موسوعة عمّ
سلسلة تأويل القرآن العظيم
(أنوار التنزيل وحقائق التأويل)
- للعلامة الإنساني الجليل محمد أمين شيخو قدس سره
- جمع وتحقيق: الأستاذ المربي عبد القادر يحيى الشهير بالديراني
لمحة عن الكتاب
دعوة للمفكّرين بتأويلٍ عالٍ يبهر العقول والقلوب والعواطف جميعاً ويغرز فيها الإجلال للعظمة الإلهيّة والإيمان ، ذلك لأنّ روعة جلالها وباهر ضيائها جلالاً وضياءً يتوارى دونهما كلّ ما سواهما فما كان أعظم تاليها !. وأعظم به. كان عالماً: (جبلاً) حجب ما سواه.
غطّت دلالته الأجيال ويحقّ أن تفاخر به الأجيال، فطوبى لمن استظلّ بجلال عظمتها واستضاء بباهر لألائها.
فيها براءة الإسلام العظيم من دسوس المغرضين، فيها براءة قلوب السالكين من أهواء الشياطين، بها سعادة الحياة العظمى أبد الآبدين، تنزيل من حضرة الله العلي الرحيم ورسوله الكريم.
الصيغ المتوفرة:
هذا الكتاب متوفر بشكل: كتاب إلكتروني.
كتاب إلكتروني:
معلومات الكتاب الإلكتروني
- الكتاب الإلكتروني بصيغة PDF، ePUB.
- الكتاب الإلكتروني مجاني.
- روابط التحميل تظهر لكم بعد تقديم الطلب.
- الكتاب متوفر على منصات غوغل بلاي، أبل ستور، أمازون.

أسئلة متعلقة بتأويل القرآن الكريم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته سيدي الفاضل أرجو منكم تأويل الآية (20) من سورة الحاقة وما هو الفرق بين هذا الظن وبين الظن في الآية {..وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً} نرجو منكم زيادة الإيضاح ودمتم.
في الآية الكريمة: {إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيهْ} سورة الحاقة: الآية (20). هنالك ظن مبني على السماع من الآخرين وعلى قناعة من الظانِّ بصدق الآخرين. والظن أنتجته أحوال ومشاعر حلوة بالصلاة بلا مؤثر مادي محسوس ملموس لا يعرف الظانُّ مأتاه سوى المشاعر. قد يقوى هذا الظن فتشاهد النفس إشراقات نورانية، وقد تفيض ولا تغيض وتتكرر بالصلاة لاسيما إن ضَحَّى المرء بما هو غالٍ عنده لبني البشر. أيضاً يقوى هذا الظن عندما تَغمِرُ نفس المصلي أذواق لذيذة وإشراقات مُسِرّة نورانية حبيَّة. ويقوى هذا الظن إن بقي الظانُّ على استقامته وقام بتضحيات حبيَّة جليلة، فيشاهد المرء من جانب ربه آيات جليلة جميلة نورانية تصل به ليشاهد الرسول النوراني وسماواته العلية التي لم تر العين لها مثيلاً ويشاهده بنورانية عظمى. هذا الظن يسمو ويتسامى ويعلو حتى أن المرء ليسمع كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين تعرّض المرء لأمور جليلة مصيرية وأنه قد يسمع كلام ربه من خلال رسوله وهذا النوع من الظن هو الظن الشهودي اليقيني وأعلا وأسما أنواع الظنون هو الظن اليقيني.
نهبط لظن آخر قد يكون صحيحاً أو خطأً مبني على كلام المتكلم أو عمل من أعماله، يبني الظانُّ مسيرته على أمور غير يقينية بعدُ ولكنها تُحدِث شكوكاً لدى الظان، ولكنه قد يبني عليها مسيرته الصائبة أو الخاطئة، وهذا النوع من الظن يقول تعالى فيه: {..إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً..} سورة يونس: الآية (36). كما يقول: {..اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ..} سورة الحجرات: الآية (12). هذا الظن المتسرع العاطفي غير المبني على أسس يقينية ثابتة كذا الظن التصديقي لا التحقيقي. فمن الظنون المبنية على أسس أو مشاعر مَحِلُّها إلى البيت العتيق، أي إلى التقوى والاستنارة بنور الله فالسالكون بالحق بصدق ينالون بظنهم السامي الجنات {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} سورة البقرة: الآية (46).
قال الله تعالى: {يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيباً مَّهِيلاً{14} إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً{15} فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً{16} فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيباً{17} السَّمَاء مُنفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً{18} إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً}
ما شرح هذه الآيات الكريمة.
ولماذا أتت كلمة (مُنفَطِرٌ بِهِ) بالمذكر ولم تأت السماء منفطرة به بالمؤنث مع أن السماء مؤنث؟
إن الذين ما آمنوا، ما عظَّموا ربهم، ما عرفوا رسولهم فقط يريدون الدنيا وما فيها من ملاذ وشهوات، هؤلاء سوف يغربون عن الدنيا ويتركونها بالموت وقد غربت نفوسهم عن الله وبالشقاء والعذاب والنار سوف ينزلون.
والرسول صلى الله عليه وسلم قلبه الشريف يتقطَّع عليهم وهو يريد هدايتهم وأخذ حجزهم من النيران وهم يعارضونه.
صاروا وحوشاً بثوب إنسان ووقعوا بشر أعمالهم، نهب وسلب وقتل وحروب وزلازل وبراكين وأعاصير. حيث أنه لا بد لهم من العلاجات حتى يشفوا.
ولكن لكل أمر نهاية ويحذرنا الله تعالى رحمةً بنا من هذه الساعة، ساعة النهاية للكفر وأهله إلى يوم القيامة لئلا نكون معهم ساعتها.
يقول سبحانه:
14- {يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيباً مَّهِيلاً}: وهذا بقيام ساعة البلاء التي وعد الله بها الناس إن لم يسيروا بالحق مثلما أتى الأقوام الماضية قوم نوح وعاد وثمود، مثلما أوقف الله شرورهم عندما عصوا رسلهم وهذه الساعة التي سيظهر فيها السيد المسيح عليه السلام ويمسح الكفر من الكون ويحل الأمن والسلام والسعادة، في هذا اليوم ترجف الأرض والجبال من قوة الزلازل لتخفي ما على ظهرها وتخرج ما فيها.
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} سورة الحج (1). فالله العظيم يقول عنها ويصفها بأنها عظيمة لكثرة الأهوال التي فيها.
15- {إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً..}: أرسل لنا رسولاً مثل باقي الأمم، لم يتركنا سبحانه وتعالى بلا هادي ولا دليل، أرسل رسوله وأنزل عليه هذا البيان وهو صلى الله عليه وسلم بيَّن وأنذر.
{..شَاهِداً عَلَيْكُمْ..}: من رحمته وحنانه دائماً عينه عليكم لا يترككم لحظة هو قريب منكم، أنتم فقط التفتوا له فهو يغمركم بالنور ومشاهدكم ويجب أن تروه هكذا وإلا أنتم بعيدون عنه.
{..كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً}: لكن فرعون ما استفاد من رسول الله موسى عليه السلام.
والله يحذرنا بهذه الآية ويقول: أنا أرسلت لكم رسولي أنتم لا تكونوا مثله، انظروا الذي ما عرف رسوله وما قدَّره، انظروا إلى الذي كذَّب بالحق ماذا حلَّ به.
16- {فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ..}: دعاه إلى الإيمان وإلى السعادة والجنان والتوبة فما فكَّر ولا سمع وما طبَّق وسار بكلام سيدنا موسى صلى الله عليه وسلم عصى خليفة الله ولم يعرف قدره، عصى الرسول وتكلَّم عليه بالسوء وحاربه وأراد القضاء عليه.
{..فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً}: بماذا عاد عليه هذا العصيان؟
عاد عليه بالهلاك، هلك ومن معه وتدمَّرت بلاده وأملاكه، كذلك نحن إن عصينا الرسول وما طبَّقنا ما يأمرنا به وما سلكنا طريق الحق وسرنا بدلالته سوف يأخذنا الله أخذاً وبيلاً كما أخذ فرعون وزالت حضارته، قال تعالى: {..وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ} سورة الأعراف (137).
17- {فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ..}: إن ما فكَّرتم وآمنتم، إن ما طبَّقتم كلام الرسول وتركتم المدرسة المحمدية وأعرضتم عنها، كفرتم بالله والرسول هل تستطيعون أن تتَّقوا البلاء وتردُّوه عنكم؟
كيف تتَّقون ما في ذلك اليوم من هول شديد. هل تستطيعون أن تفعلوا شيئاً وتمنعوه عنكم وأنتم لا إيمان ولا تقوى ولا عمل صالح.
{..يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيباً}: من شدة الهول الطفل يبيض شعره، زلازل وبراكين وأعاصير، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ}: حيث الأرض تتمايل من الزلازل فإن لم تحصل لك التقوى فسيحصل لك بلاء عظيم، فالله يصف هذا اليوم بالشدة والعذاب فكيف هو يا ترى؟
{يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ..}: كم عند الوالدة على ولدها من عطف وحنان، لكن ساعتها تذهل عنه وتلقيه، فالهول ينسي الناس كل شيء إذا ما آمنا بالله والرسول سيقع علينا هذا البلاء والعذاب حتماً.
الرسول حذَّرنا من هذه الساعة وبيَّن لنا كيف التقوى والخلاص منها، لكن إن ما أفادنا الإنذار وطبَّقنا، وعصينا فسوف تأتينا مثل ما أتت الأقوام السابقة.
18- {السَّمَاء مُنفَطِرٌ بِهِ..}: من شدة ألمه وحزنه على الخلق، وكذلك ستظهر السماء كما ظهرت أول مرة، حيث تزول السموم منها وتعود نقية، حيث الآن الجو كله ملوَّث، غداً يعود كل شيء كما كان.
{..كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً}: على الأقوام السابقة حدث هذا الشيء والآن سيقع أيضاً وسيحدث هذا حتماً ولن يطول كثيراً والتأخير إلى الآن رحمة من الله تعالى.
19- {إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ..}: لا إكراه ولا إجبار، هذه الدلالة وهذا البيان الذي بيَّنه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم تذكرة لنا، فالرسول ذكَّرنا بهذه السورة، فإن طبَّقتم وسلكتم فالسرور والفرح والسعادة عليكم والناس بأهوال الساعة.
{..فَمَن شَاء..}: لك الاختيار أيها الإنسان فكل من شاء {..اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً}: عن طريق الرسول، فرسول الله هو السبيل، من شاء سار بطريق الإيمان وطبَّق القانون.
إذن {السَّمَاء مُنفَطِرٌ بِهِ..}: السماء وهي السماء المحيطة بكل سماء من سموات الأنبياء بالمرتبة العليا النورانية التي بلغها سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، سماء النبوة، سماء الرحمة والحنان والعطف والمحبة الربانية المشتقة من الرحيم الرحمن على عباد الله الذي يطلب السعادة والجنات لهم، التي تم الاتفاق عليها في الأزل، لكنهم هم غيَّروا ولا يرضى لهم الشقاء والحسرة والآلام التي أوقعوا أنفسهم بها ببعدهم عن الله ومحاربتهم لمن يحبهم الرحمن الذي أرسلهم للدنيا ليُشفوا وينالوا السعادة الكبرى فأبوا هؤلاء وقاموا باختراعات وابتداعات ستفنى ويفنى نعيمها.
لقد جاءهم صلى الله عليه وسلم برسالات ربه لنجاتهم فأبوا وأصرُّوا على الفساد والتعدّي وبما يعود عليهم بالنتيجة بالخسران والهلاك، فلا بقاء لسعيهم الضال المضل وسيعود كله عليهم بالهلاك والأحزان، وهو ما لا يرضاه لهم الرحيم الرسول صلى الله عليه وسلم بل يتمنى لهم الهناء المقيم وسعادة الدارين.
ما أُرسلوا للدنيا ليخلدوا لها فلا خلود ولا بقاء، أُرسلوا وكانوا عند الله في جنة واحدة، خشي تعالى عليهم الملل بحال عال واحد فاستفتاهم لحمل الأمانة ويكسبوا بدل الجنة الواحدة جنات بناءً على تسليمهم الاختيار ليقوموا بالصلاح والإصلاح للعباد المحبوبين عند خالقهم ويعودوا لربهم وهم محسنين لخلقه فتبيضُّ وجوههم ويقبلوا بأعمالهم الحسنة التي كلها إحسان ويدخلوا عليه أعزاء وعلى جناته الدائمية المتزايدة المتعالية وينالوا السعادة الكبرى الأبدية الدائمية فخالفوا، كمن هرب من المدرسة أو الجامعة إلى الملذات المنقضية فأهمل دراسته ورسب فوقع بالآلام والأحزان، والله ورسوله لا يريدان لهم هذا المصير وخسران الجنات على مذبح ملاذ دنيوية واختراعات جهنمية معدومة من الإنسانية يعقبها خسران الجنات الأبدية وخسارة الدنيا والآخرة بعدها، والخلود في الندم على ما ضيَّعوا من جنات أبدية والحسرات على ما فرَّطوا في دنياهم الخاطئة، فهو تعالى ما خلقهم ليعصوه ويؤذوا عباده فيخسروا الثقة بالله ويخسروا الجنات الأبدية بأعمالهم الفاسدة المؤذية الضارة للعباد ولا ينالوا الجنات بل الخسارة والحسرات وكانت نهايتهم مخزية "طوافانات، زلازل، براكين، أمراض لأنعامهم وحريق، حروب مدمِّرة" وهو ما لا يحبه لهم الله ورسوله الذي أرسله ليعودوا لجادة الصواب والنجاة في الآخرة والفوز فأبوا وما رضوا حتى جاءهم الهلاك الأبدي وانتهت حياتهم بالدمار وهو ما لا يرضاه لهم الرسول. {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم..} سورة التوبة (128).
أما من آمن وعاد لكسب الجنات فهو {..بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ}: يدخلهم الجنات بالنعيم المقيم.
نعم لقد تفطَّرت سموات رحمته صلى الله عليه وسلم وحبه لهم إذ خسروا وماتوا بالخسران وخسروا سعادتهم الكبرى، فسماء رحمته الكبرى عليهم جعلته منفطر القلب عليهم.
{السَّمَاء مُنفَطِرٌ بِهِ..}: يتمنَّى لهم النجاة فما رضوا وما نجوا، فتفطَّرت سموات رحمته الكبرى، تفطَّر قلبه عليهم وذهبت نفسه عليهم حسرات، وهو الرحمة المهداة لهم من الله فلو أطاعوه لسعدوا بالدنيا والآخرة ونالوا الجنات العلى، ولكنهم أنهوا حياتهم نهاية مؤسفة وما ربحت تجارتهم ولا علمهم الدنيوي وحضارتهم المثلى بل كانت تجارتهم خاسرة بعدها أبد الآباد إذ ضيَّعوا الباقي بالفاني وما أغنت الدنيا عند الموت عنهم شيئاً بل بالآخرة سيحرقون أنفسهم لينسوا آلامهم وندمهم على ما فرَّطوا، المصير الذي لا يرضاه صلى الله عليه وسلم لهم ولا يرضاه الله.
لقد تفطَّر قلبه وسماء رحماته وعطفه وحنانه عليهم أسفاً لما آلوا إليه.
فالجيل مات ولا عودة، وحلَّت به الآفات.
تأويل الآية: (54) من سورة آل عمران
قال الله تعالى: {وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} (54)
إننا نعرف أن المكر صفة مذمومة لا تليق بالله سبحانه، فما معنى هذه الآية؟
المكر: هو التدبير والكيد. فهناك تدبير حسن يعود بالخير وهو محمود "مكر الله".
والمكر هو التدبير والخداع، فالشرطة تخدع المجرم لتلقي القبض عليه، وعمل رجال الأمن ممدوح وليس مذموم.
كذلك الأب يمكر بابنه المريض ليعطيه الدواء المر فيجعله محبباً له ويضع له الطعوم الطيبة الحلوة ويرغبه به، وهذا تدبير حسن ومكر خيِّر، ومكيدة للصلاح وليتماثل الطفل للشفاء.
والله العظيم صاحب الأسماء الحسنى لا يعامل عباده إلا بما فيه خيرهم وهدايتهم، فجميع تدبيراته تعالى حين يرسل الأمطار ويظهر الثمار ويسقي العباد ويطعمهم ويغزوهم بالخيرات ويرسل لهم الأنوار ويدبر لهم لما فيه خيرهم ورزقهم ويواددهم بما يفيض عليهم من بّرٍ ورحمة وحنان ولا يتصوَّر أن يصدر من حضرة الله إلا الخير والرحمة، فإذا ظهر لنا بالصورة عكس ذلك فهو حتماً في نتيجته للخير والرحمة ولما فيه صلاح العباد وإنقاذهم من الظلمات إلى النور، ومن الضلال إلى الهدى وله تعالى الأسماء الحسنى ولا يعامل عباده إلا بها.
وهناك تدبير خبيث شرير يعود بالشر وهو مذموم وذاك مكر الإنسان البعيد عن الله يراوغ ويخدع ولا يخرج إلا ما بنفسه «كلُّ إناءٍ بما فيه ينضح».
فهؤلاء المعرضون والفريسيون بزمن سيدنا عيسى عليه السلام لما جاءهم بالهدى والحق، ما أعجبهم قوله، لأن الإيمان يمنعهم من الشهوات والآثام، دبَّروا تدبيراً لقتل سيدنا عيسى السلام، ولكن الله محيط بهم ومحيط بمكرهم وتدبيرهم فدبر الله أمراً فوق تدبيرهم وخلَّص سيدنا عيسى وأنجاه وألقى الشبهة على الخائن وصلب.
{..وَمَكَرَ اللّهُ..}: دبَّر الله وأجرى أحداثاً، فالكل بيده ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولا فعَّال سواه.
تدبير الله كامل وعطفه بخلقه شامل.
{..وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ}: تدبير الله خيّر لجميع الخلق، يؤدي الخير للذين يمكرون.
كان الله قادراً على هلاكهم ساعتها، ولكن جعل لهم رجعة وجعل لهم علاجات أخرى، فدبَّر لهم ما فيه الخير للجميع، تدبير نجاة سيدنا عيسى عليه السلام وهو تدبير يعود بعدم هلاكهم مع استحقاقهم الهلاك والإعدام ولكن حناناً عليهم أجَّلهم.
ورد في الآية الكريمة في سورة الأحزاب:
{يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً} صدق الله العظيم.
والسؤال: هل يجوز للمرأة التحدث إلى الرجال الأجانب عند الضرورة اعتماداً على هذه الآية؟
وماذا لو كانت محجبة؟
وهل هذه الآية تخص نساء الرسول فقط؟
ولكم جزيل الشكر.
هذه الآية يخاطب الله فيها نساء النبي صلى الله عليه وسلم وهن قدوةٌ للنساء المسلمات، وعندما يقوم القائد بمهمة ما يعني هذا أن جميع الجنود ستتبعه، فالقائد لا يخرج بنفسه للقتال، لابدَّ أن يخرج معه الجنود، وهو لا يشنُّ الهجوم منفرداً، لاشكَّ أن جنوده يلحقون به ويتبعونه بتصرفاته.
والأمر هنا في الآية لنساء النبي وللنساء المسلمات بالتبعية، لطالما المثل الأعلى والقدوة امتثلن للأمر فالأتباع كذلك مشمولون بالأمر وذلك تحصيل حاصل، وهذا أمرٌ بديهي.
وكلمة: {..فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ..}: أي لا تتركن صوتكن على طبيعته، لأن: (المرأة كلها عورة حتى صوتها)، فيجب على المرأة أن تغيِّر وتيرة صوتها من اللطيف العذب إلى الفظ الخشن إذا أرادت التكلّم مع الرجال، وذلك لأمر مهم وإذا لم يكن هناك رجال في البيت وأجبرت هي للتكلم مع الرجال، فإذا تحدَّثت مع الرجل يجب أن يكون الحديث جدِّي للغاية وبصوت خشن، أي تغيِّر صوتها ولا تدعه على طبيعته رقيقاً لطيفاً بل يجب أن يكون خشناً غليظاً لكي لا يترك مجالاً للشيطان أن يدخل على مرضى القلوب. {..فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ..}: من في قلبه حب دنيا وشهواتها، فهذا صوت المرأة له تأثير سلبي عليه فلربما يكون باباً للشيطان أن يدخل ويحبب إليه الفواحش والمحرمات، من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (المرأة كلها عورة حتى صوتها)، فحرصاً على قلوب العباد أن يتسرَّب إليهم الفساد، كان الأمر بتغيير طبيعة الصوت إلى خشن عند الضرورة، مثلاً أمام القاضي إن كانت المرأة شاهدة على حادثة ما، أو في أمور الميراث أو الطلاق أو غيرها من الضرورات.
ولسائل أن يسأل ويقول: أن الآية تخاطب نساء النبي فقط.
ونقول: {..لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء..}. نقول: هذا صحيح، جاء التخصيص هنا لنساء النبي لأن زلَّة عالم بهلاك أمة.
فنساء النبي بلغن درجة عالية فهن أسمى وأعلى وأرقى نساء العالمين، والمسؤولية هنا أكبر وأعظم، فالآية تخصّصهنَّ لأنهنَّ قدوة النساء المسلمات، وخطيئة القائد بدمار الجيش، وخطيئة الملك بدمار الأمة بأكملها، فالأمر بالآية لنساء النبي على وجه التخصيص لعلو شأنهن وعظيم خطر زلتهنَّ "وحاشا لله"، ومنه يعمّم على نساء المسلمين بالتبعية.
وكانت زوجة العلّامة محمد أمين شيخو قدَّس الله سرّه حينما تجبر للرد من وراء الباب ترد بصوت أجش خشن وهم "المريدون" مؤالفون على هذا الرد فتجيبهم لأنه هو الرد الشرعي المقبول عند الله وفي رضاه تعالى.
سلام عليكم.
أستاذي الفاضل، بالآية الكريمة: {..إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ..}.
ما هو الذكر الذي هو أكبر من الصلاة؟! ونحن نعرف نتائج الصلاة ورفعتها...
ولكم جزيل الشكر...
يقول تعالى في كتابه العزيز: {..اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ..} سورة العنكبوت: الآية (45).
فما هي الصلاة في روحها وحقيقتها، وكيف يصليها الإنسان حقاً؟
وماهو هذا "الذكر" الذي هو أعظم من الصلاة؟
حتى يصلي المرء الصلاة الحقيقيّة عليه أولاً أن يؤمن بالله الإيمان الحق.
فكيف يصل المرء إلى هذا الإيمان؟
أقول: إذا صدق الإنسان بتيقنه بالموت وقرر وطلب أن يؤمن وفكر بالآيات الكونية، توصله لخالقها وممدها ويشاهد شهوداً طرفاً من أسمائه تعالى الحسنى، فيشاهد بالنور الإلۤهي حسب الآية الكونية التي يفكر بها، فمثلاً يرى الوسعة الإلۤهية إن فكر بالسماء أو بالبحر، وإن فكر بالجبال يرى العظمة ويشاهد عظمة موجدها القائمة به حاملها وحامل الكرة الأرضية والكون وإن فكر بالقمر يشاهد نور الله وهو يطلبه، وإذا فكر بالطعام بغية الإيمان يرى حب الله وحنانه ودقة صنعه في الخلق ويشاهد الودَّ الإلۤهي وعطفه وهذا كله من أجله فيجد أن الله لم ينسَه.
هو نسي ربّه، ولكن الله لا ينساه فحينها تحب النفس ربها لما يغزوها به من هذه النعم التي هي صنع يديه ولا يستطيع سواه أن يصنعها أبداً، فهو وحده المتفضل عليه العطوف والمحب له، فتلتفت النفس للإلۤه بهذا التفكير وبهذا الإيمان تنعقد للنفس صلة بالله، وحينما يعود للمجتمع وينشغل مع الناس ينقطع هذا الإيمان وتنقطع هذه الصلة بالله ولو أنه حصل يقيناً. ولكنْ هناك شيء أعظم من هذه المخلوقات التي آمن عن طريقها، ألا وهو الإنسان المكلف الناجح في حمله للأمانة، والذي لم ينقطع عن ربه، بل يرتقي في مشاهدات أسماء الله تعالى الحسنى رقياً عظيماً وينال فيه تجلياً أكبر، فإن التفت الإنسان إلى الله من زاوية هذا الإنسان العظيم المستأنس بربه دائماً، والذي لم تطغَ على مشاهدته شهوة أو لذة أبداً، بل شهوته دائماً رضاء الله وإيصال الخلق إلى ما وصل إليه، هذا الإنسان صلى الله عليه وسلم هو الآية العظمى الذي إن اتصل المرء بربه عن طريقه بالصلاة نال نعيماً وملكاً كبيراً، وحظي بما لم تحظَ به المخلوقات جميعها، فإن كان إيمانه عن هذا الطريق وذاق وشاهد من عطاءات الله عليه شاهد ما لا عين رأت، عندها تدوم صلته بالله فتصبح صلاتُهُ صلاة متتابعة متعاظمة متسامية ولن يبغيَ عنها حِولاً، فالإيمان يسبب له صلة آنية، إذا انشغل انقطع عنها، أما الصلة بواسطة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة فهي صلاة لا تبغي النفس انفكاكاً عنها والهوي إلى غيرها من المخلوقات.
والآن نبدأ بذكر الصلاة الدائمية وشرح آثارها على النفس فنقول:
الصلاة الحقيقية تكون بوساطة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي فيه النور الوثيق والمشاهدات العلية، ولأنه هو صلى الله عليه وسلم السراج المنير لقلوب المخلوقات، تصل يا مؤمن بها إلى نور الله بحجمٍ لا تستطيع الكائنات أن تمنح جزءاً يسيراً منه لذا تتمسك النفس بهذه الصلاة ولا ترضى عنها بديلاً.
وبالصلاة الصحيحة: يسري النعيم الإلۤهي في قلب صاحبها ويخالطه ويمازجه ولا ينفك عنه، بوساطة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيسري في النفس سريان الماء في الأغصان الذي يبعث الحياة والنماء ونتاجه الثمار اليانعات والطعوم الطيبة المذاق، أو كسريان الكهرباء في الأسلاك فتُحدث الحركة والدوران والإنارة والضياء.
وكذلك النور الإلۤهي الذي يسري في نفس المؤمن أثناء صلاتها بمعية رسول الله صلى الله عليه وسلم، يُشِعُّ فيها الحياة والنعيم المقيم، ينتقل المؤمن من حالة إلى أعلى وتبعث الغبطة والسرور والبهجة والحبور. وبهذه الصلاة الحقيقية تنحتُّ الشهوات الدنيئة متساقطة، وتنغسل النفس من أدرانها وتزول عنها الصفات المنحطة السيئة، فلا جبن ولا بخل ولا فظاظة ولا غلاظة ولا قسوة قلب ولا حب إيذاء ولا ذل ولا خنوع ولا عدوان، فتنقلب صفات المرء المؤمن إثر صلاته ويصطبغ بصبغة الكمال ويتصف بالصفات الإلۤهية، فإذا هو بشر لا كغيره من البشر، فالصلاة هي التي تقلب القلب المتحجر فتجعله كالياقوت صفاءً ونقاءً وتحوِّل سواد النفس الذي هو كالفحم المظلم فتجعله كالماس برّاقاً لامعاً.
إذن، "الصلاة الصحيحة": هي التي تحوِّل صفات الإنسان عامة فتبدلها بصفات عالية كاملة {صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً..} سورة البقرة: الآية (138).
ومن مظاهرها في نفس المؤمن الرحمة والحنان والكرم والجود والسخاء والمروءة، والعدل والإنصاف وعزة النفس والشجاعة والإباء وهكذا عدِّد ما شئت من صفات الكمال التي يحصل عليها المرء في صلاته وفي ساعات الإقبال على ربه بمعية إمامه صلى الله عليه وسلم.
فالمصلي بهذه الصلاة الصحيحة تجده في غنى قلبي بما غمره به ربّه من خيرات في صلاته، ونفسه قد أُترعت بالكمالات الإلۤهية وبالنعيم الدائم الذي لا يماثله نعيم، فتراه في عزة وإباء عن الشهوات الدنيئة ولا يعبأ بالدنيا وبهرجها ولو سيقتْ إليه بحذافيرها، بل ولو جاءته صاغرة طائعة، لقد نال أسمى وأبهى وأعلى وأرقى منها فأنى لنفسه أن تعود للدناءة بعد العلو وللذل بعد العز.
فصلاته مترعة بالنعيم المقيم والعزة والغنى القلبي والأنوار السنية والمشاهدات العلوية للأسماء الإلۤهية الحسنى، وجسمه واقف في الصلاة ونفسه بمعية إمامه صلى الله عليه وسلم في سياحات تطوي الأكوان طياً لترى وتشهد من عظمة الله وجلاله وبهاه وعالي صفاته وأسمائه الحسنى، بل وترى الأزل والخلْق الأول والآخرة وأحوال أهل الجنة وأحوال أهل النار كل هذا يراه ويشهده بصلاته بمعية رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما شاهد السحرة مع سيدنا موسى عليه السلام إمامهم وسراجهم المنير.
أقول: إذا كانت الصلاة على هذا النحو وبتلك الصورة العالية عندها ينتهي صاحبها عن الفحشاء والمنكر، وصلاته تلك كفيلة أن تغني نفسه وتنهاها عن المحرمات المخزيات من الشهوات، ومعنى النهي أي بما في الصلاة من خيرات ونعيم ومشاهدات للحقائق جعلت النفس لا تلتفت لسواها من شهوات الدنيا لأنها وجدت بصلاتها خيراً منها بما لا يقارن ويقاس، عند ذلك تعافُ النفس المحبب لها سابقاً من الشهوات عن رضى وقناعة وعن طيب خاطر منها.
فيا هل ترى ما هو الذكر الذي هو أكبر من هذه الصلاة العظيمة التي ذكرنا صفاتها وآثارها وأحوالها؟
نقول: الرسول عليه الصلاة والسلام سما وعلا فوق العالمين بما أنزل إليه من الذكر الحكيم لقوله تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ..} سورة البقرة: الآية (285).
ومكث صلى الله عليه وسلم في مكة أربعين سنة لم يعرف شأنه وعلوّ قدره أحد حتى أُنزل عليه القرآن العظيم كلام ربِّ العالمين، عندها اجتمع حوله الصحب الكرام وبعد أن آمنوا واتقوا وطبقوا القرآن سيَّدَهم الله على الأمم فنشروا هدّيه في بلاد الروم البيزنطيين وبلاد الفرس الصابئة هذا كله فضل القرآن العظيم. {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ} سورة ص: الآية (87).
وهذا الذكر أكبر من الصلاة هو كلام الله العظيم: (هو حبل الله المتين ونوره المبين من تمسك به نجا ومن تركه لغيره هلك) فالذين تمسكوا بالقرآن سيَّدَهم الله على الأمم وسلَّمهم أمر عباده ومكَّنهم في الأرض وجعلهم ظاهرين وكمثال على ذلك:
الدولة العثمانية لا التركية والدولة السلجوقية في زمن ألب أرسلان السلجوقي، وقبل ذلك دولة المماليك في عهد الملك الظاهر بيبرس، ودولة الأكراد في زمن صلاح الدين الأيوبي (الأيوبيون)، كلّ أولئك بالتزامهم بكلام ربهم سادوا الأمم وتيمورلنك: الذي حمل المصحف بيد والسيف بيد قاهر ملوك الأرض وقبلهم الصحب الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.
إذن، إن استعاذ الإنسان بربه ودخل في حصنه الحصين وحرزه المنيع الذي هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي، إن دخل بمعية رسول الله على الله يزول الوقر من الأذنين وينكشف الغطاء عن العينين، ويسمع الكلام من المتكلم جلَّ وعلا أي، كلام الله المنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا هو "الذكر" الذي هو أكبر من الصلاة العظيمة.
أي: درجته أعلى وبه الشفاء والهدى.











