لماذا لم يخلق الله عزَّ وجلّ البشر دفعة واحدة كأبيهم آدم عليه السلام بدلا من الولادة؟
سؤالي هو: لماذا لم يخلق الله عزَّ وجلّ البشر دفعة واحدة كأبيهم آدم عليه السلام بدلا من الولادة؟ أليس ذلك مدعاة للتفكير والتساؤل أكثر من الولادة كما حدث مع أبينا آدم عليه السلام؟ ولكم جزيل الشكر
أليس من الأفضل يا أخي أن يعطوني شهادة هندسة أو دكتوراه دون مدرسة ابتدائية أو إعدادية أو ثانوية... ودخول الجامعة والدراسات المطوّلة.
ولماذا لا أدخل العسكرية برتبة لواء مباشرة دون التنقّل من رتبة إلى أخرى، بل أكون لواءً وأنا في مقتبل العمر وأتباهى برتبتي، لِمَ أنتظر السنين الطويلة حتى أتقدّم في السنّ حتى أصبح لواءً؟
يا أخي: لكلّ شيء نظام وقانون، واللهُ سبحانه وتعالى العظيمُ وضع القانون بشكل تدريجي حتى يتسنّى لنا أن نفكّر بالخطوات والمراحل التي انتقلنا بها؛ فمن نطفة إلى علقة إلى مضغة إلى عظام، فيتساءل الإنسان ويبحث عن المُوجِدِ المُنمِّي المُغذِّي بشتّى صنوف الأطعمة والشرابات حتى تكوّنت النطفة في صلب الأب، فإن لم ترَ بدايتك أفلا تراها على أبنائك! وأصل تكوينك مثل أصل تكوينهم من نطفة، فمن الممد بما يلزم للحياة من ماء وغذاء وحرارة وضياء وأمطار وهواء وليل ونهار وفصول ذات تبدُّلات وتغيُّرات، وروح.. هُمُ أصل الحياة وسرّ الحياة حتى آتت الأرض أُكُلَها من ثمرات وخيرات، أكل منها الأب فتشكلت النطفة وانتقلت إلى بطن الأم وفي بطن الأم مجال واسع للتفكير برحمة الإلۤه وعنايته ورعايته "لكي أؤمن فأسعد وأدخل الجنة" تلك اليد التي تمدّ وتغذّي، فكنتَ مخلوقاً صغيراً لا تكاد تكون شيئاً مذكوراً، فمن الذي كان يمدك بالدم صافياً نقياً يحمل لك من جسم أمّك أنواع المواد الضرورية للحياة؟
من الذي جعل لك ذلك الرحم وسطاً مناسباً لا يمسّك حرٌّ ولا بردٌ فيه، بهذا الترتيب والتفكر فيه النجاة.
تسير بك أمك محمولاً في ذلك الفلك المشحون لا يصيبك ولا يزعجك شيء، وعندما خرجت إلى عالم الوجود والظهور انقطع عنك ما كان يأتيك في بطن أمك عن طريق حبل السرة ولكن سرعان ما أرسل لك الرحيم الحنون بك لبناً سائغاً في ثديي أمك، فوجدته مهيأً جاهزاً وجعل يزيد لك في نسبة سكره ودسمه وأملاحه زيادة متناسبة متوافقة مع تقدُّم سنك واحتياجات جسمك، فإذا ما قويت معدتك وأمعاؤك وأضحت قادرة على الهضم بدأت الأسنان تظهر متلاحقة.
فيد من مع الإنسان منذ كان جنيناً ومن ثم طفلاً رضيعاً؟ ترقبك في كل مرحلة من مراحلك، تعنى بك وتكلؤك بعيون الرعاية والرحمة والحنان.
وجعل تعالى هذا القانون لتسير بفكرك في هذه المراحل وتلك الأطوار وتلاحظ عناية الله بك في وقت كنت أحوج ما تكون فيه للعناية والرعاية وفي وقت كنت فيه وحيداً فريداً لا يدري بك أحد حتى أمك التي تحملك لا تعلم بك أذكرٌ أم أنثى.
وبهذا الطريق طريق التفكير بالتربية سلك جميع الأنبياء والمرسلين عليهم السلام ومن نهج نهجهم بإحسان وإيمان، وهذا المسلك هو ذاته المسلك الذي سنَّهُ أبونا سيدنا إبراهيم عليه السلام حتى نال هذه المعرفة التي ناقش بها قومه وأباه ليؤمنوا.
لقد بحث سيدنا إبراهيم ﷺ أولاً عن المربي، نظر في التربية، رأى نفسه نطفة، من نطفة أمشاج "أي مجموعة من الثمرات والأطعمة" كيف تربت هذه النطفة في بطن أمه هذا دعاه لأن يعرف المربي.
إذن كيف قال لا إلۤه إلا الله؟! لمّا نظر في الكون الإنسان كيف نما وصار إنساناً كاملاً! الشجر وكل شيء لابدَّ له من مربي، أعطاك الله شيئاً كاملاً تستدل به: أعطاك الفكر؛ به تصل للإلۤه فيفتح لك عن بصيرتك وتغدو أهلاً للجنات لذلك انطلق سيدنا إبراهيم عليه السلام مفكراً في الكون:
{فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـذَا رَبِّي..}: قال هذا ربي؟ يا ترى هل هذا ربي؟ ما وظيفته؟! ما عمله؟!.. {..فَلَمَّا أَفَلَ..}: عرف أن الكوكب مخلوق وله ربّ يربيه. {..قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ}: الربّ لا يزول إمداده باقٍ.
{فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ}: بحث عن القمر وعمله فرآه مخلوقاً مثله فقال لا بد من مربٍ يربيه ويربيني.
{فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ}: رأى لها وظيفة تشرق على الكون كله، الخضار والنبات مركَّب على الكوكب والقمر والشمس ولابدَّ من مربٍ لهم يربيني ويربيهم. {فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ}: عندما عرف المربي قال: {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} سورة الأنعام: الآيات (76-79).
هذا طريق الإيمان إن لم يسلكه الإنسان بالتفكير بنفسه ولم يفكر بذاته فلا يمكن أن يهتدي. هذا قانون من لا يسلكه لن يكون إنساناً ومن لا يصبح إنساناً فلن يدخل الجنات بل يبقى بهيماً لا يعرف سبب مجيئه للدنيا فيضيّعها.
أمّا أبونا سيدنا آدم عليه السلام: حينما خلقه سبحانه وتعالى لم يكن إذ ذاك بشراً يعتبرون فيؤمنون ببدايته، والإيمان بالبداية أساس الإيمان الثابت الحق ولابدَّ منه للنجاة والنجاح والفلاح.