علامَ يتألَّم الأطفال في المهد؟ والمخلوقات غير المكلفة الصغيرة؟

بسم الله الرحمن الرحيم
سيدي الفاضل السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ما ذنب طفل صغير في مهده يتألّم آلاماً عظيمة، بل وحتى ما ذنب طائر صغير يسقط من عشّه على الأرض فيتلوّى جوعاً وألماً حتى يموت، ماذا فعل هذا الطير غير المكلَّف حتى يقاصص هكذا وهل هذه النفوس لها علاج بهذه الطريقة، وإن كان فعلى ماذا؟ فهل بنفوسها خبث مثلاً؟!


إن كنت لا تدري فتلك مصيبة أو كنت تدري وتسأل فالمصيبة أعظم.
يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ..} [المائدة: 101]: أي حين ينزَّل في قلوبكم حينما تتقون لأن القرآن للأتقياء، فتستنيرون بنور الله، عندها ندرك حنان الله وحب الله بهذا الطفل وهذا الطير، أما إن كنت لا ترى إلا الصور ولا ترى الحقائق بعدُ "وإن شاء الله تعيش بعدُ فيها وتراها" وقبل أن ترى رحمة الله وفضله وعلمه وتستعجل بالسؤال قبل الإيمان والتقوى والاستنارة؟!

{..وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ..}: حينما تفتِّحوا، إن رأيتم مثل هذه الحوادث عياناً، ثم رؤية قلبية يقينية وشاهدتم حقائقها عندها تعلمون حكمتها وحنان الله وعطفه وحبه ورحمته فتزدادون إيماناً مع إيمانكم "هذه رؤية كل من اتقى"، فتحبون الله وترقون بعدها في جناته.

فيا أخي الكريم للأمور جميعها صورٌ وحقائقٌ، والصور تُرى بعين الرأس عن طريق الأنوار المادية كنور الشمس ونور الكهرباء.
ورؤية الحقائق تحتاج إلى نور أشد سطوعاً وأعظم إشراقاً من الأنوار المادية وهو نور المصطفى ﷺ، ترى عين نفسك الحقائق بهذا النور وترى حبَّ الله الكامل لك ورحمته شاملة الكون بأسره ويُحكِمُه بقوانين صارمة بالدقة، ليس نظام الكون بأجرامه ومجراته وشمسه وقمره فحسب، بل التسيير الإلۤهي الخيِّر والعدالة والرحمة الإلۤهية كما هي في السماء كذلك تراها النفس المستنيرة تعمُّ الأرض وتشمل جميع المخلوقات، ولا تظننَّ أن رحمة الله تتبدَّل إن رأيت مثل هذه الحوادث التي ذكرتها وأن عطفه تغيَّر.

لأن الذات العليّة قائمة على الكون بالقسط وبيدها نواصي الخلق تسيِّرها بالحق، وما من واقع يقع إلا من بعد إذنه، وله الحمد على كل ما يسوقه لعباده.

{..وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ} [الرعد: 8]: أي بمقدار ما يناسب كل نفس، فالألم الذي تراه بعين رأسك هو نسبي على حسب استحقاق كل نفس، وهذا الطفل الذي في مهده يتألَّم ثق تماماً أنه لا يذوق طعم الألم بتاتاً لأنه لا ذنب لديه ولا إثماً اقترفه حتى يتألَّم بسببه، ولأن نفسه لم تلبس الدنيا وشهواتها بعد ولا معرفة لديه بالمعاصي والشهوات المحرّمة المخزية، فهو لا ذنب له إطلاقاً، صفحة بيضاء نقية، وتلك الآلام التي نراها بعين الرأس التي لا تُرى إلا الصور، وإن الصور لا تغني عن الحقائق شيئاً، أقول: ذلك الألم إن هو إلا علاج ومصيبة في الحقيقة لأهل ذلك الطفل ولأن قلبَي الأب والأم متعلِّقاً بطفلهما، فإذا استحق الوالدان مصيبة بما كسبت يداهما فتكون عن طريق طفلهما، وبذلك تكون المصيبة أنجع وتؤدِّي مفعولها المراد منها.

هذا كله في سبيل التوبة والرجوع إلى الحق، وكم وكم رأينا من أبرياء قد جرت معهم حوادث مروِّعة ونسألهم عنها لنتفاجأ بأنهم لم يشعروا بألم أثناء وقوع الحادث.

وعلى سبيل المثال على ذلك لا الحصر:
كان لي صديق في الطفولة، كان يسوق دراجة نارية وإذ تفاجأ بعربة أمامه وسيارة سدَّت عليه الطريق فاختار أن يصدم العربة وبعد ذلك أسعف إلى المستشفى، قمت بزيارته وسألته عن الحادث كيف جرى؟ فقال لي:

لا أدري إلا أنني اصطدمت بالعربة وحلَّقت بالجو وعمود الكهرباء أصبح تحتي فغميت، هذا آخر شيء أذكره وبعد ذلك وجدت نفسي بالمستشفى، ولم أشعر بأي ألم أو وجع رغم الإصابة القوية التي أدت إلى كسرٍ في الساق.
فالأطفال لا يألمون كما يألم الكبار، وكم يتعرَّضون لضربات ووقعات لو أصابت الكبار لكسرتهم، فضلاً عن أنهم يتعرَّضون لحوادث مرعبة، فالأمور نسبية كما ذكرنا، وكمثال على ذلك: ترى المجاهدين في المعركة ينعمون أثناء قيامهم بواجبهم المقدس، وهو الجهاد في سبيل الله "والجنة تحت ظلال السيوف"، وبالمقابل الرعب والهلع والأمراض النفسية تلمُّ بالعدو الباغي، والقتال هو ذاته على الطرفين إلا أنه لكل فريق مردود وحال نفسي على حسب أعماله ونواياه.

كذا الذبيحة التي يُذكر اسم الله عليها، فإن النعيم والسرور يغمر نفسها لحظة ذبحها وسماعها لذكر اسم الله، وينقلب ألمها المرعب نعيماً، رغم أن السكين تمشي على عنقها.

وهناك الأمراض مثل (الكريب) الذي يصيب عموم الناس، ترى أناساً يأتيهم ويمرُّ عليهم مروراً دون أن يشعروا به أو أن يتوقفوا عن عملهم، وآخرون يأتيهم هذا المرض ويطرحهم في فراشهم أياماً، وبعضهم بسبب نفس المرض يموتون على أثره. فكل إنسانٍ لا يأتيه إلا حسب ما قدَّم من أعمال أو على حسب ما كسب بنفسه من خير أو شر، فليس الأمر اعتباطياً بل بحكمة بالغة وبمقدار.

كذا الأطفال الصغار لا ذنب لديهم لذلك لا يشعرون بأي ألم، بل الذين يألمون آباؤهم الذين يحملون الذنوب وقلبهم متعلّق بأطفالهم، لذلك يأتي العلاج عن طريق الأطفال، أما الطفل فهو حيادي لا علاقة له، والرحمة الإلۤهية لا تتغيَّر ولا تتبدَّل مهما اختلفت الصور والحوادث.

نحن نرى الصور، والحقائقُ غيبيةٌ، لنا مشاهدة الظاهر ولا ندري حقيقة الباطن، بل هو تعالى يتولّى السرائر بالقسط وهو تعالى قائم على كل نفس بما كسبت ولا ظلم بالكون لأن الله موجود وهو تعالى رب المشاعر لما يعود على المرء بالخير.
والحمد لله رب العالمين

زر الذهاب إلى الأعلى