لماذا يضيّق الله عليّ، رغم توبتي والتجائي ودفعي الصدقة؟

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لأن الصادقين في هذا الزمان قلّة ولرغبتي في معرفة الحق وبعد أن قرأت الكثير من كتب العلّامة محمد أمين شيخو قدّس الله سرّه أود شاكراً لكم أن أطرح عليكم مشكلة عانيت منها. كما قرأت في كتبكم أن الله سبحانه وتعالى يسوق للإنسان المصائب لعله يتوب ويتراجع عن ذنوبه أما إذا غيّر الإنسان وعاد تائباً إلى ربه ترفع عنه هذه الشدائد ويبدلها الله بخير منها ومن ترك شيئاً لله أبدله الله خيراً منه في دينه ودنياه.
أما قصتي ففي السنة الماضية بصدق كنت لا أصلي أسمع الأغاني وأشاهد الكليبات والأفلام دون رادع وما كنت أسمع أو أعطي بالاً للحق، وكنت أصوم في رمضان يوم وأفطر يوم بدون عذر وكانت زوجتي كاشفة وكان عندي اختلاط في البيت لا أغض البصر ولا أحفظ اللسان. أما والذي دفعني نحو سماع الحق أن مردود عملي يجعلني فقيراً محروماً من الكثير، منذ سنة بدأت بالتغيير صليت كل وقت، امتنعت عن سماع الأغنيات ومشاهدة المحرمات، حجّبت زوجتي بالدين، منعت الاختلاط، غضيت بصري وحفظت لساني وصمت كل رمضان. كانت النتيجة أن عرضت علي فرصة عمل ذهبية، فقلت في نفسي والله إن ما سمعته حق وهذا الدليل، ونويت نوايا كبيرة وعاهدت الله بأعمال كثيرة، وكانت زوجتي تعمل أجبرتها على ترك العمل لكي لا تختلط واستدنت من أجل هذا، إلا أنه للأسف تتالت الأيام حتى وصلت بدلاً من أن أحظى بالعمل طُردت من عملي السابق وأُلغي هذا العمل الجديد، وكانت تتوالى الأحداث ضدي بتسيير عجيب لا أملك فيه حولاً ولا قوة. بكيت كثيراً وصرخت كثيراً آلامٌ كبيرة أعاني منها، ليس لأنني الآن بلا عمل لا، لأنني طردت من رحمة الله بهذا الشكل القاسي بعد أن كنت جائعاً صابراً، عرض علي أطيب الطعام وبدلاً من الأكل كسرت أسناني، وأصبحت أخاف على نفسي من الكفر حيث ما حدث وحسب ثقتي بالله ما كنت أتوقعه. أيها الناشر لعلوم العلّامة محمد أمين شيخو السيد عبد القادر الديراني، أناشدك بحق حبك لمرشدك بحق حياة الرسول إن كان ما تقولوه حق أن الله لا يعذب إلا بالاستحقاق لماذا حدث معي هذا الشيء، أتحداك وأتحدى كل قوة في الكون أن تجيبني على سؤالي بما يشفي قلبي من ضيق الحزن والعذاب.
تقولون ادفع صدقة، دفعت صليت بكيت التجأت نحت قرأت وضعت رأسي على أعتاب الله أمرغ جبهتي قبلت قدم الرسول... لكن... إن كان علي شيء فهل من المعقول بعد أن كنت صفراً ثم حسنت لأصبح سبعة، بدلاً من الثواب عقاب وشديد؟ الناس من حولي يقولون لي أنت فاشل لست على حق هذا الكلام كله باطل الله يمتحن حتى بدون ذنب وإن أراد رماك في الحاوية.
منهار إلى حد لا يوصف، يا أطباء القلوب أفتوني أحق وحقيقة مع فشل وعمى وذل يا أمين بك إن كان ما جئت به من الله فاسأل الله لما حدث معي هذا أتوسل إليك بجاه الرسول. وهذا تحدي لكل حق وحقيقة تحد لأمين بك على أن يصلح ما حدث لي بعد أن دفعت الصدقة وأصلحت كل شيء أتحداكم جميعاً، الكلام ليس كالعملي يا أمين شيخو اسأل من شئت ما هو الحل أنتم تتحدثون عن الرحمة ارحموني أين الله أين الرحيم أين الرزاق. المعذرة منكم أطلت عليكم لكن أتمنى منكم الإسراع في الإجابة وأخص السيد عبد القادر الديراني أتوسل إليك أن تطلب من الله الإجابة ومتى الفرج.
لإرسالكم بي إلى النار أهون علي مما ألقى من شدة العذاب النفسي والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أولاً يقول لك عبد القادر: بصراحة إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم. ولا تخفى على الله خافية. فالذي كان وحده معك مدة تسعة أشهر في بطن أمك، وكوَّن لك العينين واللسان والأذنين والرجلين واليدين، وكلها أغلى الغوالي فلن تستغني عن عينيك ولو أعطوك الملايين. وروحك بيد مَنْ؟ لا أصدّق أنه كما تصفه تعالى باللؤم، فهو الذي لم ينسكَ وأنت نائم، ويطعمك ويسقيك وكفى بذلك حجّة عليك. فكفاك يا أخي أنَّك معلوم عند الله فارجع بصدق إليه تجده بك حفيّاً حقاً ما أصابك من خير فمن الله ومن شر فمن نيّتك: غيّر يغير عليك. من صبر ظفر ومن لجّ كفر وإن تطع أكثر من في الأرض يُضلّوك عن سبيل الله، وقد كان لك عبرة في السادة النبيين سيدنا يوسف عليه السلام الذي لبث في السجن سنين، عدا عن الفراق مع أبيه سيدنا يعقوب عليه السلام وقد ابيضت عيناه من الحزن وسيدنا موسى عليه السلام الذي فرّ إلى مدين من فرعون إلى حياة الرعاة بعد أن كان ابن فرعون الإله المزعوم في حياة القصور و سيدنا إبراهيم عليه السلام الذي خرج منفياً من بلده وأهله و.. و.. و.. فكانوا سادة العالمين بما صبروا، {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا..} سورة فصّلت/35/.
وكالسابقين من فقراء المهاجرين، بسبب الهجرة صودرت أموالهم. وجعل الله تعالى هذا الفقر المؤقت بهم، لئلا ينشغلوا عن آخرتهم بها، ولما أصبحوا كما قال تعالى: {رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ..} سورة النور: الآية (37). ردَّها إليهم، فغدوا سلاطين الدنيا، لا يضرهم إذا لم تهطل الأمطار في بلادهم حصراً فمرجوعها إليهم أينما كان هطولها، كمثل الطالب الجاد في سبيل الحصول على النجاح. فهل فقدان الحرية عند الدراسة والجد والاجتهاد ذل وإهانة؟!
إن كان هذا منطق أهل الدنيا في دنياهم، بأن تتكبد أهوال الغربة وفراق الأحبة وتأكل على الماشي "قوت ولا تموت"، في سبيل الحصول على شهادة دنيوية، أوليس لهم منطق في سبيل الحصول على الشهادة الأخروية الباقية شهادة أن لا إلۤه إلا الله؟! ولكن قلّ من يصبر فينجح هؤلاء المهاجرون الذين خرجوا مهاجرين طوعاً مع رسول الله تركوا أموالهم وديارهم في مكة مضحِّين جليل التضحيات، هل تركهم الله بعد أن ابتلاهم بالفقر وصبروا ونجحوا في الامتحان {أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ} سورة العنكبوت/2/. بالطبع لا.
بل أغناهم تعالى من فضله فجعل لهم أُعطيات الرسول صلى الله عليه وسلم. وتوزيع ما أفاء الله تعالى عليه صلى الله عليه وسلم من أهل القرى لهم، ثم جعلهم ملوكاً، وبشَّرهم على لسان رسوله بفتوحات الشام والعراق وغيرها.
فعلى المرء ألا يقف "كالمعلّقة" لا هو آمن بالله إيماناً شهودياً لا تزعزعه الناس و أقوالها والدنيا وأهوالها إذ وضع نصب عينيه رضاء الله وغفرانه و الجنة ونعيمها، ولا هو ترك حب الدنيا وأهلها وطهُر قلبه منها، وعندها لابد من الشدائد كي يتضرع إلى الله، وعندها يكون الفرج {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ}: بدون عمل لا يكون، أرسلك إلى الدنيا لتدرس وتتعلم، وعندها تنجح وتنال الخير يحصل لك إقبال. {مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ}: الشدائد. {وَالضَّرَّاءُ}: المرض. {وَزُلْزِلُوا}: هذا الصبر هو الذي يرقيك غداً. الله تعالى يريد منك أن ترى عملك، لتحصل لك ثقة بنفسك عندها تقبل على الله غداً: إن ما صبرت لا تكون لك الجنَّة.  {حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ الله أَلاَ إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ} سورة البقرة/214/: الضيق علامة قرب الفرج.
الجنة بالعمل {وَنُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تعملُونَ} سورة الأعراف: الآية (43).
كثيرون أولئك الذين ابتلاهم الله ليطهِّر قلوبهم {..فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ الله وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا}: ما كنُّوا بعد الخذلان ما خافوا ولا كنُّوا. لكن بحثوا عن سبب ما أصابهم، تابوا إلى الله وصبروا عن الشهوات ففتح الله عليهم. {وَالله يُحِبُّ الصَّابِرِينَ}: صبروا. رجعوا، فانتصروا. وعلامة الذي صبر أنه لا هو تَوهَّن ولا ضعف ولا كنَّ عن الجهاد. وما كان قوله إلا كما قالوا {..رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا}: ما في نفسنا.{ذُنُوبَنَا}: هذا الخذلان أصابنا من أنفسنا، سبب ذلك شيء بنفسهم، شهوة خفيّة، وهذه لا تنمحي إلاَّ بالصلة مع الله، ليأخذ الله بيدهم وعرفوا عدالة الله ورحمته فطلبوا الشفاء. أقبلوا على الله فمحا ما في نفسهم من ذنوب. إن كنت طاهر النفس أيَّدك الله {وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا}: في الماضي. صدر منَّا ما جعل هذه الهزيمة "الذل الفقر المصائب" تصيبنا {وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا}: حيث تبنا الآن يا رب. {وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}: اطلب من الله ينصرك إن كنت ضمن أوامره. إن لم تستقم فلن يرفع الله شأنك ولن ينصرك.
وحاشا لله أن يرد طالباً قصده {فَآتَاهُمُ الله ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَالله يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} سورة آل عمران/146/: رفع شأنهم بالدنيا، وفي الآخرة لهم الجنان، غايتهم كانت رد الناس للحق لا النظر لمرضاتهم والسماع لأقوالهم ولهذا حذرنا تعالى بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ} سورة آل عمران/149/: لا تسمع كلام الناس فكلامهم ضرر لأنهم عميان. يثبّطون عزيمتك ويخوفونك. أنت استقم والله يرفع شأنك. الذي لا يعرف لا إلۤه إلاَّ الله، الذي لا يعلم أن الفعل بيد الله وحده وأنَّ أسماءه تعالى كلها حسنى، فلا سوء يصدر منه تعالى، كلّه ضمن العدل والفضل والرحمة، يقول لك: أنت فاشل، لست على حق، هذا الكلام كلّه باطل، الله يمتحن حتى بدون ذنب وإن أراد رماك في الحاوية، احذر الصدقة وإنفاق المال فتفتقر. مع أن الإنسان ما جاء للدنيا إلاَّ لفعل الخير. وحذار أن تكون ممن استمع إليهم فجاء فيهم قوله تعالى: {فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ}: تنقلبوا في الآخرة محرومين من الخيرات المعدّة لكم. إن فعلت المعروف في الدنيا يرفع الله شأنك وفي الآخرة تنل النعيم.
فعلى المؤمن أن يجدَّ ويسعى في الدنيا ليشتري الجنة بأعماله. المؤمن الذي لا يفعل المعروف، يأتي محروماً متحسراً. كمن وضع في المدرسة ولم يجتهد، وهذا ليس بمؤمن حقاً، المؤمن الحق يعلم أن الله لا يضيّع مثقال ذرة، وأنه سيعوض عليه ويجزيه لذلك يسارع في فعل المعروف، فالكافر: ناكر لا إلۤه إلاَّ الله، ناكر نعم الله، لا يعرف المراد من المجيء لهذه الدنيا، لا يعرف الجزاء على الأعمال. الكافر يظنُّ: أنه إن تصدّق افتقر. إن ذهب للحرب مات، إن ساعد الناس ذهب جاهه.
لذا اعتمد على الله وانظر النتائج. فالذي يسيّرنا هو الله تعالى، يسيّر كل واحد بحسب قلبه، بحسب نيته. إن كانت نيتك حسنة سيَّرك بما يسرُّك. لتكن نيتك عالية، غايتك رضاه تعالى وفضله، وبحسب نفسك يعطيك، إن التجأت إليه رفع شأنك. {إِنْ تَصْبِرُوا}: عن شهوات الدنيا. السبب فيما يصيبك من نفسك. أنت الأصل. معنى الصبر: الدنيا ارمها، إن صبرت عن الشهوات نَظُفْتَ، عندها تتولد بنفسك ثقة عالية، تقبل على الله وترى بنور الله وتشاهد الحق. فبحبك للدنيا وما فيها من شهوات سيئة تقع فيسلِّط الله الناس عليك. {وَتَتَّقُوا}: تنظروا بنور الله وتعرفوا الطريق وتروا الخير خيراً والشر شراً. الله تعالى محيط بعملهم، لا فعل لهم إلاَّ بإذنه، لا إلۤه إلاَّ الله، لكن أنت ابحث عن نفسك، إن كنت طاهراً فلا سبيل لأحد عليك. عملهم كله سدى. {إِنَّ الله بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ}: إن كنت مع الله فلا أحد في الكون يؤذيك. الكل بيده تعالى، لا فعّال غيره. فعجباً من طلاب للآخرة يعبدون الله على حرف إن مسّهم ابتلاء لإظهار صدقهم وثباتهم على الحق بصبرهم على ما ابتلاهم به، لجّوا وما نظروا إلى ما بنفسهم من حب الدنيا {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} سورة الحج/11/ لذلك على المرء ألا يمشي بالاعتقاد فمن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن, إن لم يكن مؤمناً لا يسعى، {فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً} سورة الإسراء/19/: عند الله. الجنة بالعمل لا بالدعاء فقط.. وبالصبر على ما تكره خير كبير ومن الجدير الإشارة إلى أن الكفر على أنواع:
كفر بالألوهية، وكفر بالتربية الإلۤهية، وكفر بالعدل والإحسان الإلۤهي، إلى غير ذلك من أنواع تجتمع كلها في شيء واحد، هو احتجاب النفس عن الله ووقوع بعض الموانع ستراً بين النفس وبين الله، تقرُّ بوجوده تعالى وتقف الموانع والحجب ستراً بينها وبين الإقبال عليه، والتنعُّم بنعيم قُربه وتذوُّق فضله وإحسانه، ورؤية رحمته ورأفته وسائر أسمائه.

زر الذهاب إلى الأعلى