تأويل القرآن العظيم-المجلد الثالث
سلسلة تأويل القرآن العظيم
(أنوار التنزيل وحقائق التأويل)
المجلد الثالث
- للعلامة الإنساني الجليل محمد أمين شيخو قدس سره
- جمع وتحقيق: الأستاذ المربي عبد القادر يحيى الشهير بالديراني
لمحة عن الكتاب
لقد نهج العلاَّمة بالدين وتأويل القرآن العظيم منهجاً سامياً عليّاً، يسمو بالإنسان لأسمى حياة... لم يكن عليه من سبقه من الكتبة والمفسرين والعلماء السابقين، منهجاً يمكِّن أي إنسان أياً كان مستواه الإدراكي والثقافي أن يدركه بمستواه، ويسعد بمعانيه، ويعلم ساعتها كيف أن القرآن الكريم: {الۤر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ} سورة يونس، الآية (1). مجملاً ومفصلاً.
لتُعلم حقائق الآيات بدقائقها والمراد منها.
ونهضَ بالدعوة إلى الله فبرهن وأبان الحجج تترى.
كشفَ حقائق المذاهب والطرق الملتوية ودحضها بالمنطق والحجة، فخاطب الإنسان ونفسه، واستنهض تفكيره، وعرض نظام الأكوان وما فيها من إحكام في التسيير وإتقان في صنع الخلْق: من عظمةٍ للجبال.. هي بحقيقتها عظمة خالقها التي أضفاها عليها، ووسعة وعظمة للبحار والسموات أضفاها عليهما أيضاً الواسع العظيم جلَّ شأنه لتصل النفس الطالبة للإيمان لليقين بشهود عظمة الإلۤه ووسعته اللانهائية كما آمن وأيقن السابقون الأُول. إذ يأبى الله أن يترك هذا الإنسان المعرِض منغمساً في شهواته، متجرداً عن إنسانيته، مُعرضاً عن موئل الفضائل والمكرمات جلَّ كماله، ضائعاً لا يدرك خيراً من شر ولا حسناً من سيءِّ.
يرى تعاليم الإلۤه سجناً وقيداً لطاقاته وإمكانياته وحرِّيته، فأرسل له من يوقظ تفكيره، وينبهه إلى مغبة أمره وعظيم خسرانه، ليأخذ بيده إلى دار السلام حيث الرضى والمكرمات والسعادة والإكرام بالأمان.كل ذلك ليتوب الإنسان وينال المكرمات، ولكي لا يقول غداً وهو بالحسرات:
{.. يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا} سورة الفرقان، الآية 27.
باب التوبة والسعادة مفتوح، فالتوبة بالعجل قبل فوات الأمل.
الصيغ المتوفرة:
هذا الكتاب متوفر بعدة صيغ: كتاب إلكتروني، صوتي، وورقي
كتاب إلكتروني:
معلومات الكتاب الإلكتروني
- الكتاب الإلكتروني بصيغة PDF، ePUB.
- الكتاب الإلكتروني مجاني.
- روابط التحميل تظهر لكم بعد تقديم الطلب.
- الكتاب متوفر على منصات غوغل بلاي، أبل ستور، أمازون.

كتاب صوتي:
معلومات الكتاب الصوتي
- الكتاب الصوتي بصيغة MP3.
- الكتاب الصوتي مجاني.
- روابط التحميل تظهر لكم بعد تقديم الطلب.
- الكتاب متوفر بشكل صوتي ومجاني في موقعنا، ومتوفر أيضاً في مواقع الكتب الصوتية العالمية الشهيرة.

كتاب ورقي:
معلومات الكتاب الورقي
- الكتاب الورقي متوفر للشراء من موقع الأمازون وشركائه، في أنحاء العالم.

أسئلة متعلقة بتأويل القرآن الكريم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته موقع ما شاء الله، بارك الله في كل من يسهر عليه. سؤالي هو كالتالي: يقول تعالى: {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ..}. كيف يمكن تفسير هذه الآية ونحن نرى الكثير من النماذج التي يكون فيها زوج طيب وزوجة خبيثة أو العكس والدليل على ذلك سيدنا نوح ولوط ونسائهما. جازاكم الله.
بهذه الآية الكريمة يبيِّن تعالى قانوناً لا خطأ فيه، فكل امرئ مستقيم لم يكشف عورة ولم يرتكب جرم الزنا، الطاهر عن الناحية الجنسية تكون زوجته طاهرة لا تقترف أبداً الزنا الحرام. فزوجات سيدنا لوط ونوح طاهرات نقيات جنسياً فقط على أزواجهما لا غير كالأقمار النقيات الصافيات، هذا معنى آية سورة النور أعلاه: {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُوْلَئِكَ مُبَرَّؤُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [النور: 26].
أما الخيانة التي خانتاها فكانت نفسية، منحوا أزواجهما أجسادهما وقلوبهن لقومهن الضالين المضلين وأهلهنَّ الكفرة المضلين فانحشروا مع من أحبوا.
وعقد الزواج ولفظه زواج نفس لنفس وهذا العقد فسختاه "زوجة سيدنا نوح وزوجة سيدنا لوط عليهما السلام" بمنح زوجة سيدنا نوح قلبها لابنها الكافر ومجتمعها الهالك، وكذلك زوجة سيدنا لوط فتحت قلبها لأهلها.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
سيدي الفاضل أرجو الإجابة على السؤال التالي ولكم جزيل الشكر:
لماذا تكررت كلمة الناس بسورة الناس ثلاث مرات بالثلاث آيات الأولى؟
أرجو التوسع إن أمكن شاكرين حرصكم واهتمامكم.
سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم عن المنبع الذي استقى منه هذه العلوم والمكرمات جميعها، فقال له تعالى:
قل لهم {..أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} أي: دلّهم عن المنبع الذي استقيت منه ذلك، وقل لهم آمنت واعتززت أنا برب الناس بالخالق، وغيري استعاذ بالمخلوق، فهل يعطي المخلوق كما يعطي الخالق؟! آمنت به فأعطاني ما أعطاني، وأنتم آمنوا به لكي يعطيكم كما أعطاني.
هذا سبب ذكر (الناس) لأول مرة.
لكنَّهم قالوا له هذا الرب غير عادل، أي: ظالم، لأن هناك تمايز وظلم بين المخلوقات، أي: بين غني وفقير، ومريض وصحيح، فقال له تعالى:
قل لهم، أي: بيِّن لهم أنه تعالى: {مَلِكِ النَّاسِ}: فلا ظلم ولا هضم في ملكه، وكل ما يجري هو خير بخير، لمن أعزّه ولمن أذلّه، ولمن أعطاه ولمن منعه، بيده نواصيهم، فلا يستطيع أحد أن يظلم أحداً.
قالوا: طالما أنه ملكهم، فلِمَ لا يُدخلهم الجنة جميعاً. فأجابهم: بأنه منحهم حرية الاختيار لينالوا بدل الجنة جنات بناءً على طلبهم، وعاهدوه على السير بنوره، ولكنهم خالفوا العهد فوقعوا فيما وقعوا فيه، فاقتضى علاجهم لإعادتهم إلى جناتهم، إذ ملَّكهم حرية التصرف والاختيار فخالفوا العهد ووقعوا، وإذا كان أب وعنده ابن وقد وقع ألا يسعفه؟ هل يتركه ويتخلى عنه؟! كلا يا أخي، ولو أنك اطلعت على مقدمة كتاب عصمة الأنبياء تجد الجواب واضحاً:
الله لم يخلقنا إلا للسعادة وللجنات لو وفّينا بما عاهدنا عليه، وحينما خالفنا العهد وخنَّا الأمانة وحلت بنا الآفات بعث لنا الشدائد، ليشدنا للرجوع عن طريق الغي، ولننال ما أعدّه الله لنا من خيرات وجنات، فإذا عدنا إليه بهذه الشدائد والتجأنا إليه واستنرنا ورأينا خيرنا من شرنا واخترنا هذه الخيرات، لن ننال إلا المكاسب والنعيم المقيم والرقي.
وطالما نحن تعهدنا، وهو {إلۤه الناس}، أي: صاحب الحول والقوة من نؤول إليه، منحنا الاختيار ونحن لنا الوفاء باختيارنا أو عدم الوفاء، ولا نخلص من هذه الشدائد إلا بالتجائنا إليه لنستنير بنوره، عندها نكون قد نجحنا بحمل الأمانة.
هذا جواب السؤال بشكل موجز، ولك التفصيل والإيضاح كما طلبت، فنقول:
تعجب وأعجب ويعجب الناس في كل مكان، وقديماً تعجبت قريش ومن جاورها من الأقوام ومن تلاها من الأمم والشعوب والأجيال: من أين جاء هذا الرجل المدعو (محمد) عليه أفضل الصلاة وأسنى السلام بما جاء به من المعجزات الفردية الكبرى؟! يفوق بشجاعته الصناديد والأبطال، ويبذُّ برأيه الثاقب وحسن تدبّره الأمور أعظم الساسة وأكبر الحكماء.
من أين جاء هذا الرجل العظيم بهذه الحكمة البالغة، والقلب الثابت، والشجاعة الرائعة، والجأش الرابط، والكمال الذي لا يدانيه فيه مدان ولا يدرك شأوه إنسان؟! ومن أين جاء بكلام تعجز البشرية عن الإتيان بجملة واحدة من جمله؟! هو شخص وهم أشخاص! فكيف أتى بما يعجزون جميعاً عن الإتيان بشيء منه؟! وهو الذي نشأ في أرض مقفرة لا أثر فيها لمعهد من معاهد العلم، وفي جو لا مدارس فيه ولا علماء.
فتسأل وأسأل ويسأل الناس في كل زمان: ما هو المنهل الذي استقى منه هذا الإنسان العظيم جميع تلك المكرمات، وذلك العلم الغزير الذي لا ينضب والذي تتضاءل أمامه جميع علوم البشر.
هنالك أمره تعالى بإجابتهم عن حيرتهم وسؤالهم بقوله الكريم:
{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ}: أي: دلَّهم وبيِّن لهم ليبطل عجبهم، فأنت اعتززت بالخالق وآمنت به واعتصمت به، فأعطاك ما أعطاك وعلَّمك ما علَّمك. بيِّن لهم عن المصدر العالي والمنهل السامي الذي استقت منه نفسك الشريفة ما استقت، فنلت من المكرمات فوق وأعظم ما ناله مخلوق على وجه الأرض.
قل لهم: إنَّ غيري اعتزَّ بالمخلوق، واعتززتُ بالخالق، فهل يُقارن عطاء الخالق بعطاء المخلوق؟! اعتصمَ بمن لا يملك شيئاً إلا ما يُمَلِّكُهُ الله، واعتصمتُ والتجأتُ بمن بيده مقاليد السموات العلى والأرض، الذي منحكم الأبصار والأسماع والأدمغة والأفئدة، فالتفتوا ببصائركم وقلوبكم ونفوسكم إليه يعطيكم كما يعطيني، وبهذا الكون وبأنفسكم إن فكَّرتم ودققتم وصدقتم بطلب الهدى هداكم إلى الممد وإلى رب الناس.
فسألوه: إنَّ رب الناس غير عادل، فلطالما أنه يمدُّ جميع الناس، فلِمَ هذا التفاوت والاختلاف؟ فهو يخلق القوي والضعيف، والغني والفقير، والصحيح والعليل، وأناس تنعم بالقصور وآخرون يقطنون بأشباه القبور، وأمم قوية متسلطة حاكمة وشعوب ضعيفة محكومة، يتضورون جوعاً لا يجدون مضغة يلوكونها ولا جرعة يشربونها سوى القليل النذر، وشعوب ظالمة يتقلَّبون بلذيذ المعاش وينعمون بالحلو من الحياة والرخاء على حساب شقاء وآلام وجوع الآخرين من يسلبونهم لقمة عيشهم. فلِمَ هذا الظلم وهذا التفاوت في الطبقات، وهذا التباين والاختلاف بين ظالمٍ ومظلومٍ، وحاكمٍ ومحكومٍ، وسيدٍ مستبد وعبدٍ رقيق؟ طالما رب الناس فلِمَ لا يُمدهم بالعدل والقسط إمداداً واحداً ليتحقق التساوي والعدل؟! وإلا فهو غير عادل وظالم.
وللجواب على اعتراضهم قال تعالى لرسوله:
بيِّن لهم ودلَّهم أنَّ الله عزَّ وجلّ في الأصل عندما خلق الأنفس في عالم الأزل، وعندما كان الناس جميعاً نفوساً مجرَّدة فكانوا سواسيّة، فلا ملك ولا عبد ولا سيّد ولا رقيق، بل كلهم يستمدّون إمداداً واحداً، وهكذا فكانوا على سويّة واحدة كأسنان المشط، ولكنَّهم هم الذي غيَّروا فوقعوا وخالفوا العهد فنكسوا ومرضوا نفسياً، فلزم الدواء المر والعلاج الجسدي لهم ليشفوا نفسياً، فكان هذا التمايز الذي يرونه، ولكنَّ مصدره ليس من الله بل لله العدل المطلق، إنما منشأه من لدن هذا الإنسان ذاته عندما خالف وغيّر، أما الله فهو: {مَلِكِ النَّاسِ}، ولا ظلم ولا هضم في ملكه أبداً، بيده نواصيهم فلا يستطيع القوي أن يعتدي على الضعيف، إلا إن سبق واعتدى الضعيف على الأضعف منه، عندها يُطلق الله القوي عليه ليذوق طعم ظلمه فيرتدع ويكفّ عن عدوانه على من هو أضعف منه، كذا هناك غني وفقير ومترف ومعوز ولكنها دروس وعبر، إذ يعطي كلاً بحسب ما يناسبه ويلائمه، وكذا السعادة ملكه تعالى وبيده. فالمادة لا تجلب السعادة، وخذ من الدنيا ما شئت وخذ بقدره همّاً، كم جلبت الدنيا لأصحابها من بليّات ومخزيات (اللهم اجعل رزق آل محمد كفافاً).
فقالوا: طالما أن الله ملك الناس بيده مقاليدهم، فلِمَ لا يُدخلهم جميعاً إلى الجنات؟ ولِمَ النار والعذاب وهو الرحمن الرحيم؟ فقال تعالى: قل لهم {إِلۤهِ النَّاسِ}: إذ منحهم الإطلاق وحرية التصرف والاختيار، ومنحهم الجنات اختياراً ولم يجبرهم إجباراً، وقد طلبوا التكليف والتشريف على سائر الخلائق والكائنات، بدخولهم إلى مدرسة الدنيا، فيعملون الصالحات وينالون بها الجنات، فلهم الاختيار والله كريم بيده التنفيذ والحول والقوة، وهذه الحياة الدنيا مدرسة، المجتهد فيها للحق والخير والصالح من الأعمال ينال، فتسييرهم بحسب صدقهم أو عكسه عائدٌ للإلۤه الذي يؤول إليه تنفيذ طلباتهم ولهم أو عليهم خيرها أو مسؤوليتها، فاختر طريق الحق تنل كل الخيرات، فعليك مسؤولية الاختيار وعلى الله التسيير والتنفيذ.
{إِلَهِ النَّاسِ}: يؤول إليه تعالى تسييرهم بحسب اختيارهم.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أستاذي الفاضل سؤالي عن معنى الآية التالية (فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيباً) المزّمِّل: 17
كيف يشيب الولدان؟.. هل المقصود بالشيب هو نفس الشيب الذي نراه عند الكبار أو المسنين أم هو تعبير مجازي عن شيء أخر؟.. جزيتم عنا كل خير
ما من أمة تعاند رسولها وتترك هديه وتسير بهواها حتى يأتيها من المصائب والكوارث والشدائد ما ينبهها به تعالى، والقرآن الكريم حافل بالأمثلة عن أولئك الأقوام التي نبذت هدي رسولها وراء ظهرها واتبعت هوى نفسها فساداً وإفساداً، وقد وصل العالم اليوم لحالٍ يرثى له من البعد عن هدي الرسول ﷺ، وأنت ترى يا أخي ما يحل اليوم بالعالم شرقاً وغرباً من شدائد ومصائب لم يحدث مثيلها منذ مئات السنين من زلازل وبراكين وفيضانات وأعاصير وتسونامي، مثل تسونامي بحر الشمال الذي شمل أوربا إلى المحيط المتجمد الشمالي وضرب البترول فيها، وتسونامي الأطلسي على أميركا، وتسونامي المحيط الهندي على أميركا أيضاً، وغيرها كثير من كوارث وحرائق، فما من دولة من الدول إلا وحلت بها من المصائب والشدائد والكوارث ما هوله يصعق النفوس صعقاً، ترى مدناً تغرق ومدناً تحترق ومدناً تتهدم وجزر بمدنها تختفي في البحار، كل ذلك حدث بهذه السنوات الثمانية الأخيرة ناهيك عن زلازل تركيا التي ذهبت بعشرات الألوف من البنايات بمن فيها وزلازل مصر وأحداث العراق التدميرية التفجيرية وحوادث باكستان وأفغانستان وما يحدث فيها من حروب وآلام ودمار وقتل، والطبيعة اختلفت بوظائفها، وطبقة الأوزون، وفسدت الأجواء إذ ظهر الفساد في البر والبحر وانصب عليهم البلاء بما كسبت أيديهم، وهذا الأمر مفعولاً، أي إذا سرتم بالفساد هذا الأمر وقع وإن عادوا عن الفساد إلى سماع كلام الله عاد الله عليهم بالإنعام والإكرام والسلام، لأن الله هو السلام ومنه السلام وإليه يعود السلام، فلو أن هذه الأمم تبعت نهج الرسول ﷺ وطبقت تعاليمه لما رأت هذه المصائب ولا حلت بها هذه الشدائد والأهوال التي تجعل الولدان شيباً.
فكلمة: (يوم) من أمَّ يَؤُمُّ، وهي مدة غير محدودة تمتد من اللحظة كآية: {..كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} سورة الرحمن: الآية (29). وتطول وتقصر مثل يوم القيامة وقد يكون شهوراً فصل الصيف أو الشتاء، وهنا كلمة: (يوم) تدل على هذه المدة التي تسبق وقوع الساعة حين يهلك الكفر نهائياً، فهذا اليوم يعيشه العالم اليوم، وهذه المصائب والشدائد والكوارث والبلاءات التي تحل بكل أنحاء العالم ولم يشهدها العالم منذ قرون تجعل الولدان شيباً وهذا نتيجة الهول والفزع التي تحل على النفوس ومن المعروف أن الحوادث التي تؤثر بالنفس تنعكس بشكل مباشر على الجسد فالنفس سارية في الجسد عن طريق الأعصاب والأعصاب هي شبكة التنبيهات والأوامر الإرادية واللاإرادية في الجسم وعندما تتأثر النفس السارية في الأعصاب بصدمة مفاجئة يتأثر الجسم وتضطرب وظائفه وهذا يجعله لا يقوم بعمله على النظام المعهود فتنشأ الأمراض.
والشيب هو نقص المادة الصبغية (الميلامين) في الشعرة، والشيب يأتي عادةً بتقدم السن أو عندما يتفاجأ المرء بالأهواء والمصائب، ترى الشيب يغزو شعره، وهذه الحالة المذكورة في الآية السابقة تصف لك شدة العذاب والأهوال التي تمر على النفوس المنحرفة الخاطئة.
والآن يا أخي الكريم: لا نجاة ولا مخلص من هذه الشدائد إلا بالعودة للإيمان الصحيح وتطبيق دلالة الله ورسوله لنا بتطبيق ما دلَّنا عليه العلامة الجليل محمد أمين شيخو قدّس سرّه مما بينه من بيان هو من كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه والذي لم يخرج فيه عن كتاب الله قيد أنملة وهو الذي رفض الدسوس والإسرائيليات وغيرها.
قال الله تعالى: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (1) الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (2) وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (3)}
- هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحاور النساء ويستمع إلى قضاياهن؟
وجاء سؤالي هذا بعدما اطَّلعت في موقعكم على بحث الحجاب الإسلامي الصحيح، وقرأت الآيات الكريمة التي تقول بأن صوت المرأة عورة.
- لم أتت كلمة (تجادلك) في الآية الأولى ولم تأتِ مثلاً (تشتكي إليك)، فالمجادلة حسب مفهومي تعني الحوار العقيم وعدم الوصول إلى نتيجة؟ وبعدها انتقل الجدال إلى حوار بكلمة (والله يسمع تحاوكما)!
- ما معنى كلمة (يظاهرون) في الآية الثانية وما علاقة أمهاتهم في الموضوع؟
- وفي الآية الثالثة لم جاءت كلمة (من قبل أن يتماسا)، ولم تأتِ (من قبل أن يتلامسا)، مع أن المس معنوي واللمس مادي؟
أخي السائل: قبل الدخول في تفاصيل أسئلتكم الكريمة من الضروري شرح بعض الآيات ليكون الشرح أساساً في الإجابة على أسئلتك.
1- {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا..}: وهي امرأة أحد المسلمين، جاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي محجبة ساترة لوجهها تطلب الطلاق "والواقعة بالمدينة والحجاب مفروض"
{..وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ..}: من هجر زوجها لها واعتبارها كأمِّه.
رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يرضَ لها بطلاقها، وهو صلى الله عليه وسلم القائل: «إنَّ أبغض الحلال إلى الله الطلاق»، فهو صلى الله عليه وسلم لا يحب التفريق بين الرجل وزوجته لما فيه من ضرر وأذى على الأولاد، لكن وهي بثورة غضبها من زوجها تجادل رسول الله وتصر على الطلاق وتقول له أنها مظلومة عنده، وهي تكرهه لما فعل معها وأساء لها ولا تريد العيش معه.
الرسول استمع لها حتى ذهب غضبها عنها، وبعد ذلك انقلب الجدل العقيم إلى حوار مفيد لذلك قال تعالى: {..وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا..}: صارت تسمع من رسول الله وتفكر بكلامه فوجدته صحيحاً وتراجعت عن رأيها، وهنا بهذه الآية إشارة إلى أن يؤمن الإنسان بأن الله يسمع السر وأخفى.
{..إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ..}: لأقوالكم. {..بَصِيرٌ}: بأحوالكم، فكل ما يطرأ على النفس من حال من أحوال يعتلج فيها من حب وكراهية ورضى وعدمه وخوف وإيمان فالله سبحانه بصير به ويرسل لهذه النفس ما يناسبها، لذلك جعل سبحانه حلاً لهذه القضية وفرض كفارة.
2- {الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم..}: مثلاً يقول إنكِ حرام عليَّ منذ اليوم أو حرامٌ أن أقربكِ "يتركونهن" يقول لها أنت عليَّ كظَهر أمي ويهجرها.
{..مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ..}: هذه المرأة ليست أمك، هي زوجة وللزوجة حق.
{..إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ الْقَوْلِ وَزُوراً..}: خارجاً عن الحق، فهل كان يأتي أمه بالسابق ويقاربها.
{..وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ..}: لمن يقبل عليه سبحانه. {..غَفُورٌ}: ويطلب الغفران والشفاء وهذا الشيء لم يكن معلوماً في الجاهلية.
3- {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ..}: يجعل ظهره لظهرها علامة الابتعاد.
{..ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا..}: يرجعون ويفكرون بما قالوا ويتراجعون عنه هذا يترتب عليه كفارة وهي: {..فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ..}: يشتري عبداً من كافر فيرشده ثم يطلقه أو يشتري عبداً من مؤمن ويطلقه وهذا الحد بهذا الزمان غير موجود.
{..مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا..}: أن يقربها وهنا المس الناتج عن اللمس علاقة نفسية ناتجة عن المقاربة اللمسية {..ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ..}: رحمة بكم ولخيركم وسعادتكم.
{..وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}: خبير بكم وبما يناسبكم، لذلك جعل لكم هذا الحد فطبِّقوه حتى لا تمنعكم هذه المخالفة والمعصية وهذا العمل عن الإقبال على الله سبحانه.
4- {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ..}: تربية لكل من المرأة والرجل. الرجل يصوم شهرين متتابعين دون انقطاع إذا مرض فيهم يفطر ثم بعدها يكمل مباشرة ما تبقى عليه من صيام لأن المرض من الله فلا يعيد الصيام من أوَّله.
{..مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا..}: أن يقربها وتعود العلاقة النفسية.
{فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً..}: يطعمهم ثلاث مرات لكل يوم واحد.
{..ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ..}: معنى هذا أنه كافر، كفر حين قال كلامه هذا لو كان هذا الرجل مؤمناً حتماً لما فعل ذلك.
{..وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ..}: «ألا إن لكل ملك حمى ألا إن حمى الله محارمه»
والذي يقترف مثل ذلك ولا يؤدِّي الحد فإنه يعرض عن ربه وله عذاب أليم. {..وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ}
ولكن ما السبب في تشديد رب العالمين على هذا الأمر؟
بالماضي كانوا أهل صدق إذا قالوا كلمة لا يتراجعون عنها ويقرنون القول بالفعل، هذا الزوج إذا طبَّق ونفَّذ ما قال وأصرَّ عليه سوف تقع زوجته بالفاحشة والزنى، فإن كان ليس بمقدورها الوقوع بالزنى بسبب موانع تمنعها فإنها سوف تسلك طريق الباطنية وتقع بالزنى والفواحش مع شياطين الجن، وبهذا الوقوع قتلٌ لنفس الزوجة وتدميرٌ لها وللمجتمع الإسلامي والرسول موجود ويحدث هذا!
فهذا شيء كبير عند الله والرسول والله لا يرضا لعباده ذلك، ولهذا القائل عذاب أليم لأنه كان سبباً في دمار زوجته ففرض تعالى هذا الحد.
- أما عن سؤالك هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحاور النساء ويستمع إلى قضاياهن؟
وفي الجواب على هذا السؤال أقول لك:
إن الرسول لا يحاور النساء ولا يستمع لهن، فالنساء تحاور النساء والرجال مع الرجال وهذا هو القانون ولا مخرج عنه، لكن هذه الحالة التي حدثت مع رسول الله ليست قانوناً هذه حالة استثنائية طارئة اضطرارية. المرأة مظلومة والله سبحانه شهد لها بأنها مظلومة، وزوجها لا يشتكي على نفسه، لذلك خرجت من بيتها وقابلت رسول الله وهي بسترها واشتكت على زوجها، والرسول صلى الله عليه وسلم هو الحاكم والقاضي، ألا يستمع إليها ويحكم بقضيتها؟! وقضيتها كبيرة فيها دمار نفس وموتها ودخولها النار في الآخرة.
إذن: ما حدث مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حال وظرف طاريء فإذا كنت تسير بأحد الشوارع وسمعت صوت نساء يصرخن ويستغثن لأن بيتهن يحترق وهن فيه سيحترقن ألا تدخل لإنقاذهن من النار؟! وإذا دخلت بهذه الحالة فمن يلومك ويتكلم عنك بالسوء بل القول هو الثناء والمديح.
والله سمح بحالات ضرورية أن يتكلم الرجل مع المرأة من وراء ستر وحجاب كما قال الله تعالى بسورة الأحزاب (53): {..وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ..}:
وهذه المرأة خاطبت رسول الله من وراء حجاب، فهل خرج رسول الله عما شرع الله؟ حاشا.
وهل هذه المرأة خرجت عن شرعه سبحانه؟ لا لم تخرج. إذن: يجب أخذ الظروف بعين الاعتبار.
وتسأل: لمَ أتت كلمة تجادلك والجدال غير الحوار، الجدال عقيم.
بالبداية كانت المرأة في ذروة غضبها وكانت تجادل رسول الله بطلاقها وتطلب منه صلى الله عليه وسلم أن يطلقها من زوجها. لكن الرسول يجمع ولا يفرق والذي يفرِّق هو الشيطان. إذن هي تطلب من رسول الله شيء عقيم لا يحقِّقه صلى الله عليه وسلم لها، بتسرُّع وهي مصرَّة وتجادل الرسول وتطلب الطلاق.
رسول الله صلى الله عليه وسلم برحمته الكبيرة ولطفه استطاع إخماد غضبها وصبغها بصبغته الإلۤهية العالية، فذهب عنها غضبها عندها انقلب جدالها إلى حوار مع رسول الله والحوار للفهم وكشْفِ الحقيقة والسير بها، وهي بعد أن هدأت نفسها وذهب الغضب عنها وفهمت مراد رسول الله وانصاعت لأمره وتراجعت عن رأيها بالطلاق، وبهذا انقلب الجدل العقيم إلى حوار مفيد.
أما عن سؤالك عن معنى كلمة {يُظَاهِرُونَ}:
أي يعطيها ظهره عند النوم ولا يقاربها.
وتسأل: عن كلمة {يَتَمَاسَّا} ولمَ لمْ تأتِ (يتلامسا) لأن المس معنوي واللمس مادي؟
فأقول: إن العلاقة الزوجية بين الرجل والمرأة حقيقتها علاقة نفسية تحدث رابطة بين نفسيهما تستفيد المرأة منها إن كان زوجها مؤمن في الآخرة، وهذه العلاقة تنقذها من النار إن كانت مطبقة حدود الله من حجاب وصلاة وصيام وزكاة وأعمال وهذه الزوجة التي جاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم انقطعت علاقتها النفسية المعنوية مع زوجها بسبب كرهها له بما قام به وفعل معها لذلك جاءت كلمة {..مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا..}.
لكن الزوجة حين ترى ما أنفق الزوج من أموال على من حرَّر من عبد أو كيف ضحَّى وصام وأنفق على الفقراء من مال وكل هذا من أجلها ومن أجل إعادة علاقته بها فإنها تتوجه نفسها له بالمحبة، فتعاد العلاقة النفسية ويحدث المس وبعدها يأتي اللمس ويتم النقص.
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
سيدي الكريم ما معنى قوله تعالى {وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ..}؟ وفي آية كتابة الدين أن الذي عليه الدين إن كان سفيه يكتب عنه وليه، ما المقصود بالسفيه في هاتين الآيتين: وما شرح القول الشريف: (داروا سفهاءكم)؟ من هم وما المقصود بمداراتهم؟
ولكم خالص الشكر والاحترام.
السفيه: هو الجاهل، إذا أعطوه ماله دمّره وضيّعه وأصبح فقيراً معدماً فاحفظوها له، واصرفوا عليه لصالحه وشغلوها له فأنتم أولياء أمره.
استمع مباشرة:












