كيف أغير ما بنفسي وأنا لا أعرفها ولا أملكها بل هي أعدى أعدائي؟
من عبد الله سيدي الفاضل السلام عليكم ورحمة الله وبركاته لدي سؤالين أرجو التكرم بالإجابة عليهم:
السؤال الأول: يقول الله تعالى في كتابه الكريم: {..لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ..}، والآية الثانية: {بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ، وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ}، وهناك الحديثان التاليان: (من عرف نفسه عرف ربه)، (أعدى أعدائك نفسك التي بين جنبيك).
والسؤال: كيف أغير ما بنفسي وأنا لا أعرفها ولا أملكها بل هي أعدى أعدائي؟
أنت تقول أنك تعرف نفسك وكل أوضاعها لأنك بصير عليها كما في آية: {بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ} سورة القيامة: (14). فمهما احتال وراوغ ومهما وضع أعذار ومبررات فهو كاشف نفسه. ثم تقول كيف أغير ما بنفسي فأنت بذلك تناقض نفسك بنفسك لأنك تجيب نفسك بنفسك فهل تريد يا أخي نوال المعرفة أم أنك تريد أن تمتحني.
فطالما أنت بصير على نفسك، إن شئت غيَّرت ولك الاختيار. والله لا يتدخّل باختيارك إن صمّمت على عدم التغيير، بل يولي الإنسان ما تولى لكن هذا التولّي عن الحضرة الإلۤهية للدنيا ولنفسه، أي: لرأيه لا لنصح الله، يصل به بالنتيجة إلى جهنم وبئس المصير، فباختياره لهذه الدنيا الفانية يخسر العلو والخلود الأبدي عند مليك مقتدر، إذ باختيار المنقضي ولابدَّ أن ينقضي ويخسر الباقي وما أعدَّه الله له من مكرمات وجنات، ما أتى لهذه الدنيا إلا لنوال هذا الشأن العالي منذ أن صدق هذا الإنسان وحمل الأمانة ثمَّ غيَّر، فإن غيَّر الآن عن الفاني إلى الباقي فسيغيره الله وينيله ما لم ينله أحد من العالمين الذين لم يحملوا الأمانة.
وحديثُ: (من عرف نفسه عرف ربه):
هذا الإنسان نسي نفسه، حين لبس هذه الدنيا المادية، والتفت لجسمه وحوائجه ولوازمه ومشتهياته عن طريق المادة، فكانت حجاباً له عن ربه، وبالتالي عن نفسه فمن عرف نفسه أنها لا حول لها ولا قوة وأن القوة لله جميعاً عرف ضعفها فالتفت إلى ربه، فمن عرف نفسه حقاً عرف ربه.
وحديث: (أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك).
أنت المسؤول لم جعلتها عدوةً لك، لأنك تنازلت عن سلطانك وهو التفكير، والنفس ليست بالأصل عدوة لأنها بالأمانة كانت صادقة تريد الرفعة لعليين، ثمَّ حين أعطيت حرية التصرف ومنحت حرية الاختيار كي تختار دوماً الأعلى، أخطأت عن عمد: سلوك الطريق إذ استكبرت بهذا النوال واستعملته بالطريق العكسي إذ حسبت شرها خيراً، وأصبحت كالطفلة فالأطفال دوماً يختارون الخطأ ويحبون ما يعود عليهم بالأذى، وهم يحسبونه أفضل. لكن الله منحك التفكير لتقنعها فإن اقتنعت غدت أصدق صديقٍ لك إن أقنعتها وهي بالمنطق تقبل دائماً.
وإن كنت مسلماً فهي تقبل بمنطق القرآن أيضاً، فتستطيع نصحها بأن تبين لها بأن هذا الذي تحبه يعود عليها بالهلاك والشر، وليس هناك نفس ترغب الشر أو الهلاك فهذه نفس النبي صلى الله عليه وسلم أو المرسلين والأنبياء. نفوسُهم هواها علوي، فلا تهوى إلا الكمال وبما يعود عليهم بالرفعة.
فأنت يا أخي: مثل بقية الناس تسمع بالحديث الشريف وتعمّمه مع أنك لا تدري لمن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك، فهذه قالها لمنكر جاهل مُتعنّت يطيع هوى نفسه التي هي مقطوعة عن حضرة الله ولا نور لها، بل يُعارض ويكذب بكلام الناصح جلَّ جلاله ويبغي الفساد في قلوب العباد ليكونوا أمثاله بالانحطاط، فهذا نفسه مقطوعة عن النور تبغي ضررها لأنها غدت معكوسة ومنكوسة بسبب كبر صاحبها وعدم استفادته من سلطانه الفكري، فهو لا يريد مخالفة رأيه وهواه، فهو لا يبغي إلا الضلال لنفسه ولسواه هذا الذي خاطبه رسول الله بقوله الشريف: (أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك).
وتسأل كيف أغير ما بنفسي وأنا لا أملكها ولا أعرفها وهي أعدى أعدائي؟
تمت إجابتك بما ذكرناه أم كيف، فابحث عن الناجحين واستعن بإيمانك أيضاً برب العالمين، وكافة الأنبياء والرسل هم قدوة لنا، وهم أعلام الحق ونجوم الهدى في حياتنا الدنيوية. أوليس الذي خلق أعلم بمن خلق وهو القائل {..وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ..} سورة التغابن: الآية (11). والقائل: {..اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ} سورة التوبة: الآية (119): تكن منهم وفيهم، أي: تكون من الصديقين والشهداء والصالحين وتشرب من مشاربهم وتغنم من مغانمهم. وتسمو وتعلو ويشلح الإنسان ثوب البهيمة، فيأنس بالله كما استأنسوا ويرى بنوره الخير فيناله ويرى في الشر ما فيه من أهوال ونيران فيتجنبه، بل ينفع كل أحد فيستأنس به الخلق، وبعمله الخير يرجع إلى ربه ووجهه أبيض ويُقبل عليه وينال جناته العلى في دنياه قبل آخرته، ولا يبغي عن هذا الحال العالي حولاً.
وأكرر عليك يا أخي لمحة عن الإيمان، ولو أنه مسطور في كتب العلامة الكبير المنقذ للحيوان بالتكبير وللبشر بالحجامة التي لا طب قبلها ولا بعدها وهي الشفاء للعالمين.
إن لم يكن قلبك بيدك، ولو كانت نفسك عدوة لك، فهل فكرك ليس بيدك؟ فالإنسان كائن مفكر. تستطيع بفكرك أن تورد نفسك موارد الكمال، وتريها سبل الرشاد والاستعانة بذكر الموت خير معين.
فالنفس جاهلة عمياء تحتاج من يقودها ويهديها، وهي كالطفل تحتاج من يرشدها ويدلّها، وتكون عودة لك حقاً إن كانت آثمة استحبت الدنيا عن الآخرة واستهوت الشهوات الرخيصة المخزية.
وأنت الموكّل بتوعيتها وقيادها، وهي تقبل بالمنطق والحجة فهي جاهلة لا تعلم شيئاً إلا أنها تنقاد للمنطق وتسير معك بالحجّة والبرهان، لا بالإجبار والإكراه، فإذا للمنطق استجابت وللحق أنابت ولله ورسوله خضعت وأحبت كانت بذلك في سرب المؤمنين (لن يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به) وهي والحالة هذه صديقة لك لا عدوة.
فعليك يا أخي أن تسلك سبل الهداية بالتفكير الجدي بالموت، وأنه لابدَّ لك من ساعة الرحيل إلى المجهول، وأن الدنيا وزينتها ستزول عنك بمن فيها، والمصير المحتوم والمستقبل المحصور هو القبر بظلمته ووحشته، فمالك من نور ولا جليس ولا أنيس ولا صديق حميم، ساعتئذٍ تخاف نفسك سوء المصير وترهب من المجهول القادم والإنسان عدو ما يجهل، فتبدأ منحى جديد في الحياة وتصدق بالبحث عن النور الدائمي الذي لا ينقطع ولا يخبو أبداً ليكون لها زاد في سفرها القادم.
عندها تطلب الاتصال بالله العظيم لينقذها؛ وتفكر بالآيات الكونية الموصلة للإلۤه خالق النور والضياء، فالكون كتاب مفتوح تقرأ فيه آيات الله وأسماءه الحسنى، تقرأ الرحمة والحنان فتحبه وتقبل عليه وتستمد منه النور.
فابحث عن موجدك وإلۤهك، واسعَ لكي تستنير نفسك بنوره، فهو الذي يعرِّفك بكل شيء، وقد جاء صلى الله عليه وسلم إلى شبه الجزيرة العربية وهم لا يعرفون شيئاً حفاة عراة في جهل مطبق، حتى الصحابة الكرام كانوا قبل مجيئه صلى الله عليه وسلم في ضلال مبين {لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ} سورة آل عمران: الآية (164).
ولكن فيما بعد صاروا حكماء علماء كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء، وهذا كله بإيمانهم وحبهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فغدوا هداة الأمم وقادة البشرية إلى الجنان.
فالله تعالى يقول لك عبدي اطلبني تجدني فإذا وجدتني وجدت كل شيء وإن فتك فاتك كل شيء وأنا أحب إليك من كل شيء.
وتعرف عندها ربك وتعرف نفسك حق المعرفة وتعرف كل شيء، وتميّز الخير من الشر، وتدعو: (اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه).
أما الذي نسي الله وكذب على ربه غدا كاذباً حتى على نفسه مراوغاً خداعاً منذ أن نسي الله، وهذا النسيان والانقطاع عن ربه أنساه نفسه وأضاع منزلته التي رشح لها وراح يرعى مع الهمل، فهو لا يعرف نفسه ولا يعرف قيمتها عند ربّها وأنها فوق الخلائق بحملها الأمانة إن هي وفَّت بحملها. وآمنت واستنارت بنور ربها.