ما هو جزاء المنتحر وهو دون سن التكليف؟
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لقد ذكرتم في كتب العلّامة الجليل السيد محمد أمين شيخو أن الذي لا جدوى له يموت دون البلوغ. وجاء ذكرهم في القرآن الكريم أنهم ولدان مخلّدون.
والسؤال: هناك أشخاص ينتحرون أو يقتلون أصدقائهم وأساتذتهم في المدارس ثم ينتحرون وهم دون سن البلوغ وتكون أعمارهم بين أثنـا عشر وخمسة عشر سنة تقريباً. فكيف يحاسبون هل يعالجون في القبر ويدخلون الجحيم يوم القيامة أم أنهم لا يعالجون ويدخلون الجنة فوراً مع أنهم يعلّمون غيرهم الانتحار؟
ولكم جزيل الشكر على هذا الموقع القيّم.
الطفل يولد على الفطرة، لقوله سبحانه وتعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} سورة الروم: الآية (30). وقوله صلى الله عليه وسلم: ((كلّ مولود يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه أو يمجّسانه أو ينصّرانه)) ويبقى على ذلك حتى سنّ البلوغ حيث تبدأ دواليب تفكيره بالعمل بشكل كامل، فقبلَ سنِّ البلوغِ كلُّ تصرّفاتِ الطفل يكون أبواه مسؤولَين عنها.
أمّا هو فلا تفكير لديه ليحسب ويقدّر عواقب عمله من قتلٍ وغيره. فلا مسؤولية عليه.
وإذا أخذَ ما أوهبَ أسقطَ ما أوجب ويكون أبواه مؤاخذَين على سوء تربيته وتقصيرهم في العناية بطفلهم، هذه الأمانة التي وضعها تعالى بين أيديهم.
أما أن يتعلَّم أحدٌ القتلَ من غلام فهذا لا يُعقَل، والروح ليست رخيصة لهذه الدرجة حتى يتعلَّم أحدهم قتل غيره أو قتل نفسه من غلام لم يبلغ مبلغ الرجولة.
والإنسان كائن مفكِّر ويتميِّز عن كافة المخلوقات بأنَّ الله زيّنه بالفكر وميّزه بهذا الفكر عن كلِّ كائن، فالقرد والجرذ من أذكى الأذكياء ولكنَّ الإنسان يتميّز بالتفكير، فلا يمكن أن يكون أصلُ الإنسان قرداً لأنَّه لديه فكر يسيطر به على كافّة المخلوقات وعلى الطبيعة أيضاً وكلّها مسخرة له لأنّه هو الذي يرقى والبقية لا رقيّ لهم، ولا يخرجون عن مستوى آبائهم.
هذا من ناحية ومن ناحية أخرى: السلطة التشريعية هي السلطة الحاكمة والسلطة التنفيذية هي أداة بيد السلطة التشريعية المسيطرة عليها. فيؤاخذ المشرع ولا يؤاخذ المنفِّذ.
فالذي لديه فكر هو المخطّط وعليه تترتب المسؤولية كاملةً، أما المنفذ فهو أداة بيد المشرّع والمسؤولية تعود على المشرّع وحده.
كما أن بحث الإرادة في علم النفس يتضمن التخطيط، أمّا التنفيذ فليس من الإرادة (لأن التنفيذ عملية آلية محضة ناتجة عن التخطيط والتصميم والتفكير) والمسؤولية على من أراد، وبما أن الغلام لم يكمل تفكيره فالمحاسبة على مَن هو تحت إرادتهما قانونياً وهما المسؤولان عن تصرّفاته لا هو. فإن صدر عنه شذوذ فالمسؤولية تقع على والديه وعلى المجتمع الذي علّمه الشذوذ وسيّره في الشذوذ، فهو مسيّر لا مخيّر، أي لم يرد ولم يخطّط لأنَّ تفكيره ناقص، كذلك فإن الذي لا فكر لديه، كالكلب أو القرد مثلاً إذا عضَّ أحداً فلا يؤخذ إلى المحكمة ويدان في الجنايات. إذاً فالجرم في الحقيقة في صحيفة والديه لأنهما تركاه للمجتمع الفاسد الذي دفعه إلى الجرم والمدفوع لا يؤاخذ بل يؤاخذ الدافع لأنَّه إن لم يعلّمه ويدفعه أحد فلن يصدر عنه الفعل الشنيع. فالعمل ليس عملَه. أمَّا إنْ أصبح فكره كاملاً ودفعه غيره فهو المؤاخذ لا غيره.