تأويل القرآن العظيم-المجلد السادس
سلسلة تأويل القرآن العظيم
(أنوار التنزيل وحقائق التأويل)
المجلد السادس
- للعلامة الإنساني الجليل محمد أمين شيخو قدس سره
- جمع وتحقيق: الأستاذ المربي عبد القادر يحيى الشهير بالديراني
لمحة عن الكتاب
لقد نهج العلاَّمة بالدين وتأويل القرآن العظيم منهجاً سامياً عليّاً، يسمو بالإنسان لأسمى حياة... لم يكن عليه من سبقه من الكتبة والمفسرين والعلماء السابقين، منهجاً يمكِّن أي إنسان أياً كان مستواه الإدراكي والثقافي أن يدركه بمستواه، ويسعد بمعانيه، ويعلم ساعتها كيف أن القرآن الكريم: {الۤر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ} سورة يونس، الآية (1). مجملاً ومفصلاً.
لتُعلم حقائق الآيات بدقائقها والمراد منها.
ونهضَ بالدعوة إلى الله فبرهن وأبان الحجج تترى.
كشفَ حقائق المذاهب والطرق الملتوية ودحضها بالمنطق والحجة، فخاطب الإنسان ونفسه، واستنهض تفكيره، وعرض نظام الأكوان وما فيها من إحكام في التسيير وإتقان في صنع الخلْق: من عظمةٍ للجبال.. هي بحقيقتها عظمة خالقها التي أضفاها عليها، ووسعة وعظمة للبحار والسموات أضفاها عليهما أيضاً الواسع العظيم جلَّ شأنه لتصل النفس الطالبة للإيمان لليقين بشهود عظمة الإلۤه ووسعته اللانهائية كما آمن وأيقن السابقون الأُول. إذ يأبى الله أن يترك هذا الإنسان المعرِض منغمساً في شهواته، متجرداً عن إنسانيته، مُعرضاً عن موئل الفضائل والمكرمات جلَّ كماله، ضائعاً لا يدرك خيراً من شر ولا حسناً من سيءِّ.
يرى تعاليم الإلۤه سجناً وقيداً لطاقاته وإمكانياته وحرِّيته، فأرسل له من يوقظ تفكيره، وينبهه إلى مغبة أمره وعظيم خسرانه، ليأخذ بيده إلى دار السلام حيث الرضى والمكرمات والسعادة والإكرام بالأمان.كل ذلك ليتوب الإنسان وينال المكرمات، ولكي لا يقول غداً وهو بالحسرات:
{.. يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا} سورة الفرقان، الآية 27.
باب التوبة والسعادة مفتوح، فالتوبة بالعجل قبل فوات الأمل.
الصيغ المتوفرة:
هذا الكتاب متوفر بشكل: كتاب إلكتروني.
كتاب إلكتروني:
معلومات الكتاب الإلكتروني
- الكتاب الإلكتروني بصيغة PDF، ePUB.
- الكتاب الإلكتروني مجاني.
- روابط التحميل تظهر لكم بعد تقديم الطلب.
- الكتاب متوفر على منصات غوغل بلاي، أبل ستور، أمازون.

أسئلة متعلقة بتأويل القرآن الكريم
أرجو تأويل الآية (15) من سورة الحديد بشكل مفصل، وهل تخص واقع من سمع الحق منّا ولم يشاهدْ لا إلۤه إلا الله؟
نعم إنها تخصّ كلّ مسلم لم ينهض بذاته للإيمان اليقيني الذاتي على مسلك أبينا إبراهيم عليه السلام. {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا..}: آمنوا بفكرهم دون أن يشاهدوا ألا إلۤه إلا الله. {..أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ..}: يفكرون بالكون فتخشع نفوسهم لما يرونه من عظمة وقوة ودقة صنع ويذكرون الله وفضله عليهم وإحسانه وأسماءه الحسنى. {..وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ..}: من بيانٍ عالٍ سامٍ على رسول الله ﷺ من أجلهم. {..وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ..}: مثل اليهود. {..فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ..}: طال الوقت بهم دون أن يفكروا ويذكروا الله لتخشع قلوبهم. {..فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ..}: تحجَّرت فلم يبقَ لهم ميل للإيمان. {..وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ}: كانوا فاسقين خارجين عن الحق فُتنوا.
والفاسق: امرئ خرج عن الحق واستهان بفعل الرذيلة وألِفها ثم صار يرى المنكر فضيلةً وحضارةً ورقياً ويرى الطهر والعفاف والفضيلة رجعية وتخلفاً، بعد ذلك صارت دعوته إلى الرذيلة ويحبّب الناس بالنقائص والمحرمات ثانيَ عطفه ليضل عن سبيل الله، صار يدعو الناس إلى الفساد وهذا ما فعله اليهود فهم الذين فسَّدوا العالم وأوروبا، فالله يحثنا على الإيمان الذاتي الحقيقي لكيلا نقع بما وقع به اليهود من قبل.
قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (12) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ}
نرجو شرح الآيات مع توضيح:
1- كيف يبايع المؤمنات رسول الله؟ وكيف يبايعهن الرسول صلى الله عليه وسلم؟
2- ما هو البهتان الذي يفترينه بين أيديهن وأرجلهن.
3- من هم القوم الذين يئسوا من الآخرة ولماذا يئسوا منها؟ وكيف يئسوا من أصحاب القبور؟
1- المبايعة جرت بالشكل التالي:
أقام صلى الله عليه وسلم بغرفة منفصلة لوحده ووضع أمامه إناء فيه ماء، وأقامت النساء في غرفة ثانية مجاورة لغرفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها طاقة بالجدار عالية ووقف خارج الغرفتين وبينهما عمر بن الخطاب فكان الصوت يصل من الطاقة الكبيرة العالية بشكل واضح فغمس صلى الله عليه وسلم يده الشريفة بإناء الماء كما غمست النساء أيديهن في إناء ماء آخر لديهن وبدت المبايعة بلا مشاهدة صورية، فقط للصوت، "سمعية".
2- والبهتان: اتِّهام غيرهنَّ بأمور جارية كذباً وتبلِّي.
{..بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ..}: اتِّهام غيرهن من البريئات بالفاحشة زوراً.
3- كل كافر وكل من لم يؤمن بالآخرة وارتكبوا المعاصي والفواحش يئسوا من الآخرة وينكرونها والكفار لا يصدِّقون بالآخرة، واجتماعُهم مع أمثالهم اجتماع مبني على المنافع والمصالح الدنيوية فإذا ماتوا وزال الجسد وزال معه الكون عنهم وانقطعت الصلات والمنافع فبنظر الكفار انتهوا وماتوا فلا لقاء بينهم بعد فراق الدنيا أبداً، هكذا يظنون إذ ينكرون القيامة والحساب والعقوبة والثواب، لا يعرفون بعمى قلوبهم إلا الدنيا وليس هناك لقاء ثانٍ بنظرهم فيئسوا من لقاء من مات ثانية.
قال تعالى: {يَوْمَ يَجْمَعُ اللّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ} ما هو تأويل هذه الآية وأين علمهم ولِمَ لم يجيبوا أو يتذكروا؟ وما ربطها بالآيات بعدها عن سيدنا عيسى؟ ولكن في الآيات التي بعدها سيدنا عيسى أجاب: {..قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ..}، وهل هذه الإجابة قالها أم سيقولها يوم القيامة كما نلاحظ من خلال سياق الآيات بعدها، أم متى؟
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
يقول سبحانه وتعالى: {يَوْمَ يَجْمَعُ اللّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ} سورة المائدة: الآية (109).
هذا يومُ العطاء والنوال، إنه يوم القيامة يوم التفرغ لنيل الجزاء على الأعمال، وإنه يوم الفصل، تفصل به جميع الخلائق فأهل الجنة للجنة وأهل النار للنار.
والرسل العظام الذين قدَّموا حياتهم كلّها في سبيل إنقاذ عباد الله من الظلمات والأخذ بأيديهم إلى مراتع النور والجنات.
هؤلاء الذين ضحّوا بكل شيء، في سبيل مرضاة الله، وظلُّوا طوال حياتهم الشريفة في جهاد عنيف ضد الباطل وأهله، وقدَّموا كل شيء في سبيل هداية أقوامهم قال رسولنا ﷺ: (وهبت روحي وجسدي لأمتي). وكاد أن يذهب نفسه حسرات عليهم ألا يؤمنوا بالله العزيز وكابد الحزن الشديد وأشقى نفسه في سبيل هداية الخلق، يتألم لشقائهم ويحزن لبعدهم، كان ﷺ يعيش من أجل غيره، فلو اجتمعت رحمات الأمهات من عهد أمنا حواء عليها السلام إلى آخر الدوران لا تعدل ذرة من رحمته ﷺ قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} وكذلك جميع الأنبياء والمرسلين.
جاهدوا في سبيل إخوانهم في الإنسانية. واليوم آن أوان العطاء العظيم، إنه يوم التفرّغ من أجل النوال الذي يسبي الألباب ويشده العقول والقلوب جميعاً، بما عملوا وما نالوا في قلوبهم من خيرات، والله يريد أن يعطيهم أجرهم غير منقوص لأن الله شكور، لمّا تجلّى الله تعالى عليهم بعد الفصل بأنواره العليّة وتجلياته السنيّة، طارت نفوسهم شوقاً وهياماً في عطاءات ربهم وجميع الأنبياء من لدن آدم عليه السلام حتى إمام المرسلين سيدنا محمد صلوات الله عليهم أجمعين مفتونون بهذا الجانب العظيم جلّ كرمه تعالى والمقام السامي الرفيع الذي نالوه، فلم يتذكروا شيئاً سوى تجليه عليهم في عروجهم وإقبالهم في حضرة قدسه، وغابوا في حبه تعالى عن كل شيء، إذ أنهم مفتونون في أسمائه تعالى الحسنى وتجلياته الكبرى،
ويريد الله بسؤاله لهم {..مَاذَا أُجِبْتُمْ..}: أن يذكرهم ويعيدهم إلى الوظيفة فهم الشفعاء الذين يرتقون بنفوس أصحابهم في الإقبال على الله فأراد تعالى أن يرجعهم إلى وظيفتهم، من بعد أن صرفهم عن حزنهم على أهل النار بهذا العطاء العظيم الذي أنساهم كل شيء.
وهذا ما ينطبق تماماً على سيدنا عيسى عليه السلام فعندما سأله الله: {..أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ..}، أجاب: {..قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ..} سورة المائدة: الآية (116).
هذه الإجابة من بعد ذلك الموقف الذي أنساهم الله كلّ ما مرَّ معهم ليفيض عليهم بما قدّموا في حياتهم للبشر ومن ثمَّ ذكّرهم وأعادهم للوظيفة في الآخرة، فهنا من أجل أن تقام الحجة على المشركين، أن هذا الذي ادّعيتم أنه إلۤه "عن سيدنا عيسى عليه السلام" أنّه هو بذاته ينفي هذه التهمة عن نفسه ويبرّئ نفسه من شرككم.
والأمر يومئذٍ لله إذ أن الملك له تعالى ولا إلۤه سواه:
{..لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} سورة غافر: الآية (16): عندها وقد زالت عنهم حجب شهواتهم فتبدّت الحقيقة سافرة.
والحمد لله في بَدءٍ وفي ختم.
ما هو شرح الآية 94 من سورة هود ماذا يعني أخذت اللذين ظلموا الصيحة؟
{وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مَّنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فأ صْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ}.
قال تعالى: {وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا}: بهلاكهم. {نَجَّيْنَا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مَّنَّا}: نجَّاه، لكن ضمن رحمة، لا خوف ولا شقاء معها.. {وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ}: بصيحة واحدة. {فأصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ}: على ركبهم، ما وُجِدَ لهم من يدفنهم.
وفي الحديث الشريف: (الناس نيام إذا ماتوا انتبهوا).
إذن، إنّ الإنسان وبكل لحظة وبكل آن يناديه ربّه ليصحو، لكنّه لا يسمع لأنّ الصور وما فيها من فتن وشهوات تتعشّقها النفس فتحجبها عن الحقائق، وتصمّ آذانها أن تسمع نداء الله الرحيم المنقذ، بالموت زالت فعند الموت زالت هذه الحجب فأصغت النفس لنداء بارئها وسمعت وعلمت وعرفت حنان الله وحبّ الله و عطفه ومحبّته لها كما علمت ما ضيّعت من مخالفتها ومعاصيها، ولم تجد هناك أملاً في تعويض ما مضى وإصلاح ما فسد وبدأت تهوي في وديان الذل وفي جبال قسوتها، وعلمت أن لن ترجع لتعمل غير الذي كانت تعمل وتستدرك ما فاتها وتذكّرت وأنّى لها الذكرى بعد فوات الأوان إذ لا رجعة، لقد أخذت في الصيحة إلى الذكريات التي تؤلمها وتسعر بذعرها وخزيها من كل ما جنته في حياتها لأنها عادت إلى فطرتها فطرة الكمال "فطرة الله التي فطر الناس عليها.." فأصبحت كافّة أعمالها السابقة شؤماً ممزوجة بالمرارة والحسرات والندامة، إذ شاهدت لؤمها في كلّ آن من حياتها وشاهدت إنكارها لنعم الله وفضله وإحسانه وكافة خيراته ولا إمكانية بالإصلاح وما أصعب العيش بعد فقدان الأمل.
إذن: "الصيحة" هي صحوة الموت حين ناداها ربها فصحت وأصغت.
في سورة المؤمنون الآيــــة (14):
قال الله تعالى: {ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} فهل يعني هذا أن هناك إلٓهاً آخر؟
بسم الله الرحمن الرحيم
الخلق ليس إيجاد من العدم.
الخلق هو تحويل الشيء من حالة إلى أخرى، وهو إيجاد الشيء على غير مثال سبق، كما في الآية: {ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً..} سورة المؤمنون (14).
إذن: الخلق هو التحويل من نطفة إلى علقة إلى مضغة إلى عظام وهكذا.
كذلك منح الله الإنسان فكراً يستطيع بواسطته أن يبتكر ويصنع ويحوِّل المادة من شكل إلى آخر. فأصل السيارة مثلاً من المعادن التي في الأرض، حوَّلها الإنسان وصنع منها سيارة ضمن قوانين ولكن يدعوك الله هنا للمقارنة والمقايسة والموازنة بين صنع الإلۤه العظيم وخلقه وبين صنع الإنسان واختراعاته وخلقه أيضاً، فهذا خلق الإنسان وهذا صنعه خلَّف وراءه الآلام والأحقاد والحروب وصنع أدوات لتدمير الشعوب وابتكر حضارة كان نتاجها كما نرى أمامنا اليوم من فساد البيئة وتلوثها وتلوث جوِّها بالدخان وتلوث البحر بالنفط، قال تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} سورة الروم (41).
فهذه الفردوس التي صنعها الإنسان في دنياه كانت مغلفة بغلاف براق مخادع إلا أن حقيقتها ما نشاهده اليوم من كوارث وفيضانات وزلازل ومجاعات وسلب قوت الشعوب الضعيفة وما يتبع ذلك من حروب تضرس بأنيابها كل النضارة والحياة وتخلف الآلام والشقاء، وكما نرى اختلاف نظام الطبيعة من جراء ابتكارات الإنسان وحضارته الزائفة من احتباس حراري وثقب في طبقة الأوزون، وكذا ذابت ثلوج القطبين الشمالي والجنوبي والتي تأتينا بالينابيع والأنهار وانخفاض في مستوى المياه الإقليمية ونقص كبير في مستوى الأنهار في العالم وارتفاع بدرجات الحرارة على الكرة الأرضية ككل، كما عاد عليهم طغيانهم وفسقهم بالزلازل والبراكين وما يتبعه من الدخان البركاني والأعاصير والفيضانات وأمراض وأوبئة ما كنا نعرفها، مثل طاعون الطيور وجنون البقر وأنفلونزا الخنازير، هذا صنع الإنسان وهذه نتائج أعماله قال تعالى: {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ..} سورة المؤمنون (71).
أي أن الله منح الإنسان الحرية في الاختيار فهو يختار والله يمكِّنه من اختياره ويطلقه لما يريد مما صمَّم على تنفيذه ولكن حذره ما يعقب المخالفة من دمار وهلاك ولكن الإنسان راح يصنع وسائل للتدمير وسفك لدماء الأبرياء.
ووسائل حديثة نووية لا تبقي ولا تذر أمامها أحداً من البشر بقنابلها التي تصم آذان أهل الأرض وأعني بها الرؤوس النووية المحملة على الأقمار الصناعية وأسلحة التدمير الشامل التي تهدد العالم بالفناء في لحظة سقوطها على الأرض.
راحوا يتسابقون لإيجاد واختراع أسلحة أكثر تدميراً وأشمل هلاكاً للحرث والنسل، وهنا فقدت السعادة والأمن والاطمئنان وحل محلها الشقاء والآلام، كأمثلة السيارة وكيف تنقل مواسم الأرض وأنعامها من بلد لبلد آخر فيحرم أهلها الفقراء منها وبسبب ارتفاع سعرها، كذلك تكاليف نقلها وربح التاجر المورِّد والتاجر المستورد والبائع تضاف لثمنها فلا يتمكن من شرائها إلا الغني المترف، ولا يستطيع شراءها الفقير والمسكين في البلد المستورد، أما بالبلد المصدر بسبب تصديرها وقد بقي القليل الباقي وغلا ثمنها فيحرم منها الفقير أيضاً والمسكين، وصار غني مترف، وفقير محروم في المجتمع، وتنشأ طبقات اجتماعية متخاصمة متعادية، فقير محروم ساخط على الغني الذي حرم أولاده ويتمنى زواله، وغني خائف من سخط الفقير، وتنشأ طبقات اجتماعية ساخطة متعادية.
أما الطائرات فبلاؤها أعظم بكثير من نفعها لاسيما بالحروب، فهي تحرق الأخضر واليابس وتدمِّر وتحرق المدن والقرى، والفقير محروم من فوائد نقلها يناله تدمير قنابلها هو وأولاده، وملكه المتواضع وأشد بلائها حينما تلقي قنابلها النووية، فلا تبقي ولا تذر من حريقها وتدمير المخلوقات والبشر.
أما خلق الإلۤه العظيم فلم يوجد في هذا الكون الجميل إلا آيات بديعة أخاذة من الروعة والكمال حين أهدى لنا قمراً منيراً مكللاً بحلل الجمال والبهاء، ونجوماً وأجراماً عظيمة ظهرت لنا كمصابيح لطيفة تزين الليل والسماء، لولاها ما أكلت لقمتك يا إنسان، فهي وسيلة لمنح العطاء والحياة لك، ولم يسقط كسفاً من الغيوم والسحب التي هي كالجبال سوى قطرات مياه صغيرة لطيفة ولو أنزلت دفعة واحدة لكانت كطوفان سيدنا نوح لا تبقي ولا تذر ولهلك الزرع والبشر، بل أنزلها ذرات بلطف تحيي الزرع والضرع والمواسم الخيِّرة، كما أنزلها وَدَقاً "فيه ودّ الإلۤه ودقة صنعه" مفعماً بالحياة تتجلى فيها رأفة الإلۤه ووده وبركاته. هذا صنع الإلۤه فأروني ماذا خلق الذين من دونه؟!
غمرنا بأشعة الشمس الدافئة المتدفقة بالأنوار وما فيها من الحيويات، ويتحفنا الرحيم الشفوق ويطربنا بزقزقة العصافير وزغردة البلابل والكروان، وخرير المياه وحفيف الأشجار، ولم يوجد في هذا الكون الفسيح أي وسيلة للدمار والخراب وللقتل وسفك الدماء، فهو تعالى (السلام).
أمَّن لنا ما يعود علينا بالأمن والسلامة والهناء والسرور. هذا خلق الله العظيم.
{فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} سورة المؤمنون: الآية (14).












