الحج مدرسة عظمى لنيل أقصى المنى
إن الله تعالى لم يقسُ على هذا الإنسان بما أمره به من مفارقة الأهل والأوطان وركوب المشاق وبذل الأموال حتى يؤدي فريضة الحج
بل إنما أراد أن يعدَّه لحياة أفضل وسعادة أبدية ويسمو به إلى المنزلة التي خُلِقَ وأُخرِجَ إلى هذه الحياة الدنيا من أجلها، ليسعى إليها وينالها فيفوز فيما بعد إذا هو وصل إليها بنعيم مقيم وسعادة خالدة.
ويتوضَّح لك الأمر ويظهر بجلاء وتستطيع أن تدرك طرفاً من عناية الله تعالى بهذا الإنسان فيما فرضه عليه من الحج إذا أنت أخذت على وجه المثال ما يفعله بعض الآباء في عصرنا الحاضر؛ فتجد الواحد منهم يرسل ابنه إلى أبعد الآفاق ويحثه على السفر إلى أقصى البلاد ويدفع له الكثير من المال غير مبال، ويُعرِّضه لأقسى الظروف وأصعب المناسبات ليدرس ويتخصَّص في الجامعات ويعود بعد سنين فينال وظيفة كبرى أو يضطلع بعمل هام يجعله في وضع اجتماعي رفيع أرفع مما هو فيه من قبل، وترى القريب والبعيد يكْبرون هذا الأب ويجدون فيه العناية الأبوية التامة ويرون حرصه على مستقبل ولده مع أن كل ما بذله هذا الوالد من مال وكل ما جشَّمه ولده من صعوبات إن هو إلا من أجل حياة دنيا وأيام معدودات قد لا تدوم قليلاً ولا كثيراً...
أفبعد هذا هل يستطيع أحد أن يعد فريضة الحج تكليفاً صعباً أو أن يراها أمراً تعبُّدياً والله أعلم بمراده منها؟!