كيف اختار الإنسان في الأزل حمل الأمانة دون وجود آلية التفكير؟

أستاذي وتاج رأسي السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أمدك الله بالصحة والعافية وطول العمر لتبقى تاج على رؤوسنا.
سيدي الكريم:
1- من له السيطرة الأقوى (النفس أم الفكر)؟
2- هل الفكر الذي يقود النفس أم النفس التي تقود الفكر؟
3- وهل آلية الفكر كانت موجودة عندما كنا في عالم الأزل؟
4- وكيف حملنا الأمانة بدون وجود آلية الفكر؟
فإذا افترضنا: عُرض علي خياران، من الطبيعي بأنني سأستخدم آلية الفكر لأختار أحداهما، أما إذا كان أحد الخيارين بعيداً عن خبرتي، فسأختار الخيار الآخر، وإذا كان الخياران بعيدين عن خبرتي فمن الطبيعي سأرفضهما، ولكن إذا كان علي أن أختار أحدهما رغم عدم وجود أي خبرات سابقة سأختار أحدهم وأشعر بأنني (مجبر وظلمت).
فعندما حملنا الأمانة في عالم الأزل واخترنا لم يكن لدينا آلية فكر عندئذ فقد كنا مجرد نفوس.
ومثال ذلك: إذا قدّمنا لطفل شيئين ومدَّ يده وأخذ ما مالت عليه نفسه لأن آلية الفكر (معدمة في مرحلة الطفولة)، هل نقول بأن هذا الطفل اختار هذا الشيء بملء إرادته؟
سيدي الفاضل:
بصراحة لم أستطع فهم هذه الآلية التي على أساسها حملنا الأمانة مع انعدام آلية الفكر وعدم وجود خبرات سابقة؟
وإذا افترضنا جدلاً بأن آلية الفكر ربما كانت موجودة وقتئذ، فهذا أيضاً لا يكفي لعدم وجود خبرة سابقة في هذا المجال، فأنا مثلاً إذا عُرِضَت عليّ وظيفتان للعمل فسيشترك في عملية الاختيار (نفسي وآلية الفكر) بمناقشات بين ما ترغبه النفس وتميل إليه وبين ما يحلّله الفكر ويستنتج الأفضل، فإذا اجتمع (الفكر والنفس مع وجود خبرة سابقة)، فأيّ اختيار سأقوم به فسأكون مسؤول عنه مئة بالمئة، لأنني بكامل قواي الفكرية والنفسية وذو معرفة مسبقة بالأمر. وبذلك قد اخترت إحدى الوظيفتين.
أما إذا كانت إحدى هذه المكونات (النفس والفكر والخبرات السابقة) غير متاحة أو معطّلة فهل سيكون اختياري (تام وكامل ويملء إرادتي)؟


الأخ الفاضل حفظه المولى الكريم... آمين
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
أما بعد:
الفكر يعمل على التفكيك والتحليل والاستنتاج والاستقراء والاستدلال، فكلمة: (الفكر) مأخوذة من: (فكَّك ورأى). والإنسان كائن مفكر، وما غدا إنساناً يستأنس بربه إلا بالتفكير، فالفكر جهاز جبّار، وبه الرقي والسمو من مستوى لآخر، وتميّز الإنسان عن سائر الكائنات بالتفكير، والمخلوقات الأخرى لا رقي لها لعدم امتلاكها الفكر، وهي غير مؤاخذة على ما يصدر منها، وكذا المجنون الذي لا فكر لديه لا رقي له، وكذلك الطفل لا يستطيع أن يُنتح عملاً ينفع به الآخرين لقصور التفكير عنده، فهو غير مؤاخذ على ما يصدر منه من أفعال. ومن اكتمل جهاز التفكير عنده أضحى مؤاخذاً على كل كلمة وحركة صغيرة أو كبيرة، لامتلاكه السلاح الذي به يكشف الضار من النافع ويتّقي المخاطر.
أما الإنسان الذي لم يستخدم فكره رغم نضوجه واكتماله، ولم يستعمله لما وظِّف له، بل وأطلق لنفسه العنان لتكون لها السيطرة، فهذا الهالك وفي وديان الشقاء ارتمى وإلى الآلام والخزي الأبدي يسير.
أما الذي يردّ جماح النفس ويوجّه طاقاتها ويوظِّفها لما يُنتج وما هو مثمر، فذاك الإنسان المفكر حصراً. ومن هنا جاءت: ((من لم يكن مفكراً لن يدخلن علينا)): أي لا يسير مع ركب الأنبياء والمرسلين ولا يدخل عليهم ليعرجوا به إلى الله عزّ وجلّ. و((تفكّر ساعة خير من عبادة سبعين سنة)): أي خير من عمر الإنسان كله. وقالت الفلاسفة: ((أنا أفكر فأنا موجود)). وكذلك الإنسان كائن مفكّر، ومن لم يكن مفكّراً فقد خرج من صنف الإنسانية ولبس ثوباً آخر من ثياب الحيوانية.
وفي اللحظة التي يُعمل فيها الإنسان تفكيره حقاً يصل للإيمان بلا إلۤه إلا الله حقاً، فأنت تفكّر أنت مؤمن، ومن لا يفكر فليس من الإيمان بشيء.
وسيدنا أبو بكر الصديق سيد أهل الإيمان لأنه فكّر أكثر من الصحابة الكرام كلهم، لذلك استطاع بالتفكير أن يردّ العرب المرتدّة لدينهم، وكذلك يردّ الفرس عباد النار إلى دين الله الحق (الإسلام) وكذا الروم، فهيمن على نصف الكرة الأرضية وهابته البلاد الأخرى من الهند والسند والصين وغيرها. لأن كلمة التفكير مأخوذة كما سبق وذكرنا من فكَّك ورأى، والذي يفكر يرى والذي لا يفكر فهو أعمى، وبصير واحد خير من أمة عمياء.
إذ بالتفكير الرؤية والمشاهدة وبه يغدو المرء مؤمناً بصيراً مشاهداً الحقائق، فإذا سيطر التفكير جعل صاحبه سلطاناً، أما إذا سيطرت النفس والهوى فإنه يعمل ما يغض من شأنه عند الله وعند الناس، ويخفي هذا الأمر فيضطر للكذب فيكون بذلك وبعدم استخدامه الفكر من عبدة الشيطان وعبدة الأوثان (الناس) لأنه يعوذ بهم ولا يعوذ برب الناس.
فهل في المجتمع الآن من يقول أن القمر هو الله؟! فإن قالها فما هو مستواه بيننا؟
وهاهو الذي قالها حينما فكّر وتابع التفكير للوصول للمعرفة والتحقق من وجود الإلۤه أو عدم وجوده ((فالذي يطلب ربه يلاقيه)) فغدا أبو الأنبياء، فهو صادق في طلب معرفة الله ومشاهدته. إذن حين أعطى التفكير حقّه وصل إلى معرفة الإلۤه وأوصلته نعمة الله تعالى إلى حبه فغدا خليل الله وعليماً بالله وأشجع خلق الله، لم يبالِ بحريق النار، وانتصر على أمة كاملة بمفرده بسبب إيمانه بالله.
فكل من فكّر سيوصله تفكيره إلى معرفة ربه، وينطبق عليه ما انطبق على سيدنا إبراهيم، فيغدو بصيراً عالماً وأشجع بني عصره وينتصر على ملة الكفر ولو كثرت.
فما دامت السيطرة للتفكير فهو على صراط مستقيم وهو المنتصر دوماً، أما إن أهمل التفكير وأعطى النفس هواها "وهواها هو الذي عماها في الأزل" فهو بالحقيقة في عماء وظلام لا يعلم حقيقته وهوله إلا بعد الموت وفوات الأوان، فالمفكر يغدو إنساناً إذ بتفكيره يصل إلى ربه وينال كافة المكرمات، ونور الإلۤه ورسوله يشفيه من كل العيوب، بل تنقلب العيوب كمالات وأيُّ كمالات، فيغدو عليماً رحيماً جريئاً كريماً، لطيفاً كاملاً، لا يصدر عنه أي شر، بل يُصبح ينبوعاً للخير لكل المخلوقات.
هذا هو الإنسان المفكّر، يستأنس به كل مخلوق، بسبب استئناسه بالله الذي بيده الخير والعطاء والنماء والدنيا والبرزخ والآخرة.

- أما عن سؤالك ((هل الفكر الذي يقود النفس أم النفس التي تقود الفكر))؟
إن الإنسان بانقطاعه في عالم الأزل عن الله "الذي هو نور السموات والأرض" وراء الشهوة أضحى أعمى البصيرة باستثناء الأنبياء والمرسلين، ولكن للمذياع والتلفاز مفاتيح إن وصلها بالكهرباء وحرّك المفتاح بدأت المناظر تُرى، فمفتاح النفس هو فكرها فإن استعمله طالباً الإلۤه جاءه النور من رسول الله ليريه مطلوبه جلَّ وعلا، ولذا فالنفس بدون التفكير في ضلال وعماء.
إذاً النفس لا حركة ولا رقي لها إلا بالتفكير، والتفكير هو الذي يحرِّك النفس، وما لم يستعمل الإنسان التفكير فلا رقي له أبداً، إذن المحرّك والقائد هو التفكير، وهو الذي يوصل النفس إلى معرفة الله، وبالتالي يحوز المرء الجنات والمكرمات.
أما النفس لا تقود شيئاً إنما تنقاد إلى الهلاك وما فيه ضررها، إذ تحسب الشر خيراً لعماها، فلا رقي لها بدون التفكير فالمقود هو الفكر.

- وتسأل (وهل آلية الفكر كانت موجودة عندما كنا في عالم الأزل)؟
أنت تقول: آلية الفكر. فما هي آلية الفكر يا ترى؟!
إن آلية الفكر هي الدماغ، وهذا الدماغ عضوي في الجسد وهو من الأشياء المادية، وفي الأزل لم يكن مادة بل كنا نفوساً مجرّدة. إذن لم تكن هناك آلية الفكر.

- وتسأل: ((كيف حملنا الأمانة بدون وجود آلية الفكر))؟
حمل الأمانة كان بناءً على العرض والعرض يتضمّن الشهود وعدم الغموض.
ففي الأزل كانت الحقائق ماثلة أمام جميع الأنفس والأمور ظاهرة جليّة فلا غموض ولا عماء بل كل الأنفس ناظرة مشاهدة بنور ربها الحقائق، فحين عرض الله علينا الأمانة وعلى المخلوقات كلها من السموات والأرض والجبال... لم يكن لدى أحد منهم "من هذه العوالم والمخلوقات" فكراً أبداً، إذ كانوا نفوساً مجرّدة لا مادية فيها، بل كنا في شهود لنور الإلۤه وأسماء الله الحسنى شهوداً ينبت بالنعيم والسعادة والغذاء الذي كله نماء وحياة وما تشتهي الأنفس وتلذّ الأعين، فلا حاجة عندها للفكر لأننا لم نكن في عماء، فالتفكير يعمل بالأمور الغامضة المبهمة لكشفها وتوضيحها حتى يرى ما وراءها، فإذا ما رأى كل شيء واضحاً جلياً هل بحاجة وقتئذ للتفكير؟ بل انتهى التفكير وبدأ الشهود والعقل. وفي الأزل كل شيء ماثل ومعروض أمامك، والحقائق ظاهرة بنور الله لا حجاب ولا مادة تسدُّ على النفس بصيرتها المشاهدة وما يُعرض عليها، فلا حاجة وقتئذ إلى آلية الفكر، لأن حمل الأمانة كان عرضاً والعرض من لوازمه الظهور والشهود وعدم الغموض.
فإذا أردت شراء بعض البضائع المعروضة أمامك ألا تراها واضحةً؟! فهل أنت بحاجة لتفكّر لتكشف ما هي وما نوعها؟ فلأنك تراها صار هذا الأمر واضحاً لديك ومن البديهيات. فلو أنك ترى التفاح الأحمر الشهي معروض أمامك، هل تفكر فيما إذا كان موزاً أو برتقالاً؟! طبعاً لا تفكر لأنك تراه أمام ناظرك.

- وتقول ((أن الأنفس لم يكن لديها خبرات مسبقة)).
من قال لك أنه لا يوجد لدى جميع الأنفس خبرات مسبقة، فكلمة: (عرضنا) الواردة في الآية: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} سورة الأحزاب (72).
كلمة: (عرضنا) تتضمن الشهود، وبالشهود تملك النفس، أي تعقل هذه الخبرات التي تقصدها. ودليل الخبرات السابقة لدى جميع الأنفس: هو تراجع كافة المخلوقات عن حمل الأمانة لأنها شاهدت حقائقها وتصدّى الإنسان لحملها، فلماذا تراجعت المخلوقات؟ ألا يدل هذا على أنها علمتها، أي شاهدت وتيقّنت نفوسها بما في هذا العرض، فلا غموض عليها وغبن.
وكلمة: (وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ): فالإنسان حملها بملء إرادته وليس مجبراً ولا ظلماً كما تقول أنت، بل بإرادته واختياره المطلق، فهو غامر هذه المغامرة والله أكْبَرَ له مغامرته ووعده جنة الخلد إن هو وفى، إذ لم يكن وقتئذ ظلوماً جهولاً.
{إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً}: فالله تعالى يقول: هل كان هذا الإنسان ظلوماً بحمله الأمانة؟ وهل كان جهولاً ما وراء حملها من خيرات؟! لا كل ذلك لم يكن.
وكلمة حملها: تدل على أنه هو بذاته حَمَلَها، وليس حُمِّلَها من قبل الغير بالإجبار.
وهذه الآية أيضاً تنفي أي ظلم أو غبن، وتدل على أن حمل الأمانة كان بملء إرادة الإنسان.
وسؤالك هذا قد استوفى الشرح له فيما سبق من الإيضاح في الأسئلة السابقة، وأمثلتك التي ذكرتها تنطبق على العميان في الدنيا هنا أما في عالم الأزل عالم الحقائق والشهود لا تنطبق أبداً.

زر الذهاب إلى الأعلى