رواية عن سيدنا عمر مع زوجته، وأخرى عن سيدنا أبو بكر

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ما مدى صحة ما روي على ألسنة المشايخ الكرام في سيدنا عمر:
1- أن رجلاً ذهب إلى سيدنا عمر ليشتكي له ما كان يعانيه من سوء معاملة من زوجته فإذ به يسمع صوت زوجة سيدنا عمر يعلو على زوجها.....إلخ
2- إن زوجة سيدنا عمر أرادت أن تصلي خلفه في المسجد فسايرها وسمح لها بذلك وبعد أن خرج إلى صلاة الصبح قبلها فخرجت وإذا به خلفها فقام بإخافتها دون أن تعرفه فعادت إلى البيت.
3- وفي سيدنا أبو بكر أنه كان يأخذ من بيت مال المسلمين قدر الكفاف فإذا بامرأته تطلب منه أن يحضر لها نوع من الحلويات وعرضت المال التي ادخرته من مصروف البيت، فأخذه ورده إلى بيت مال المسلمين، ولم يحضر لها الحلويات.


أولاً: بالنسبة للرواية الأولى نرويها على وجهها:
ذهب رجل من المسلمين إلى سيدنا عمر رضي الله عنه يشكو إليه زوجته ولسانها السليط عليه، وكان قد هدّدها قبل ذلك أن يشكوها لسيدنا عمر، فأقلعت عن ذلك ثم عادت لعادتها فهدّدها ثانية فأقلعت ثم عادت، وهكذا وفي إحدى المرات في وقت الظهيرة لم يتحمّل الرجل وانطلق لبيت أمير المؤمنين ليشكو له زوجته ولسانها السليط عليه، وما إن اقترب من البيت وطرق الباب حتى سمع صوت زوجة سيدنا عمر يعلو على صوت سيدنا عمر أكثر مما يعلو صوت زوجته عليه، فقفل راجعاً من حيث أتى، ولما سمع أمير المؤمن طرق الباب فتح فلم يجد أحداً التفت يمنة ويسرة فرأى رجلاً في نهاية الزقاق ناداه: يا أخ العرب، رجع الرجل وامتثل أمام أمير المؤمنين. فسأله سيدنا عمر: أولست الذي طرق الباب.
أجاب الرجل: بلى، فقال له سيدنا عمر: ما الذي تريده؟
أجاب الرجل: كان لديَّ مشكلة وانحلت والحمد لله، والسلام عليكم.
وأراد أن ينطلق راجعاً من حيث أتى، فأصر عليه سيدنا عمر وأمره أن يتكلم عن مشكلته.
فقال الرجل: جئتك لأشكو لك زوجتي ولسانها السليط معي، ولما سمعت صوت زوجتك من داخل البيت وجدت أن زوجتي أهون بكثير من زوجتك، فوالله لو كنت مكانك لما استطعت السكوت عليها والمعيشة معها.
فأجابه سيدنا عمر: يا أخ العرب، أولسن اللواتي يربين أطفالنا ويعنين بشؤون المنزل؟! فمن يطبخ وينظِّف لنا المنازل؟ فهنّ يسهرن الليالي الطوال على مرض الأطفال والعناية بهم وبنظافتهم وإطعامهم والكثير الكثير من الأعمال داخل المنزل، فكثيراً ما يتضايقن ويضجرن من أطفالهن، وعادة النساء إن غضبن أن يُفرِّغن من نفوسهن بكلام يعبّرن فيه عن همهم وغمهن، فيشعرن بالراحة والفرج بهذا الكلام وينسين همهن، وهنّ لا يملكن إلا الكلام فإذا نحن لم نتحملهن ونصبر عليهن ونحلم ونستوعب ضجرهن فمن الذي سيتحملهن؟! يا أخ العرب نحن سُسنا الأمم وتحمّلنا الشعوب كلها بالحكمة والموعظة الحسنة، أفلا نستطيع أن نتحمل أهلينا وذوينا وهنّ أحق بالرحمة والمعاملة الحسنة من الغير.
فاقتنع الرجل بذلك وعاد إلى بيته.
في إحدى المرات دلف سيدنا عمر بيته مرهقاً من أعباء الدولة الإسلامية ومشاغلها وتدبير شؤون الحكم والحروب على سطح الكرة الأرضية كلها وهو الموكل بها جميعها، فوجد أن بيته في غاية النظافة والترتيب، ووجد أن زوجته قد احتفلت به وطبخت له الطبخ الذي يفضِّله ويلائم صحته، وقد نظفت الصغار وأنامتهم وتهيأت له كليلة عرسها (ليلة دخلتها) وتعطرت وقد هُيّأت له بأكمل وجه، فأصبح عمر مجبور الخاطر مسرور القلب فرحاً لأنها راضية هانئة، وهو إنسان يحب السعادة دوماً لمن حوله، وكانت لطيفة ناعمة بكلامها معه فغدا مسروراً وحمد الله، ولما قاربها من الفراش تباعدت عنه، فعجب من هذا التصرف وسألها:
قولي لي حقاً ما هي حاجتك؟
قالت له: (ابن عمي).
انزعج وقال: خيراً ماذا أصابه؟
قالت: أريدك أن تجعله ملكاً على إحدى الممالك التي لديك.
إذ كان الولاة في أماكنهم في إمرة سيدنا عمر أمير المؤمنين، فقالت له:
أريد ابن عمي والياً في المكان الفلاني.
عند ذلك نهض سيدنا عمر وركلها برجله وقال قولته الشهيرة: (ما أنتن إلا كالحصير متى شئنا فرشناه ومتى شئنا طويناه)، ووجدت الآن أمامها عمر حينما يواجه المجرمين والقتلة وتسقط من هيبته الجبابرة والعتاة، ظهر لها بهذا الوجه المهيب الرهيب، فأصبح جسمها يتراقص كقشة في مهب الرياح خوفاً وهلعاً، وتمنت أنها لم تسأله هذا السؤال ولم تطلب منه هذا الطلب، ثم تخلى عن زينتها وبهرجها وفتنتها وأعطاها ظهره ونام كأنه لوحده في الغرفة.
قالت في نفسها: لعله يتغير ويتأثر بالزينة والفتنة، ولكنه لم يلتفت نحوها ولم يستيقظ حتى الصباح حيث انطلق إلى المسجد. أما في النهار فرجع عمر الزوج الحنون الذي يلاطفها بالكلام الجميل ويؤانسها ويجيبها على طلباتها المنزلية فقالت في نفسها: (لقد ارتخى) الآن يجبني على طلبي ويُنصِّب ابن عمي ملكاً على إحدى ممالك الدولة الإسلامية.
لكنه بعد هذا اللطف وحين وصل إلى الفراش مع أنها تهيّأت له وزيّنت نفسها من أجله أعطاها ظهره وكأن وراءه حجر، تكرّر الهجر في الفراش حتى بلغ أشهراً أربعة، بعد ذلك ألقت زوجته بنفسها على قدميه تعلن توبتها عن التدخل في شؤون الدولة والحكم وقالت: لن ينفعني ابن عمي حيث أشقاني في بيتي، والله لن أتدخل بعد اليوم في الشؤون الإسلامية الخارجية والحكم والدولة أبداً.
وعاهدته على ذلك وقالت قولتها الشهيرة: (لقد كنت ملكةً في داري والآن سقطت من عرشي فأرجع ملكةً حيث سروري وسعادتي وأطفالي ولا أتدخل فيما ليس لي به علم ولا شأن والله لم يكلفني به) وتابعت قائلة: (أنت ملك خارج الدار وأنا ملكة في داري) وعادت الحياة الزوجية السعيدة إلى الجودي.
هذا عمر الإنسان اللطيف الذي يسمع نصيحة رسول الله ﷺ في قوله: (شاورهن وخالفهن فإن في خلافهن البركة).
ويقولون: كل الرجال على النسوان رجال، إلا فطاحل الرجال (قلال) أي قليلين، وهم سائرون على مبدأ إنساني لطيف، عملاً بوصية رسول الله ﷺ: (رفقاً بالقوارير).
هذه هي التربية الإسلامية الإنسانية الكاملة ليست بالتربية الوحشية الهمجية ولا بالشيطانية، فمن كان يستطيع أن يسيّر المركبة الأسروية كعمر وهو أسماهم وأرقاهم وأعلاهم وأجدرهم!
وعند أهل الشام الذي يستعمل قوته العضلية على امرأته يقولون عنه: (نذل)، ويقولون مَثَل: (سلّط المرأة على الرجل وسلّط الصبي على المرأة).
إذن: هذه معاملات سيدنا عمر الودية الرحيمة الحنونة الإنسانية مع أهل بيته قد أعطاها كامل الحرية والرخاء في بيتها فهي الملكة، ولكن إذا تدخلت في شؤون المملكة والحكم خارج بيتها ظهر من سيدنا عمر ما لم يظهر منه قبل ذلك، فهو ليس عبداً لشهوة أو هوائي يتبع أهواءه، إنما هي الرحمة والإنسانية والحكمة ليرقى ببنت جنسه إلى الجنات.

أما الرواية الثانية: وهي أن زوجة سيدنا عمر أصرّت على الذهاب إلى المسجد لِتَحضُر درساً من دروس سيدنا عمر الذي كان يُعقد بعد صلاة الفجر...
وقالت له: أنت زوجي، ولستَ غريباً عني، وأنا امرأتك حلالك وكلهم يستفيدون منك ومن درسك إلا أنا، ووقت خروجي عند الفجر والوقت لا يزال ظلاماً والمكان الذي أجلس فيه هو السدة لا يراني أحد ولا أرى أحد ولا يعلم بي إنسان إلا أنت فأين المشكلة في ذهابي لأنتفع من درسك، وأنا زوجتك أقرب الناس لك ألا يحق لي سماع درسك؟
سمح لها سيدنا عمر بالخروج ولكن دبّر لها تدبيراً كان لها درساً عملياً: إذ قام من خلفها بلمسها وهي لا تدري أنه زوجها سيدنا عمر فالتفت وراءها بحجابها الساتر لوجهها لترى من فعل ذلك، ولكنها لم تره لأن الوقت عند الفجر والظلام ما زال يخيّم، واختفى سيدنا عمر وغاب ولم تعرفه، فعادت المرأة إلى بيتها لا تريد مواصلة المسير والذهاب للمسجد أبداً، لقد عدلت عن الاستمرار في طلبها، وفي الضحى عاد سيدنا عمر وسألها:
هل أعجبك الدرس؟ فأجابته:
والله لن أخرج بعد هذا اليوم من بيتي أبداً إلا إلى القبر لقد فسد الزمان والله لا خير في هذا الزمان وأهله.
فهذه القصة تبيّن لك الحكمة التي اتبعها سيدنا عمر والتدبير الحكيم الذي دبَّره، فالذي كان يسيّر الكرة الأرضية بنجاح ألا يستطيع أن يتصرّف مع امرأته بتدبير ذكي رائع يجعلها تطبق الآية الكريمة: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ..} سورة الأحزاب: الآية (34). من غير أن تعلم وبقناعة منها دون جبر أو قسر؟!
تالله إنها لحكمة بليغة، وبهذا الدرس العملي جعلها تسير بأمر الله ولم يصطدم معها أو يكسر خاطرها بل سَلَّكها مَسلكاً يصل بها إلى الجنة دون أن يُعلمها أو تعلم أنه تدخل في قرارها، بل على العكس هو سمح لها بالخروج ولكنّ القرار بعدم الخروج من البيت صدر من ذاتها لذاتها ومن قرارة نفسها وطبّقت الآية، وبذلك ضمن لها الجنة، هؤلاء الصحب الكرام ألطف خلق الله، فهم كأزواج خير الأزواج ولكن معاملتهم الإنسانية رحيمة بلا كسر خاطر ولا إكراه يعطون كل ذي حق حقه.

ووضع الندى في موضع السيف في العدا      مضر كوضع السيف في موضع الندى

الرواية التالية عن سيدنا أبو بكر:
يا أخي السائل: هل نسي الصحابة الكرام العظام خليفة رسول الله وسيدهم من الهدايا ما يكفيه وأهله ويغنيهم عن أيّ شيء، بل ويجعلهم ينفقون ما يزيد عندهم الكثير منها ومن الحلويات على الفقراء والمحتاجين؟!
هل يترك الصحابة سيدهم أبا بكر الصديق وهم يفدونه بأرواحهم، هل يتركونه دون هدايا؟!
بل كانوا يتسابقون بالأعطيات لسيدهم والهدايا، حتى يزيد عنده ويوزّعها لمستحقّيها على مبدأ (تهادوا تحابّوا)، وطالما رسول الله يقبل الهدية ولا يقبل الصدقة، كذلك سيدنا أبو بكر يقبل الهدية، فما حاجته في الراتب من بيت المال؟! رغم أنه كان له من قبل بيت مال المسلمين مخصص للخليفة وهذا ما اتفقت عليه الصحابة كلّهم، وليس سيدنا أبو بكر يأخذ من تلقاء نفسه، ولكن ما حاجته في الراتب وهو يزيد عنده المؤن ما يجعله يوزِّع منها الكثير على المحتاجين؟! وكانت الوفود تأتيه وفي كل وقت فيكرمهم ويطعمهم، فكان بيت الخليفة مضياف. فما حاجة زوجته بالادخار والهدايا تملأ البيت وتتدفق من بيت الخليفة لبيوت المحتاجين والأقارب؟!

زر الذهاب إلى الأعلى