تأويل جزء عمّ
سلسلة تأويل القرآن العظيم
(أنوار التنزيل وحقائق التأويل)
المجلد التاسع (جزء عمّ)
- للعلامة الإنساني الجليل محمد أمين شيخو قدس سره
- جمع وتحقيق: الأستاذ المربي عبد القادر يحيى الشهير بالديراني
لمحة عن الكتاب
تأويل آيات جزء عمّ ببلاغة سامية لا يطار لها بجناح على ما فيها من البساطة في التعبير، من الاسلوب السهل الممتنع جاءت لترقى بالإنسانية إلى أفق سام آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر حاثة على الفضائل والمكرمات وتقبّح الرذائل والأوهام تدعو الإنسان للأخوة والموّدة في القربى لإخوانهم بالبشرية بل الإحسان للخلق كافّة فيكون الإنسان أخاً محبّاً للإنسان،رسم خطة النجاح الحقيقي والفلاح الدائم والسلام وطريق السلوك القويم الذي سلكه كافة الرسل والأنبياء وصحب النبيّ صلى الله عليه وسلم الذين سادوا القارّات الثلاث آنذاك ونقلوا به روحانية الرسول صلى الله عليه و سلم لكافة شعوب الأرض والتي تنقلهم للجنّات،آيات جزء عمّ، كل من صدر بالتفكير بهذه الآيات الكونية التي أشارت إليها غدا عالماً حكيماً يرد شهود حقائق شهادة لا إله إله إلا الله، فبها مواد مدرسة عظمى بها درس أبونا إبراهيم عليه السلام فصار عظيماً وغدا أبا الأنبياء، وبها درس كافة الرسل و الأنبياء، وهو العلم المطلوب {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} سورة محمد، الآية 19.
وكفى بالمرء علماً أن يخشى الله. بعث الله رسله لعباده ليذكّروهم بنعمه سبحانه وتعالى ويبلّغوهم عظيم قوله وجليل دعوته فأثاروا فيهم خامد تفكيرهم وأروهم آيات المقدرة من سماء مرفوعة وأرض مفروشة موضوعة ، ومعايش تحييهم وآجال تفنيهم، بآيات جزء عمّ بحثاً وتحقيقاً وتدقيقاً يوصل المرء إلى العلم بلا إله إلا الله ويكون الرسل له حجة له لا عليه إذ أثمر بعد أن أُنذر.
الصيغ المتوفرة:
هذا الكتاب متوفر بعدة صيغ: كتاب إلكتروني، صوتي، وورقي
كتاب إلكتروني:
معلومات الكتاب الإلكتروني
- الكتاب الإلكتروني بصيغة PDF، ePUB.
- الكتاب الإلكتروني مجاني.
- روابط التحميل تظهر لكم بعد تقديم الطلب.
- الكتاب متوفر على منصات غوغل بلاي، أبل ستور، أمازون.

كتاب صوتي:
معلومات الكتاب الصوتي
- الكتاب الصوتي بصيغة MP3.
- الكتاب الصوتي مجاني.
- روابط التحميل تظهر لكم بعد تقديم الطلب.
- الكتاب متوفر بشكل صوتي ومجاني في موقعنا، ومتوفر أيضاً في مواقع الكتب الصوتية العالمية الشهيرة.

كتاب ورقي:
معلومات الكتاب الورقي
- الكتاب الورقي متوفر للشراء من موقع الأمازون وشركائه، في أنحاء العالم.

أسئلة متعلقة بتأويل القرآن الكريم
يقول تعالى: (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) [سورة غافر، الآية 51] كيف ينصر تعالى الأشهاد ومن هم وكيف يقومون؟
الأشهاد هم الأنبياء المرسلون. لأن الشهد هو الخالص من كل الشوائب وهو أطيب شيء وأجمل شيء و(الأشهاد) في الآية أي الأنبياء والمرسلون، فهم صفوة الله من خلقه وخيرته من عباده. {..وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ}: أي يوم القيامة: قد خرجوا منتصرين فائزين بالجنات وبرضاء الله وصاروا بالقمم والذين كفروا من أهل الدنيا والسلطان والمال خرجوا بالخسران.
وتسأل كيف ينصر الله الأشهاد: الرسل الأنبياء فازوا وربحوا الجنات وربحوا أنفسهم وأصحابهم وإخوانهم وأهليهم. والمعرضين خسروا أنفسهم وأهليهم ألا هو الخسران المبين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
سيدي الكريم ما هو تأويل الآيات (43-46) من سورة سبأ وخاصة الآية (46) ولكم جزيل الشكر.
بسم الله الرحمن الرحيم
43- {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ..}: إذا شهد لهم رسول الله ﷺ عن بداية خلقهم والمربي لهم ومسيِّرهم، ﷺ جاءهم من ربه بما لم يأتِ بمثله أحد من العالمين، دلَّهم على الإيمان والتفكير ببدايتهم كيف كانوا نطفة، إن فكروا كما دلَّهم استعظموا وأشهدهم ﷺ بنوره بدايتهم وصاروا مؤمنين لأنه ﷺ السراج المنير كما قال تعالى.
دلَّهم على المربي لهم، قال لهم من يربيكم ويطعمكم ويسقيكم؟ وحينما كنتم أجنَّة في بطون أمهاتكم من الذي كان يمدُّكم ويرعاكم ويطعمكم ويسقيكم؟ من يسيِّر هذا الكون العظيم من أجلكم؟ يسيِّر القمر والنجوم والشمس والغيوم ألا يدلُّ هذا أن هناك خالقاً مربياً ومسيِّراً؟ لو طبَّقوا ما دلَّهم عليه ﷺ من تفكير لشاهدوا بنوره هذا، وشهدوا أن لا إلۤه إلا الله وأنه رسول الله وصار لهم نور منه تعالى وبصيرة يرون بها الحق حقّاً والباطل باطلاً لكن بدل أن يفكروا ببيانه العالي: {..قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ..}: قالوا عنه رجل كباقي الرجال لا ميزة له عن غيره ما عرفوا حقيقته وأنه رسول جاءهم ببيان من ربه ليخرجهم من الظلمات إلى النور. {..يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُكُمْ..}: لكن ماذا ورثوا عن آبائهم غير الدسوس والخرافات حتى أصبحوا أحطَّ الأمم فلا عزة لهم ولا كرامة سائرون بكلام الآباء والأجداد. {..وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى..}: يتكلم بأشياء جديدة لم نسمعها من قبل، العلماء كلهم يقولون خلاف ذلك. كذبوا به وببيانه الذي جاءهم به من حضرة الله. {..وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ}: واضح بيِّن أنه سحر، تخيُّلات يتخيلها ويتكلم بها، غيبيات وأشياء خفية لا نعلمها يقول أن في الصلاة سعادة لا شيء يعدلها كذلك في الإنفاق والتضحية والاستقامة والكف عن الشهوات سعادة وحياة للقلوب، نحن ما خُلقنا لهذا نحن خلقنا لنأكل ونشرب ونتمتع بالنساء والأموال. قالوا عنه مسحور.
44- {وَمَا آَتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا..}: الآية استفهام استنكاري، فالله سبحانه وتعالى بعد إنكارهم رسالته ردَّ عليهم: أوَما آتيناهم من كتابٍ؟. أوَما أرسل الله التوراة والزبور والإنجيل والقرآن من قبل؟ هل هذا غريب؟ وأنتم أرسلت لكم عن طريقه ﷺ هذا البيان "القرآن" فلماذا تكذِّبون به، ليقارنوا بين بيانه وكلامِهِم قبل أن يكذِّبوا به. {..وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ}: رسول: أما أرسل الله للأقوام السابقة رسلاً؟. إبراهيم وموسى وعيسى صلوات الله عليهم أجمعين أما أنذروهم مثلما تُنذرهم الآن وتُبين لهم نتائج سيرهم المنحرف وما سيعود عليهم.
45- {وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ..}: كما قومك كذّبوا بك، لم يفكِّروا حتى يؤمنوا ويصبح لهم نورٌ منه سبحانه وتعالى به يرون حقيقتك ويعرفون أن بيانك من الله. {..وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آَتَيْنَاهُمْ..}: المعشار (1000/1) قومك لم يبلغوا واحد من ألف مما بلغ به غيرهم من الأمم من القوة والحضارة ومع ذلك كذَّبوا. {..فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ}: بمَ عاد عليهم نكرانهم نِعمي ورسلي ودلالتي، كذلك نحن إن لم نسر على الحق فسوف يصيبنا ما أصاب من كذَّبوا من الأمم السابقة كقوم نوح وعاد وثمود وصالح صلوات الله عليهم أجمعين، وما أخبر به ﷺ من أشراط تحققت فالآن هجر الكل كتاب الله وساروا على ما جاءهم عن آبائهم وأجدادهم دون النظر إلى توافقها مع كتاب الله، وخرجت النساء كاسيات عاريات وحدث التطاول في البنيان وتفشت اللواطة والربا والرشوة، ولم يبق إلا وقوع الساعة والعلم عند الله أن وقتها صار قريباً جداً.
لكن هل من مَخلص من هذا كله؟
46- {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ..}: هذه طبقوها وهذا هو طريق النجاة والخلاص ومعرفة الحق والحقيقة. {..أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى..}: قال لهم ﷺ أنا أطلب منكم أن تسمعوا هذا البيان وتقرؤوه وتفكِّروا به وتقارنوا بينه وبين أقوال العالمين إن كان طلبكم الحق والحقيقة اسمعوا. {..وَفُرَادَى..}: طبِّقوا ما يأمركم الله به على لسانه إن فكرتم وطبقتم بعدما سمعتم وقرأتم تصلون لله وتشهدون نوره وأسماءه الحسنى. والطريق:
1- التفكير بالموت حتى تخاف النفس.
2- الاستقامة على طاعة الله والابتعاد عن المحرَّمات.
3- التفكير بالكون وآياته.
{..ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ}: أي أنه ﷺ ليس مستوراً عنه شيء من الحقائق لأنه سميع عليم بما أحاطه الله من علم لصدقه، بعد تطبيق ما يأمرك به ترى أن هذا البيان حق فتلتفت النفس لصاحبه وتشهد بنور الله أنه رسول الله تشاهد وترى أنه ﷺ ليس مستوراً عنه شيء.
{..فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ..} سورة الأعراف: الآية (157).
عظّموه عن رؤية ومشاهدة لحقيقته السامية العالية لذلك نصروه، فالله بهذه الآية يطلب منا أن نسمع هذا البيان ونفحص بأنفسنا ونفكر ونقارن بين ما جاء به وبين أقوال السابقين فبشرٌ عادي لا يستطيع أن يأتي بمثل بيانه. إذن: هذا البيان من الله منزل على رسوله.
البعوضة صنع الله ورغم صغرها لا أحد يستطيع أن يصنع مثلها، كذلك كلام الله سبحانه لا أحد يستطيع أن يتكلم بمثله.
إذن: هذا القرآن من الله وهو رسول الله.
والحمد لله رب العالمين
في قصة نوح عليه السلام قول الله له: {..إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} هود (46).
نريد توضيحا لذلك؟
الأخ الفاضل حفظه المولى الكريم ... آمين
قال تعالى: {وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ}.
{..إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ}: وهذا تحذير قبل الوقوع لئلا يقع، فالله يعظه لئلا يكون من الجاهلين، وذلك بسبب الحنان والشفقة التي في قلب سيدنا نوح عليه السلام على ابنه. وكان الله عزَّ وجلَّ قد وعده بأهله أنهم من الناجين لقوله تعالى:
{..قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ..}: ولم يغب أبداً عن سيدنا نوح عليه السلام أن ابنه كان يخفي نفاقه ويظهر صلاحه وتقواه أمامه، ولكن ما دام لم يجهر بالمعصية بعد فهذا فيه أمل أن ينقطع عن كفره ويتوب إلى ربه، فهو بين حدَّين.
وحنان سيدنا نوح وحبه في هداية ابنه ونجاته من الهلاك ومن النيران جعله يدعو الله:
{وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ}: وهنا بيَّن الله له مصير ابنه النهائي وحقيقته الفاصلة: {قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ}: وهذه تحذير قبل الوقوع، فإذا كان الابن قد بتَّ في أمره وظهرت طواياه وكفره وتحتَّم عدم رجوعه للحق وظل الأب يحنُّ عليه ويشفق، فهذا يجرُّه إلى الهلاك مع الابن.
هنا قال سيدنا نوح: {قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ}.
{..وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي..}: أي يا رب هذه الرحمة والحنان التي في قلبي تجاه ابني هي منك، فيا ربَّ امحها من قلبي واشفني منها.
تأويل الآية رقم 78 من سورة القصص
قال الله تعالى: {..وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ}.
التأويل:
وكيف يُسأل وهم بحالة يرثى لها لأنهم معرُوفون بسيماهم {يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ..}: مجرمون أحضروا موجوداً يساقون سوقاً فهم معروفون، فلمَ يُسألون وهم معروفون؟!
{..خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ..}: كونهم خشعاً أبصارهم. كالمريض المتألم وقد أحضرته سيارة الإسعاف وهو يصرخ من ألمه وذله وعاره، فهل يُسأل هذا أم يأخذونه للعلاج رأساً دون سؤال؟!
بسم الله الرحمن الرحيم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته لدي سؤال حول الآيات (قال رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي واجعل لي وزيراً من أهلي هارون أخي..) سورة طه {25-35}، و (وأخي هارون هو أفصح مني لساناً فأرسله معي ردءاً يصدقني إني أخاف أن يكذبون) القصص {34-35}.
هل سيدنا موسى لا يستطيع مواجهة فرعون لوحده حتى طلب أخاه هارون؟ أم لا يستطيع أن يتكلم بسبب عقدة بلسانه أو لأنه أقل فصاحة من سيدنا هارون؟ فما حقيقة هذه الآيات أو تأويلها لأن الآيات التالية تشير أنه تكلم هو وواجه القوم وغلبهم. أرجو التوضيح وجزاكم الله خير الجزاء.
الحمد لله رب العالمين الذي بعث الأنبياء منذرين ومبشرين فكانوا قدوة للعالمين بما تحلت نفوسهم من صفات سامية عليَّة، وتخلّت عن كل شائبة ورديَّة فكانوا بذلك نبراساً للأمم والأجيال تلو الأجيال.
فها هو سيدنا موسى عليه السلام يعطينا درساً في المودة والإخاء تجاه أخيه هارون (عليه السلام) بل ويعطي العالمين أجمعين بما أُنزل في الذكر الحكيم.
وكما هو معروف أن سيدنا موسى عليه السلام أثناء إقامته في قصر الملك (فرعون) كان يذهب إلى أخيه هارون سرّاً ليتلقى عنده الدروس الدينية العلية ويترقى في مدارج الكمال يوماً بعد يوم وهاهو الآن قد أُهّل لأن يكون للناس إماماً بعد أن تخرج من مدرسة سيدنا شعيب، وكلَّفه الله عزَّ وجلَّ وقلَّده الرسالة ليبلِّغ العالمين دلالة ربهم الرحيم:
{إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (12) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (13) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14) إِنَّ السَّاعَةَ ءاَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (15) فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لاَ يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (16) وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (17) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (18) قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى (19) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (20) قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (21) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى (22) لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى (23) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى} طه [12-24].
فهذا التكليف وهذا المقام الذي بلغه سيدنا موسى لم يبلغه أحد في زمنه، وهذا النوال العظيم الذي ناله بأن يكون سفير رب العالمين لعباده، لذا أحب سيدنا موسى أن يشرك أخاه سيدنا هارون في ذلك العطاء العظيم لأن نفسه عليه السلام قد جبلت على حب الخير والإحسان و"ابدأ بالإحسان من بدأك بالإحسان"، ولم ينسَ سيدنا موسى عليه السلام الفضل الذي ناله عن طريق سيدنا هارون إذ كان في يوم من الأيام مريداً صادقاً عنده وكان سيدنا هارون نِعْمَ المرشد الأمين والناصح الرحيم، والآن قد آن الأوان لأن يردَّ له المعروف والإحسان ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، فطلب من ربه أن يجعل سيدنا هارون وزيراً له وأن يشركه في أمره فيصبح رسولاً وهذه أسمى وأعلا الرتب العليَّة، وعندما رأى الله عزَّ وجلّ ما يكنُّه سيدنا موسى من حب الخير وردِّ الجميل والله مع الخير والمعروف فقبل طلبه وقال : {اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي} طه [42]، وفي سورة الشعراء قال سيدنا موسى: {وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ} : شخص متهم قد قتل نفساً فكيف يذهب لأهل المقتول وفرعون ملك جبار طاغية ولهم عليه هذا الذنب أما عن الآيات في سورة طه {قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ، وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ، وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي} لأن الكلام بحسب السامع، فالمؤمن يضيق صدره من مواجهة الكافر بسبب الصدود والإعراض الذي يلاقيه في نفوسهم، فسيدنا موسى يعرفهم ويعرف إعراضهم عن الحق فطلب من ربه أن يشرح صدره وييسر أمره حتى يستطيع الكلام والبيان. كيف؟ بأن يرسل هارون أخاه معه فيكون له أنس وأنيس فهو يعرف سيدنا هارون وصفاء نفسه ونقاءها وطهارة هارون وصلاحه فطلبه معيناً لكي يؤازره ويسانده قلبياً في التبليغ، فيرى أذناً صاغيةً سامعةً للحق ونفساً عاليةً مقبلةً على ربها، فيركن لهذه النفس الصافية الزكية قلباً، عندها ينطلق لسانه لهداية الكافرين المعاندين ويستفيض في الشرح والبيان براحة قلبٍ واطمئنان.
ومن المعروف أنه إذا كانت النفس مرتاحة مطمئنة تجود بما عندها من البيان أما إذا كانت منكمشة مضطربة فلا تستطيع الكلام فبوجهة سيدنا موسى إلى أخيه هارون المقبل بنفسه على الله يرتاح ويستأنس به على مواجهة وهداية هؤلاء المعرضين (فرعون وقومه).
فبارتياح سيدنا موسى وانشراح صدره بتوجهه لأخيه هارون النقي التقي تنحلل العقد وتنفرج الأسارير وتسري الحكم من قلبه على لسانه، فلا عقدة بلسان سيدنا موسى ولا غيرها مما يدعيه عميان القلوب فالأنبياء أكمل الناس خَلقاً وخُلقاً والله اصطفاهم واختارهم مبلغين فهم أفصح الناس وأبلغهم وأكملهم صورةً وحقيقةً.
فما كان كلام سيدنا موسى مع ربه إلا لكي يشرك أخاه هارون في أمره لينال الخير والفضل العميم بهذا التكليف العظيم من رب العالمين، والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه. والآيات تشير أن سيدنا موسى هو المتكلم وهو الذي واجه القوم وحده، أما سيدنا هارون فلم ينطق بكلمة واحدة، بل كان في ذكرٍ دائمٍ لربه متجهاً لسيدنا موسى يؤازره ويسانده في حاله القلبي وسيدنا موسى من خلال نفس سيدنا هارون الطاهرة الزكية النقية يشركه في أمره ويشدد به أزره فيتم النصر ويزهق الباطل.
استمع مباشرة:






