تأويل القرآن العظيم-أنوار التنزيل وحقائق التأويل
سلسلة تأويل القرآن العظيم
(أنوار التنزيل وحقائق التأويل)
- للعلامة الإنساني الجليل محمد أمين شيخو قدس سره
- جمع وتحقيق: الأستاذ المربي عبد القادر يحيى الشهير بالديراني
لمحة عن الكتاب
لقد نهج العلاَّمة الجليل محمد أمين شيخو بالدين وتأويل القرآن العظيم منهجاً سامياً عليّاً، يسمو بالإنسان لأسمى حياة... لم يكن عليه من سبقه من الكتبة والمفسرين والعلماء السابقين، منهجاً يمكِّن أي إنسان أياً كان مستواه الإدراكي والثقافي أن يدركه بمستواه، ويسعد بمعانيه، ويعلم ساعتها كيف أن القرآن الكريم: {الۤر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ} سورة يونس، الآية (1). مجملاً ومفصلاً، لتُعلم حقائق الآيات بدقائقها والمراد منها، ونهضَ بالدعوة إلى الله فبرهن وأبان الحجج تترى.
كشفَ حقائق المذاهب والطرق الملتوية ودحضها بالمنطق والحجة، فخاطب الإنسان ونفسه، واستنهض تفكيره، وعرض نظام الأكوان وما فيها من إحكام في التسيير وإتقان في صنع الخلْق: من عظمةٍ للجبال.. هي بحقيقتها عظمة خالقها التي أضفاها عليها، ووسعة وعظمة للبحار والسموات أضفاها عليهما أيضاً الواسع العظيم جلَّ شأنه لتصل النفس الطالبة للإيمان لليقين بشهود عظمة الإلۤه ووسعته اللانهائية كما آمن وأيقن السابقون الأُول.
إذ يأبى الله أن يترك هذا الإنسان المعرِض منغمساً في شهواته، متجرداً عن إنسانيته، مُعرضاً عن موئل الفضائل والمكرمات جلَّ كماله، ضائعاً لا يدرك خيراً من شر ولا حسناً من سيءِّ، يرى تعاليم الإلۤه سجناً وقيداً لطاقاته وإمكانياته وحرِّيته... فأرسل له من يوقظ تفكيره، وينبهه إلى مغبة أمره وعظيم خسرانه، ليأخذ بيده إلى دار السلام حيث الرضى والمكرمات والسعادة والإكرام بالأمان، كل ذلك ليتوب الإنسان وينال المكرمات، ولكي لا يقول غداً وهو بالحسرات: {.. يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا} سورة الفرقان، الآية 27.
باب التوبة والسعادة مفتوح، فالتوبة بالعجل قبل فوات الأمل.
الصيغ المتوفرة:
هذا الكتاب متوفر بعدة صيغ: كتاب إلكتروني، صوتي، وورقي
كتاب إلكتروني:
معلومات الكتاب الإلكتروني
- الكتاب الإلكتروني بصيغة PDF، ePUB.
- الكتاب الإلكتروني مجاني.
- روابط التحميل تظهر لكم بعد تقديم الطلب.
- الكتاب متوفر على منصات غوغل بلاي، أبل ستور، أمازون.

كتاب صوتي:
معلومات الكتاب الصوتي
- الكتاب الصوتي بصيغة MP3.
- الكتاب الصوتي مجاني.
- روابط التحميل تظهر لكم بعد تقديم الطلب.
- الكتاب متوفر بشكل صوتي ومجاني في موقعنا، ومتوفر أيضاً في مواقع الكتب الصوتية العالمية الشهيرة.

كتاب ورقي:
معلومات الكتاب الورقي
- الكتاب الورقي متوفر للشراء من موقع الأمازون وشركائه، في أنحاء العالم.

أسئلة متعلقة بتأويل القرآن الكريم
بسم الله الرحمن الرحيم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته والصلاة والسلام على كامل النور سيدنا محمد وعلى من سار بنوره إلى يوم الدين. جزا الله سيدنا محمد أمين شيخو خير الجزاء، وجعلنا الله من أصحابه ننهل من مشكاة نوره التي ملأت السماوات والأرض، أود أن أسأل جزاكم الله الخير الكثير: ورد في سورة (يس) من الآية (38 - 40): - {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا..} هل تبحث الشمس عن الاستقرار؟ هل هي نفسها الشمس المادية؟ - {لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} ما هو إدراك الشمس؟ هل يتسابق الليل والنهار؟ وهل هذه الكواكب والنجوم في بحر حتى يقول: (يسبحون).
[هل تبحث الشمس عن الاستقرار]؟ يقول تعالى في سورة يس: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا..}: فالشمس هذا السراج المنير الذي يمدُّ الكون بالحرارة والضياء منذ ألوف السنين وما يزال يمدّه دون أن يعتريها ضعف أو نقصان، لأن الله دائم الإمداد لها. فهي الآن تسير ضمن وظيفة تخدم بها الإنسان، ولكن لابد لها من نهاية ومآل وهذا عند انتهاء الحياة وفي يوم القيامة، حيث تجمع الشمس أشعتها المنتشرة في الفضاء وتلفّ نورها وتعود كما كانت نفساً مجردة عن هذه الوظيفة التي تقوم بها في الدنيا، تعود إلى ربِّها بعد أن أدّت وظيفتها وقامت بمهمتها، لتنال نعيمها على ما قدَّمت من خدمة لهذا الإنسان المكلَّف، تعود لتستقر عند بارئها بالنعيم المقيم المعدّ لها، لأنها أدَّت وظيفتها فكسبت كسباً جديداً إضافياً عن كسبها الأول.
[هل هي نفسها الشمس المادية]؟ يا أخي نحن لا نعلم غير هذه الشمس المادية لنا، فهل تطلع علينا شمس في الليل؟ وهل لديك شمسٌ ثانية؟! أرنا إياها لنقبل بغير هذه الشمس التي يراها جميع الناس تشعّ علينا بالحرارة والضياء. [ما هو إدراك الشمس]؟ تقول أدركت الشرطة المجرم، أي: وصلت إليه وقبضت عليه. ولكن هنا الشمس لا تدرك القمر، فالشمس تسير بمدار معين ثابت لا يتغيّر ولا يتبدّل وفق نظام صارم بالدقة، فهي بمدارها المخصّص لها وكذا القمر بمداره الذي يدور فيه أيضاً، فلا تجاوز ولا اضطراب. فلا ينبغي للشمس أن تخرج عن مدارها المخصّص لها وأن تصل للقمر وتدركه، فليس لديها هذه البغية والطلب، لذلك الله لا يمكّنها من الوصول إلى القمر، وهذا محال حصوله، فلو تزحزحت الشمس عن مدارها وخرجت عن مسارها واقتربت قليلاً باتجاه الأرض لاحترقت الكرة الأرضية بمن فيها. والعكس صحيح فلو خرجت عن مدارها وابتعدت قليلاً عن الأرض لانخفضت درجة الحرارة وتحول العالم إلى جموديّات، وبكلتا الحالتين ينعدم الوجود والحياة، وهذا ما كان ولن يكون ولا يمكن أن يحصل أبداً. وهذا معنى الإدراك هنا أي: الوصول إلى الشيء ولمسه. تسأل: [هل يتسابق الليل والنهار]؟ الليل يتتبّع النهار بشكل مستمر ولا ينفك عنه دائم اللحاق به، ولكن لا يسبقه، أي: دائماً الليل طالب والنهار مطلوب. ودائماً الليل يغمر النهار فلا يبان من نوره شيئاً ثم ينزعه الله تعالى {وَآيَةٌ لَّهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ..} سورة يس: الآية (37). نزعاً ليعود النهار لإنارتنا وإضاءتنا. إذن: الليل لا يسبق النهار ودائماً النهار أمامه والليل يطلبه حثيثاً، فإذا سبق الليل النهار فهذا يعني أن الليل تركه خلفه ولم يعد يغطّيه مرة ثانية وأصبح النهار نهاراً دائماً وأفلت من مخالبه إلى يوم القيامة فيتغير نظام الكون وهذا لم يحدث، حيث أن الليل والنهار أزواج. [وهل هذه الكواكب والنجوم في بحر حتى يقول (يسبحون)]؟ لا يقتصر معنى السبح فقط على السباحة في الماء، فهناك معاني كثيرة للسبح؟ فالجسم يسبح بالماء، والإنسان يسبح بأفكاره، حتى الطيور تسبح في الهواء، والمخلوقات جميعها تُسبِّح نفسها بعطاء الله وجماله وجلاله. وكما للأجسام سبح كذا للنفس سبح: فالنفس تسبح في الصلاة، فهناك سبح، نفسي ولهذا خُلقت أيها الإنسان لتسبح بعظمة الله وجلاله وجماله وليس للسبح الجسمي، فهذا الجسم سيفنى ويزول أما النفس هي التي تبقى في الآخرة وسبحها هو الذي يدوم، ولهذا خلقت لهذا السبح ولم تخلق لتكون حوتاً أو سمكة أو دلفيناً وسمك القرش لتسبح فقط في البر، لقد ضيقت واسعاً في فهمك عن السبح يا أخَ العرب. أما هنا في الآية: {..وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ}: حيث الأجرام السماوية جميعها تسبح في أفلاكها وتسير بمدارها المخصّص لها ولا تخرج عن هذا النظام أبداً، وهي كذلك دائمة الجريان ضمن وظيفتها لا تفتر عن السبح المتواصل في مسارها. إذن: فهي تسبح في مجالها لأداء مهمتها التي أوكلت إليها في خدمة هذا الإنسان المكرّم، وهي راضية في هذا السبح وديمومته إلى يوم القيامة بسبب ما يغزوها الله تعالى من نعيم تهيم فيه وترضخ بسببه بسباحتها لما يغزوها ربها من نعيم دائم.تأويل الآية: (54) من سورة آل عمران
قال الله تعالى: {وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} (54)
إننا نعرف أن المكر صفة مذمومة لا تليق بالله سبحانه، فما معنى هذه الآية؟
المكر: هو التدبير والكيد. فهناك تدبير حسن يعود بالخير وهو محمود "مكر الله".
والمكر هو التدبير والخداع، فالشرطة تخدع المجرم لتلقي القبض عليه، وعمل رجال الأمن ممدوح وليس مذموم.
كذلك الأب يمكر بابنه المريض ليعطيه الدواء المر فيجعله محبباً له ويضع له الطعوم الطيبة الحلوة ويرغبه به، وهذا تدبير حسن ومكر خيِّر، ومكيدة للصلاح وليتماثل الطفل للشفاء.
والله العظيم صاحب الأسماء الحسنى لا يعامل عباده إلا بما فيه خيرهم وهدايتهم، فجميع تدبيراته تعالى حين يرسل الأمطار ويظهر الثمار ويسقي العباد ويطعمهم ويغزوهم بالخيرات ويرسل لهم الأنوار ويدبر لهم لما فيه خيرهم ورزقهم ويواددهم بما يفيض عليهم من بّرٍ ورحمة وحنان ولا يتصوَّر أن يصدر من حضرة الله إلا الخير والرحمة، فإذا ظهر لنا بالصورة عكس ذلك فهو حتماً في نتيجته للخير والرحمة ولما فيه صلاح العباد وإنقاذهم من الظلمات إلى النور، ومن الضلال إلى الهدى وله تعالى الأسماء الحسنى ولا يعامل عباده إلا بها.
وهناك تدبير خبيث شرير يعود بالشر وهو مذموم وذاك مكر الإنسان البعيد عن الله يراوغ ويخدع ولا يخرج إلا ما بنفسه «كلُّ إناءٍ بما فيه ينضح».
فهؤلاء المعرضون والفريسيون بزمن سيدنا عيسى عليه السلام لما جاءهم بالهدى والحق، ما أعجبهم قوله، لأن الإيمان يمنعهم من الشهوات والآثام، دبَّروا تدبيراً لقتل سيدنا عيسى السلام، ولكن الله محيط بهم ومحيط بمكرهم وتدبيرهم فدبر الله أمراً فوق تدبيرهم وخلَّص سيدنا عيسى وأنجاه وألقى الشبهة على الخائن وصلب.
{..وَمَكَرَ اللّهُ..}: دبَّر الله وأجرى أحداثاً، فالكل بيده ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولا فعَّال سواه.
تدبير الله كامل وعطفه بخلقه شامل.
{..وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ}: تدبير الله خيّر لجميع الخلق، يؤدي الخير للذين يمكرون.
كان الله قادراً على هلاكهم ساعتها، ولكن جعل لهم رجعة وجعل لهم علاجات أخرى، فدبَّر لهم ما فيه الخير للجميع، تدبير نجاة سيدنا عيسى عليه السلام وهو تدبير يعود بعدم هلاكهم مع استحقاقهم الهلاك والإعدام ولكن حناناً عليهم أجَّلهم.
بسم الله الرحمن الرحيم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
سيدي الفاضل أرجو من حضرتكم شرح الآيات من (19) وحتى (22) من سورة المعارج ولكم مني سيدي الفاضل جزيل الشكر والامتنان والسلام عليكم.
يقول تعالى:
19- {إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً}: من المعنى اللغوي واضحة يا أخي، لأن قانون اللغة كما قال ابن جني في القاعدة اللغوية: (كل كلمة مشتقة من حرفين، فما زاد في المبنى زاد في المعنى).
فكلمة (هَلُوعاً): مأخوذة من هلَّ ووعى. وهلَّ: أي قَدُمَ وظَهَرَ، ووعى: لم يكن يعرف شيئاً عن هذه الدنيا ولا يعي شيئاً من الدنيا، وبدأت تنطبع فيه شيئاً فشيئاً، كما قال تعالى: {وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} سورة النحل: الآية (78).
وكلمة (هَلُوعاً): تتضمَّن الخوف لأنه يخلق المرء ضعيفاً عاجزاً لا حول ولا قوة له، بحاجة إلى غيره، أيُّ شيءٍ يؤثِّر فيه فيخاف ويلتجئ إلى أبويه، لأنه لا يستطيع أن يدافع عن نفسه، ولا أن يُطعم نفسه لضعفه وعجزه، فهو بحاجة إلى مُساعدٍ ومعاونٍ. وإن لم يكن هناك مساعدٌ، يمتلئ خوفاً من أيِّ مشاهدةٍ تخيفه، وهو كذلك ضعيف بحاجة إلى من يطعمه.
20- {إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً} أي: بما أن هذا ليس من المصلِّين بعد، لم ينطبع في نفسه الكمالات، لأن الكمال من الله وحده. فاكتسبت نفسه حب الدنيا، ولا تؤخذ الدنيا إلا غلاباً، وهذا الغلاب يكون "بأساليب مكيافيلي" بأساليب المكر والخداع والكذب والخيانة وقلة الأمانة، فيكتسب الصفات الذميمة المنحطة، وما كان الله ليتركه على هذا الحال المذموم، فيرسل له شتى أنواع العلاجات (الشدائد) بسبب هذه العلل التي انطبعت في نفسه من توجهه إلى الدنيا وحبها، وهذه الشدائد تشدّه لكي يلتجئ إلى ربه فيشفى، ويكون أهلاً للجنة وللسعادة، ولأن الله للسعادة خلقنا.
وكلمة (جزوعاً): أي جباناً خائفاً، لأنه لا شجاع إلا المؤمن الذي استقام على أوامر ربه وتجنَّب الشرور والأذى. ونتاج الإيمان الصلاة، وبالصلاة يكتسب الخيرات، وبسببها يفيض بالصالحات بما اكتسب في نفسه من كمال، وكل إناء بما فيه ينضح. ويكون الجزع بسبب التمسّك بالدنيا الدنية، فإذا أصابه الضرّ بماله مثلاً فهو جزوع، وإذا حلَّ القتال فهو يخاف ومن أبسط الأشياء يجزع، يجزع من الأصنام أي الأشخاص الذين كانوا نطفاً لا حول لهم ولا قوة.
أما المؤمنون المصلّون فلا يخشون إلا الله، وهم لا يخافون فقدان المال لأنهم صرفوه بوجوه رضاء الله ولا يخشون الموت لأنهم يعملون الخيرات وأعمال أهل الجنة، فهم سينتقلون إلى الجنات (والجنة تحت ظلال السيوف)، وبالنسبة للمؤمنين الموت تحفتهم.
21- {وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً}: إذا أعطاه الله من فضله وأمدَّه بالمال، وكلما ازداد غنى ازداد حرصاً على الدنيا، وخوفاً أن يفقر فيذل بظنه. هكذا يأمره الشيطان وهو له مطيع، ويفرّ من القتال في سبيل الله لأنه يخشى الموت.
22- {إِلَّا الْمُصَلِّينَ}: هؤلاء طهرت نفوسهم بالصلاة وزالت الأمراض النفسية منهم، فلا استحقاق عليهم، والإنسان على نفسه بصيراً فهو يعلم أنه لا شيء عليه فلا يخشى من شيء.
نستنتج من ذلك أن الصلاة رأس الأمر كله، لأن المصلين: {..لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ..}: في هذه الدنيا لأنه لا استحقاق عليهم، ولأنهم التجؤوا لجانب عظيم هو الله فكان معهم، ومن كان الله معه فمن ضده! والله معهم لأنه بيده مقاليد الجميع، فلا يُسلّط عليهم أحداً ولا سلطان لأحد عليهم {مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللّهُ شَاكِراً عَلِيماً} سورة النساء: الآية (147).
{..وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}: على الدنيا. إذا فارقوها لأنهم كسبوا خيراً منها كسبوا الجنات، ربحت تجارتهم. ولا يخافون من الموت بل بالعكس يفرحون بقدومه والموت تحفة المؤمن، وقال خالد ابن الوليد رضي الله عنه: (جئتكم برجال يحبون الموت) هؤلاء من المصلين.
فكن أنت منهم، عندها لن تكون للخير منوعاً ولا من الشر جزوعاً.
طلب تأويل آية من سورة السجدة (5):
{يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ}.
يخاطب الله تعالى حبيبه في هذه السورة بأسمى وأعلى صفات الحمد بـ {الم} يا أحمد الخلق ولطيفاً بعبادي ومحموداً عندي وعند عبادي، عندها يتجه هذا الرسول الرحيم لأداء وظيفته وتبليغنا بأن هذا البيان إلينا من ربنا ربِّ العالمين {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ}، فهو خالقنا ومربينا ومطعمنا وهو الذي يدعونا إلى مائدته الأبدية السرمدية وجناته العليَّة التي عاهدنا أن نأتي إلى الدنيا وننالها، وهنا يأتي دور ربنا بالكلام فيتكلم عمَّن أعرضوا عنه وعن رسوله الذين ينكرون الله وقوله، ويقولون أن الرسول افتراه أي سبكه من عنده بكلامٍ مرتب، فهو عبقري سبق أهل زمانه وجاء ببيانه. وهو ليس رسوله، ولكنه رسول نفسه كي يحكم ويسيطر على العالم، بعد أن يقولون افتراه {..بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ..}: هذا البيان الذي لا يستطيع ولم يستطيع أن يأتي مثيله إنسان، بل يعجز الإنسان عن الإتيان بمثله لأن الله الذي خلق الخلق لا يستطيع بشرٌ أن يصنع مثيل صنعه، وكذا لا يستطيع بشر أن يأتي بمثل كلامه، فلو كان منك أو من بشر لأتى مثيله غيرك من البشر {..لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ..}: ألم تتالَ الرسل والأنبياء وتبشّر بك، أولست موجوداً عندهم في التوراة والإنجيل، وكانت التوراة والإنجيل بزمن رسولنا محمد ﷺ صحيحة لم تتحرف، فالذين قبلك من الرسل الكرام بشّروا بك وكذا أنت بشّرت بمن سيأتي بعدك ويصلح الدين والدنيا ويقفو أثرك، أي: يسير مثل سيرك ويتكلم بكلامٍ مثل كلامك بشرح معاني كلام الله، كذا كلامه يعجز العالمين على أن يأتوا بمثله، إذاً كلامه هو كلامي، وكانت الآباء تنقل للأبناء بشارتك هذه يا رسولي يا أحمد الخلق {..لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} لعلهم لا يكونون كاليهود "فيكفرون بك" لتنقلهم إليَّ بلطفٍ ورحمةٍ يا رحيماً فيستنيرون بنورك الموصل لنوري ويعودون إليَّ بعد الانقطاع إلى الاتصال وبعد البعد إلى القرب فينالون جناتي وما أعددته لهم، هنا جاء دور الرسول الكريم لتوجيه نفوسنا إن اتجهنا إليه فينبئنا بأن {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ..}: فيشاهدونني أني أنا الخالق للسموات والأرض، فأخلق لهم ما أعددته لهم من جناني كما تمَّ العهد بحمل الأمانة وهجر الخيانة ويسعدون بي فلعلهم يهتدون إلى ما خلقوا من أجله وينالون جناتٍ عرضها السموات والأرض {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ..} فهذه الحقيقة الجارية السارية، أنت وحدك تنبئهم بها عن لساني وبذلك تثبت أنك أنت وحدك رسولي فيطيعون أمرك الذي هو في الحقيقة أمري، فالستة أيام هي الفصول الأربعة والليل والنهار يؤمُّ إليها خلق طعامنا وشرابنا وخلقنا الجسدي.
{..ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ..}: فالحياة والروح والإمداد والطعام والشراب الجسمي والنفسي منه تعالى وحده {..مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ..}: مصيركم الحتمي بعد انتقالكم إليه والآن وأبد الآبدين فلا تتجهوا إلى غيره فتخسروا خيراتكم الأبدية واستشفعوا بنفوسكم به تعالى ولا تنقطعوا عنه فتموتوا، ولن تهتدون إذاً أبداً، إذ لا يدوم لك سواه، ولا يغنيك عنه أحد، فالذي رافقك وربَّاك ونمَّاك في بطن أمك هو الذي يبقى معك بعد انتقالك من هذه الدنيا، وكما غمرك في هذه الدنيا بالحياة والطعام والشراب سيغمرك أيضاً بعدها بحياة دائمية أسمى وأعلى، {..أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ}: أفلا تتذكرون بي وبنوري الموصل لنور خالقكم منذ الأزل فتتذكرون بدايتكم.
السؤال: {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ} سورة السجدة.
الله سبحانه وتعالى يدبِّر أمر هداية الإنسان. خلق البشر للهداية، أتى بهم إلى الدنيا ليتعرفوا عليه ويكسبوا الجنات والسعادة.
(من عرف الله عاش ومن جهله طاش أتى إلى الدنيا وراح بلاش) "مَثَل عامِّي".
{يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ..}: من سماء الرسول ﷺ العالية من سدرة المنتهى يبعث لك رسوله ﷺ، من أعلى مقام. ليخرجك من ظلمات الأرض، من ظلمات هذه الدنيا ويعرج بك في سمواته العليّة. إلى الحضرة الإلۤهية. {.. ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ..}: يقول ﷺ: (الصلاة معراج المؤمن): يعرج الرسول ﷺ، وهو إمام العالمين بنفس المصلي المؤمن إلى الحضرة الإلۤهية بلطف., هذه هي الشفاعة الحقّة، في كل صلاة يصليها المؤمن يستشفع بإمامه ﷺ النبي الأمّي ليعرج في معارج القرب والشهود.
{..فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ}: هذه الساعة، وإن شئت فقل: هذه اللحظة التي تجتمع فيها نفس المصلي مع رسول الله ﷺ ويعرج به إلى الله، هذه اللحظة خيراتها عظيمة جدّاً.
الحقيقة أنّ الله يعرج بهاتين النفسين، نفس المصطفى ﷺ الذي أحب إنقاذ الخلق. ونفس الإنسان المرتبط به ﷺ. لينال من الله خيرات عظيمة.
هذه الخيرات تعادل {..أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ}: مثل إنسان بقي ألف سنة بالصلاح والكمال وبكامل إمكانياته وبكل صدقه، بقي يرقى بهذا الحال ألف سنة. فهذه اللحظة تعادل هذه الألف سنة. بصحبة هذه النفس العالية يحصل الإنسان المصلي على خيرات ألف سنة.
تستطيع أن تسميها ليلة القدر، التي قدَّر فيها رسول الله ﷺ واستسلم له ونقله رسول الله ﷺ إلى الحضرة الإلۤهية. فتدخل نفسه على الله وتنال عطاءات تعادل هذا الصدق لألف سنة.
فإن فضل رسول الله ليس له حدٌّ فيعرب عنه ناطق بفم
وترتبط هذه الآية مع ما بعدها أوثق ارتباط: {ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ..}: من ينطق هذه الآية؟. رسول الله ﷺ يقولها للمؤمن بالصلاة. عندما دخل بمعية رسول الله ﷺ على الله وشاهد بنوره الحضرة الإلۤهية. قال له ﷺ: {ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ..}. وهذه المشاهدة قلبية وليست عينية {..فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}سورة الحج: الآية (46).
قلوب العارفين لها عيون ترى ما لا يراه الناظرون
هذا ينظر بالبصر والبصيرة. هذا الإيمان الشهودي اليقيني. يريه ﷺ حضرة الله عن شهود. {ذَلِكَ..} الإشارة إلى مشهود قريب. دخل على الحضرة الإلۤهية ونال العلم الحقيقي. غيره جهل. هذا العلم المطلوب.
{..الْعَزِيزُ..}: وحده الممد بالخير. كل الخير منه تعالى للرسول وللإنسان وللخلائق، لا يوجد أحد مثله تتوجه له وتتركه.
{..الرَّحِيمُ}: الذي رحمك وربّاك. ألا تحمد ربَّك، رجعت بعد العمى للبصيرة، بعد البعد للقرب، وبعد الشقاء إلى النعيم والهناء، وبعد التعاسة إلى السعادة.
بعد العمى فتحت. هل يوجد أعظم من هذه النعمة وصرت تنال شيء ينفعك أبد الآبدين دنيا وبرزخ وآخرة.
قال الله تعالى: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (1) الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (2) وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (3)}
- هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحاور النساء ويستمع إلى قضاياهن؟
وجاء سؤالي هذا بعدما اطَّلعت في موقعكم على بحث الحجاب الإسلامي الصحيح، وقرأت الآيات الكريمة التي تقول بأن صوت المرأة عورة.
- لم أتت كلمة (تجادلك) في الآية الأولى ولم تأتِ مثلاً (تشتكي إليك)، فالمجادلة حسب مفهومي تعني الحوار العقيم وعدم الوصول إلى نتيجة؟ وبعدها انتقل الجدال إلى حوار بكلمة (والله يسمع تحاوكما)!
- ما معنى كلمة (يظاهرون) في الآية الثانية وما علاقة أمهاتهم في الموضوع؟
- وفي الآية الثالثة لم جاءت كلمة (من قبل أن يتماسا)، ولم تأتِ (من قبل أن يتلامسا)، مع أن المس معنوي واللمس مادي؟
أخي السائل: قبل الدخول في تفاصيل أسئلتكم الكريمة من الضروري شرح بعض الآيات ليكون الشرح أساساً في الإجابة على أسئلتك.
1- {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا..}: وهي امرأة أحد المسلمين، جاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي محجبة ساترة لوجهها تطلب الطلاق "والواقعة بالمدينة والحجاب مفروض"
{..وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ..}: من هجر زوجها لها واعتبارها كأمِّه.
رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يرضَ لها بطلاقها، وهو صلى الله عليه وسلم القائل: «إنَّ أبغض الحلال إلى الله الطلاق»، فهو صلى الله عليه وسلم لا يحب التفريق بين الرجل وزوجته لما فيه من ضرر وأذى على الأولاد، لكن وهي بثورة غضبها من زوجها تجادل رسول الله وتصر على الطلاق وتقول له أنها مظلومة عنده، وهي تكرهه لما فعل معها وأساء لها ولا تريد العيش معه.
الرسول استمع لها حتى ذهب غضبها عنها، وبعد ذلك انقلب الجدل العقيم إلى حوار مفيد لذلك قال تعالى: {..وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا..}: صارت تسمع من رسول الله وتفكر بكلامه فوجدته صحيحاً وتراجعت عن رأيها، وهنا بهذه الآية إشارة إلى أن يؤمن الإنسان بأن الله يسمع السر وأخفى.
{..إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ..}: لأقوالكم. {..بَصِيرٌ}: بأحوالكم، فكل ما يطرأ على النفس من حال من أحوال يعتلج فيها من حب وكراهية ورضى وعدمه وخوف وإيمان فالله سبحانه بصير به ويرسل لهذه النفس ما يناسبها، لذلك جعل سبحانه حلاً لهذه القضية وفرض كفارة.
2- {الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم..}: مثلاً يقول إنكِ حرام عليَّ منذ اليوم أو حرامٌ أن أقربكِ "يتركونهن" يقول لها أنت عليَّ كظَهر أمي ويهجرها.
{..مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ..}: هذه المرأة ليست أمك، هي زوجة وللزوجة حق.
{..إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ الْقَوْلِ وَزُوراً..}: خارجاً عن الحق، فهل كان يأتي أمه بالسابق ويقاربها.
{..وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ..}: لمن يقبل عليه سبحانه. {..غَفُورٌ}: ويطلب الغفران والشفاء وهذا الشيء لم يكن معلوماً في الجاهلية.
3- {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ..}: يجعل ظهره لظهرها علامة الابتعاد.
{..ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا..}: يرجعون ويفكرون بما قالوا ويتراجعون عنه هذا يترتب عليه كفارة وهي: {..فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ..}: يشتري عبداً من كافر فيرشده ثم يطلقه أو يشتري عبداً من مؤمن ويطلقه وهذا الحد بهذا الزمان غير موجود.
{..مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا..}: أن يقربها وهنا المس الناتج عن اللمس علاقة نفسية ناتجة عن المقاربة اللمسية {..ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ..}: رحمة بكم ولخيركم وسعادتكم.
{..وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}: خبير بكم وبما يناسبكم، لذلك جعل لكم هذا الحد فطبِّقوه حتى لا تمنعكم هذه المخالفة والمعصية وهذا العمل عن الإقبال على الله سبحانه.
4- {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ..}: تربية لكل من المرأة والرجل. الرجل يصوم شهرين متتابعين دون انقطاع إذا مرض فيهم يفطر ثم بعدها يكمل مباشرة ما تبقى عليه من صيام لأن المرض من الله فلا يعيد الصيام من أوَّله.
{..مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا..}: أن يقربها وتعود العلاقة النفسية.
{فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً..}: يطعمهم ثلاث مرات لكل يوم واحد.
{..ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ..}: معنى هذا أنه كافر، كفر حين قال كلامه هذا لو كان هذا الرجل مؤمناً حتماً لما فعل ذلك.
{..وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ..}: «ألا إن لكل ملك حمى ألا إن حمى الله محارمه»
والذي يقترف مثل ذلك ولا يؤدِّي الحد فإنه يعرض عن ربه وله عذاب أليم. {..وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ}
ولكن ما السبب في تشديد رب العالمين على هذا الأمر؟
بالماضي كانوا أهل صدق إذا قالوا كلمة لا يتراجعون عنها ويقرنون القول بالفعل، هذا الزوج إذا طبَّق ونفَّذ ما قال وأصرَّ عليه سوف تقع زوجته بالفاحشة والزنى، فإن كان ليس بمقدورها الوقوع بالزنى بسبب موانع تمنعها فإنها سوف تسلك طريق الباطنية وتقع بالزنى والفواحش مع شياطين الجن، وبهذا الوقوع قتلٌ لنفس الزوجة وتدميرٌ لها وللمجتمع الإسلامي والرسول موجود ويحدث هذا!
فهذا شيء كبير عند الله والرسول والله لا يرضا لعباده ذلك، ولهذا القائل عذاب أليم لأنه كان سبباً في دمار زوجته ففرض تعالى هذا الحد.
- أما عن سؤالك هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحاور النساء ويستمع إلى قضاياهن؟
وفي الجواب على هذا السؤال أقول لك:
إن الرسول لا يحاور النساء ولا يستمع لهن، فالنساء تحاور النساء والرجال مع الرجال وهذا هو القانون ولا مخرج عنه، لكن هذه الحالة التي حدثت مع رسول الله ليست قانوناً هذه حالة استثنائية طارئة اضطرارية. المرأة مظلومة والله سبحانه شهد لها بأنها مظلومة، وزوجها لا يشتكي على نفسه، لذلك خرجت من بيتها وقابلت رسول الله وهي بسترها واشتكت على زوجها، والرسول صلى الله عليه وسلم هو الحاكم والقاضي، ألا يستمع إليها ويحكم بقضيتها؟! وقضيتها كبيرة فيها دمار نفس وموتها ودخولها النار في الآخرة.
إذن: ما حدث مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حال وظرف طاريء فإذا كنت تسير بأحد الشوارع وسمعت صوت نساء يصرخن ويستغثن لأن بيتهن يحترق وهن فيه سيحترقن ألا تدخل لإنقاذهن من النار؟! وإذا دخلت بهذه الحالة فمن يلومك ويتكلم عنك بالسوء بل القول هو الثناء والمديح.
والله سمح بحالات ضرورية أن يتكلم الرجل مع المرأة من وراء ستر وحجاب كما قال الله تعالى بسورة الأحزاب (53): {..وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ..}:
وهذه المرأة خاطبت رسول الله من وراء حجاب، فهل خرج رسول الله عما شرع الله؟ حاشا.
وهل هذه المرأة خرجت عن شرعه سبحانه؟ لا لم تخرج. إذن: يجب أخذ الظروف بعين الاعتبار.
وتسأل: لمَ أتت كلمة تجادلك والجدال غير الحوار، الجدال عقيم.
بالبداية كانت المرأة في ذروة غضبها وكانت تجادل رسول الله بطلاقها وتطلب منه صلى الله عليه وسلم أن يطلقها من زوجها. لكن الرسول يجمع ولا يفرق والذي يفرِّق هو الشيطان. إذن هي تطلب من رسول الله شيء عقيم لا يحقِّقه صلى الله عليه وسلم لها، بتسرُّع وهي مصرَّة وتجادل الرسول وتطلب الطلاق.
رسول الله صلى الله عليه وسلم برحمته الكبيرة ولطفه استطاع إخماد غضبها وصبغها بصبغته الإلۤهية العالية، فذهب عنها غضبها عندها انقلب جدالها إلى حوار مع رسول الله والحوار للفهم وكشْفِ الحقيقة والسير بها، وهي بعد أن هدأت نفسها وذهب الغضب عنها وفهمت مراد رسول الله وانصاعت لأمره وتراجعت عن رأيها بالطلاق، وبهذا انقلب الجدل العقيم إلى حوار مفيد.
أما عن سؤالك عن معنى كلمة {يُظَاهِرُونَ}:
أي يعطيها ظهره عند النوم ولا يقاربها.
وتسأل: عن كلمة {يَتَمَاسَّا} ولمَ لمْ تأتِ (يتلامسا) لأن المس معنوي واللمس مادي؟
فأقول: إن العلاقة الزوجية بين الرجل والمرأة حقيقتها علاقة نفسية تحدث رابطة بين نفسيهما تستفيد المرأة منها إن كان زوجها مؤمن في الآخرة، وهذه العلاقة تنقذها من النار إن كانت مطبقة حدود الله من حجاب وصلاة وصيام وزكاة وأعمال وهذه الزوجة التي جاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم انقطعت علاقتها النفسية المعنوية مع زوجها بسبب كرهها له بما قام به وفعل معها لذلك جاءت كلمة {..مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا..}.
لكن الزوجة حين ترى ما أنفق الزوج من أموال على من حرَّر من عبد أو كيف ضحَّى وصام وأنفق على الفقراء من مال وكل هذا من أجلها ومن أجل إعادة علاقته بها فإنها تتوجه نفسها له بالمحبة، فتعاد العلاقة النفسية ويحدث المس وبعدها يأتي اللمس ويتم النقص.
استمع مباشرة:











