مصادر مياه الينابيع في العالم
سلسلة الدراسات والأبحاث العلمية
حوار بين العلامة الكبير محمد أمين شيخو وفيلسوف القرن العشرين السير جون بينيت
- للعلامة الإنساني الجليل محمد أمين شيخو قدس سره
- جمع وتحقيق: الأستاذ المربي عبد القادر يحيى الشهير بالديراني
لمحة عن الكتاب
- ما هي النفس وأين مركز وجودها؟ وما هي وظيفتها؟
- وما هي الروح وأين مركز وجودها؟ وما هي وظيفتها؟
- وماهية العقل وأين يوجد؟ وما هي وظيفته؟
- وما هو الفكر ومركزه ووظيفته وعلاقته بالعقل وعلاقة ما سبق ببعضه؟
أسئلة مقدِّمةٌ لسؤال أكبر، سألها العالم الإنكليزي الشهير السير جون غودولفين بينيت لعالمنا الجليل. فمن هو "السير بينيت؟ وكيف تمَّ اللقاء؟ وما هو سؤاله الأكبر؟
أيها الأخ العزيز: ألا تحبّ مشاركتنا برحلة فكرية تصوّرية رفيعة سامية؟
ألا تحبّ أن تضيف إلى معلوماتك شيئاً جديداً لا بل علماً وحقيقة عجزت بشريةُ عصر الذرَّة وارتياد القمر وبما ابتكرته من أجهزة وإلكترونيات أن تعلمه؟
ألا تحب أن نقف معاً على أبواب لغزٍ حيَّر العلماء والجغرافيين والباحثين يطرُق لنا بابه؟
لغز حيَّرهم حتى راح أحدهم يُصلِّي: ربِّي رحماك أين الجواب؟
لغز وقف أمامه الجغرافيون والباحثون والعلماء حيارى مصعوقين نادبين حضارتهم وعلومهم؟
إنه كأس الماء الذي بين يديك تشربه وأشربه ولا حياة لنا من دونه.
ما مصدره؟ من أين يأتينا؟ وكيف؟
لنبحر معاً على سفينة هذا السؤال نستقصي من أين يأتينا هذا الماء العذب الرقراق لنشربه جميعاً؟ ثم من ساقه لنا؟ وكيف؟
الصيغ المتوفرة:
هذا الكتاب متوفر بشكل: كتاب إلكتروني.
كتاب إلكتروني:
معلومات الكتاب الإلكتروني
- الكتاب الإلكتروني بصيغة PDF، ePUB.
- الكتاب الإلكتروني مجاني.
- روابط التحميل تظهر لكم بعد تقديم الطلب.
- الكتاب متوفر على منصات غوغل بلاي، أبل ستور، أمازون.

استفسارات عن مواضيع في كتب العلامة الإنساني محمد أمين شيخو
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أخوتي الأعزاء لقد سألتكم البارحة ليلاً عن الجن وقد افترضت بعض الفرضيات من ضمنها أن قصة العلّامة ورؤيته للجن لا أصل لها وقد نمت بعدها وفي الليل رأيت بالمنام الأستاذ عبد القادر الديراني وقد كنا ثلاث أشخاص فسلمنا عليه واحداً تلو الآخر باليد وعندما جاء دوري لأسلِّم عليه وكنت الأخير أدار بوجهه عني ومشى ومشينا كلنا خلفه. ما هو تأويل هذا المنام على الرغم أنني أعتبر نفسي من السالكين بطريق الإيمان كما بيَّنه العلّامة الجليل.
إذن أراك الله كرامة العلّامة حبيبه مَنْ لبراهين صدقه معجزات، وهذه الرؤيا كرامة لك لأن العلّامة حقاً صادق الوعد أمين لا ينطق إلا بالحق، لأنه حقاً عرف الحق ويدل عليه، فلم ينطق إلا بالواقع والحق وهو ولي حقيقي لله فلم ولن يكذب، وفي الحديث القدسي: (من آذى لي ولياً فقد آذاني)، والأذى يتم قولاً. هذا ولكرامتك عند ربك أراك الحق لتحفظ لسانك الطاهر عن قول الخطأ بحق ولي الله الذي قضى عمره لرضى الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وأستميحكم عذراً لدي استفسار وهو:
عندما ذهب فضيلة العلّامة إلى المخفر ولاقاه الضبع ليلاً ما هو سر عدم مهاجمة الضبع لفضيلته طوال الليل؟
من المعلوم أن الضباع من الوحوش ذات طبيعة جبن وتردد لدى مهاجمتها الإنسان فهي ليست كالأسود أو النمور أو الفهود ذات الشجاعة والجرأة في انقضاضها على فريستها.
بينما الضبع لا يجرؤ على مهاجمة شخصين أو حتى شخص واحد ممن اعتادوا على رؤية الضباع من البدو أو سكان الجبال، وإنه ليقوم بمناورات أثناء هجومه لكي يخيف ويضبع الفريسة "الإنسان" فإن وجده ذا جأش ثابت وقلب صامد غير عابئ به، يكفّ عن مهاجمته لشدة جبنه، ريثما يتوقع من الفريسة أن يسيطر عليها الخوف ولا ينقض عليه الانقضاض القاتل مالم يتم له السيطرة على نفس الفريسة بالخوف والجبن لكي يسيطر على جسمه، فإذا ما سيطر الخوف على الفريسة "الإنسان" وفَقَدَ السيطرة على أعضائه وأصبحت مفاصله مرتعدة راجفة، هنا يكون انقضاض الضبع، وفي هذه الحالة فقط إلا إذا جرح أو استدمى.
وجميع صيادي الضباع علموا تلك الغريزة في الضباع حتى أن أي أحد منهم يدخل جحر الضبع ويقوم بلجمه وتقييده وسحبه خارج وكره، والضبع لا يقوى على الحركة أو يبدي أية مقاومة لفرط الكآبة والجبن التي تحل بقلبه أثناء مهاجمته في وكره. وما نجده في قصة العلّامة الجليل أثناء قصته مع ذلك الضبع الكاسر أن الضبع قام بعدة محاولات لزرع الخوف فيه، وأطلق صرخاته وزمجراته بين الحين والآخر مناوراً بذلك كعادته مع فرائسه، ولكن هيهات.
فقد كان العلّامة الجليل رابط الجأش قوي القلب "كالصخر الأصم" لم ترتعد به جارحة قيد شعرة متكلاً على الله، يبادره أثناء كل محاولة بصرخة كلمة "ورصاص" دلالة على ثباته وشجاعته وعدم خوفه، فكانت الكلمة تهوي على الضبع كوقع الصاعقة أو كوقع الرصاص الحقيقي في رأسه.
وكلما نهض الضبع وهو يزأر زئيراً تهتز له تلك الوهاد والهضاب، فيكون الجواب بكل ثقة وبسط وسرور وصوت يلقي الذعر بقلب أي مخلوق: "صوت أبي طلحة يعدل جيشاً في القتال" فكيف بصوت العلّامة؟!
لقد كان يوعده وعداً صادقاً وهو يعني ما يقول، فكلمة (ورصاص) تعني أن أجله سيكون على يده بالرصاص، فإذا صدر القول عن قلب صادق تجبّن تجاهه الوحوش الكاسرة، وقد انعكس الأمر وأصبح الضبع جباناً لا يقوى على الهجوم.
إذاً فجبن الضبع أمام صوت العلّامة هو الذي أطال زمن المواجهة حتى مطلع الفجر، وعند مطلع الفجر انكشفت الرؤية وأصبح الهدف واضحاً، نفَّذ الصادق ما وعده للضبع بأن أطلق على رأسه الرصاص، ذلك وعد غير مكذوب.
ويجدر بنا الإشارة إلى أن البنادق في ذلك الحين لم تكن تطلق أكثر من طلقة واحدة وأن أيَّ خطأ في الهدف المميت القاتل قد يسبب جرحاً في الضبع يجعل منه وحشاً كاسراً، فكانت تلك الطلقة مع انحسار الظلمة نهاية لذلك الضبع بالموت في رأسه، والحقيقة أن أيَّ امرئ مؤمن مرتبط قلبه بالعلّامة الكبير لا تخشاه الوحوش الكاسرة فقط بل الجيوش الزاحفة ولو عرفنا مقام هذا الإنسان العظيم لتغيَّر وجه البسيطة فحلَّ السلام والأمن والأمان، وقُذِفَ بالحق على الباطل فإذا الباطل زاهق.
ومنْ تكنْ بِرَسُولِ اللهِ نُصْرِتُهُ إنْ تِلقهُ الأُسدُ في آجَامِهَا تَجُمِ
بسم الله الرحمن الرحيم
لدي إشكال حول موضوع جرت أحداثه في الأزل، وهو تماثل وتساوي النفوس عند خلقها ثم اختلافها وافتراقها بعد منح الحرية والإرادة في عالم الأزل، فإذا كان الله العادل جل شأنه قد خلقها متماثلة، فعلى أي أساس اختلفت بعد ذلك؟ مثال: لو جئنا بعشرة أشخاص متماثلين تماما في كل شيء من الكرم والأخلاق والتربية والدين... وطلبنا من كل واحد منهم على حدة أن يقوم بعمل ما خير أو شر، حيث نطلب منهم جميعا نفس الطلب مع منحهم حرية القبول أو الرفض ولأنهم متماثلون في كل شيء أعتقد أنهم سيجيبون بنفس الجواب تماما، فالجميع سيرفض أو الجميع سيقبل، أما إن اختلفوا فأناس قبلوا أن يتصدقوا بالمال مثلا وأناسا رفضوا التصدق، عندها سنحكم بعدم تماثلهم المسبق في الكرم والدين والتربية والأخلاق.. وسنقول: اختلافهم المسبق أدى إلى أجوبة مختلفة على طلب التصدق بالمال مثلا. وكذلك الطلاب المتماثلون تماما في الاجتهاد والدراسة سيأخذون نفس العلامات في الامتحان، والطلاب المختلفون ستختلف علاماتهم. أي عندما تكون المقومات المسبقة للأشخاص متماثلة ومتشابهة فسيتصرفون نفس التصرف تماما، وعند الاختلاف في المقومات المسبقة سيختلف التصرف. وكذلك التوأم الحقيقي (أي الطفلان اللذان أصلهما من بيضة واحدة انقسمت مشكلة مضغتين وأعطت جنينين) لديهما نفس المادة الوراثية في خلاياهما، ولذلك شكلاهما وجسماهما متشابهان تماما، وسيكونان من جنس واحد، ولا يمكن أن يكونا بجنسين مختلفين كأن يكون أحدهما ذكر والآخر أنثى. أي التماثل المسبق يؤدي إلى تماثل في النتيجة، والاختلاف المسبق يؤدي إلى اختلاف النتيجة. فأقول لنفسي: {لأن الله عادل فقد خلق جميع الأنفس متماثلة في كل شيء} هذا يقتضي {أن تتصرف النفوس نفس التصرف عند منح حرية الاختيار في الأزل} أي {عندما وضع الله الشهوة فيها كلها ستنظر للشهوة بنفس الدرجة} و {كلها ستحمل الأمانة بنفس الدرجة} و {كلها ستقول عند ألست بربكم: (بلى) بنفس الدرجة}. ولكن هذا لم يكن، فلم تتماثل كل النفوس عند منح حرية الاختيار، ولم تحمل كل النفوس الأمانة، واعتمادا على كلامنا السابق هذا يعني أن النفوس في الأصل غير متماثلة، هذا يعني أن الله سبحانه من الأساس خلقها غير متماثلة (حاشاه وتعالى عن ذلك)، وهذا أيضا يتنافى مع عدالة الله التي يشهد كل شيء في هذا الكون بها. إذا ملخص سؤالي هو: لا أستطيع أن أتصور حدوث أول تفارق ظهر بين النفوس في عالم الأزل إلا بكونها في الأصل مختلفة منذ أن خلقت، فالتماثل من المفروض أن يؤدي إلى تماثل لا إلى اختلاف وتفارق، فلماذا حصل هذا الافتراق الكبير للنفوس بعد أن كانت متماثلة في كل شيء عند خلقها؟؟ أريد أن أفهم على أي أساس حصلت أوووول نقطة افتراق للنفوس المتماثلة؟؟؟ رب قائل يقول: سبب الافتراق أن أناس نظروا للشهوة وأعمتهم الشهوة، وأناس نظروا لجمال وجلال الله تعالى، هذا أعرفه ولكن لماذا الأول طلب الشهوة والثاني طلب الله, لماذا هذا الاختلاف إن كانا متماثلين في كل شيء؟ علما أنني قرأت كتاب (عصمة الأنبياء)، لكنني لم أستطع أن أستخرج الجواب الشافي، أرجو أن يكون سؤالي واضحا بعيدا عن السفسطة، أرجو الإجابة، وشكرا جزيلا.
1- سؤالك لطيف وظريف يا أخي الكريم ولكن أمثلتك التي أوردتها لا نوافقك عليها السبب أن العشرة الفاضلين الذين ذكرتهم كأمثال أبي بكر ومن دونه من العشرة الأوائل هل إنفاقهم متماثل؟!
كذلك بالنسبة للمثال الذي أوردته في التوأم فهناك أولاد شقيقة ناشر كتب العلامة توأم ولكنه ذكر وأنثى. حتى في التوأم الحقيقي لابد من الاختلاف بينهم فإذا ما عشت معهم فترة من الزمن وبحثت بينهم الفوارق في الطول والعرض، وبالشكل وسمات الوجه وشكل العين وغيره وتميزهم تماماً وحتى تجد أن بصمة كل منهما تختلف عن الآخر. وبعد ذلك تجد اختلاف في الميول والصفات فكل واحد منهم يتجه باتجاه في سيره في الحياة.
وعلى كلٍّ، فهذا التوأم ليس شخصاً كاملاً مكلف له اختياره، بل جنين غير مكلف وهو جسم وغير بالغ ولا علاقة له وهذه الأجساد يوم القيامة تشهد على أصحابها، ولا يبلغ الإنسان السن القانوني ويكون مسؤولاً إلا في 16-18 وهذا الجنين أو التوأم الذي تتحدث عنه لم يبلغ بعد السن الشرعي أو القانوني حتى يسألوا عن تصرفاتهم أو صفاتهم.
فأنت تتكلم عن أجساد بمثالك الذي أوردته. وعلى كل حال لا تهمنا الأمثلة فقط بل يهمنا صلب سؤالك.
2- أخي الكريم : الله عز وجل عرض على الأنفس جميعاً حمل الأمانة لأنه أحب لهم الزيادة في النيل من جنانه وعطاءاته ولئلا يملوا في جنة واحدة كما تعرف لأن النفس من طبيعتها تحب التجديد والتبديل ولأنها تملُّ من حالٍ واحد مهما كان عالياً وتضجر إذا بقيت على درجة واحدة. فإذا توقف القطار عند منظر جميل واحد فبعد قليل ترى الركاب يتململون ويتذمرون أما إذا سار فإنهم يشعرون بالسرور ويتمتعون بتتالي المناظر الخلابة والتنقل من مشهد إلى مشهد آخر.
كذلك الرائي إذا تعطل وتوقف عند مشهد واحد فإن الناس يملّوا منه ويتركونه لغيره أما بتنقل المناظر فهم في شغف وطرب، والأمر نفسه بالنسبة للأصوات الشجية فمهما كان الصوت شجياً وجميلاً وطروباً إذا بقي على حالة واحدة فترة، فالناس يملون ويضجرون فالنفس تتوق إلى التغير والتبديل والتجديد (وكل جديد على القلب لذيذ) أطيب الطعام إذا بقي عليه الإنسان فترة من الزمن فهو يشتهي التغير ويملّ منه. وكذلك الأمر في الأزل كنا جميعاً على سوية واحدة وبجنة واحدة وخشية الملل عرض الله على الأنفس جميعها بدل الجنة جنات فتانة تسلب الألباب وتشده العقول وتنقل النفوس من سمو لأعلى ومن منظر إلى منظر أرقى وأحلى وذلك بأن تحمل الأمانة فعرض على الأنفس جميعها أن تكون حرية الإرادة والاختيار ملكاً لها لا ينازعها فيها منازع، تختار ما تشاء وهي محاسبة على اختيارها هذا. قال تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ..} وكلمة (عرضنا): تحمل احتمالي القبول والرفض، فالمعرض في السوق يعرض لك البضائع ولا يكرهك على الشراء أو عدمه وتكون لك الحرية في اختيار ما تريده وما تشاء.
وكذلك الأمر: الله عرض مجرد عرض على الأنفس جميعها حمل الأمانة، وهذا ما أشارت إليه الآية الكريمة في قوله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ..} وحمل الأمانة يعني أن تكون حرية الإرادة والاختيار ملكاً للأنفس وهذا يعني أن هناك احتمالين اثنين إما ربح عظيم أو خسارة كبرى، والأنفس جميعها على الإطلاق قبلت حمل الأمانة بادئ ذي بدء وهذا موافق لرأيك طمعاً في النوال والغنيمة والجنات اللامتناهية ولكنها نظرت إلى الخسارة المحتملة فخافت وخشيت فقدان الجنة التي هي فيها وهذا ما تفيده كلمة (أشفقن منها): أي طمعوا في الربح العظيم إلا أنهم تراجعوا عن هذا الحمل الثقيل خوفاً من الخسارة وفقدان الجنة وفضلت ألا تكون مخيرة، وتبقى مسيرة بوظائفها خدمة لمن حمل التكليف، ولا تغامر مغامرة ربما تخسر فيها الجنة لذلك رضت أن تكون خادمة لمن يحمل الأمانة وتلك هي السموات والأرض وما فيها والجبال. إذن هناك في أصل العرض احتمالين اثنين إما الربح العظيم والجنات المتتالية المتعالية إن وفوا بالعهد أو الخسارة الكبرى إن خانوا العقد فكيف جعلتها يا أخي احتمالاً واحداً فقط وهو ربح مطلق وعلى درجة واحدة ونوال منزلة واحدة والسمو إلى مرتبة واحدة كلهم متماثلون؟!. ألا يوجد في الجلاءات وعند المتفوقين أول وثاني وثالث وهلمّ جره إلى أدنى المستويات أم كلهم في درجة واحدة؟!. وهذا ليس واقعي ولا منطقي لابدّ من التباين والاختلاف مهما كان الطالب مجداً ونشيطاً ومجتهداً قد يكون هناك من يتميز عنه بالنشاط والاجتهاد ويفوقه أيضاً.
كذلك في الأسرة الواحدة ذات البيئة الواحدة ومن نفس الأبوين ونفس التربية ونفس المؤهلات والإمكانيات، لا نجد أخاً يشبه ويماثل أخاً آخر أعني لا يوجد أخ يتطابق مع أخ آخر تمام التطابق لابد من وجود فوارق في الميول والجهات وإن جلسوا على مائدة واحدة ترى كل شخص يختار ما يشاء من طعامٍ يختلف عن الآخر.
وإذا رُفِعَتْ عن الجنود الأوامر المنتظمة في السير المنتظم وتركتهم لحريتهم ترى كل جندي يتجه باتجاه مختلف عن رفيقه وهذا معنى الحرية وإن رأيتهم وفق نظام واحد وبكلمة واحدة أرتال تتحرك وبكلمة تتوقف فاعلم أنهم غير مخيرين إنما مجبرين. وأنت قلت يا أخي أن هناك اختلاف بالدنيا بناءً على اختلافٍ بالأزل.
فيا أخي نوالهم حرية الاختيار عندها يكون احتمالين قبول أو رفض عند الخوف من الخسارة لذا رفضت المخلوقات خشية الخسارة والإنسان خاطر وغامر.
فيا أخي: كيف جعلت الأنفس لها احتمال واحد؟! والله أطلقها إلى عدد لا متناهي من الاحتمالات. وكيف فرضت الربح المطلق؟! ولو كان كذلك لكانت كل الأنفس حملت الأمانة ولا يتراجع أحد عن حملها ولَـمَا أشفقت منها خشية الخسارة أبداً. إلا أن الحقيقة أن الله عرض الأمانة على جميع النفوس وتصدى الإنسان لهذا الحمل العظيم وقبل بالتكليف وعلى ذلك نال من الله التشريف وأَكْبَرَ الله مغامرته تلك، وأثنى عليه لقبوله للعرض إذ كان الإنسان بحملها صادقاً لذا حمدنا الله في استجابتنا لخيرنا وجناتنا وعطاءاتنا وكان العهد ألا ننقطع عنه تعالى طرفة عين وأن نبقى مستنيرين بنوره فلا نخسر وننال بدل الجنة جنات وعندما دبّ الله الشهوة في نفوسنا بعد أن أشهدنا كل شيء وذكرنا بعهدنا وصدْقنا وحذرنا من الانقطاع وعدم الوفاء بالعهد ومن الخيانة والخسارة إذا لم نفِ بالعهد. وهذا ما نفهمه من آية: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ..} سورة الأعراف: الآية (172).
هذا يعني أن هناك احتمال الربح واحتمال الخسارة إن أبوا واستكبروا ولو كان احتمالاً واحداً كما تقول فمعنى هذا نفي منح الحرية والاختيار وجعل الإنسان مسيَّر مجبر كالآلة. والأمر ليس كذلك فالله أعطى النفس المكلفة كامل الملكات والأحاسيس والمشاعر وأعطاها فكراً لترقى به وجعلها ذوات عاقلة ومنحها الاختيار وكامل الحرية وهذه الأنفس ليست جمادات وآلات تعطيها شيئاً واحداً فتعطيك نفس المردود، ليس هذا مقبولاً في مجال النفس الشاعرة التي لها حريتها وملكاتها، فهي ليست مسيرة بل مخيَّرة تستطيع أن تختار وباقي المخلوقات لا تستطيع الاختيار بل تبقى مسيرة ضمن وظيفتها وليس لديها فكر لأنها اختارت مسبقاً في عالم الأزل.
حتى بالنسبة للناجحين الأوائل وهم السادة الرسل والأنبياء هناك تفاوت في الكمالات التي نالوها رغم أنهم على درجة عالية في النجاح نالوا شهاداتهم مسبقاً وهم السابقون الفائزون ومع ذلك هناك تفاضل بينهم وليسوا على درجة واحدة، قال تعالى: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ..} سورة البقرة: الآية (253).
وإذا كان الأمر على رأيك يا أخي أنه يجب أن تكون جميع الأنفس بسوية واحدة ودرجة واحدة هذا يعني أنهم مسيّرون ومجبرون غير مخيرين وهذا غير مقبول.
وهناك مجموعة قوانين إن طبقها الإنسان يكون قد وفى بعهده وإن خالفها يكون قد خاب وخسر وعلى قدر التفريط تكون الخسارة متناسبة.
فقسم قرر بكامل حريّته الوفاء بتطبيق ما أوصاه الله به وبَدَأ ينتظر بشوق وحنين وصدق عظيم وجعل الشهوات كمطايا لا كأهداف وكوسيلة للرقي وللنهوض لا كغاية وهؤلاء السادة الأنبياء الذين نجحوا مسبقاً وفازوا فوزاً عظيماً.
وقسم آخر بما أنه منح حرية الاختيار ورأوها ملْك يديْهم فانفكوا عن الله وانكبوا على الشهوات اعتماداً على حرية اختيارهم، وعرفوا أن الله لا ينازعهم بحرية إرادتهم ولا ينزع عنهم هذه الحرية لأن الله لا يغيّر، وبخسارتهم ربهم خسروا سمعهم وبصرهم وكافة أحاسيسهم لأنه تعالى الممد بها وهم انفكوا عنه ففقدوها. وهنا بالدنيا أخرجهم الله وعوّضهم بدل السمع الذي فقدوه والبصر والذوق بأعضاء جسدية يسمع من خلالها ويبصر ويتذوق ويتعرَّف على الأشياء من خلال الجسد وزوده بسلاح "أعني به الفكر" يستطيع بواسطته أن يصل إلى الإلۤه فإذا استعمل تفكيره في الصنع وفي الكون يتوصل إلى الإلۤه الذي فقده، فهذه الدنيا دورة جديدة المجتهد فيها ينال.
والحرية هي الآن ملك يديك فاختر لنفسك الربح والفوز وتلافَ الخسارة، فالباب هنا في الدنيا مفتوح على مصراعيْه والخيار خيارك فاختر الجنات التي هيأها الله لك ولا تختر النيران والخسران بسبب شهوات منقضية يعقبها الألم الأبدي وقانا الله وإياكم أن تكون النيران المسكِّنة للآلام لنا لزاماً.
سألت أحد الأخوة عن سبب انشقاق الأستاذ عبد القادر عن الشيخ عبد الهادي الباني ولكن كان الجواب غامضاً ولم يشرح السبب؟!
ودمتم بخير بعون الله.
الأخ الفاضل حفظه المولى الكريم... آمين
كلاهما كانا عند العلامة الكبير محمد أمين شيخو قدس سره ومدده الدائم، وهما عنده مريدان.
وبعد انتقاله قدّس سرّه: ما الذي يُجبر أحدهما على البقاء مع الثاني وكلاهما مريدان ولم يحدث بينهما أي اختلاف أو عداء أو ذم أبداً، ولم يبدَّل أحدهما دينه وكلاهما على صراط مستقيم، لم يكفر أحدهما أو ثانيهما، وكلاهما من رسول الله ملتمسُ "غرفاً من البحرِ أو رشفاً من الديمِ".
بل بقي عبد القادر يرتشف من معين العلامة الكبير شيخه وشيخ الباني. لزم غرزه وعمَّم علومه على العالمين ولم يزح عنه وعن علومه القرآنية قيد أنملة، فما الغموض أدامكم الله وإياي على صراط مستقيم.
السلام عليكم في سيرة حياته الشريفة ذكرتم أن العلّامة لمّا بلغ الأربعين من العمر قرأ سورة الفاتحة شهوداً، ورأى ملكوت السموات والأرض. أسئلتي:
الأول: كان منذ صغره مطواعا لله فلماذا تأخر شهوده لسورة الفاتحة إلى الـ 40 من عمره الشريف؟
الثاني: هل كل مؤمن يجب أن يرى ملكوت السموات والأرض حتى يكتمل إيمانه وهل عدم رؤيته قبل الموت دليل على نقص الإيمان ولزوم بعض العلاج في النار قبل الدخول للجنة.
1- تأخر شهوده ليقوم بأعماله الإنسانية العظمى التي لم نسمع بمثيلها عند كافة العظماء، والجنات بالأعمال الإصلاحية الإنسانية. ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة لعلّامتنا، حيث فتح تعالى عليه في سن الأربعين سن النضوج حيث تكون هذه الأعمال سنّة بعده لمن يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً وهو بطاقاته الجسمية ثم تأتي الطاقات الفكرية بعد الأربعين {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ..} سورة الأنعام: الآية (90).
2- على كل مؤمن الإيمان بلا إلۤه إلا الله وأنَّ محمداً رسول الله والصلاة والصيام والزكاة والحج من استطاع إليه سبيلاً، فهو عند الموت تطير نفسه عارجةً في الجنة وفق قوله تعالى: { كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ﴿٣٨﴾ إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ ﴿٣٩﴾ فِي جَنَّاتٍ..} سورة المدثر: الآية (38). هؤلاء يخلعون ثوبهم الجسدي عند الموت إلى القبر وتعرج نفوسهم بجنات الخلد الأبدية.









