تأويل الأمين للقرآن العظيم
سلسلة تأويل القرآن العظيم
(أنوار التنزيل وحقائق التأويل)
تأويل الآيات الكريمة في مطلع سورة البقرة
القرون الأولى (نجاة أبناء الأسرة العالية)
- للعلامة الإنساني الجليل محمد أمين شيخو قدس سره
- جمع وتحقيق: الأستاذ المربي عبد القادر يحيى الشهير بالديراني
لمحة عن الكتاب
تنزيل من حضرة الله ورسوله العظيم إلى عباده الصادقين المخلصين وللحقّ على الباطل ناصرين، الذين يبغون وجه الحقّ والحقيقة والدين، ولو عارضت آراء المنحرفين، بل لو أطبق ضدّهم آل الثقلين، من لا يخشون في الحقّ لومة لائم، ولا ينزاحون عن طلب اليقين من ربّ اليقين...
الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى ...
ومن تكن برسول الله نصرته إن تلقه الأسد في آجامها تجم
الصيغ المتوفرة:
هذا الكتاب متوفر بعدة صيغ: كتاب إلكتروني، صوتي، وورقي
كتاب إلكتروني:
معلومات الكتاب الإلكتروني
- الكتاب الإلكتروني بصيغة PDF، ePUB.
- الكتاب الإلكتروني مجاني.
- روابط التحميل تظهر لكم بعد تقديم الطلب.
- الكتاب متوفر على منصات غوغل بلاي، أبل ستور، أمازون.

كتاب صوتي:
معلومات الكتاب الصوتي
- الكتاب الصوتي بصيغة MP3.
- الكتاب الصوتي مجاني.
- روابط التحميل تظهر لكم بعد تقديم الطلب.
- الكتاب متوفر بشكل صوتي ومجاني في موقعنا، ومتوفر أيضاً في مواقع الكتب الصوتية العالمية الشهيرة.

كتاب ورقي:
معلومات الكتاب الورقي
- الكتاب الورقي متوفر للشراء من موقع الأمازون وشركائه، في أنحاء العالم.

أسئلة متعلقة بتأويل القرآن الكريم
قال الله تعالى: {هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ{7} يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ}. - من هم الذين ينفقون على من عند رسول الله؟ ومن هم هؤلاء؟ وماذا ينفقون عليهم؟ - ما معنى آية {لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ}؟ - لماذا عبَّر تعالى عن المنافقين في الآية (7) بـ {وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ}، وفي الآية (8) بـ {وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ}؟
يقول سبحانه وتعالى: 7- {هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ..}: هؤلاء المنافقون طلبهم الدنيا والمال والله أعطاهم ما يريدون، أرادوا المال وطلبوه فأعطاهم وأصبحوا من أصحاب الأموال فقالوا فيما بينهم: {..لَا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّوا..}: لا تنفقوا على المؤمنين الذين مع رسول الله. بعض المؤمنين لا يعطيهم الله كثيراً بالبداية ولا يوسِّع عليهم بالمال لئلّا ينشغلوا بالدنيا والأموال عن إيمانهم، هؤلاء المنافقون قالوا لا تعطوا ولا تتصدَّقوا وتدفعوا أموالكم وبهذا ينفض المؤمنون عن رسول الله ويتركوه. {..وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ..}: هو سبحانه أغنى الغني وأفقر الفقير بيده كل شيء هو الفعَّال المسيِّر المتصرِّف هو رزقكم الأموال وأفقر بعض المؤمنين مؤقتاً لحكمة. {..وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ}: من أفعال الله شيئاً، لا يعرفون الحكمة ولا يعرفون أن الله هو الرزاق. إن شاء رزق فقراء المؤمنين وأعطاهم، لكن رحمة الله بهم لا يعطيهم الآن لئلّا ينشغلوا عن إيمانهم وتسحبهم الدنيا وشهواتها.
8- {يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ..}: يخرج المهاجرون الأنصار. قال المنافقون هذا ليوقعوا الفتنة والتفرقة بين المؤمنين. قالوا: أهل مكة المهاجرون هم أصبحوا أصحاب الحكم والأمر. فهم الأعزَّاء حيث رسول الله هو الحاكم وهو منهم، وغداً الأنصار لن يكون بيدهم شيء فيكونون أذلاء، فغداً يخرجوننا من المدينة. يريدون بذلك أن يفشوا الشقاق في صفوف المسلمين. {..وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ..}: الله يرد على هؤلاء المنافقين: أن لا فرق بين المهاجرين والأنصار، فكل من آمن رفع الله شأنه فلْيؤمنوا فيرفع الله شأنهم. {..وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ}: هذا. لا يعلمون أن الإيمان يرفع شأن الإنسان.
السلام عليم ورحمة الله
سيدي الكريم ما تأويل بداية الآيات في سورة الرحمن؟ ولماذا أتت الرحمن دون بقية أسماء الله الحسنى البقية؟ علّم القرآن، هل علّمه لكافة الناس عموماً أم خصّه لأحد؟ خلق الإنسان علمه البيان فما هو البيان؟ إلى الآية (10).
بسم الله الرحمن الرحيم
{الرَّحْمَنُ ، عَلَّمَ الْقُرْآنَ}: اسم الذات الإلۤهية "الرحيم" وهي خاصة بأهل الطاعة من المؤمنين، حيث يقضون حياتهم الدنيا بهناء و حبور فليس في حياتهم نغص ولا همّ ولا غمّ، أي: لا مرض ولا ألم ولا حروب ولا أحقاد ولا بغض ولا كره ولا شقاء. سعادة تتلوها سعادة أوسع ومسرات ومكاسب ورضى من الله خير، لكن البشر الذين حملوا التكليف والأمانة قسم كبير منهم غيّر وخالف عهده بالأمانة وخان وترك ربه، فاقتضى الأمر العلاجات لذا تجلَّى عليهم تعالى باسم الرحمن لينقلهم بالشدائد من اسم الرحمن إلى اسم الرحيم {ِبسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (1) الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ}.
وبما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان المجلّي الأسبق أرحم الناس بالناس وأشدّهم رأفة وعطفاً عليهم لذا تجلى تعالى عليه فعلّمه القرآن لينقلهم صلى الله عليه وسلم إلى الجنات العلا للذين خالفوا ويزيد أهل الطاعة سموّاً وعلوّاً.
{خَلَقَ الْإِنسَانَ ، عَلَّمَهُ الْبَيَانَ}: ثم خلقهم في هذه الدنيا ليعلّمهم صلى الله عليه وسلم الإيمان، فيستأنسوا بالله ويعودوا لارتشاف النور والكمال والمجد والجلال فيغدو حقاً إنساناً إنسانيّاً مستنيراً، يميّز خيره من شره فيعمل الخيرات فيَسعد و يُسعد عباد الله، ويقبل على ربه بوجه أبيض فينال بدل الجنة التي كان بها بالأزل جنات وجنات, إذ بالإيمان الذي تعلّمه و طبّقه ونال المكرمات والجنات. لقوله صلى الله عليه و سلم: (إنما بعثت معلماً)، فهو ﷺ معلِّم بالإيمان (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)، فهذا الإنسان وقد تعلم البيان عن رسول الله صلى الله عليه و سلم وأخلص لرسول الله وحده ولله، فعقل بشهود حقائق ما تلا عليه ﷺ. ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم له وقت ثم ينتقل فيخلفه من ينقل نور الله ونوره للخلائق.
{الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ}: فكما أن للأجسام وحياتها شمس وقمر، فكذلك للقلوب والنفوس شمس وقمر وكواكب، كما كان سيدنا يعقوب شمساً للرجال وأمُّنا زوجته قمراً للنساء، وأبناؤه الأتقياء كواكب نورانية يهدون الناس سبل الرشاد والسعادة والخيرات بمعية رسوله سيدنا يوسف القلبية لذا جعل تعالى لكل عصر من الناجحين في الأزل للإنقاذ والهداية نفوساً نورانية بقوله تعالى: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104].
{وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ}: وقوله تعالى: {وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [القصص: 51]. وجعل السراج المنير صلى الله عليه وسلم نجمهم، {وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} [النحل: 16]، فيهدون بني الإنسان إلى السعادة والجنان. وكما قال سيدنا عيسى صلى الله عليه وسلم: (أنا الكرمة الحقيقية..) وقال للحواريين: (..وأنتم الأغصان)، أي: يُمدُّون الخلق عن طريق شجرة الكون و الزمان الرسول النبي، بثمار الجنة ويغذّون قلوبهم فلا تبغي نفوسهم بعدها عرض الدنيا الزائل وزخرفها الخادع الفاني .
{وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ}: أي أنه صلى الله عليه وسلم النجم الذي هوى، والأنبياء الكرام دوماً يطلبون الفضل والخيرات لعباد الله، إذ هوى بالحب على حضرة الله وبالعطف على كافة العالمين.
{وَالسَّمَاء رَفَعَهَا..}: كانت المخلوقات بالأزل بسماء جنة عالية قطوفها دانية، لذا وبعد رقي السادة والرسل والنبيين ثمّ من تبعهم بنجاح سمواً وعلواً، فازدادت سمواتهم علواً وعطاءات تبارك تعالى بها عليهم.
{..وَوَضَعَ الْمِيزَانَ}: أي وضع التفكير عن طريق الدماغ في جسم هذا الإنسان، ليزن الحقائق بفكره ويميِّز بين صنع الخالق وصنع المخلوق، والفرق بينهما عندها يرى ألَّا عظمة إلا لله ولا قوّة ولا حول إلا به ولا جمال إلا من لدنه ولا وجود إلا بوجوده ولا حياة إلا من الحي ولا قيام إلا به، فهو الحي القيوم، وكلُّ شيء باطل وعاطل إلا هو تعالى فمنه الخير وحده.
نقول: ميزان الصائغ الذي يزن الجواهر النادرة بأدق الأوزان، كذا وضع لك الميزان لتغدو من بني الإنسان. وماعدا ذلك فشيطان أو حيوان، والجنات للإنسان.
{أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ}: ولكن حذار أن تستعمل هذا الميزان في الطغيان، أن تكون أمّة هي أربى من أمّة، ولهم الويل مما يصفون، ولا جنّة للحيوان.
{وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ..}: أعطوا كل ذي حقّ حقّه لأنّ هذا الفكر به تؤمن، عندها ترجع إلى النور إلى الجنات والمسرات بالبهجة والسرور.
{..وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ}: أي اربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل فتهمل استعمال هذا الميزان حتى يصدأ، حذار أن تتصف في وصف الحيوان.
{وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ} [سورة الصافات: الآية 108]
الآيات تتحدث عن سيدنا إبراهيم عليه السلام. وسيدنا إبراهيم نال مرتبة عالية عند ربه بما قدَّم من جليل التضحيات وآخرها عندما أمره ربه بأن يذبح ابنه سيدنا إسماعيل، فقال سمعاً وطاعةً يا رب {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ..}: عندما نجح نجاحاً لا مثيل له، قال له تعالى: {..قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً..} سورة البقرة: الآية (124): عن أهلية وبالحق والاستحقاق وذلك بأن سنَّ سيدنا إبراهيم طريق الإيمان وهو الطريق الموصل للإلۤه بالتفكير في آياته تعالى الكونية وثنايا صنعه.
كما فكر سيدنا إبراهيم بالكواكب والقمر والشمس حتى وصل للإلۤه. قال تعالى: {وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ} سورة البقرة: الآية (130). كل من أراد أن تكون صلاته صحيحة وصلاة حقيقية عليه أن يقوم بما قام به سيدنا إبراهيم عليه السلام من السعي بطريق الإيمان من ثنايا الكون وبهذا غدا سيدنا إبراهيم النموذج الإنساني الأعلى للبشرية والقدوة المثلى لسالكي طريق الحق والحقيقة والدين وكل من سار مساره وسلك طريقه فهو بصحيفته وقد آل إلى طريقه، بل ونحن مأمورون بذلك كما في الآية: {قُلْ صَدَقَ اللّهُ فَاتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً..} سورة آل عمران: الآية (95): وهذا حقاً ما فعله الصحب الكرام عندما ناقشهم اليهود والنصارى: {وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً..} سورة البقرة: الآية (135).
إذن: لسيدنا إبراهيم وظيفة بالحال مع كل مؤمن بعده وكل مؤمن سلك طريقه عليه السلام فهو بصحيفته ومن آله، وأيضاً من ذريته كل من سلك مسلكه بالإيمان عن طريق الآيات الكونية وكان صادقاً بطلب الوصول بهذه الأصول فهو من آله قلباً وقالباً.
هؤلاء جميعاً بصحيفته وقد أصبحوا من آله في الجنات.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيماً (53) إِن تُبْدُوا شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً} [الأحزاب: 53-54].
يرجى شرح التعاليم الواردة في الآية الكريمة السابقة.
في هذه الآيات العظيمة الكريمة تمَّ نقل المؤمنين من الجاهلية إلى الإسلام ومن الضلالة إلى الهدى، من العمى القلبي إلى البصيرة ومن الشقاء إلى النعيم والهناء وبتطبيق المؤمنين لهذه القوانين والنصائح الإلۤهية المفيدة سيَّدهم تعالى على الأمم.
إذن: كان العرب قبائل همجية لا نظام لهم ولا قانون لسيرهم، الفوضى تعمُّهم فلا تنشأ لهم دولة ولا حضارة يغيبون في جوف الصحاري لا مبادئ لديهم فجاء الإسلام ونظَّمهم وِفق نظامٍ ومبادئ ثابتة، وهذه الآية من الآيات الفاصلة التي فصلت بين العرب والجاهلية وبين الإسلام المتقدّم المنظَّم، ونظمت المسلمين قروناً، ففيها قوانين الحياة الاجتماعية الكاملة وقانون دخول البيوت والنظام الاجتماعي الإنساني الذي يورث المحبة بدل البغضاء، والتآخي والتآلف بدل العداء والتنافر، وبما يكفل السعادة للمجتمع الإنساني من النواحي الاجتماعية والراحة النفسية.
ومن المسلَّم به أن القانون الإلۤهي الذي يضعه الخالق عزَّ وجل يكفل سعادة الخلق عامَّة آحاداً وجماعات، صغاراً وكباراً نساءً ورجالاً، وفي كل زمان ومكان وعصر ومصر فجاءت الآية:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ..}: والطعام هنا ليس المقصود فيه ذلك الطعام المادي من مأكل ومشرب، فليس بيت النبي مطعم أو فندق، إنما المقصود بالطعام في الآية الكريمة الغذاء النفسي، فكما للجسم غذاء لديمومة الحياة، كذلك للنفس غذاء لتواصل الحياة القلبية وعدم الانقطاع عن الله، وهذا الغذاء تجده عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي مجالسه التي هي روضة من رياض الجنة، تُنال بها العلم والمعرفة والنعيم القلبي الذي يروي النفس رياً ويغنيها عن الدنيا الدنية وملذاتها وبهرجها الزائل المنقضي المحرَّم، فهذا الغذاء القلبي عند رسول الله دائمي لما بعد الحياة الدنيا وبه تنال الجنات والمكرمات وهو الغذاء الحقيقي الباقي للنفس.
والله يعلِّم المؤمنين آداب الدخول على بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالرسول لديه مشاغل وأعباء كبيرة، فلا يجوز الدخول إلى بيته إلا ضمن مواعيد محدَّدة ونظام وضمن الإذن والأدب، وهذا النظام لم يكن معروفاً عند العرب في الجاهلية حتى جاء الإسلام ونزلت هذه الآية الكريمة لتعلِّم المسلمين النظام في أيام أو أوقات الدروس النظامية، كساعة حضور درس الجمعة، ودرس قراءة القرآن وحفظه، ووقت كتابة دروس الوحي وغيرها، فبذا يهذِّب طباعهم ويشذِّب عاداتهم ويقوِّم الاعوجاج.
{..غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ..}: ليكن همّك الحقائق والعلم والمعرفة، ولا يكن نظرك إلى الصورة من أثاث البيت وبنائه وفرشه وزينته فهذه الأمور الشكلية والصور لا يعبأ بها إلا من خفَّت همَّته وضعفت عزيمته، أما أصحاب الطموح العالي، فهم ينظرون إلى اللب ويتركون القشور والسفاسف من الأمور، يفكرون ويعقلون ما يتلى عليهم من العبر والقصص النبوية والآيات.
{..وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا..}: للدروس، ضمن دعوة من قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وضمن الأنظمة المذكورة أعلاه للدروس.
{..فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا..}: أي إذا استفدت أنت ونلت مرادك وعثرت على غذائك القلبي وانتهت الدروس فافسح المجال لغيرك واترك المجال لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليتفرَّغ لشؤونه ومهامه الجسام الخاصة وأمور الأزواج والأبناء، فهو رحمة للعالمين قاطبة، ويؤسس لبناءٍ عظيم يدوم قروناً، فلديه من المشاغل الكثيرة، فلا تعرقل مسيرة الأمّة بجلوسك، كما لزوجاته رضي الله عنهن لكل واحدة يوم تتشرَّب به العلوم والمعرفة لتكون هادية لبنات جنسها من المؤمنات.
{..وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ..}: الرسول رحيم ولطيف وحليم يؤانسك ويلاطفك، من حنانه الشديد لا يتكلَّم بكلمة خشية أن يُجرَحَ أحدٌ أو ينفر فيهلك النافر.
{..إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ..}: هذا الشيء يثير عليه بسببك حفيظة زوجاته بحقهن، فالوقت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمين جداً والثانية لها قيمة، فلا تقتل وقت النبي فهذا يؤذيه، والرسول رحيم وحليم وحنون.
{..فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ..}: لا يقول لأحد انصرف خشية أن ينكسر خاطره، وبالتالي ينقطع عن رسول الله وبذلك يكون قد انقطع عن الله لأن رسول الله هو حبل الله المتين.
{..وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ..}: الله يبيِّن الحق ويضع النظام الكفيل بسعادة البشرية جمعاء أفراداً وأمماً ولتدوم السعادة قروناً.
{..وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ..}: هذا قول الله تعالى الذي هو أعلم بقوانين العباد وسبل خيرهم وهو المحب الرحيم بهم يأمرهم بالحجاب ويبيِّن حكمته لنساء الرسول صلى الله عليه وسلم اللواتي هنَّ قدوة لنساء المؤمنين ليتبعوهن بالحجاب.
فإذا وفد وافد لبيت رسول الله ولم يجد أحداً ولم يكن فيه سوى النساء بيَّن الله نظام الحديث أن يكون ضمن الحاجة، وأن يكون من وراء حجابٍ ساترٍ لمحاسن المرأة كلها فلا يتلوَّث القلب بجرثوم الشهوة المهلكة ويبقى من المرأة حديثها الذي هو من وراء حجاب، ويجب أن يكون الحديث جدياً للغاية وحازماً.
{..ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ..}: لطهارة القلب من أن يتلوَّث بجرثوم الشهوة في حال معاينة محاسن المرأة وجمالها، فالحجاب الغاية منه سلام القلب وطهارة النفس.
{..وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ..}: المؤمن لا يصدر منه هذا العمل الشنيع، المؤمن حريص أشد الحرص على عدم مضايقة النبي وإيذائه.
{..وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً..}: لا يجوز لأحد من المؤمنين أن يتزوّج إحدى نساء النبي من بعده، هذا لأن الزواج إنما هو رابطة نفسية كما في عقد القران: (زوَّجتك نفسي بنفسي لنفسك)، وبهذه الرابطة النفسية ينهض القوي بالضعيف إلى مدارج الإيمان، ويأخذ الرجل المؤمن بيد المرأة إلى الجنات ويشربها من مشربه العالي ويغدق عليها بما أنعم الله عليه من العطاءات والجنات، فهو شفيعها ليصل بها إلى رضاء الله والجنات، وهكذا صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم من زوجاته الطاهرات داعيات مرشدات لبنات جنسهن المؤمنات وأنقذهن من الظلمات إلى النور، فمن هو أسبق من رسول الله وأعلى منه حتى يأتي من بعده ويشرِّب أزواجه من التجليات الإلۤهية العظمى أكثر مما شرَّبهن رسول الله؟!...
طبعاً لا يوجد أحد أعلى وأعظم من رسول الله، والإسلام ليس فيه انخفاض بل دوماً علو وسمو ورفعة ولا يرضى بالتراجع، لذلك حُرِّم على المؤمنين الزواج من زوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعده تحريماً على التأبيد.
{..إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيماً}: مخالفته عظيمة جداً، فبعد أن كانت تأخذ من أعلى باب وأعظم نوال عن طريق سيد الرسل والأنبياء تنخفض مرتبتها وتأخذ من أحد المؤمنين!
هذا لا يرضى الله به أبداً. {..إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيماً}.
أود أن أسأل عن الآية 54 في سورة الكهف {ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً}.
والسؤال: لماذا وردت أولا الناس وبعدها وردت الإنسان، فهل كلمة الناس تشمل غير الإنسان أم ماذا؟ وشكراً لجميع القائمين على هذا الموقع.
(الناس): عندما جاؤوا إلى الدنيا لبسوا الدنيا وحجبتهم عن ربهم ونسوا كل شيء ماضي ونسوا حمل الأمانة ونسوا ربهم وهم أنفسهم أي الناس كانوا قبل عرض الأمانة قد صدقوا بعهدهم، هنأهم الله على صدقهم لقوله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً}.
والذي يهمنا في هذه الآية: {.. وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ..}: لأنه إذ ذاك استأنس بالله تعالى، فهذه مشتقة من الأُنس، فأصبح كلمة الإنسان مشتقة من الأُنس بالله، وهذا حين عرض الأمانة ثم جاؤوا إلى الدنيا وغيّروا ونسوا وهذه هي كلمة الناس: مشتقة من النسيان.
استمع مباشرة:












