من أنت ومن نفسك؟ فكيف أحاسب نفسي مع أن النفس هي المكلفة!؟
السلام عليكم
ورد في الصفحة 149 من تأويل جزء عم "وأنت لما أحبه لك ربك من الخير لشديد البخل على نفسك".
والسؤال: من هو أنت ومن هو نفسك؟ حيث يوجد شرح كثير من الآيات بما معناه: (حاسب نفسك).
فكيف أحاسب نفسي مع أن النفس هي المكلفة! ولكم جزيل الشكر.
تسأل: من أنت؟
أنت إنسان والإنسان صفة لمن استأنس بربه واستأنست به الكائنات إذ وعى من الله الكمالات الإلۤهية وذلك حينما قبل حمل الأمانة دون سائر المخلوقات وتصدى هو لحملها وتراجعت كافة الأنفس عن حملها، عاهد على الاستقامة وعدم الخيانة وبذلك رضي الله عنه وأكبر مغامرته وأثنى عليه وأقبل على الله فنال منه الأنس والإنسانية وعبَّ من جناب ربِّه المكرمات والصفات الحميدة واتشح بالفضيلة وازدان بالكمالات الإلۤهية، وغدا بجنة القرب من الحضرة الإلۤهية. وهكذا دوماً فكل إنسان لم يغيّر يبقى نبياً أو رسولاً.
إلا أنّ الإنسان الذي قدم إلى الدنيا نكث بعهده ونقض العقد والمواثيق وانقطع بدنياه الفانية الزائلة عن ربه الممدّ له بالحياة والنماء والكمالات، وغدا نفساً نفسانية وترك إنسانيته واتصف بالأنانية واللؤم وحبِّ الذات واتسم بالصفات الدنيئة من شح وبخل وخيانة وغدر، وخلع لباس الإنسانية وتردى برداء الوحشية وربما الشيطانية، وصار نفسانياً تسيّره أهواؤه ورغائبه الشهوانية، وهواه هو سبب عماه وسبب ترك الجنات والنظر لوجه ربه.
إذن، الإنسان ونفسه شيء واحد ولكن هناك مرحلتان وطوران مرَّ بهما.
فحينما كان في الجنة بالقرب من ربِّه ومتصفٌ بالإنسانية، وقد حوى وأنى الكمالات الإلۤهية، فقال: أنا مما أنى، وهذا هو أنْتَ (أنت): بما أنيْت من كمالات.
ولكن بانقطاع المرء عن ربه وعندما شلح ثوب الإنسانية واتصف بالحيوانية صار نفساً نفسانياً هوائياً والله يدعوك بإنسانيتك لكي تعود إلى جنتك، يذكرك بما فيك من كمال قال تعالى:
{يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ} سورة الانفطار: الآية (6).
يخاطب بني البشر بصفة الكمال التي اتصفوا بها حينما استأنسوا بربهم ووعت وعقلت أنفسهم كمالات ربها ليرجعوا إلى أنسهم وإنسانيتهم ويسعدوا بربهم.
فالنفس إذا توجهت إلى الله أصبحت مرآة لكل الأسماء الحسنى واتصفت بالصفات الإلۤهية، وصدرت بأعمالها بالكمالات، وعندما تغيّر وتعرض عن الله ولم تعد تراه فمن سيطعمها ويسقيها فصارت تعمل بأساليب المكر والخداع والكذب والخيانة وعدم الأمانة والقسوة وعدم الرحمة. بأساليب ميكافيلي فتوجهت إلى الدنيا وعبت صفات اللؤم والعلل والأمراض. فإن رجع إلى ربه عاد إنساناً وإلا فهو في صنف البهيمية.