق الجسد الماديّ. الجلود تُحرق والنفوس تتألم كما بالآية {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا} سورة النساء: الآية (56). إنْ لمست النار الجسم، فالنفس تتألم بمسّها للنار عن طريق مسّ جسدها.
3- الآية الثالثة: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} أي: قبل أن يشاهدها بعين الرأس فتمسّها نفسه بالشهوة.
4- الآية الرابعة: {وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آَيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ} آية الناقة مسُّها أي: (النفسيّ) بأنْ يحتالوا ويخفوا عنها ابنها فتغدو عاقراً وتهجر الماء لما أصاب نفسها من فقدان ابنها.
5- الآية الخامسة: {فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ}.
{فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ}: التي وردت في مَعرِض الحديث عن سيدنا يوسف عليه السلام وقصته مع إخوته لدى قصدهم إيّاه لأخذ الميرة بعد أن جاؤوا بأخيهم الأخير في المرة السابقة، وقد كاد يوسف عليه السلام لإبقاء أخيه عنده بما علّمه الله وقد أعطوا أباهم موثقاً من الله إذ: {قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِّنَ اللّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ }: إذا شيء قاهر . {فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ}
أولاً- تشوّهت سمعتهم وكرامتهم بتهمة السرقة وكانت لهم إذ ذاك شهرة بالصلاح: يعقوب وأولاده. {قَالُواْ تَاللّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ}: بعمرنا، والآن حسب الظاهر خرج منهم من يسرق وتبيّن أنهم كاذبين بدعواهم أنهم أبرياء وظهرت السرقة عند أحدهم، وذلك عار كبير لازمهم بين القبائل طيلة عام كامل.
ثانياًـ فقدوا رضا أبيهم: {وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ}: حزناً على فراقه. {فَهُوَ كَظِيمٌ}: خافي حزنه. وكانوا من قبل قد كادوا لقتل سيدنا يوسف عليه السلام ليخلو لهم وجه أبيهم، فما أصعب حالهم وقد أعرض عنهم حزِناً متأسفا حتى فقد بصره وأصابه مرض في معدته... وذهبت كل محاولاتهم للتخفيف عنه حتى {قَالُواْ تَالله تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً}: تمرض نفسك. {أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ}: تهلك نفسك. وأيقنوا بوفاته إن ظلّ على هذا الحال من الحزن.
إذن:
ترد كلمة الضرّ في القرآن الكريم للعذاب الجسدي الماديّ.
والمسّ كما تبيّن سابقاً لا يأتي إلا بالشكل المعنوي، وعليه يكون: {..مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ..}: أنَّ تشوّه سمعتهم ومرض أبيهم عليه السلام أثّر بنفوسهم حتى أصابهم العذاب النفسي وذلّوا حتى قالوا لسيدنا يوسف عليه السلام من قبل أن يعرّفهم بنفسه. {..وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ} الكِبر مقرون بالذل، أي: أنّ الضرّ وهو الملموس الماديّ انقلب عليهم مسّاً نفسياً مؤلماً لانهيار سمعتهم ومرض أبيهم، فانعكست على نفوسهم بالهمّ والغمّ والنكد والحزن، فنتج عن الضر الملموس مسّاً نفسياً ولا ننسَ يا أخي أنه الآن المئات والألوف من أصحاب الأسهم والذين أودعوا أموالهم بالبنوك فأفلست البنوك ومسّت قلوبهم ونفوسهم بالحزن وألم الخسران وانقلب على كثير منهم إلى ضرٍّ أي أصابهم الشلل المادي أو المرض أو حتى الموت فهذه الخسارة حينما علم بها بعضهم أيضاً انتحر، أي نتيجة المسّ أصابه الضرّ وهذا ما حدث لأخوة سيّدنا يوسف عليه السلام عندما انهارت سمعتهم ومرض أبوهم فمسّهم الضرّ كما ورد في الآية الكريمة.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى