تأويل الأمين للقرآن العظيم
سلسلة تأويل القرآن العظيم
(أنوار التنزيل وحقائق التأويل)
تأويل الآيات الكريمة في مطلع سورة البقرة
القرون الأولى (نجاة أبناء الأسرة العالية)
- للعلامة الإنساني الجليل محمد أمين شيخو قدس سره
- جمع وتحقيق: الأستاذ المربي عبد القادر يحيى الشهير بالديراني
لمحة عن الكتاب
تنزيل من حضرة الله ورسوله العظيم إلى عباده الصادقين المخلصين وللحقّ على الباطل ناصرين، الذين يبغون وجه الحقّ والحقيقة والدين، ولو عارضت آراء المنحرفين، بل لو أطبق ضدّهم آل الثقلين، من لا يخشون في الحقّ لومة لائم، ولا ينزاحون عن طلب اليقين من ربّ اليقين...
الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى ...
ومن تكن برسول الله نصرته إن تلقه الأسد في آجامها تجم
الصيغ المتوفرة:
هذا الكتاب متوفر بعدة صيغ: كتاب إلكتروني، صوتي، وورقي
كتاب إلكتروني:
معلومات الكتاب الإلكتروني
- الكتاب الإلكتروني بصيغة PDF، ePUB.
- الكتاب الإلكتروني مجاني.
- روابط التحميل تظهر لكم بعد تقديم الطلب.
- الكتاب متوفر على منصات غوغل بلاي، أبل ستور، أمازون.

كتاب صوتي:
معلومات الكتاب الصوتي
- الكتاب الصوتي بصيغة MP3.
- الكتاب الصوتي مجاني.
- روابط التحميل تظهر لكم بعد تقديم الطلب.
- الكتاب متوفر بشكل صوتي ومجاني في موقعنا، ومتوفر أيضاً في مواقع الكتب الصوتية العالمية الشهيرة.

كتاب ورقي:
معلومات الكتاب الورقي
- الكتاب الورقي متوفر للشراء من موقع الأمازون وشركائه، في أنحاء العالم.

أسئلة متعلقة بتأويل القرآن الكريم
بسم الله الرحمن الرحيم ما هو شرح الآيات من سورة النجم من /4 إلى 9/: {ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى ، وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى ، ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى ، فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى}.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. 6- {ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى}: يقول تعالى: {..وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ..} سورة الحشر: الآية (6). ويقول أيضاً: {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} سورة المجادلة: الآية (21). قال سيدنا أبو بكر رضي الله عنه: (والله لأنسينّ الروم وساوس الشيطان بخالد)، فسيدنا خالد رضي الله عنه وهو القائد الذي لم يُقهر جعلهم في حالة من القلق والخشية والخوف يترقبونه في كل لحظة ممّا جعل المرارة تغزو قلوبهم، وإذا كان سيدنا خالد وهو من طلاب رسول الله ﷺ فكيف بالرسول ﷺ ذاته، فبه انطفأت نيران فارس، وبه كانت هزائم المشركين عبّاد الصنم، وبه كان النصر في كلّ المواقع والغزوات، فجعل بذلك حياتهم مرّةً وذلك مراراً وتكراراً، وما ذاك إلا ليعودوا لما خُلقوا من أجله ويتركوا ما خُلق من أجلهم، ليرجعوا إلى الحق، ليلتفتوا إلى مصيرهم الأبدي وليتخلوا عن كبرهم إلى الله ورسوله، ويفوزوا بالجنان وبهذه الأعمال الكبرى استوى ﷺ أي استوفى كماله وبلغ ما بلغ من القرب والرقي. 7- {وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى}: الأفق: هو أبعد مدىً، والأعلى: هناك عالٍ والعالي والأعلى: هي أرفع درجةً، فصلى الله عليه وسلم في حاله النفسي بلغ الدرجة الأرفع بين المخلوقات في عالم الأزل وأيضاً حينما أصبحت النفس مع الجسد أيضاً أضحت في الأعلى والأعلى وهكذا. 8- {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى}: دنا: من الدنو أي القرب وهذا القرب كان له ﷺ عندما نزل عليه القرآن الكريم، وتدلى: أي أنه بقي يزداد قرباً حتى استسلم بكليته لربه على الدوام فأصبح والذي نفس محمدٍ بيده عند ذلك تدلى على الخلائق بما كسبه ﷺ من خيرات وجنات وأنوار كلٌّ بحسبه، فالله المعطي وهو القاسم. 9- {فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى}: القوسين: القوس يرمز إلى النصر، والقوسين أي: أن النصر له أولاً وآخراً، في عهده بأول زمانه وأيضاً سيعود النصر بآخر الزمان وإلى يوم القيامة. لأن القوس رمز النصر، أي: أنّه إكليل الغار، وبما أن الحب الإلۤهي هو سر الحياة وقوتها، كذا يرمز القوسان إلى حاجبي العين رمزا الحب الصافي، فهو بمثابة العينين لكل تقي ونبي يشهدون به جلال ربهم وجماله وحبه وعطفه، فهو يجمع العظماء الصادقين على مشاهدة خالق الجمال ومبدع كلّ الفتن السامية والكمال، وقد خاطبه تعالى بسورة مريم: {كهيعص} بمدحه والثناء عليه بأسمى آيات الكمال لقوله: {كهيعص}: يا كامل، بكمالك صرت هادياً للخلق، وأنت العين التي تُرى بها أسمائي وجناتي، فهو عين العيون من المرسلين والنبيين والنصر حليفه لقوله تعالى: {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} سورة المجادلة: الآية (21)، وقوله تعالى: {..وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ..} سورة الحشر: الآية (6). وهو سيد الرسل النبي الأمّي الذي يؤمّون إليه، كما جاء بميثاق النبيين قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آَتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ} سورة آل عمران: الآية (81). فمن لا يرى برسول الله فهو في ظلام لا يدري حقيقته "وهو في الدنيا"، لأن الأنوار الدنيوية الآفلة أعمت قلوب المعرضين عن نور رسوله الحبيب الموصل لنوره تعالى والذي به يغدو المؤمن بصيراً فيميّز الخير من الشر والحق من الباطل، فيفعل الخير ويجتنب الشر مهما كان إغراؤه لأنه يعلم أن فيه السم، وبأعماله الطيبة يعود لربه بوجه أبيض، فينال الجنات والسعادة وديمومة المسرّات، للسعادة خلقنا.
الإخوة الأكارم: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وجزاكم الله خيراً على هذا الموقع المفيد.
أريد شرحاً مفصّلاً قليلاً عن الآية الكريمة التالية: {فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ}.
هؤلاء الغافلون الساهون اللّاهون بشهواتهم الرخيصة، حينما يأتيهم الموت تلك الساعة التي يفقدون فيها كل شيء في لحظة واحدة، يفقدون الكون كله جملةً وتفصيلاً حتى جسدهم الخادم لرغائبهم أصبح جثةً هامدةً، وبقيت أعمالهم شاخصة إليها أبصارهم قد أثقلت كاهلهم لما فيها من جرائم وانحطاط واستيقظت لديهم فطرة الكمال التي فطر الله الناس عليها عندها رأوا خسارتهم ماثلةً أمام أعينهم وانتبهوا ويالهول ما انتبهوا إليه، انتبهوا بعد فوات الأوان وضياع الفرصة عليهم وفي الحديث الشريف: (الناس نيام إذا ماتوا انتبهوا)، فهم المرشحون لبلوغ أسمى درجات العلى فوق السموات سمواً، ولنيل أعلى الجنّات التي جاء الإنسان إلى الدنيا من أجل نوالها، والآن في هذا اليوم العصيب يرى عظيم خسارته لتلك الجنّات ولمشاهدة وجه الله الكريم التي ما خلق إلا لأجلها ومن جانب آخر يرون إكرام الكريم لهم وعنايته الفائقة بهم ورحمته ورأفته وحنانه عليهم وكيف أنهم قابلوا هذا الإكرام بالجفاء وواجهوا هذا الإحسان بالجحد واستقبلوا هذا الحنان والرحمة بالسخط والتمرد. وكانوا عن إنعام المنعم وإحسان المحسن نائمين وقابلوا الإحسان بالإساءة فما صدر منهم إلا كل اعتداء وظلم وإثم ساعتئذ يلبسه ثوب من الذل والهوان لهول ما فرط ولعظيم ما أضاع من مشاهدة وجه الله الكريم ونيل جنّاته وخيره العميم ولدنيء ما صار إليه من ذل وحقارة، شأنه دون جميع المخلوقات دنواً وانحطاطاً قال تعالى: {أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ} سورة البينة: الآية(6).
{إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} سورة الأنفال: الآية (55).
فهذه الحقيقة التي كان غافلاً عنها يراها ماثلة أمامه تأخذ مجامع قلبه ينصعق بها ذهولاً لا يرتد إليه طرفه من هول ما يرى، فالألم يعصف به ونيران الخزيّ والعار تحرقه حرقاً. فالصعق: هو حقيقة نار العار والخزي الذي يلبسه.
إذ الصعق: هو النار كما في الصعق الكهربائي وكذلك هؤلاء الكافرون يكتوون بنار خزيهم وعارهم حين معاينتهم لخسارتهم المقامات والجنات التي رشحوا إليها إذ أصعب شيء عند الإنسان أن يصبح في الدنو بعد العلو والسمو والذل بعد العز والجاه عندها لا يريد رؤية أحد {...ويقول حجراً محجوراً} سورة الفرقان الآية 22.
السلام عليكم ورحمة الله: أرجو تبيان فيما إذا كان أصحاب النار سيخلّدون. أم أنهم سيخرجون منها بعد أن يلقوا مصيرهم. أقصد: هل أصحاب النار في نارهم دائمين وإلى الأبد إلى ما لا نهاية، أم لا؟ وهل يوجد في قرآننا ما يشير إلى ذلك؟ وشكرا لسيادتكم.
الأخ الكريم: حفظه المولى آمين:
ورد في القرآن الكريم وفي سورة مريم الآية [70-71] {وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً}:
{وَإِن مِّنكُمْ}: أيها المعاندون المعرضون المخالفون "وحسب تسلسل وترابط الآيات، هذا الخطاب خاص بالمعاندين المعرضين":
66- {وَيَقُولُ الْإِنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً} الآية قبلها. 67- {أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً} 68- {فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً} 69- {ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيّاً} 70- {ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيّاً}.
مثال: إن الطبيب في المشفى ليأخذ أشدَّ المرضى خطراً قبل غيره لينقذه، {وَإِن مِّنكُمْ}: أيها المنكرون للبعث والمعاندون لدلالة رب العالمين {إِلَّا وَارِدُهَا} من أولئك الذين حولها جثياً، لا بدَّ لكل عاصٍ حتماً أن يدخل النار {كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً} لابدَّ من هذا الدواء الأليم.
72-{ثُمَّ}: حرف عطف يفيد الترتيب على التراخي {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا..} بحسب الحديث الشريف: (من كان في قلبه ذرة من إيمان دخل الجنة)، عند الشدَّة يتذكر الطريق الموصل إلى الله فينجوا فمن حصل له مرور ولو مرة واحدة يتذكر عند الشدَّة فيدخل في حضرة الله كما كان قد دخل في الدنيا وينجو: أي بعد ألف، ألفين من السنين فيها (أكثر-أقل) لمَّا يشتد عليه الحرق يرتمي على الله ثقة برحمته فيشفى ويخرج ولا يشفى العبد إلا بالله، أما إن لم يذق الإنسان الرحمة ولم يحصل على إقبال ولا للحظة في الحياة يظل دوماً فيها أي : من كان في الدنيا أعمى فلا طريق له {وَمَن كَانَ فِي هَـذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً} [الإسراء : 72].
{..وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً} : على ركبهم خالدين فيها.
{فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} كلٌّ على حسب عمله وعلى قدر إعراضه حتى يشفى بالالتجاء إلى الله من النار إلى الإكرام.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لماذا سورة الشعراء بدأت بقوله تعالى: طسٓمٓ تلك آيات الكتاب المبين _ وسورة النمل بدأت بقوله تعالى: طسٓ تلك آيات القرآن وكتاب مبين.
وجزاكم الله عنا كل خير.
يقول سبحانه وتعالى: {طسٓمٓ، تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ}
{طسٓمٓ}: (ط): يا طاهر لم تدنس نفسه بالدنيا ولم تتلوث من أدرانها أبداً، وهو ﷺ في معارج الطهر يسمو محققاً ما خلق لأجله من معرفة بالله وعدم الانقطاع عنه في رقيٍّ متزايد وعروج في حضرة قدس الله متشاهق متتالٍ وعلم بأسمائه الحسنى متعاظم ومتواصل لا يدانيه به أحد، وهو في مدرسة الطهارة سالك وبإقباله على ربه سادر، وهذه مدرسة النبيين والمرسلين، فكان ﷺ فيها المعلم والنبراسَ، وحقق بذلك الطلب الإلۤهي ومراد الحق من إيجاد الخلق بكلمة (أحببت أن أعرف).
فهو ﷺ النموذج الإنساني الأرقى لطالبي وجه الحق والحقيقة والمثل الأعلى والقدوة والنبراس لحاملي الأمانة، فالله يذكرنا دائماً بصفاته العليَّة الربانية. والرسول ﷺ نال منها مبتغاها وبلغ الحد الأقصى الذي يمكن أن يبلغه إنسان، فكل من ارتبطت نفسه بنفسه الشريفة الطاهرة نقله في معرفة الله من حال إلى حال أعلى ومن رتبة إلى رتبة أرقى.
(س): أي يا سليم، ليس عليك شائبة ولم تتسم بميسم الخطيئة ولا العيب، لأنه ﷺ لم يتزحزح عن الله أبداً، وهذه شهادة الله فيه، لأنه جاء إلى الدنيا ولم يتلوَّث بأوضارها أبداً، فهو بذلك سالم، وطالما أنه لم ينقطع عن الله أبداً ولم يزغ البصر إلى الدنيا طرفة عين بل ظل شاخصاً ببصيرته إلى الحضرة الإلۤهية يستقي من الأسماء الحسنى رياً متواصلاً، فكان بذلك خلقه القرآن ولازمته هذه الصفات العالية ولم تنفك عنه أبداً، فكان سالماً من الدنيا لأنه بالأصل سليمٌ؛ فكل من اتهم الرسول ﷺ بنقيصة أو نسب إليه الخطيئة فهذا الاتهام مردود على صاحبه لأن الله العظيم برَّأه بوصفه أنه (سليم) وعندما تعقل هذه الصفات الكاملة عنه عندها تحمده فترى أنه محمودٌ عند الخلق.
(م): أي يا محموداً.
{ تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ..}: هذه الآيات المطبوعة فيه، وتلك الآيات التي تحلَّت نفسك بها، أي: هذه الصفات من طاهر وسليم ومحمود، هذه الصفات التي اتصف بها ﷺ بإقباله على الله يبيِّنها لك، فإن عقلتها وقدرته عليه السلام وعظمته نقلك إلى حضرة الله، فهو ﷺ الذي يريك كمالات الله وأسمائه الحسنى وهو كتاب الغيوب وهو الكتاب المبين الذي يبين لك كل ما كان مستغلقاً عليك فبه ﷺ أضحى بيِّناً واضحاً جلياً.
هنا في سورة الشعراء أيها المؤمن رأيته ﷺ محموداً عند جميع الخلائق لاسيما المؤمنين منهم، لذا غدا ﷺ لك بما كتب بنفسه وبما صبغت نفسه وانطبع بها من صفات الكمال يبين لك ما كان غائباً عنك من معرفةٍ بأسماء الله الحسنى وعلوم كنت جاهلها.
وبذلك وبما يبيِّنه ﷺ لك من صفاته المطبوعة في صفحات نفسه الشريفة ينقلك منها إلى أسماء الله الحسنى.
{طس تِلْكَ آَيَاتُ الْقُرْآَنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ}
(طسٓ): أيضاً يخاطب الله رسوله بالمدح والثناء عليه لكي ترتبط نفوسنا بنفس المصطفى بروابط التعظيم والمحبة، فيقول له: يا طاهراً يا سليماً، فقد بقي ﷺ إنسان الأزل في نشر من لم يزل، أي: بقي على حاله الأول مغموراً بالتجلي الأعظم وهو لا يزال على هذا الحال، فإذا اتجه إليه الناس واتجه إليهم ليستغفر لهم فبلمح البصر يمحي عنهم الصفات الدنيئة ويبدلها بصفات كاملة عالية كما بدَّل سيدنا موسى السحرة عندما عظَّموه وقدَّروه بدَّل صفاتهم إلى صفات إنسانية كاملة.
{..تِلْكَ آَيَاتُ الْقُرْآَنِ..}: فهذه الآيات المعجزة وهي صفتا الرسول ﷺ موجودة في القرآن، والله عزَّ وجلَّ يحدِّثنا عنهما وهي بحق آيات كبرى وهذه التي فاض بها على البشرية لذلك كان فضل رسول الله ليس له حدٌّ فيعرب عنه ناطق بفم، فعندما تعقلها بما يبيِّنه الله لك بالقرآن تقدِّره ﷺ فترتبط به، أي: يتعلَّق قلبك بنفسه الشريفة وهو الكتاب المبين فهو الذي يبيِّنها لك ويكشف لك عنها لتنتقل منه إلى تعظيم صاحب الأسماء الحسنى الله جلَّ وعلا.
هو ﷺ الكتاب المبين: يبين لك عنها أي عن صفاته أي عن (طسٓ) وعن أسماء الله الحسنى وهو يريك كمالات الله، ويدخلك في مداخل ما كنت تدخلها لأنك تأخذ من إنائه وتشرب من مشاربه ماءً طاهراً نقياً ذراته، وترى من سراجه وينصبُّ في نفسك ما صبَّ في نفسه على قدر صدقك وإيمانك واجتهادك.
أما هنا في سورة النمل {طس تِلْكَ آَيَاتُ الْقُرْآَنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ}: الله يحدثنا بالقرآن عن صفات المصطفى ﷺ لنعظِّمه ونقدِّره عندها نرى ذلك شهوداً في صفحات نفسه ﷺ الكتاب المبين.
الآن تبيَّن لك الفرق بين الآيتين الأوليتين عن الآية الثانية مع أن الأمر واضح وبيِّن.
(طسٓمٓ): ذكر بعدها أنها (تلك آيات الكتاب المبين).
والثانية (طسٓ) ذكر بعدها أنها (تلك آيات القرآن).
هذا هو الفرق بينهما فالكتاب مطبوع في نفسه الشريفة، والقرآن نطق به ﷺ وأظهره للناس والحقيقة أنه كله كلام الله، فالله سبحانه وتعالى هو الذي يبين كمالات رسوله وهو خليفته، فإن اتجهنا إلى رسوله نقلنا ﷺ إليه تعالى، فوفّينا بذلك بالأمانة التي حملناها والتي عجزت السموات والأرض أن يحملنها.
ورد في الآية الكريمة في سورة الأحزاب:
{يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً} صدق الله العظيم.
والسؤال: هل يجوز للمرأة التحدث إلى الرجال الأجانب عند الضرورة اعتماداً على هذه الآية؟
وماذا لو كانت محجبة؟
وهل هذه الآية تخص نساء الرسول فقط؟
ولكم جزيل الشكر.
هذه الآية يخاطب الله فيها نساء النبي صلى الله عليه وسلم وهن قدوةٌ للنساء المسلمات، وعندما يقوم القائد بمهمة ما يعني هذا أن جميع الجنود ستتبعه، فالقائد لا يخرج بنفسه للقتال، لابدَّ أن يخرج معه الجنود، وهو لا يشنُّ الهجوم منفرداً، لاشكَّ أن جنوده يلحقون به ويتبعونه بتصرفاته.
والأمر هنا في الآية لنساء النبي وللنساء المسلمات بالتبعية، لطالما المثل الأعلى والقدوة امتثلن للأمر فالأتباع كذلك مشمولون بالأمر وذلك تحصيل حاصل، وهذا أمرٌ بديهي.
وكلمة: {..فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ..}: أي لا تتركن صوتكن على طبيعته، لأن: (المرأة كلها عورة حتى صوتها)، فيجب على المرأة أن تغيِّر وتيرة صوتها من اللطيف العذب إلى الفظ الخشن إذا أرادت التكلّم مع الرجال، وذلك لأمر مهم وإذا لم يكن هناك رجال في البيت وأجبرت هي للتكلم مع الرجال، فإذا تحدَّثت مع الرجل يجب أن يكون الحديث جدِّي للغاية وبصوت خشن، أي تغيِّر صوتها ولا تدعه على طبيعته رقيقاً لطيفاً بل يجب أن يكون خشناً غليظاً لكي لا يترك مجالاً للشيطان أن يدخل على مرضى القلوب. {..فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ..}: من في قلبه حب دنيا وشهواتها، فهذا صوت المرأة له تأثير سلبي عليه فلربما يكون باباً للشيطان أن يدخل ويحبب إليه الفواحش والمحرمات، من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (المرأة كلها عورة حتى صوتها)، فحرصاً على قلوب العباد أن يتسرَّب إليهم الفساد، كان الأمر بتغيير طبيعة الصوت إلى خشن عند الضرورة، مثلاً أمام القاضي إن كانت المرأة شاهدة على حادثة ما، أو في أمور الميراث أو الطلاق أو غيرها من الضرورات.
ولسائل أن يسأل ويقول: أن الآية تخاطب نساء النبي فقط.
ونقول: {..لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء..}. نقول: هذا صحيح، جاء التخصيص هنا لنساء النبي لأن زلَّة عالم بهلاك أمة.
فنساء النبي بلغن درجة عالية فهن أسمى وأعلى وأرقى نساء العالمين، والمسؤولية هنا أكبر وأعظم، فالآية تخصّصهنَّ لأنهنَّ قدوة النساء المسلمات، وخطيئة القائد بدمار الجيش، وخطيئة الملك بدمار الأمة بأكملها، فالأمر بالآية لنساء النبي على وجه التخصيص لعلو شأنهن وعظيم خطر زلتهنَّ "وحاشا لله"، ومنه يعمّم على نساء المسلمين بالتبعية.
وكانت زوجة العلّامة محمد أمين شيخو قدَّس الله سرّه حينما تجبر للرد من وراء الباب ترد بصوت أجش خشن وهم "المريدون" مؤالفون على هذا الرد فتجيبهم لأنه هو الرد الشرعي المقبول عند الله وفي رضاه تعالى.
استمع مباشرة:










