هل النفس تخرج من القدمين أثناء النوم وحين الموت من الحلقوم؟ وحرية الاختيار ما علاقتها بالنفس؟

بسم الله الرحمن الرحيم
هل صحيح أن النفس أثناء النوم تخرج من القدمين ولا يجوز النوم بالجوارب؟ علماً أن النفس معنوية ولا تعيقها المادة.
وهل عند الموت تخرج النفس من الحلقوم بعد الروح مباشرة؟
فلماذا في كل حالة من الحالتين المذكورتين تخرج من مكان؟
ثم أثناء النوم هل النفس التي تغادر الجسد أم حرية الاختيار؟
وما هي حرية الاختيار وما علاقتها مع النفس؟
أرجو بيان ذلك مشكورين.


1- في حال الموت: تسحب الملائكة الروح من الجسد بشكل تدريجي شيئاً فشيئاً بدءً من القدمين أو حتى من أصابع القدمين فتبرد، والنفس لا بقاء لها بالجسد بدون الروح الذي فيه الحرارة والحياة، إذ أن النفس لا تحب البرودة فتُجبر على مغادرة الجسد شيئاً فشيئاً تباعاً لمغادرة الروح، وهكذا حتى تصل الروح إلى الحلقوم، وتكون النفس هناك أيضاً وتلك هي ساعة النزاع والصراع "إن كان عاصياً معرضاً أعمى القلب والبصيرة"، النفس والحالة هذه لا تريد ترك جسدها الذي تعتمد عليه تماماً ولأنها صلة الوصل بينها وبين هذا الكون ومآكله ومشاربه ولذائذه، والآن سوف تغادره إلى غير رجعة ولا تعرف سوى هذا الجسد الذي كانت تعرف الكون من خلاله وتخاف المجهول الذي ستصير إليه وبالوقت نفسه لم يعد لها مقام في هذا الجسد الذي غادرته الروح. ويشتد على هذا الإنسان النزاع ويصعب عليه والملائكة باسطو أيديهم أخرجوا أنفسكم. وهكذا حتى تخرج النفس من الجسد كما يخرج الحرير من على الشوك يتقطع ويتمزق فزعاً.
أما الإنسان المؤمن التقي هذا الذي ضحّى بالغالي على نفسه في سبيل طاعة ربّه ورأى الدنيا وقذارتها مسبقاً فعافها وطلّق فتنها جميعاً، فأبدله الله نعيماً وسعادةً محيطةً به تغمر قلبه وتملؤه نوراً وحياةً، فهو قد غادر جسده مسبقاً ولم يعد عنده هذه التعلقات الجسدية العمياء، والله يطلب منّا أن نخرج هذا الخروج الحبي مع رسول الله ﷺ ليدخله على حضرة الله، قال تعالى: {رِزْقاً لِّلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً كَذَلِكَ الْخُرُوجُ} سورة ق: الآية (11). لا أن يخرج موجوداً فزعاً مجرماً، {وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ..} سورة سبأ: الآية (23).
أما هذا التقي نال من باب أسمى وأرقى نوالاً متزايداً، وبالصلاة صارت له سياحات نفسية شهيّة بهيّة بمعيّة سراجه المنير ﷺ.
أقول هذا الإنسان ينتظر ساعة موته بفارغ الصبر ويتمناه، وهي لديه أجمل ساعات حياته، يوم يخلع ثوب الوظيفة وينطلق إلى النعيم المقيم.
قال سيدنا خالد رضي الله عنه : (جئتكم برجال يحبون الموت كما أنتم تحبون الحياة).
وقال سيدنا بلال رضي الله عنه : (وا شوقاه غداً نلقى الأحبة محمداً وصحبه).
فهذا الإنسان تخرج نفسه بالرغبة والإرادة، ويكون هذا الخروج كالشعرة من العجين، يمازجه نعيمٌ وغبطةٌ وسرورٌ فهو يريد ذلك ولا يتردّد عنه أبداً، بل وينتظره فإذا جاء أجله تراه يسلّم نفسه مباشرةً وينطلق إلى جنات ربّه وإلى النعيم المقيم.
أما عند النوم ترغب النفس بالراحة من أعباء الحياة ومن الأتعاب الجسدية فهي تطلب بالنوم راحة الجسد والنفس معاً فتخرج النفس من الجسد دون خروج الروح وتسري، وسريانها هذا بناءً على طلبها ورغبتها بالنوم.
فالذي يريد النوم يسلّم نفسه وهو لا يعلم شيء سوى أنه يريد الراحة والنوم.
وفي حالة الصلاة تتجه النفس برغبة جامحة، وتسري سريانها النوراني عن طريق الشوق نحو من تحب وهو الرسول الأعظم ﷺ فتسري بكلياتها ملقية الجسد وكأنها لا علاقة لها به نحو الكعبة ونحو من تحب وتصبح السيطرة الكلية لها، لا للجسد تخرج منه بكل بساطة بالسريان.
2- وتسأل عن حرية الاختيار وعلاقتها بالنفس.
نقول الإنسان يطلب ويصدق في طلبه ويرى الله صدقه عندها يجيبه بناءً على طلبه الصادق، فالإنسان لا حول له ولا قوة والفعال هو الله، فالإنسان دائماً يقف أمام طريقين اثنين في أي عمل يريد القيام به:
فإما أن يطلب رغائبه ويُماشي هوى نفسه المهلك وشهواته الرخيصة، يضع له الله العقبات لعلّه يغيّر فإن أصر يطلقه الله لما يريد لأنه مخيّر في ذلك وهو الذي اختار هذا الطريق بملء حريته واختياره ليصل إلى الخسارة الأبدية واللاإنسانية فلا ينازعه أحدٌ في اختياره.
وإما طريقٌ عالٍ سامٍ يُخالف به هوى نفسه، ويطلب من الله العون فيمده الله بالحول والقوة ويلبي طلبه وهذا طريق الإنسانية يفضي به إلى السعادة الدائمية والرقي والنعيم المقيم.
قال تعالى: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} سورة الإنسان الآية (3).
وللتوسع نرجو مراجعة كتاب تأويل الأمين صـ(187-198).
وحرية الاختيار للمكلفين الذين حملوا الأمانة ملازمة النفس وملكها ولا ينازعها أحد في هذا الملك، وعند النوم يُخرج الله النفس من الجسد ولا تعود تسيطر عليه وتفقد حرية الاختيار إذ لا يوجد شيء تختاره أصلاً، لأن الجسد ملقىً وهو مطية النفس ومن خلاله تلبي رغائبها والآن في حالة النوم الجسد معطَّل والنفس لا تسيطر عليه وهي منفصلة عنه.

زر الذهاب إلى الأعلى