إذا تمنى الشخص أمراً وعاهد ربه أن يكون خالصاً لوجه الله (نذر)، هل يتحقق؟
السلام عليكم ورحمة الله وبركانه
وكل عام وأنتم بألف خير: أودّ فقط أن أسأل بخصوص {قصة النذر}:
سيدي الكريم: إذا كان المرء مصمّماً على أمرٍ ما، وكان صادقاً في طلبه وكان هذا {الأمر..} بالنسبة له {وسيلة} لعمل الخير والدخول في ساحة الأعمال الخيّرة والخوض في طريق نفع الناس... إن كان ذلك حقّاً واتّبع نفس الطريقة التي نطق بها سيدنا العظيم أمين بيك للرجل الذي لا ينجب أطفال.. فهل يا سيدي يتحقق مراده؟
باختصار: إذا كان الشخص يتمنّى أمراً ما وعاهد ربه {من ذاته لذاته} بأن يكون هذا الأمر خالصا لوجه الله الكريم. هل يتحقق؟
أتمنّى أن يُفهم سؤالي.. وأرجو بيان الطريق الواجب اتباعه للوصول إلى الهدف الذي هو بحد ذاته وسيلة لفعل الخير.
أولاً: الحقيقة {إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ}: تبْ إلى الله يرفع عنك البلاء، والنعمة لا تزول عنك إلا إذا غيَّرت، إن غيَّرت تغيَّر عليك. على حسب حالك يعطيك بكل لحظة، كل ساعة، كل يوم. غيِّر ما في نفسك يغّير الله لك الأمور ويجعلها بما يرضيك ولكن {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ}: حتى تعرض عن شهواتك من نساء أو مال أو جاه وكل شيء لك ميل فيه، إن أنفقت منه فذلك له أثر كبير في نفسك، إذ يولد ثقة في النفس تجاه ربّها فتقبل عليه.
فمن الناس من يحب المال (كقصة النذر) عنده الملايين ولا يستطيع أن ينفق ليرة واحدة، فعندما نوى التضحية بالغالي على نفسه تجاوز العقبة التي كانت تقف بينه وبين أن يمنحه تعالى ما أراده÷ وقد أراد ولداً فرزق به، فلما نكث وعاد لتلك الشهوة المستحوذة على فؤاده، عادت عليه الشدّة ومات ولده. فأمثال هذا المال أغلى شيء على أنفسهم أغلى من النساء وأولادهم وعرضهم وجاههم... إن أنفقوا منه زال المسبّب للبلاء. ومنهم يكون له ميل في النساء إن جاهد نفسه حق الجهاد غيّر عليه تعالى عسره يسرى، ومنهم من يحبّ الجاه والتكبّر إن لم يضحُّوا بجاههم فلن ينالوا الخير، كذلك فكل إنسان وما لم يبذل الغالي ويضحي بالشيء الثمين من مال أو جاه أو علم فلن تثق نفسه بإحسانها ولن تُقْبِل. إذن بالنذر والعمل العالي تتولد الثقة بالنفس فتقبل على الله وتنال الكمال. {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ الله بِهِ عَلِيمٌ}: لا يضيّع شيئاً. إن ما صار لك إيمان بأن الله عليم بك لا تنفق، إن ما أنفقت لا تنال الخير من الله تعالى. اسعَ لتكن لك ثقة أن الله عليم بذلك.
ثانياً: أما الطريق الواجب اتّباعه للوصول إلى الهدف الذي هو بحدّ ذاته وسيلة لفعل الخير.
فهو بما أمر الله رسوله: {قُلْ صَدَقَ الله..} آل عمران: 95: ربْطها بآية: {لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ..} آل عمران: 92: إنْ ما أنفقت من شيء له قيمة عندك وتحبه وأنفقت منه لا تحصل لك ثقة. إعراضك عما تحب مما هو محبب إليك بقدر ما له قيمة عندك يحصل لك الإقبال على الله. وقد حبَّب الله لك الدنيا وزيَّنها ليحصل لك بالإعراض عنها إقبال وثقة: فالدنيا فيها خير عظيم وشقاء عظيم. إن استعملها في وجهها نَال الخير العظيم. وبالعكس حتى تستطيع أن تزهد بالدنيا وتلقي بها: {فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً}: سيروا بما سار عليه: لما فكَّر بالتربية واهتدى إلى الله صار له حبٌّ وميل إلى الله، رأى فضله، حنانه، وإحسانه. سر بهذا ليحصل لك رؤية فضل الله وإحسانه لتحب الله، وعندها تنفق مما تحب. لكي يعرف الإنسان الحلال من الحرام من اللازم أن يسير كما سار سيدنا إبراهيم، من اللازم أن يكون له حب بالله. فالسبب بذكر سيْر إبراهيم عليه السلام أنه كان بين قوم كلّهم جهّال يعبدون الأصنام لكنه فكَّر "شغّل تفكيره" فقال: هذا الكون له مربي، فالشجرة تحتاج لهواء ولمطر، فمن خلق الهواء؟ من خلق المطر؟ لابدّ من مربي يمدُّ كلاًّ بما يحتاج. رأى كوكباً.. القمر.. الشمس ثم اهتدى. فقال: {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام : 79].
التربية توصل للمَلِك وللإلۤه: فإن آمنت بلا إلۤه إلاَّ الله استقمت فتولدت بنفسك ثقة تقبل بها وتجعلك تشتقُّ طهارة وكمالاً من الله يجعلك تحب رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد أهل الكمال فتعشقه وتقبل معه على الله فترى كمال الله، حنانه، رحمته.
وهذا هو الطريق الواجب اتباعه للوصول إلى الهدف الذي هو بحد ذاته وسيلة لفعل الخير وهو الوصول إلى التقوى حيث ترى الخير خيراً فتأتيه وترى الشر شراً فتجتنبه {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}الحديد (28).
فلا خير إلا بالله فإن آمن الإنسان أصبح أهلاً لفعل الصالحات.
أخيراً:
يتحقق مراد من تمنى أمراً وعاهد ربّه صادقاً و ونذر أن يضحّي بالغالي والنفيس على قلبه من مال أو جاه أو نساء... و بدون أدنى شك يتحقق {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [الأنعام : 115]، اصدق يعدّل لك أوضاعك ويعدّل لك الأمور بما تحبّ ويحب..
ولمن أراد الاستزادة يمكنه الإطلاع على (قصة النذر) الحادثة الواقعية التي جرت مع العلّامة قدّس سرّه والتي كان الاستفسار عنها.