استفسارات عن عالم الجن وطبيعتهم
أستاذي الكريم قلتم أن عالم الجن لهم أجساماً مثلنا وحياتهم كحياتنا ولكن تميّزوا أن أباهم لم يأكل من الشجرة وأنهم يستطيعون مغادرة الجسم متى شاؤوا.
السؤال الأول: ما معنى الشجرة؟ وما تأويل الأكل؟ وما مفهوم قول الملائكة: {..قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء..}؟ فكيف استنتجت الملائكة ذلك؟
ممكن التفصيل عن عالم الجن إذا سمحتم، وهل عالم الجن هو عبارة عن شريحة من البشر؟ الفئة المتميزة، يعني الأثرياء والأقوياء والسادة والكبراء وأصحاب المكانة العالية، التي لهم جوُّهم الخاص وطبيعة تعزلهم عن البسطاء من الناس؟
وجزاكم الله كل خير.
أولاً؛ معنى الشجرة الواردة:
الشجرة: هي نباتات الأرض التي تؤكل، أي: كل نبات من نتاج الأرض يأكله الإنسان. فالشجرة لا تعني شجرة خاصة ذات نوع معيّن، إنما تعني عامة الجنس وتشمل كل شجرة، فالقمح والتفاح والرمان، وإن شئت فقل: جميع الأشجار والنباتات تنطوي تحت كلمة (الشجرة) لأنها في حقيقتها واحدة من حيث احتوائها على المادة التي يكون بها نماء الجسم وسريان الحياة فيه، وإن كانت مختلفة في أنواعها وطعومها وأشكالها.
وتأويل الأكل: نقول ما ذكره معلمنا وأستاذنا في كتاب العصمة: المراد من النهي عن قرب الشجرة الواردة في كلمة: {..وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ..}: تعني عدم وضع ثمرة الشجرة في الفم ودخول مادتها إلى الجوف، وتوضيحاً لهذا المعنى نضرب المثال الآتي فنقول:
لا نستطيع أن نقول أنّ الشمس قريبة من الأرض، وإن كانت أشعتها منصبّة على الأرض سارية في مياهها وبحارها ملامسة كل جزء من أجزاء سطحها مادام جرمها بعيداً عنها، كذلك سيدنا آدم صلى الله عليه وسلم وإن كانت نفسه سارية إلى تلك الثمرات متصلة بها متنعمة بذوقها فهي غير قريبة منها مادامت مادة الثمرات بعيدة عن جسمه، ولم تدخل إلى جوفه، وقد نهاه الله تعالى وزوجه أن يقربا الشجرة، أي: أن يتناول الثمار ويضع مادتها وجرمها في فمه "أي الأكل الجسمي مع النفسي".
مفهوم قول الملائكة: {..أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء..}: الملائكة حينما سمعوا أن الله سيخلق رجلاً يكون خليفة الله على عباده وفي أرضه وهذا مقام عظيم، وشاهدوا كيف أن المكلّفين من الجن قد فشلوا في تأدية الأمانة وأحدثوا مالا يرضاه الله من فساد وسفك للدماء فاشتهوا بنفوسهم هذا المقام، أن يكونوا خلفاء الله في أرضه وهذا أعظم مقام فقالوا: {..أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء..}: ولو من المكلفين الإنس فيفسدوا كما يفسد الجن، ونحن لا يمكن أن نفسد مثلهم أو أن نسفك الدماء بل باستطاعتنا الإرشاد وتطهير القلوب وتوجيهها إليك، أي: إلى الجنان والسعادة، أي: فاجعلنا يا ربِّ بدلهم ونحن أحقّ منهم. فكان جواب الله: ما قلتموه حق ولكن آدم أسمى وأعلى وأرقى منكم جميعاً لذا اخترته بعلمي ليكون خليفتي عليكم وعلى الناس جميعاً جناً وإنساً وذلك بكلمة: {..إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}. إذن قولهم هذا ليس اعتراضاً ولكنه طلب للخلافة.
أما عن سؤالك كيف استنتجت الملائكة بقولهم: {..أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء..}؟
لأنهم شاهدوا كيف فسد عالم الجن وهم من المكلفين وممن حمل الأمانة فما صانوها بل خانوها وفسدوا وسفكوا الدماء، فتوقع الملائكة أن يكون آدم مثل أولئك الجان. إذن: مشاهدتهم لفساد عالم الجن أغراهم بطلب الخلافة لأنفسهم لكونهم أفضل من هؤلاء الجن الذين يقتلون أنفسهم، وهم لا يعلمون بعد أن آدم صلى الله عليه وسلم هو أعلى وأرقى وخير منهم، فلما شاهدوا مقام سيدنا آدم بأم أعينهم وقلوبهم، تنازلوا عن طلب الخلافة له، بل سجدوا طالبين زيادة المشاهدات والعلوم والمعارف عن طريقه، فشاهدوا بقلوبهم ما أشهدهم من أسماء الله الحسنى، كما شاهدوا بأعينهم كيف أنَّ حبه العظيم لله أنساه وصية الله، وهذه المشاهدة أذهلتهم وأدهشتهم وأذهبت نفوسهم بمعيته سمواً وعلواً إلى مقامٍ عظيم في حضرة الله.
ثانياً: بالنسبة للمحة عن عالم الجن، فنقول:
أولاً: الله ذكرهم بالقرآن وأخبرنا عنهم وأعلمنا بهم بما ورد في الذكر الحكيم، وأنت يا أخي إذا أردت السؤال عنهم فعليك بالرجوع إلى ما ورد في القرآن لتتعرّف عن أحوالهم.
ثانياً: إذا أطلعناك عن أحوالهم، هل تستطيع أن تقوم بهدايتهم؟ هل لديك الإمكانية والقدرة النفسية النورانية المستنيرة بنور الله ورسوله صلى الله عليه وسلم حتى تخوض في عالمهم وتنقذهم من الظلمات إلى النور؟ إذا كنت تستطيع إصلاحهم فلا مانع، نتكلم لك فقط ولا نتكلم لغيرك لكيلا يلتفتوا إليهم فيفتنون بباطلهم ويخلعوا دينهم. إن تستطيع إصلاحهم فحيهلا.
لأنهم شريحة كالبشر وأضعف إيماناً من البشر، وهم على العكس مما ظننت فليس هم الأثرياء ولا الأقوياء ولا السادة، بل إن مراتب ومقامات الجن أضعف وأحط وأقل صدقاً مع الله من مقامات الإنس، وهم لا حول لهم ولا كيد، وقد قال تعالى: {..إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً}. فالمريض إذا أراد الكيد فما بوسعه أن يفعل ومرضه يهدّه هداً؟
يا أخي: ليس كما ظننت، ولذلك حجبهم الله عنا لئلا يفسدونا، فإياك أن تلتفت إليهم وحوِّل تفكيرك دائماً عنهم لئلا تضعف بضعفهم. ووظيفة إنقاذهم خاصة بالرسل والأنبياء الأقوياء لأنهم معصومون فلا يتأثرون بشرورهم، بل يؤثرون بهم بالخير.
إذن: هم مثلنا تماماً ومكلّفين مثلنا، وفيهم الفقراء والأغنياء والسادة والبسطاء ومن جميع الطبقات، مثلنا تماماً لكنهم بعالمهم، وبالجيش هناك رتب عرفاء ورقباء وقادة وألوية، وفي مجال الدين لديهم مشايخ مؤمنين بآبائهم السابقين وقد هجروا القرآن، بل إن مستوى الجن أقل من مستوى الإنس، الإنس أعلى منهم لأن فيهم الأنبياء والمرسلين. فلماذا جعلت لهم هذه الرفعة وميّزتهم وهم مثلنا؟ والله لم يميّزهم فليس عند الله تميّيز عنصري {..إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ..} سورة الحجرات: الآية (13). وفيهم من يعشق الرسول ويحبه وفيهم الصالحون {وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ..} سورة الجن: الآية (11).