تأويل القرآن العظيم-المجلد الرابع
سلسلة تأويل القرآن العظيم
(أنوار التنزيل وحقائق التأويل)
المجلد الرابع
- للعلامة الإنساني الجليل محمد أمين شيخو قدس سره
- جمع وتحقيق: الأستاذ المربي عبد القادر يحيى الشهير بالديراني
لمحة عن الكتاب
لقد نهج العلاَّمة بالدين وتأويل القرآن العظيم منهجاً سامياً عليّاً، يسمو بالإنسان لأسمى حياة... لم يكن عليه من سبقه من الكتبة والمفسرين والعلماء السابقين، منهجاً يمكِّن أي إنسان أياً كان مستواه الإدراكي والثقافي أن يدركه بمستواه، ويسعد بمعانيه، ويعلم ساعتها كيف أن القرآن الكريم: {الۤر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ} سورة يونس، الآية (1). مجملاً ومفصلاً.
لتُعلم حقائق الآيات بدقائقها والمراد منها.
ونهضَ بالدعوة إلى الله فبرهن وأبان الحجج تترى.
كشفَ حقائق المذاهب والطرق الملتوية ودحضها بالمنطق والحجة، فخاطب الإنسان ونفسه، واستنهض تفكيره، وعرض نظام الأكوان وما فيها من إحكام في التسيير وإتقان في صنع الخلْق: من عظمةٍ للجبال.. هي بحقيقتها عظمة خالقها التي أضفاها عليها، ووسعة وعظمة للبحار والسموات أضفاها عليهما أيضاً الواسع العظيم جلَّ شأنه لتصل النفس الطالبة للإيمان لليقين بشهود عظمة الإلۤه ووسعته اللانهائية كما آمن وأيقن السابقون الأُول. إذ يأبى الله أن يترك هذا الإنسان المعرِض منغمساً في شهواته، متجرداً عن إنسانيته، مُعرضاً عن موئل الفضائل والمكرمات جلَّ كماله، ضائعاً لا يدرك خيراً من شر ولا حسناً من سيءِّ.
يرى تعاليم الإلۤه سجناً وقيداً لطاقاته وإمكانياته وحرِّيته، فأرسل له من يوقظ تفكيره، وينبهه إلى مغبة أمره وعظيم خسرانه، ليأخذ بيده إلى دار السلام حيث الرضى والمكرمات والسعادة والإكرام بالأمان.كل ذلك ليتوب الإنسان وينال المكرمات، ولكي لا يقول غداً وهو بالحسرات:
{.. يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا} سورة الفرقان، الآية 27.
باب التوبة والسعادة مفتوح، فالتوبة بالعجل قبل فوات الأمل.
الصيغ المتوفرة:
هذا الكتاب متوفر بعدة صيغ: كتاب إلكتروني، صوتي، وورقي
كتاب إلكتروني:
معلومات الكتاب الإلكتروني
- الكتاب الإلكتروني بصيغة PDF، ePUB.
- الكتاب الإلكتروني مجاني.
- روابط التحميل تظهر لكم بعد تقديم الطلب.
- الكتاب متوفر على منصات غوغل بلاي، أبل ستور، أمازون.

كتاب صوتي:
معلومات الكتاب الصوتي
- الكتاب الصوتي بصيغة MP3.
- الكتاب الصوتي مجاني.
- روابط التحميل تظهر لكم بعد تقديم الطلب.
- الكتاب متوفر بشكل صوتي ومجاني في موقعنا، ومتوفر أيضاً في مواقع الكتب الصوتية العالمية الشهيرة.

كتاب ورقي:
معلومات الكتاب الورقي
- الكتاب الورقي متوفر للشراء من موقع الأمازون وشركائه، في أنحاء العالم.

أسئلة متعلقة بتأويل القرآن الكريم
ما تأويل الآية رقم 2 من سورة الفتح: {...ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطاً مستقيماً}؟
{لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ..}: فالله تعالى غفور أي: ساتر، فإذا أقبلت عليه النفس سُترت بنوره من الوقوع في السيئات. وهذا يوضِّح لنا الآيات التي ذكرت فيها المغفرة بحق الأنبياء كقوله تعالى: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ..}: أي: بهذه المعرفة التي حصلت لك بربك من إقبالك العالي عليه سترت نفسك بنوره تعالى، فحفظت من الوقوع في الذنوب فيما تقدَّم الرسالة وما تأخَّر أي: وما بعدها. {..وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ..}: أتمها الله عليه في الأزل فكان السابق الأسبق وليتمَّ عليه في الدنيا أيضاً وليكون السابق الأسبق. {..وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً}: جعله الطريق الموصل إلى الله للعالمين جميعاً في الأول بالأزل كان الطريق للرسل والأنبياء. والآن في الدنيا هو الطريق الموصل إلى الله لجميع الخلق ليتم نعمته عليه ويهديه صراطاً مستقيماً.
لدي سؤال حول الآية {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } الأنفال 24
السؤال ما الفرق بين المرء وقلبه؟
ولكم جزيل الشكر.
هؤلاء المخاطبين في هذه الآية الكريمة يحضرون مجالس رسول الله ﷺ، ولكن للأسف فإنهم لا يطبقون ما يتلوه عليهم ولا يلزمون أنفسهم بمجاهدة أهوائها، فهم أموات القلوب حقيقة، ولكن بمجالسة رسول الله تنعكس عليهم أحواله فيشعرون بأحوال أهل الجنة من فرح وسرور وسعادة وغبطة تغمرهم وحتى أنهم يشعرون بنعيم فهم يتقلبون فيه ويسعدون ولكن إن لم يستجيبوا لله وللرسول الذي يدلهم عليه ويدعوهم لما يحييهم لما به يكسبون الحياة الأبدية فسوف يطول عليهم الأمد وتألف نفوسهم هذه الأحوال فتملها وتقسو قلوبهم ومن رحمة الله تعالى بهم أنه يحول بينهم وبين قلوبهم أي تلك الأحوال والمشاعر التي كانوا يتقلبون بها بمجالسة الصادق ﷺ فلا يعود لهم ذلك الشعور والذوق فينكبون على الدنيا بملء طاقاتهم فيعبون منها عبّاً ومن ثمّ تحلّ بهم الشدائد والمصائب لعلهم يتوبون. فهذا إنذار بليغ.
{...وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} سورة الأنفال 24.
فالمرء: ذلك الذي عقل الدنيا وانعكست في طوايا نفسه فترك الله وهجر رسوله ﷺ حباً بها.
"والقلب" هنا المشار إليه بالآية الكريمة: الأحوال والمشاعر التي كان يدركها بنفسه ويتقلب بها بمجالسة الصادقين دون سعي منه أو جهاد صادق لهوى النفس.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
قال تعالى في سورة الطور الآية (38): {أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ}.
نرجو منكم شرح هذه الآية ولكم جزيل الشكر.
كان هناك أعداءٌ للمسلمين على مر التاريخ والدهور وذلك بعد ظهور الإسلام قوةً ضاربةً. وكان دأبهم دائماً إطفاء شعلة الإسلام المضيئة بشتى الوسائل، هذا لأن دولة الكفر لديهم قد أَفَلَت وصرح الفساد والطغاة أضحى منصدعاً، بعد أن ظلَّ حكم الأكاسرة سائداً دهوراً، وجاء المسلمون العرب فأزالوه وأخمدوا نيران شرورهم وطغيانهم وفسقهم، وكذلك اليهود بعد كفرهم طردوا شر طرداً من شبه الجزيرة العربية، لذا حقدوا وكادوا، ولمّا عجزوا عن المواجهة العلنية في ساحات الوغى، راحوا يلجؤون إلى حرب من نوع آخر فبحثوا عن السر الذي صنع من هؤلاء العرب الرعاة سادة وملوكاً، ضرب ذكرهم وملكهم الشرق والغرب وعندما أيقنوا أن هذا الشأو من العز والسؤدد لم ينل إلا بملازمة كتاب الله وسنة رسوله لذا كان شغلهم الشاغل تحريف الكلم عن مواضعه دسّاً وتزويراً، والنيل من كتاب الله بالتحريف، وبما أن القرآن العظيم فوق طاقة البشرية جمعاء وهم أخسأ من أن ينالوا منه بتحريف أو تزوير أو دسٍّ لأنه كلام رب العالمين والله عزّ وجلّ قد تعهد بحفظه.
ذهبوا إلى كتب العلماء المشاهير والأئمة الأعلام ينفثون سمومهم في دسوسهم فيها، حتى أنهم ما تركوا وعاءً إلا ولغوا فيه، صدّاً عن سبيل الله ودينه القويم وغدت الدسوس تنتشر في بطون كتب المسلمين انتشار السمّ في جسد الملدوغ، والأدهى من هذا كلّه أن مقلّدة العلماء، مدّعي الفقه والمعرفة أخذوا هذه الدسوس على أنها من أصل الدين، وراحوا يتحدثون بها على أنها روايات موثوقة لا يمكن للخطأ أن يتسرب إليها، وراحوا ينسجون حولها هالة من القدسية والعصمة ولو خالفت صريح القرآن ولو نالت من السادة الأنبياء والمرسلين بقصص وأساطير يتندى لها الجبين بل ويترفع عنها أدنى المؤمنين، فهجروا كتاب الله قولاً وفعلاً، وأضحى فقط للطرب والترنيم، من أجل هذا غُزينا في عقر دارنا وتداعت الأمم علينا كما تتداعى الأكلة على قصعتها. أمّا صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم تمسّكوا بكتاب الله وحده فما كان لديهم كلّ هذه المجلدات وهذه الروايات بل لم يكن لديهم كتاب سوى القرآن وبه فتحوا العالم وخرجوا من الصحراء كالإعصار مقتلعاً جذور الكفر، فالعرب لم يكن لهم كتابٌ أبداً قبل القرآن حتى أن الدواوين كانت بالفارسية إلى عصر الحجاج حيث جاء وعرّبها. إذن بالقرآن فقط بلغ الصحب الكرام ما بلغوا.
الآن نعود للآية الكريمة "موضوع السؤال":
{أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ..}: نقلاً عن شخص عن آخر عن آخر. سلم متدرجاً يصلون به إلى علماء دسوا عليهم أباطيلهم ونسبوها إليهم، أمثال: (البخاري، ومسلم، ومسند الإمام أحمد، والحاكم في مستدركه، وابن ماجه، والطبري، وغيرهم من الأئمة) زوراً وبهتاناً وصولاً إلينا، أي: أشخاصٌ ماتوا لا يستطيعون أن يشهدوا بباطلهم، فاليوم راح مقلّدة العلماء يعلّمون أبناءهم وطلابهم نقلاً عن الآباء والأجداد علماً موروثاً لا خير في معظمه، دون تحقيق ولا تدقيق من حيث موافقته للقرآن الكريم رغم مخالفته الصريحة لكتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، لأن الله تعهّد بحفظه ولم يتعهّد لغيره بهذا.
وقالوا: أن هذا النقل موثوق والرواة ثقة، ولكن كلّهم أموات لا أحياء فهل يقبل القاضي الشهود الأموات؟! أم هل تأخذ شهادة من شخص ميّت؟! فلو ادعى شخص أنّه يملك البيت الفلاني والشاهد لديه ميّت فهل يحكم له القاضي؟! وكما يقال الكاذب يُبعد شهوده، ومن أبعد من الأموات؟ إذن فهو دليل مبتور ولا يُؤخذ به، فكيف نقبل ونصدق كلام نُقل عن أموات من آلاف السنين؟! أوَلو خالف القرآن؟! ونال من الرسل الكرام ذمّاً وقدحاً؟! أوَلو نسب إلى الحضرة الإلۤهية وأسمائه العلية ما يخالف الرحمة والإحسان، فقط من أجل التواتر الموثوق على ادعائهم وهؤلاء مقلدة العلماء أخذوا العلم وراثةً عن أموات، لِمَ لمْ يأخذوه عن الله الباقي الذي لا يموت أخذاً من كتابه الكريم ومطابقته لكلام الله، أي: بما يوافق كلام الله لا بما يناقضه.
{..فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ}: هل يستطيعون إعادة الحياة لرواة الذين زعموا أن كلامهم صحيح ليشهدوا حقاً أنهم قالوه، وحاشا لله أن يتقولوا المنكر من القول المخالف للقرآن العظيم، فليأتينا بشاهدٍ حقيقيٍّ حيٍّ يشهد لنا حقاً؛ أو بقولٍ لا يخالف كلام الله القرآن حتى نصدقه فليُشهدنا صدق ادعائه ويرينا الحقائق.
أمّا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن ارتبطت به قلبياً بالصلاة، وهو السراج المنير يُرِكَ يا مؤمن الحقائق شهوداً بما لا يدع مجالاً للشكّ شهوداً يقينيّاً لا يتسرب إليه ريب ولا زور أبداً وهذا هو العلم الحقيقي المطلوب.
في سورة المؤمنون الآيــــة (14):
قال الله تعالى: {ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} فهل يعني هذا أن هناك إلٓهاً آخر؟
بسم الله الرحمن الرحيم
الخلق ليس إيجاد من العدم.
الخلق هو تحويل الشيء من حالة إلى أخرى، وهو إيجاد الشيء على غير مثال سبق، كما في الآية: {ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً..} سورة المؤمنون (14).
إذن: الخلق هو التحويل من نطفة إلى علقة إلى مضغة إلى عظام وهكذا.
كذلك منح الله الإنسان فكراً يستطيع بواسطته أن يبتكر ويصنع ويحوِّل المادة من شكل إلى آخر. فأصل السيارة مثلاً من المعادن التي في الأرض، حوَّلها الإنسان وصنع منها سيارة ضمن قوانين ولكن يدعوك الله هنا للمقارنة والمقايسة والموازنة بين صنع الإلۤه العظيم وخلقه وبين صنع الإنسان واختراعاته وخلقه أيضاً، فهذا خلق الإنسان وهذا صنعه خلَّف وراءه الآلام والأحقاد والحروب وصنع أدوات لتدمير الشعوب وابتكر حضارة كان نتاجها كما نرى أمامنا اليوم من فساد البيئة وتلوثها وتلوث جوِّها بالدخان وتلوث البحر بالنفط، قال تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} سورة الروم (41).
فهذه الفردوس التي صنعها الإنسان في دنياه كانت مغلفة بغلاف براق مخادع إلا أن حقيقتها ما نشاهده اليوم من كوارث وفيضانات وزلازل ومجاعات وسلب قوت الشعوب الضعيفة وما يتبع ذلك من حروب تضرس بأنيابها كل النضارة والحياة وتخلف الآلام والشقاء، وكما نرى اختلاف نظام الطبيعة من جراء ابتكارات الإنسان وحضارته الزائفة من احتباس حراري وثقب في طبقة الأوزون، وكذا ذابت ثلوج القطبين الشمالي والجنوبي والتي تأتينا بالينابيع والأنهار وانخفاض في مستوى المياه الإقليمية ونقص كبير في مستوى الأنهار في العالم وارتفاع بدرجات الحرارة على الكرة الأرضية ككل، كما عاد عليهم طغيانهم وفسقهم بالزلازل والبراكين وما يتبعه من الدخان البركاني والأعاصير والفيضانات وأمراض وأوبئة ما كنا نعرفها، مثل طاعون الطيور وجنون البقر وأنفلونزا الخنازير، هذا صنع الإنسان وهذه نتائج أعماله قال تعالى: {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ..} سورة المؤمنون (71).
أي أن الله منح الإنسان الحرية في الاختيار فهو يختار والله يمكِّنه من اختياره ويطلقه لما يريد مما صمَّم على تنفيذه ولكن حذره ما يعقب المخالفة من دمار وهلاك ولكن الإنسان راح يصنع وسائل للتدمير وسفك لدماء الأبرياء.
ووسائل حديثة نووية لا تبقي ولا تذر أمامها أحداً من البشر بقنابلها التي تصم آذان أهل الأرض وأعني بها الرؤوس النووية المحملة على الأقمار الصناعية وأسلحة التدمير الشامل التي تهدد العالم بالفناء في لحظة سقوطها على الأرض.
راحوا يتسابقون لإيجاد واختراع أسلحة أكثر تدميراً وأشمل هلاكاً للحرث والنسل، وهنا فقدت السعادة والأمن والاطمئنان وحل محلها الشقاء والآلام، كأمثلة السيارة وكيف تنقل مواسم الأرض وأنعامها من بلد لبلد آخر فيحرم أهلها الفقراء منها وبسبب ارتفاع سعرها، كذلك تكاليف نقلها وربح التاجر المورِّد والتاجر المستورد والبائع تضاف لثمنها فلا يتمكن من شرائها إلا الغني المترف، ولا يستطيع شراءها الفقير والمسكين في البلد المستورد، أما بالبلد المصدر بسبب تصديرها وقد بقي القليل الباقي وغلا ثمنها فيحرم منها الفقير أيضاً والمسكين، وصار غني مترف، وفقير محروم في المجتمع، وتنشأ طبقات اجتماعية متخاصمة متعادية، فقير محروم ساخط على الغني الذي حرم أولاده ويتمنى زواله، وغني خائف من سخط الفقير، وتنشأ طبقات اجتماعية ساخطة متعادية.
أما الطائرات فبلاؤها أعظم بكثير من نفعها لاسيما بالحروب، فهي تحرق الأخضر واليابس وتدمِّر وتحرق المدن والقرى، والفقير محروم من فوائد نقلها يناله تدمير قنابلها هو وأولاده، وملكه المتواضع وأشد بلائها حينما تلقي قنابلها النووية، فلا تبقي ولا تذر من حريقها وتدمير المخلوقات والبشر.
أما خلق الإلۤه العظيم فلم يوجد في هذا الكون الجميل إلا آيات بديعة أخاذة من الروعة والكمال حين أهدى لنا قمراً منيراً مكللاً بحلل الجمال والبهاء، ونجوماً وأجراماً عظيمة ظهرت لنا كمصابيح لطيفة تزين الليل والسماء، لولاها ما أكلت لقمتك يا إنسان، فهي وسيلة لمنح العطاء والحياة لك، ولم يسقط كسفاً من الغيوم والسحب التي هي كالجبال سوى قطرات مياه صغيرة لطيفة ولو أنزلت دفعة واحدة لكانت كطوفان سيدنا نوح لا تبقي ولا تذر ولهلك الزرع والبشر، بل أنزلها ذرات بلطف تحيي الزرع والضرع والمواسم الخيِّرة، كما أنزلها وَدَقاً "فيه ودّ الإلۤه ودقة صنعه" مفعماً بالحياة تتجلى فيها رأفة الإلۤه ووده وبركاته. هذا صنع الإلۤه فأروني ماذا خلق الذين من دونه؟!
غمرنا بأشعة الشمس الدافئة المتدفقة بالأنوار وما فيها من الحيويات، ويتحفنا الرحيم الشفوق ويطربنا بزقزقة العصافير وزغردة البلابل والكروان، وخرير المياه وحفيف الأشجار، ولم يوجد في هذا الكون الفسيح أي وسيلة للدمار والخراب وللقتل وسفك الدماء، فهو تعالى (السلام).
أمَّن لنا ما يعود علينا بالأمن والسلامة والهناء والسرور. هذا خلق الله العظيم.
{فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} سورة المؤمنون: الآية (14).
بسم الله الرحمن الرحيم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
سيدي الفاضل أرجو من حضرتكم شرح الآيات من (19) وحتى (22) من سورة المعارج ولكم مني سيدي الفاضل جزيل الشكر والامتنان والسلام عليكم.
يقول تعالى:
19- {إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً}: من المعنى اللغوي واضحة يا أخي، لأن قانون اللغة كما قال ابن جني في القاعدة اللغوية: (كل كلمة مشتقة من حرفين، فما زاد في المبنى زاد في المعنى).
فكلمة (هَلُوعاً): مأخوذة من هلَّ ووعى. وهلَّ: أي قَدُمَ وظَهَرَ، ووعى: لم يكن يعرف شيئاً عن هذه الدنيا ولا يعي شيئاً من الدنيا، وبدأت تنطبع فيه شيئاً فشيئاً، كما قال تعالى: {وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} سورة النحل: الآية (78).
وكلمة (هَلُوعاً): تتضمَّن الخوف لأنه يخلق المرء ضعيفاً عاجزاً لا حول ولا قوة له، بحاجة إلى غيره، أيُّ شيءٍ يؤثِّر فيه فيخاف ويلتجئ إلى أبويه، لأنه لا يستطيع أن يدافع عن نفسه، ولا أن يُطعم نفسه لضعفه وعجزه، فهو بحاجة إلى مُساعدٍ ومعاونٍ. وإن لم يكن هناك مساعدٌ، يمتلئ خوفاً من أيِّ مشاهدةٍ تخيفه، وهو كذلك ضعيف بحاجة إلى من يطعمه.
20- {إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً} أي: بما أن هذا ليس من المصلِّين بعد، لم ينطبع في نفسه الكمالات، لأن الكمال من الله وحده. فاكتسبت نفسه حب الدنيا، ولا تؤخذ الدنيا إلا غلاباً، وهذا الغلاب يكون "بأساليب مكيافيلي" بأساليب المكر والخداع والكذب والخيانة وقلة الأمانة، فيكتسب الصفات الذميمة المنحطة، وما كان الله ليتركه على هذا الحال المذموم، فيرسل له شتى أنواع العلاجات (الشدائد) بسبب هذه العلل التي انطبعت في نفسه من توجهه إلى الدنيا وحبها، وهذه الشدائد تشدّه لكي يلتجئ إلى ربه فيشفى، ويكون أهلاً للجنة وللسعادة، ولأن الله للسعادة خلقنا.
وكلمة (جزوعاً): أي جباناً خائفاً، لأنه لا شجاع إلا المؤمن الذي استقام على أوامر ربه وتجنَّب الشرور والأذى. ونتاج الإيمان الصلاة، وبالصلاة يكتسب الخيرات، وبسببها يفيض بالصالحات بما اكتسب في نفسه من كمال، وكل إناء بما فيه ينضح. ويكون الجزع بسبب التمسّك بالدنيا الدنية، فإذا أصابه الضرّ بماله مثلاً فهو جزوع، وإذا حلَّ القتال فهو يخاف ومن أبسط الأشياء يجزع، يجزع من الأصنام أي الأشخاص الذين كانوا نطفاً لا حول لهم ولا قوة.
أما المؤمنون المصلّون فلا يخشون إلا الله، وهم لا يخافون فقدان المال لأنهم صرفوه بوجوه رضاء الله ولا يخشون الموت لأنهم يعملون الخيرات وأعمال أهل الجنة، فهم سينتقلون إلى الجنات (والجنة تحت ظلال السيوف)، وبالنسبة للمؤمنين الموت تحفتهم.
21- {وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً}: إذا أعطاه الله من فضله وأمدَّه بالمال، وكلما ازداد غنى ازداد حرصاً على الدنيا، وخوفاً أن يفقر فيذل بظنه. هكذا يأمره الشيطان وهو له مطيع، ويفرّ من القتال في سبيل الله لأنه يخشى الموت.
22- {إِلَّا الْمُصَلِّينَ}: هؤلاء طهرت نفوسهم بالصلاة وزالت الأمراض النفسية منهم، فلا استحقاق عليهم، والإنسان على نفسه بصيراً فهو يعلم أنه لا شيء عليه فلا يخشى من شيء.
نستنتج من ذلك أن الصلاة رأس الأمر كله، لأن المصلين: {..لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ..}: في هذه الدنيا لأنه لا استحقاق عليهم، ولأنهم التجؤوا لجانب عظيم هو الله فكان معهم، ومن كان الله معه فمن ضده! والله معهم لأنه بيده مقاليد الجميع، فلا يُسلّط عليهم أحداً ولا سلطان لأحد عليهم {مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللّهُ شَاكِراً عَلِيماً} سورة النساء: الآية (147).
{..وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}: على الدنيا. إذا فارقوها لأنهم كسبوا خيراً منها كسبوا الجنات، ربحت تجارتهم. ولا يخافون من الموت بل بالعكس يفرحون بقدومه والموت تحفة المؤمن، وقال خالد ابن الوليد رضي الله عنه: (جئتكم برجال يحبون الموت) هؤلاء من المصلين.
فكن أنت منهم، عندها لن تكون للخير منوعاً ولا من الشر جزوعاً.
استمع مباشرة:










