أسرار السبع المثاني وحقائقها
سلسلة تأويل القرآن العظيم
(أنوار التنزيل وحقائق التأويل)
أسرار آيات فاتحة الكتاب في القرآن الكريم
- للعلامة الإنساني الجليل محمد أمين شيخو قدس سره
- جمع وتحقيق: الأستاذ المربي عبد القادر يحيى الشهير بالديراني
لمحة عن الكتاب
الحياة الطيبة من الله تعالى، دنيا وآخرة، بمعناها المحض، لا تتم بياناً وأحوالاً إلا بواسطة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم خليفة الله في أرضه، بدائمية وظيفته، التي يقوم بإدخال المؤمنين بالصلاة وبالفاتحة على حضرة الله، خالق الجمال والفضيلة والكمال، منذ غور الأزل السحيق إلى أعماق الأبد السرمدي مجداً وسمواً.
فمن شاء العلم، فبها العلم والفتوح والكشوف والعلو العظيم، مكتسبات النفس المقبلة مع الإمام على الله، أي التي اتّقت الله فانطبعت بها حقائق أسمائه تعالى الحسنى: {صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ} سورة البقرة، الآية (138).
هذه هي الوسطية الحقّة بين الله وخلقه، التي توسّط بها علامتنا الجليل محمّد أمين شيخو قدّس سرّه بما بينه من أسرار عظيمة انطوت تحت عبارة السبع المثاني مفتاح فهم كلام الله. إن شئت إدراك إعجازها العلمي بعد إعجازها البياني، فاسلك طريق الإيمان بصدق وإخلاص، واطلب من الله بطريق الإيمان، يبعث الله لك فوراً سراجه المنير ، وليس البيان كالعيان، والحمد لله في بدء وفي ختم
الصيغ المتوفرة:
هذا الكتاب متوفر بعدة صيغ: كتاب إلكتروني، صوتي، وورقي
كتاب إلكتروني:
معلومات الكتاب الإلكتروني
- الكتاب الإلكتروني بصيغة PDF، ePUB.
- الكتاب الإلكتروني مجاني.
- روابط التحميل تظهر لكم بعد تقديم الطلب.
- الكتاب متوفر على منصات غوغل بلاي، أبل ستور، أمازون.

كتاب صوتي:
معلومات الكتاب الصوتي
- الكتاب الصوتي بصيغة MP3.
- الكتاب الصوتي مجاني.
- روابط التحميل تظهر لكم بعد تقديم الطلب.
- الكتاب متوفر بشكل صوتي ومجاني في موقعنا، ومتوفر أيضاً في مواقع الكتب الصوتية العالمية الشهيرة.

كتاب ورقي:
معلومات الكتاب الورقي
- الكتاب الورقي متوفر للشراء من موقع الأمازون وشركائه، في أنحاء العالم.

أسئلة متعلقة بتأويل القرآن الكريم
السلام عليكم. أرجو شرح الآيات الخمس الأولى من سورة الحجرات. وهل المؤمنون الذين عاشوا بعد وفاة الرسول ﷺ تشملهم هذه الآيات أيضاً؟ إذا كان الجواب نعم فكيف ذلك؟ أرجو الشرح بالتفصيل. وشكراً.
هذه الآيات تشمل "أهل الذكر" الأتقياء الأنقياء الأئمة المرشدين. أولاً: لتطبيق هذه الآيات يقتضي وجود مؤمنين يطبقون ذلك فيغدون من أهل البصيرة مع البصر، ولكن لا يعيشون إلا بالبصيرة، وتنطبق هذه الآيات في معاملة المرشدين الصادقين بعد رسول الله ﷺ. {وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} سورة الأعراف: الآية (181). {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} سورة آل عمران: الآية (104). فعلى الطالب الصادق أن يتعامل معهم باحترام وتعظيم وتبجيل، لأنهم الأبواب لرسول الله ﷺ ورسول الله باب الله، رسول الله باب الله للمؤمنين. فتوقيره وتقديره وتعظيمه يجعل النفس تلتفت نحوه فتحبه وتدخل بمعيته على الله لأنه ﷺ دوماً مع الله فيغدو المؤمن المرتبط قلبياً برسول الله ﷺ مع الله بالتبعية، وبذلك تشفى النفس مما بها من أدران وتنال العطاء المعدّ لها والجنات. وبهذه السورة الكريمة يلفت تعالى نظرنا ويرشدنا إلى كيفية التعامل بالتوقير والتعظيم والتقدير مع الرسول ﷺ ومع المرشدين الصادقين من بعده وكيف نخاطبهم ونتحدث معهم لأن المرشد الصادق مجلسه هو مجلس رسول الله ﷺ كما قال سيدنا عثمان بن عفان حين دخل مجلسه رجل أعرابي: (أيدخل أحدكم مجلس رسول الله وفي عينيه نظرة زنا. فقال الأعرابي: أوَحي بعد رسول الله. قال سيدنا عثمان: لا يا أخي ولكنها فراسة المؤمن). ورسول الله ﷺ يقول: (اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله). لذا حباً بنا ينبهنا الله ويرشدنا لئلا نقع في الخطأ مع العظماء وبذلك تنقطع نفوسنا عن الله فتهلك.
1- {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا..}: الخطاب للمؤمنين. {..لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ..}: إياكم أن تقطعوا حديث رسول الله وتقدِّم حديثك على حديثه. هو ﷺ كلامه من الله مباشرة (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى) سورة النجم: الآية (3). وبدروسه الجنات الأبدية والعطاءات الإلۤهية. فربما يتواجد من المسلمين من هم حديثو العهد بالإسلام وقد قام بنصرة الحق ومؤازرته فيدخل مجلس رسول الله بوجه أبيض ويتحدث عن فتوحاته وأعماله فيكون بذلك وقع في الزلل والأخطاء من حيث لا يدري وهو يحسب أنه يحسن صنعاً. فالله ينبهنا لأن نترك الحديث في المجلس لخليفته ﷺ ولا نبادر بحديثنا. كان الصحب الكرام كأن على رؤوسهم الطير في مجلسه ﷺ، لا يتكلم أحد منهم إلا إذا طلب الرسول منه وسأله، وكيف يتكلمون وهم يشاهدون عن طريقه ﷺ أسماء الله الحسنى والجنات والأزل والآخرة وبكلامه المزدان بالتجلي القدسي تسمو نفوسهم لعليّين فإن تكلم أحدهم وقطع حديث رسول الله يقطع نفسه ويقطع المستمعين عن هذه المشاهدات والأنوار المحمدية العظمى. {..وَاتَّقُوا اللَّهَ..}: أيها المؤمنون انظروا بنوره سبحانه وتعالى إن آمنتم واستنرتم يصبح لكم بصيرة ترون بها كمال رسول الله فيوسع لكم استنارتكم وبصيرتكم فترون الحقائق بنوره ﷺ الموصل لنور الله وترون أنه ﷺ (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى ، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) سورة النجم: الآية (3-4). {..إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}: سميع: لأقوالكم. عليم: بنفوسكم وأحوالكم.
2- {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ..}: لا تضعوا رأيكم مع رأي النبي وتتكلموا بدرسه وهو يتكلم أنتم أصغوا وتابعوا لتُرحموا وتُشفوا، هو ﷺ جاء والناس فوضى في الجهل غارقون وفي الضلال سادرون وآراؤهم منحرفة، فظلَّ يجاهد ويخالف المجتمع وتياراته السافلة حتى وصل بالصحابة للكمال. وذلك بسماع كلامه وعدم مخالفته (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ..) سورة النساء: الآية (64). لأن كلامه ﷺ من الله والله يخاطبك أيها المؤمن عن طريقه. إن أمرك بشيء وأرشدك فطبقه دون تردد ولو خالف المجتمع الساقط المضل الهالك وإن خالف هواك المهلك الذي عماك، أطع كلام رسول الله لأن بطاعته طاعةٌ لله. والعائد لك دنيا وآخرة (مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ..) سورة النساء: الآية (80). (وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ) سورة النور: الآية (52). {..وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ..}: رسول الله لطيف رحيم ودود يؤانس أصحابه ويلاطفهم ويتواضع وينزل لمستوى كل واحد حتى يظن الإنسان أن رسول الله رفيقه وصديقه. فإياك أن يثبت هذا الظن بنفسك أيها المؤمن وأن ترى رسول الله كأحد إخوانك وتجهر له بالقول وكأنه زميلك، وهنا يأتي دور التفكير فانظر وتذكر أعماله العظام وجهاده المقدس وطهارة نفسه الشريفة هل أنت مثله؟ ماذا كنت قبل مجيئك لعنده؟ ألست الآن تعيش قلبياً بالسمو بفضله؟ ويسبغ عليك أنواراً من الله فأنت بالسعادة والغبطة مغمور. فإن جهرت له بالقول ونظرت إليه كأحد إخوانك وبادلته الكلام ندّاً لند هنا يحبط عملك لأن النفس لا تلتفت إلا للأعلى لا لمن هو مثله. {..أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ..}: حتى لا تنقطعوا عن الله وبإعراض النفس عن الله تكتسب السوء ويقع الإنسان بالفتن والشهوات المنحطة فكما قلنا يجب على المؤمن أن يعظم ويوقر رسول الله لأنه باب الله والموصل لنور الله فمهما لاطفك ومازحك لا تبادره بالمثل بل زده تعظيماً. حتى بالسير معه لا تسبقه، ارجع للوراء قليلاً وخلِّ بينك وبينه خطوة وبكل أمر قدِّمه على نفسك. واجعله فوقك لتنال منه المكرمات والعطاءات فالأرض المنخفضة تشرب الماء من الأعلى لا من مثلها. {..وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ}: دون شعور منك تظن أنك تبادله الأحاديث وأنه كأحد إخوانك وبهذا الظن يخرُّ الإنسان من علوه دون شعور.
3- {إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ..}: لا يضعون رأياً لهم ولا يتكلمون معه إلا أن يؤذن لهم ويتكلمون معه بالتعظيم والتبجيل. فينالوا عن طريقه الخيرات فهو ﷺ جاء هادياً لهم ومنقذاً. {..أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى..}: هؤلاء الذين يعظمون رسول الله قد تهيؤوا لنوال الخيرات وللاستنارة الدائمية بنور الله عن طريقه ﷺ وبهذا التعظيم والتقدير تنعقد الرابطة معه ﷺ ويصل الإنسان للتقوى، وحيث صار معه نور يرى كمال وجمال وأنوار الله ورسول الله ويرى حقائق الأشياء معه، فلا يقع بالشر ويفعل الخير هؤلاء لهم: {..لَهُمْ مَغْفِرَةٌ..}: يشفيهم الله وبعد الشفاء يأتي العطاء. {..وَأَجْرٌ عَظِيمٌ}: لما يقدمون من جليل الأعمال التي كانت بسببه ﷺ بعد الشفاء يرزقهم الله أعمالاً عظمى كبرى مشابهة لأعمال رسول الله تعود عليهم بالنعيم والجنات دنيا وآخرة.
4- {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ..}: الحجر هو الفاصل والمانع، تقول: حجر الماء، أي منعها. وهؤلاء عندما لم يؤمنوا بالله ويستنيروا بالنور ظلوا في الظلمات، ظلمة إعراضهم الأزلي عندما انقطعوا عن الله فلبستهم الشهوات وغدوا في ظلمة الشهوات وجاؤوا إلى الدنيا ولبسوا أجسادهم فغدوا في ظلمة الجسم فوق ظلمة الشهوات وهذه الدنيا والكون كله هي الظلمة الثالثة وكلها حجب وموانع عن النور الإلۤهي وهذه الحجب حجبت بينهم وبين رسول الله ورؤية حقيقته وكماله وأنواره وجماله الرباني. هؤلاء لأنهم لم يؤمنوا إيماناً حقيقياً ينادونه من وراء الحجرات، أي من وراء شهواتهم المادية والظلمات النفسية الغارقين فيها. الطريق للنجاة: التفكير بالموت واليقين بالفراق ومن ثم النظر بآيات الله فتصل النفس للنور الإلۤهي عندها تقدر رسول الله ﷺ فيشاهد هذا المؤمن حقيقته السامية ﷺ وأنه أجمل وأعظم وأرحم خلق الله فتتعلق نفسه به وتستنير استنارة دائمية. {..أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ}: لا يكون العقل إلا بالنور وهؤلاء لا نور لديهم لأن نفوسهم محجورة في الظلمات المادية.
5- {وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا..}: صبروا على الشهوات ما أعطوا نفوسهم هواها لأن هواها هو الذي عماها، لو أنهم جاهدوا واجتهدوا وطبقوا القوانين وآمنوا بلا إلۤه إلا الله. {..حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ..}: باللحظة التي يطلب بها الإنسان ربَّه يرسل له رسوله ﷺ ليريه كمال الله ونور الله وعظمة وفضل الله. إذن باللحظة التي يؤمن بها الإنسان يخرج عليه ﷺ قلبياً يخرج عليه بنوره ويأتيه بالتجلي القدسي والمشاهدات العلية ورؤية أسماء الله الحسنى فيخرج من الظلمات إلى النور ويصبح تقياً برابطة قلبية. {..لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ..}: عندما آمنوا كسبوا الخيرات. {..وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}: إن آمنوا يشفيهم الله ويرحمهم بإرسال رسوله فيدخلوا الجنات بمعيته ﷺ.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أريد تأويل الآية 2 في سورة الحشر: {..يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ..} .
والسلام عليكم
هذه الحادثة حادثة بني النضير، وهذه الحادثة تاريخية معلومة حين حاول بني النضير قتل رسول الله والقضاء على الحركة الإسلامية بمهدها، ولكنَّ رسول الله نجا من كيدهم له بالقتل ورجع عليهم ومعه الصحابة الكرام، فجبن اليهود رغم ما عندهم من سلاح وعتاد وغنى، إذ ألقى الله في قلوبهم الرعب وأخذوا يخربون بيوتهم من أجل الهزيمة والفرار، وتمَّ لهم ما أرادوا إذ أخرجهم رسول الله ليس فقط من بيوتهم بل من الجزيرة العربية بأسرها وبقوا مدحورين ومهزومين حتى وصلوا هم وأهل حصون خيبر إلى أذراعات (درعا) جنوبي الشام، فحين كانوا يخربون بيوتهم لئلا يستفيد عدوهم منها كغنائم حرب دمّروها بأيديهم وبعد هزيمتهم بالرعب فقط، هدّم الصحابة الكرام حصونهم كلها وخربوها وأتمّوا خربها لأنهم ما كانوا ليتحصّنوا بحصون، كانوا يتحصّنون برسول الله وبالله، وهذا ما بيّنته آيات القرآن الكريم في سورة الحشر وفي سورة الأحزاب وصدق الله العظيم {..وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ..} سورة المنافقون: الآية (8). والآيات التي تلي الآية (2) من سورة الحشر تشرح لك هذا الكلام.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
{إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاء حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (11) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ} [الحاقة: 11 - 12].
ما هو تأويل الآيتان السابقتان؟ ولكم الشكر.
يقول تعالى: {إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاء..}: بزمن سيدنا نوح عليه السلام لما صار الطوفان الذي عمَّ البشرية في ذلك الوقت، ويقال: أنه لم يبق مع سيدنا نوح سوى سبعة عشر من المؤمنين كانوا معه في الفلك، فأضحوا هم آباء البشرية وكلنا كنا في أصلابهم.
{..حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ}: حُملنا معهم في الفلك عندما كنا ذراري في أصلابهم.
{لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً..}: وهذه القصة عبرة لنا، فنحن خرجنا من آباء مؤمنين، فلنسلك سلوكهم وننهج نهجهم ولا نكون كالذين غرقوا، كالكفرة الذين استحقوا الهلاك بما كسبته أيديهم.
{..وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ}: تعقل النفس هذه القصة والعبرة منها وتعي الموعظة، فلا تكون من الهالكين، وتتجنب الأسباب المهلكة، ذلك لأن زماننا وعلى الأخص الأسلحة ذات التدمير الشامل "النووية منها" مماثلة بهلاك عمومي عالمي شامل، مماثل بشموله على البشرية نفس هلاك قوم نوح.
قال الله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ (26)..... وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ(45)}
1- ما هي الكلمة التي أبقاها سيدنا إبراهيم في قومه؟
2- من هو الرسول الذي جاء قوم سيدنا إبراهيم بعد أن متَّعهم الله تعالى وذلك في الآية: {بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاء وَآبَاءهُمْ حَتَّى جَاءهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُّبِينٌ} هل هو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كما جاء بالآية: {وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} مع أنه يوجد أنبياء ورسل بعد سيدنا إبراهيم وقبل سيدنا محمد مثل سيدنا إسماعيل ويعقوب وإسحاق ويوسف وموسى وعيسى عليهم السلام؟ إذن لم هذه النقلة الكبيرة من سيدنا إبراهيم إلى سيدنا محمد؟
3- ما معنى آية {رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ}؟
4- كيف سيكون الناس أمة واحدة حتى يجعل الله تعالى {لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (33) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِؤُونَ}؟
5- هل القرين يتقيد للإنسان من بعد إعراضه عن الله، أم يكون له مرافقاً منذ صغره ونعومة أظفاره؟ فسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كان له قرين وهو الإنسان الأول المقبل على ربه، فقال بما معناه: (أنه صلى الله عليه وسلم كان لي قرين فأعانني الله عليه فأسلمته).
6- ما معنى {فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ}؟
7- النبي الكريم صلى الله عليه وسلم إنسان بصير مشاهد لم ينقطع عن الله وهو مشاهد لجميع الرسل والأنبياء، ولكن القرآن نزل للناس بشكل عام فكيف يقول تعالى لنبيه: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ}، فالرسل بالنسبة للناس غير موجودين في الحياة الدنيا؟
قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ {26} إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ {27} وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ {28} بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاء وَآبَاءهُمْ حَتَّى جَاءهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُّبِينٌ {29} وَلَمَّا جَاءهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ {30} وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ {31} أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ {32} وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ {33} وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِؤُونَ {34} وَزُخْرُفاً وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ {35} وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ {36} وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ {37} حَتَّى إِذَا جَاءنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ {38} وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ {39} أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَن كَانَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ {40} فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ {41} أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِم مُّقْتَدِرُونَ {42} فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ {43} وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ {44} وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ}
1- ما هي الكلمة التي أبقاها سيدنا إبراهيم في قومه؟
{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ..}: مثال يُحتذى للحر، سيدنا إبراهيم لمَّا فكَّر بالكون آمن فاستطاع أن يُخالف البيئة والمجتمع الذي نشأ فيه، لم يُجارِ الناس على سيرهم ولم يوافق أباه على ضلاله، نظر فيما يعكف عليه أبوه وقومه مفكِّراً متسائلاً أيمكن لصنم نحته إنسان بيده أن يكون خالقاً مربياً؟!
وهل يستطيع هذا الصنم الذي لا يقوى على أن يمسك ذاته بذاته أن يمسك السموات والأرض؟!
{..إِنَّنِي بَرَاء..}: وهذه الكلمة (براء) لا تنطبق إلا على الأنبياء والرسل "فبراء" غير "بريء" فهم من الأزل ما انقطعوا عن حضرة الله وكذلك جاؤوا للدنيا وما انقطعوا عنه تعالى لحظة.
{..مِّمَّا تَعْبُدُونَ}: من عقيدة إتباع الآباء والأجداد، كذلك اليوم ساروا على ما خطَّه لهم الأجداد والآباء دون الرجوع إلى كلام الله القرآن ومطابقتها معه، عبدوا الآباء والأجداد وبهذا أشركوا مع الله لأنهم ما ساروا على كلامه سبحانه.
{إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي..}: خلقني. {..فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ}: لما فيه هدايتكم سيهديني إلى قوم يؤمنون معي لذلك تركهم وهاجر.
{وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ..}: عقبه: أبناؤه، وسيدنا إبراهيم هو أبو الأنبياء إذن عقبه: الأنبياء والمرسلون من بعد، سيدنا إسماعيل وسيدنا إسحاق وسيدنا يعقوب وبقية الأنبياء من بعده عليهم صلوات الله عليهم أجمعين ومنهم سيدنا لوط عليه السلام، والكلمة هي مثلما قال سيدنا يعقوب لأبنائه: {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـهَكَ وَإِلَـهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} سورة القرة (133).
إذن: {وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ..}: ما آمن لسيدنا إبراهيم من قومه إلا لوط عليه السلام، سار بما سار عليه سيدنا إبراهيم، فكَّر وآمن لهم وتركه سيدنا إبراهيم في قومه يدلَّهم ويرشدهم على الإيمان والتقوى.
{..لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}: يتركون ضلالهم ويرجعون إلى خالقهم عن طريق سيدنا لوط صلى الله عليه وسلم طالما لم يمشوا مع سيدنا إبراهيم.
2- أما عن السؤال: من هو الرسول الذي جاء قوم سيدنا إبراهيم بعد أن متَّعهم الله تعالى وذلك في الآية: {بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاء وَآبَاءهُمْ حَتَّى جَاءهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُّبِينٌ} هل هو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كما جاء بالآية: {وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} مع أنه يوجد أنبياء ورسل بعد سيدنا إبراهيم وقبل سيدنا محمد مثل سيدنا إسماعيل ويعقوب وإسحاق ويوسف وموسى وعيسى عليهم السلام؟ إذن لم هذه النقلة الكبيرة من سيدنا إبراهيم إلى سيدنا محمد؟
والجواب: ليس هناك نقلة إنما المخاطبين هم أهل قريش وهم عبدة أصنام، لأن رسول الله كان يتلو عليهم قصة سيدنا إبراهيم وقومه، وبكلمة (هَؤُلَاء) نستدل أن الخطاب موجَّه للذين يسمعون من رسول الله "أهل قريش" بالقرآن.
{بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاء وَآبَاءهُمْ..}: أعطيتهم كل شهواتهم ليسيروا بعدها بالحق.
{..حَتَّى جَاءهُمُ الْحَقُّ..}: ما أنزله الله على رسوله صلى الله عليه وسلم من بيان عالٍ ودلالة.
{..وَرَسُولٌ مُّبِينٌ}: ظاهر مكشوفة أعماله، بيانه، علومه تدلهم على أنه رسول الله.
{وَلَمَّا جَاءهُمُ الْحَقُّ..}: من عند ربهم {..قَالُوا هَذَا سِحْرٌ..}: تخيلات، نحن لا نؤمن إلا بالمحسوس والملموس، هذه الدنيا وما فيها من نساء وأكل وشراب وملاذ محسوسة، إن تركناها وسرنا على سيره حرمنا أنفسنا منها. لم يحرمهم منها، حرمهم من الحرام بدل أن يأخذوها بالحرام يأخذوها بالحلال.
- هذا البيان المنطقي العالي الذي جاء به هل يمكن أن يكون سحراً؟ فالسحرة كلامهم مبهم غير مفهوم، فما خاطبهم صلى الله عليه وسلم إلا بما هو واقع بين أيديهم، لكنهم لا يريدون الحق لذلك أهلكوا أنفسهم وقالوا سحر، وهم يعرفون أنه ليس بسحر.
{..وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ}: أنكروا رسالته وما جاءهم به صلى الله عليه وسلم عن الله من أجل الدنيا أنكروه فهووا.
3- ما معنى آية {رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ}؟
{وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ}: يقيسون العظمة بالصورة، بالمال والجاه والدنيا، قالوا هناك من أحق من سيدنا محمد بالرسالة، نحن لدينا عظماء، زعماء قبائل.
{الْقَرْيَتَيْنِ}: مكة والمدينة، حيث لم يكن بالجزيرة قرى ظاهرة غيرهما، وما تبقّى كانوا رُحَّلاً.
تطلَّبوا أن يتنزَّل القرآن على رجل عظيم في إحدى هاتين القريتين كأبي جهل وأبي لهب أو عبد الله بن أبي سلول أصحاب الجاه والمال، ولم يعظِّموا رسول الله لأنهم رأوه يتيم أبي طالب، هو رسول الله وظيفته تخليصهم من الدنيا لا أن يعطيهم الدنيا، سيدنا موسى ترك ملك فرعون مهاجراً وغيره..
الصحب الكرام لمَّا شفيت قلوبهم من محبة الدنيا جعل الدنيا في أيديهم جعلهم ملوكاً وسادة الدنيا.
إذن: كانوا هم مشاهدون العظمة بالدنيا لذلك خاطبهم تعالى: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا..}: هل هم خلقوا هذا ابن ملك وهذا أجيراً، الله من يخلق الناس ويرزقهم وهو من يبعث بالأمطار أو يحبسها، لا تجري الأمور حسب هواهم، هم يتطلَّبون وفق أهوائهم والله يريد الخير الدائم لهم، يسوق الأنسب لكل نفس حسب حالهم، سيدنا داوود كان سقَّاءً، وسينا محمد راعياً، وسيدنا موسى ألقى بالدنيا تجاه مرضاة الله فالدنيا ليس لها قيمة عند الله وهي زائلة وعند الله الجنات الأبدية.
{..وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ..}: كل إنسان بمهنته سيِّد. النجار بمهنته والحداد والخياط و... وكلٌّ بمهنته سيِّد يحتاجه غيره لمهنته.
{..لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً..}: كل واحد مسخَّر لغيره، هذا يعمل لهذا وهذا يصنع لهذا ويتعاونوا في الدنيا ويعملوا العمل الخيِّر الصالح وليذهبوا إليه تعالى وهو عنهم راضٍ بما قدَّموا من أعمال ويدخلون الجنان.
{..وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ}: من الوظائف والرتب والعلو في الدنيا، فما عند الله باق وما عند الناس ينفد.
4- وجواباً على السؤال: كيف سيكون الناس أمة واحدة حتى يجعل الله تعالى {لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (33) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِؤُونَ}؟
{وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً..}: الآية تتكلم عن هذا الزمان الآن صارت الناس أمة واحدة، الكل أمَّ للدنيا، تركوا الله ورسوله ولا يريدون إلا الحياة الدنيا واطمأنوا لما بها. قبلتهم الدنيا وليس الآخرة وجناتها.
{..لَجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فَضَّةٍ..}: ما نراه اليوم من تزيين للأسقف وديكورات ذات الألوان الفضية.
{..وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ}: الأدراج المتحركة، المصاعد في الأبنية "الأسانسولات".
{وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً..}: الفرق في البيوت العربية لها باب واحد، أما في الأبنية الإفرنجية فلها عدة أبواب، باب للبلكون وباب لغرفة الاستقبال وباب للصالون وهذا حال البنايات.
{..وَسُرُرا..}: ينسرّوا بها حيث تسري نفوسهم لها، وهذه تشمل الأسرَّة الفخمة الفاخرة من الموبيليا، كذلك السيارات والطائرات حيث كان السفر قطعة من العذاب ويستطيع المسافر السير أكثر من أربعين كيلو متر في اليوم أما الآن فالسفر إلى الصين تقريباً لا يستغرق إلا يوماً واحداً، ويستطيع المسافر بواسطة الطائرة النوم في مقاعدها المريحة وهي تسري بهم في الفضاء.
{..عَلَيْهَا يَتَّكِؤُونَ}: عليها في تنفيذ أعمالهم والرحلات السياحية، وهم مسرورون ويرون البحار تحتهم والجبال ويتمتَّعون بمشاهدتها.
{وَزُخْرُفاً..}: ديكورات، ويصرفون عليها الأموال الطائلة وهي لحياة فانية أنستهم الحياة الدائمية والجنات الأبدية الأخروية.
{..وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا..}: الدنيا كفقاعة الصابون تظهر وتكبر، بعدها تذهب وكذلك الدنيا سوف تذهب عنهم ولا يبقى لهم إلا أعمالهم.
{..وَالْآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ}: الذي آمن صار له نور، هذا يرى الخير من الشر، هذا يطلب الآخرة وجناتها لا الدنيا وزخارفها، هذا يقدِّم أعمالاً عاليةً صالحةً وله في الآخرة عند الله الجنات والسعادة.
فما مراد الله تعالى إلا أن يكون الناس في الجنات وليس له هدف إلا شفاءهم وإعطاءهم وإسعادهم.
5- والسؤال: هل القرين يتقيد للإنسان من بعد إعراضه عن الله، أم يكون له مرافقاً منذ صغره ونعومة أظفاره؟ فسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كان له قرين وهو الإنسان الأول المقبل على ربه، فقال بما معناه: (أنه صلى الله عليه وسلم كان لي قرين فأعانني الله عليه فأسلمته).
أولاً- ما جاء في الآيات الكريمة {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً..}: الآية ظاهرة وفيها شرط {وَمَن يَعْشُ..}: أي يكون أعشى، أي أعمى عن الحق، الشيطان يقترب إليه ويشعر فيه لرائحته الخبيثة ويوسوس له إن لم يسر بطريق الحق يزيِّن له ويوقعه لإخراج ما في نفسه، يدلُّه على الدنيا والنيل منها.
{..فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ}: صاحب ساحب، ملازمه.
{وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ..}: عن سبيل الله، الفقير ينفتن ويتمنى ماعند أهل الدنيا ويسعى للوصول لها بالحلال والحرام وبذلك صدُّ ومنع الناس عن السير بالحق والوصول إلى الجنان.
{..وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ}: إلى السعادة، يظنون أن السعادة بهذه الزخارف وبالمال والنساء والأولاد والفواحش، كذلك غيرهم يقولون هذه نِعَم أنعم الله بها علينا.
أما أن الله جعل لرسول الله قريناً: فإن لله الحجة البالغة كيلا يقول أحد: لو أنه ليس لي قرين كما ليس للرسول قرين لأصبحت مثله ولَقُمتُ بفعلهِ. ولكن الله حاباه فما جعل له قريناً "وحاشاه تعالى من ذلك"، فالرسول جاءه قرين وحاول إضلاله ففشل هذا القرين ولم يُفلح بل أفلح رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن جعله يُسلم معه، كذلك على كل مؤمن حق أن يُسلم قرينه أسوة برسول الله صلى الله عليه وسلم.
{حَتَّى إِذَا جَاءنَا..}: يوم القيامة، هذا الذي كفر بالرحمن.
{قَالَ}: لقرينه، لصاحبه الذي صاحبه بالدنيا، الذي أضلَّه.
{..يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ..}: ليتني بالدنيا ما سمعت كلامك وما سرت معك وما نزلت لعالمك ولا خرجت من عالمك لعالمي وبقي الكل بعالمه ولم تحدث هذه الإجرامات.
{..فَبِئْسَ الْقَرِينُ}: صحبته وسيره، بإرشاده عاد عليه بالبؤس والشقاء والنار.
{وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ..}: يوم القيامة. {..إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ}: لا بدَّ لكم من النار علاجاً لكم ودواءً.
6- وعن سؤالك: ما معنى {فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ}؟
{أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ..}: من أصمَّ نفسه عن سماع الحق. {..أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ..}: من لا نور لهم ليعرفوا الحق من الباطل. {..وَمَن كَانَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ}: سيرهم وضلالهم مكشوف، لكن الأعمى حبَّاب الدنيا لا يرى ذلك بل يتمنى أن يكون الكل مثله.
{فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ..}: بالوفاة. الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم. نَذْهَبَنَّ بِكَ قبل البلاء، حيث صلى الله عليه وسلم لرحمته وحنانه لا يحتمل ما سيحلُّ بهم من عذاب حين الهلاك.
{..فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ}: نخرج لهم ما في قلوبهم وترجع عليهم أعمالهم، إذ لمَّا كان الرسول بينهم كان لديهم القابلية لأن يستجيبوا، وبانقضاء أجل الرسول وهم لم يؤمنوا به سينكبُّون على الدنيا بملء طاقاتهم ويتصارعون عليها وستعود أعمالهم عليهم بالبؤس والشقاء والتعاسة والبوار.
{أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ..}: من الهلاك.
{..فَإِنَّا عَلَيْهِم مُّقْتَدِرُونَ}: لكلٍّ ما يناسبه وما يلزمه، فالعذاب لكلٍّ على حسب ما قدَّم من عمل فلا ظلم.
{..مُّقْتَدِرُونَ}: على حفظك. {..مُّقْتَدِرُونَ}: الآن أن نُهلكهم، نرسل لهم إعصاراً طوافاناً، زلازلَ... ولكن رحمة الله وحنانه تمهلهم ولا تهملهم عسى أن يستجيبوا لرسول الله فإن صمَّموا وقرَّروا ألّا يستجيبوا لنداء الله بمعارضتهم لرسوله حلَّ بهم ما حلَّ بغيرهم.
{فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ..}: دل من معك من المؤمنين بهذه الدلالة العالية.
{..إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}: هذا الشيء الذي تُذكِّرهم به من التفكير بالبداية والموت هو الموصل إلى سعادة الدارين، الدنيا والآخرة.
{وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ..}: حتى الرسول يتعلَّم من الله القرآن وهو يُعلِّم غيره. إذن الله هو المعلِّم للرسول بالقرآن.
{..وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ}: الله يجمع رسوله مع القوم يوم القيامة ويسأله هل بلَّغتهم جميعاً، فيُجيب الرسول بلى يا رب بلَّغتهم جميعاً دون استثناء وهم يقرُّون بذلك ويقولون بُلِّغنا فعندئذٍ يُسأَلون عن أعمالهم ويُحاسبون بما قدَّموا.
7- وجواباً على سؤالك الأخير: النبي الكريم صلى الله عليه وسلم إنسان بصير مشاهد لم ينقطع عن الله وهو مشاهد لجميع الرسل والأنبياء، ولكن القرآن نزل للناس بشكل عام فكيف يقول تعالى لنبيه: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ}، فالرسل بالنسبة للناس غير موجودين في الحياة الدنيا؟
والجواب: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ}: السؤال هنا ليس سؤال المتعلِّم ولكن من أجل أصحابه، بالنسبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم "مخاطبة الرسل سهلة"، بمعركة بدر خاطب رسول الله القتلى فسأله المسلمون يا رسول الله وهل يسمعونك؟ قال صلى الله عليه وسلم: ما أنتم بأسمع لي منهم. وهذه هي اللغة السريانية، من سرى، يسري، فالنفس وكل نفس خالدة لا تموت أي عدَم لا يكون، فكل ما خلق الله باقٍ، الموت انقطاع عمل النفس حيث لم يعد لها سيطرة على الجسد لكن النفس تبقى مثلما هي، تسمع وتُبصر وتتكلم والجسد يفنى.
فأصحابه صلى الله عليه وسلم الذين آمنوا معه وصار لهم نور ويستطيعون أن يشاهدوا ما يقول الرسول، فالرسول كلامه عن شهود والصحابة وصلوا لهذه الدرجة "شهود كلامه صلى الله عليه وسلم" الرسول سينتقل جسداً وبعد انتقاله، أصحابه سوف يشهدون الحق للخلق وينشرون دلالته وبيانه والقرآن.
إذن السؤال من أجل أن يسمع أصحابه صلى الله عليه وسلم حتى يشاهدوا لأنهم هم في المستقبل بعد انتقاله صلى الله عليه وسلم سيتعرَّضون لهذه الأسئلة.
إذن السؤال من أجل أن يشهد ويسمع المتَّقون الذين قاموا مع رسول الله ونهضوا من الظلمات إلى النور.
{..أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ..}: المتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم لإخوانه الرسل والأنبياء.
{..أَجَعَلْنَا..}؟! أنا وإياكم من دون الله {..آلِهَةً يُعْبَدُونَ}: يُطاعون كما ادَّعت النصارى أن سيدنا عيسى قال اتَّخذوني وأمي إلۤهين؟!
وكما ادَّعت اليهود أن سيدنا العزير ابن الله وأنه إلۤه وواجب طاعته؟!
كذلك هل قال سيدنا شيث لقومه اجعلوا لي صنماً واعبدوه؟!
إذن السؤال من أجل أصحابه حتى يتعلَّموا فكلامه صلى الله عليه وسلم عن شهود وكل مؤمن لابدَّ وأن يجتمع مع الرسل والأنبياء ويتعلَّم منهم لأن وظائفهم دائمة وهم بالوظيفة حتى بعد انتقالهم صلوات الله عليهم أجمعين.
{وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ} [ق: 38].
يرجى شرح الآية.
لُغوب: أي لم تتم أية غلبة، فلم ينقطع تعالى عن إمداده العظيم للأجيال والخلائق طرفة عين ولم تأخذه سنة ولا نوم ولا سلطان يعلو عليه أبداً.
أما معنى الأيام الستة الواردة في الآية:
اليوم: مأخوذة لغوياً من (أمَّ - يؤمُّ)... ويمتد اليوم من اللحظة كما قال تعالى: {..كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} سورة الرحمن: الآية (29). وقد يطول إلى خمسين ألف سنة، قال تعالى: {تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} سورة المعارج: الآية (4). واليوم المعدود من قبلنا هو اثنتا عشرة ساعة وسطياً ويزيد عنها في فصل الصيف ويقصر في فصل الشتاء.
فكلمة اليوم ليس مدة زمنية محدّدة، إنما تطول وتقصر حسب القرينة ومسرى الآية وليس المراد من كلمة (ستة أيام): بيان فترة زمنية استغرقها خلق السموات والأرض وتعالى الله عن ذلك علواً كبيراً لأن الله {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} سورة يس: الآية (82). ومنه جاءت كلمة (الكون) الذي يشمل السموات والأرض وما فيهن، إذ قال له كن فكان فهو الكون.
ومن المعلوم أن تشكل الأيام والليالي نتيجة دوران الأرض بوجود الشمس، أما قبل خلق الأرض وتسييره لها فلم تكن هناك ثمة أيام أبداً إلا بعد تجليه تعالى على الكون وتسييره له.
هذا من جهة ومن جهة أخرى فالله لا يكلمنا عن أحداث ووقائع لم نرها ونشهدها إذ عند بداية خلق السموات والأرض نحن لم نكن، والله يقرع الكفار بقوله: {قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ..} سورة فصلت: الآية (9). لا يريد بذلك أن يعرفهم أن خلق الأرض استغرق يومين، لأنهم سيقولون نحن لم نرَ ذلك فلا يقيم عليهم حجة ولا يستدعي ذلك تفكيراً.
إذن: كلمة يومين هنا في الآية تلفت نظر الإنسان وتثير تفكيره إلى النظام الكوني القائم الذي بموجبه تدور الأرض حول نفسها فيتشكل من ذلك الليل والنهار، فكل ما يُخلق وينشأ على الأرض من نتاج الليل والنهار فالأرض وما عليها من مخلوقات قائمة على نظام الليل والنهار... إذاً فهي تؤم لهذين اليومين.
أما كلمة {..وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ} سورة فصلت: الآية (10): فالمقصود فيها لفت نظر الإنسان إلى حركة الأرض الانتقالية التي تتشكل منها الفصول الأربعة وبواسطتها تحصل التبدلات الجوية في الصيف والخريف والشتاء والربيع، فالأقوات لا تنضج ما لم تمرّ بها الفصول الأربعة وإليها يؤم نضوجها فهذه الأيام الأربعة مخصصة بالأقوات والمأكولات والثمرات التي تحتاج إلى مطر الشتاء وأزهار الربيع وإنضاج الصيف وتنظيف الخريف، فهي الفصول الأربعة بذاتها والتي يؤمُّ إليها إنضاج الحبوب والثمار. هذه الفصول لا تحصل إلا بزيادة الليل ونقصانه.
إذن: فالليل يوم والنهار يوم، والفصول الأربعة أربعة أيام وهذه هي الأيام الستة التي ذكرها تعالى في الآية: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ}.
استمع مباشرة:










