ما الفرق بين الإرادة والمشيئة؟

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ما الفرق بين الإرادة والمشيئة؟


الحقيقة أن الإرادة إن كانت صادقة، كان تطبيق الإنسان على تنفيذ الأشياء وتطبيق المشيئة وتنفيذها والتضحية بالأشياء الغالية على النفس التي تعترض غاية إرادته والوصول إلى تحقيقها.
أما إن كانت مجرد أمنية، فإنّ الإنسان متى جوبه بشيءٍ غالٍ على نفسه ليضحّي به من أجل نوالها، فإنه يتراجع عن إرادته ويتنازل عنها، فهي ليست إرادة صادقة بل من الأماني، والله يقول: {لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ..} سورة النساء: الآية (123). وبالعامي: (كلمة ياريت عمرها ما كانت تعمر بيت). وهناك أمثال أجنبية تقول: (لو كانت الأماني خيولاً لامتطاها الشحاذون).
أما المشيئة: مشتقّة من كلمة الشيء، والمشيئة معيار الإرادة ومقياس صدقها أو عدمه، فإن لم يشأ التضحية فمعناه أن الإرادة خالية من الصدق وهذه الإرادة لن تتحقق (إن السفينة لا تمشي على اليبس)، وإن كانت الإرادة صادقة، سعى سعيها وضحّى بكل غالي وثمين لتحقيق الإرادة. فكيف تتم الإرادة بدون مستلزماتها؟!
فالله منذ الأزل أراد الخير والسعادة والجنات لكافة المخلوقات دون استثناء، ولكنه لم يجبرهم على الخير إجباراً بل منحهم الخير اختياراً وترك الأمر لإرادتهم ولمشيئتهم.
وما من إنسان إلا ويريد الخير لنفسه وجر المنفعة لصالحه وجلب كل ما هو مستحسن بنظره، حتى أنَّ الكثير من الناس يريدون أن يصبحوا من الصالحين ليكسبوا الجنات.
فالإرادة: مجرّد طلب أمر ما؛ وهذا لا يغني صاحبه شيئاً، ولتحقيق الطلب هناك عدة أشياء يجب أن يقوم بها، ومستلزماتها عليه تأمينها، فإن سعى وجدَّ واجتهد وضحّى بكل غالٍ وثمينٍ في سبيل نيل مراده، فهذه المشيئة نقول عن صاحبها أنه شاء.
فالمشيئة: مبنية على عدة أشياء عليه أن يأتي بها تدل على عزمه الصحيح وصدقه للوصول لما يريده.
فالمشيئة تكشف الإرادة إن كانت صادقة، فالعمل والسعي والتضحيات جميع ذلك يكشف الإرادة الصادقة.
أما إن كانت إرادة غير صادقة، مجرّد أمنية حلوة، ترى صاحبها يتقاعس عن بذل أيِّ جهد، ويتمسّك بالأشياء التي تمثل مشتهيات النفس من مال أو سيارات... الخ، ولا يضحّي بشيء في سبيلها.
أما من كانت إرادته قوية وصادقة، يضحّي بكل غالٍ وثمين على قلبه، حتى ولو تعرّض في سبيل نيل مراده إلى الموت والتضحية بحياته، فتراه غير مبالٍ ولا مكترثٍ إلا للشيء الذي أراده، وهو كذلك دائم التفكير بمراده، يدبّر، يرسم الخطط، ويحاول ويحاول، ولا يفتر عن الإلحاح ليحصل على ما يريد، ويبذل ما بوسعه من جهد وعمل دؤوب، هنا نقول عنه أنه قد شاء.
فالمشيئة: هي الصدق والتصميم والسعي والاجتهاد لتنفيذ الإرادة، إن كانت الإرادة صادقة.
والأمر ينطبق لمن طلب الدنيا وطلب الآخرة، قال تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا ، وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ..}: فهل تكفي الإرادة المجردة للحصول على جنات الآخرة؟! كلا لا تكفي. فأتمّ الله قوله: {..وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ..}: ضحّى، بذل، اجتهد وجدَّ وجاهد، وكان سعيه مبني على إيمان حقيقي بالله، وإيمان بلا عمل سحاب بلا مطر، فتكون الإرادة غير صادقة تماماً، فلابدّ من العمل. {..فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا ، كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا} سورة الإسراء: الآية (18-20).

زر الذهاب إلى الأعلى