ما هي ماهية النفس؟
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بالإشارة إلى جوابكم المتعلق بشرح آية:
{..وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ..} قلتم أن النفس لا تموت والنفس لا يمكن أن تفنى ولن يتأتى لها الزوال أو الفناء.
إذن ليست النفس مخلوقة من العدم لأنّ الذي لا يفنى لا يمكن أن يأتي من العدم.
ما هي ماهية النفس عند الخلق وهل النفوس أزلية وقبل أن تخلق النفوس ماذا كانت؟
مع جزيل الشكر والاحترام.
كل ما خُلق باق خالد أبداً لا يعدم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وقبل أن تخلق النفوس لم تكن أبداً بل عدم.
حتى الأجساد تفنى ثم يوم القيامة تعود فلا عدم للنفوس بعدها، وسُمّي بيوم القيامة لأن الأجساد فيها تقوم وتعود وتشهد لصاحبها أو عليه {وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ..} سورة فصلت: الآية (22).
مسألة تحويل ولا حول ولا قوة إلا به تعالى، فإن كانت تعدم فلمَ العدم؟ هل وجد تعالى في فعله وخلقه خطأ أو نقصاً أو عيباً فاستنكف ليعدمها؟ وحاشاه تعالى، والمؤمنون بالجنات خالدون فيها أبداً. إذن: عدم لا يكون، تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً فالله يشهد أن لها أي للنفوس بداية في الخلق حين شاء بالحديث القدسي: (كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق..).
كما أخبر تعالى سيدنا زكريا عليه السلام: {..وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً} سورة مريم: الآية (9).
كما أخبرنا نحن لنفكر: {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً} سورة الإنسان: الآية (1).
فالله الرحيم حبُّه لخلقه كامل وعطفه شامل فلا يعدم أحداً، فهل حكم الإعدام هين؟!
ولفظ الله مشتقة من: (أَلِهَ، و وَلِهَ): فلو شاهدت ما آل إليه تعالى وتجليه على خلقه وحنانه وعطفه وإحسانه لهمت به هياماً وعشقته عشقاً سامياً، ولأُترعت نفسك بنعيم مقيم لكَ به تعالى بداية وليس لخلقه لسمو الإنسان وسعادته به نهاية.
إذن: فللنفس بداية عند خلقها كما في الحديث القدسي: (..فخلقت الخلق) وليس لها نهاية لأنه عدم لا يكون كما ذكرنا.
ماهية النفس:
النفس بدون الله لا جرم لها يُذكر ولا حجم، بل أضأل وأصغر من أية ذرّة في الوجود، فهي كالهواء تلك هي النفس المعرضة عن ربها انقطعت عنه، وهو الممد لها فغدت كالهواء لا يراها صاحبها ولكن لها أثر ووجود تماماً كالهواء لا يُرى ولكنه موجود. تدرك ذلك من خلال آثاره فمثلاً إذا حركت يدك أمام وجهك فإنك تشعر بالهواء، وكذا النفس لها وجود وتعرفها من آثارها ولا تحقق النفس نفاستها إلا بما تنال من أنوار وبهاء وجلال وجمال، ومن ذلك فالنفس مشتقّة من الشيء النفيس، لاسيما التي حملت الأمانة فهي تشتق من الصفات الإلۤهية ما تجعلها أسمى وأغلى وأعلى المخلوقات.
(لله من خلقه أوان فأحبها إليه أصفاها وأنقاها وأوعاها)
إذن: الأنفس عبارة عن أوان، أي: فارغة لا شيء فيها وهي على حسب ما حوت ووعت وحملت، والآنية على حسب ما يوضع فيها من خيرات أو عكسها، فالآنية مأخوذة من أنى بمعنى حوى، فإذا اتجهت النفس بصلاتها إلى بارئها وخالقها، انطبعت فيها من الكمالات الإلۤهية وحوت من الصفات الحميدة وحملت الخيرات، وإن كان العكس تركت النفس ربها وأعرضت عنه، فإنها ستتحول إلى الدنيا الدنية، وبما أن الدنيا لا تؤخذ إلا غلاباً وبأساليب ميكيافيلي أي: الأساليب الملتوية من المكر والكذب والخيانة وعدم الأمانة ولؤم وقسوة، وبتوجه النفس إلى هذه الطرق تنطبع فيها تلك الصفات اللاإنسانية ويغدو المرء وحشاً ويتصف بصفات منحطة حيوانية، فالنفس كالمرآة تنعكس فيها إنعكاسات على حسب الجهة التي تتوجه إليها وهي آنية تحوي وتحمل من الصفات على حسب المنهل الذي تستقي منه.
(فأحبُّها إلى الله أصفاها): إن فكر الإنسان بالموت. (وأنقاها): من التعلق بغير الله، فإذا فكر الإنسان بالموت وساعة الرحيل ترك الدنيا بوجهته وعفَّ عن ملذاتها وعن أهلها وعافها، غدا إناءُ نفسه مؤهّلاً لأن يعي من جناب ربه. (وأوعاها): للكمالات الإلۤهية بصلتها واتصالها بالله بالصلاة. فتفيض على من حولها بما حملت من خيرات (كل إناءٍ بما فيه ينضح).
إذن فالنفس هي: بما أنَتْ ووعَتْ من ربِّها، والنفس هي عملها. فلا ماهية لها إلا عملها لقوله تعالى لسيدنا نوح عن ابنه في الآية: {..إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ..}.
وإن كان العمل صالحاً تصلح لأن تواجه به ربها فهي في الجنان بأكمل الصفات وأجمل الحلل البهية تزدان وطعمها طيّب وريحها.
والآن تبيّن لك حقيقة النفس:
فالنفس كانت ماء هذه ما هيتها بالأصل.
وحينما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد الرعاة في الطريق عن جيش أبي سفيان ومكانهم وتعدادهم، فقال له الراعي: أنت تسألني وأجيبك وأنا أسألك وتجيبني. وافق الرسول صلى الله عليه وسلم على ذلك، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره الراعي عن جيش أبي سفيان.
ولما جاء دور الراعي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأنت من أين؟
فأجابه عليه السلام: أنا من ماء. وأشار بيده تجاه السماء، فضاع صواب الراعي وأخذ يكرّر: من ماء... من ماء!
وتركه الرسول صلى الله عليه وسلم في حيرة ومضى في طريقه. وفي الآية {..وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء..} سورة هود: الآية (7): أي قبل الخلق إذ الماء هو الحياة وعرشه أي تجليه، فحياته تعالى ذاتية لا يستمدها من أحد لأنه الصمد أي أنه يمدُّ ولا يستمد وعلى هذا الماء تجلى تعالى بعدها فكانت النفوس.