أسئلة عن أجل الإنسان وعلى أي أساس يتحدد عمر الإنسان؟
بسم الله الرحمن الرحيم
يقول الله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ} [الأنعام: 2]. هل تدل أن عمر الإنسان ثابت ومحدّد؟
وقوله: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} [الأعراف: 34]. ما المقصود بأجل الأمّة؟ هل هو ساعة بلاءها مجتمعة؟
مثلاً قرية أصابها زلزال "لا سمح الله" ألا يوجد البعض منهم نقص عمره المحدد ولحظة الزلزال هو أجل القرية؟
سيدنا نوح عندما علم أن قومه لا خير فيهم قال: {وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً} [نوح: 26]. هل نقص عمرهم لئلا تزداد شرورهم؟ وهل يزيد إذا تابوا إلى الله واستغفروه؟ لقوله تعالى: {يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاء لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [نوح: 4].
مثل إنسان عند دنو أجله تاب ألا يعطيه الله فرصة ثانية إضافية ليقدِّم أعمال صالحة لدخول الجنات؟
ورب سائل يسأل: على أي أساس يتحدَّد عمر الإنسان؟
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
تسأل: هل عمر الإنسان ثابت ومحدد؟
قال تعالى في سورة الأنعام الآية (2): {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ..}.
{..ثُمَّ قَضَى أَجَلاً..}: كل واحد منكم وله أجل ويوم محدد وهي مدة حياته. {..وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ..}: وهذا الأجل يكفي أن يصل به الإنسان إلى الإيمان والتقوى، ويسمو به في الإقبال على ربه وتفتّح منه عين البصيرة ويستنير بنور ربه.
وهذا هو معنى: (الأجل المسمّى) أي: يسمو به.
والأجل واحد وليس هناك أجلان، فبهذه المدة المحددة التي وضعها الله لكل إنسان يستطيع بها أن يصل إلى أعلى المراتب، ولديه الأهلية التامّة بهذه المدّة أن ينجو لحظة يلتفت بصدق إلى ربه، يرى الطريق ممهدة وميسورة، ويؤمن بالله كما آمن سيدنا إبراهيم وأهل الكهف ومن اتبعهم من أهل الإيمان، فإذا لم يؤمن الإنسان بالسادسة عشر فلديه فرصة بالسابعة عشر، وإن لم يكن له السمو بالسابعة عشر فلديه فرصة في الثامنة عشر وهكذا تتوالى الفرص أمامه، فبأي لحظة يلتفت الإنسان بصدق لربه يجد الله كان بانتظاره، فإن تقرَّب لله شبر تقرّب الله له ذراعاً وإن تقرّب لله ذراعاً تقرّب له باعاً، وكل إنسان تجاوز الخامسة عشر لديه الأهلية الكاملة لأن يصل لربه حيث يكون قد اكتمل جهاز التفكير لديه وتمَّ إدراكه وكمل فكره وصار مؤهلاً لبلوغ التقوى وهي الاستنارة بنور الله تعالى فيعرف الخير خيراً والشر شراً، فيكسب حياته وعمره، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ..}: فهذه عامَّة عمَّت كافة الناس، فكل إنسان بلغ السادسة عشر مطالب بالتقوى، وما كان ليطالبه لولا أن رأى فيه الإمكانية والأهلية التامّة لذلك، ولولا أن الإنسان ذاته تعهَّد بحمل الأمانة والوفاء بها إذ أن الله لا يكلِّف نفساً إلا وسعها.
وفي الآخرة يرى الإنسان المفرّط حماقته الرعناء، وأنه أضاع عمره الغالي الثمين على غير طائل، ويرى ما ساقه الله له من إكرام وإنعام إذ خلق الخلق لأجله فالتهى بحطام الدنيا الدنيء، فيومئذٍ يعضُّ الظالم على يديه على ما فرَّط في مدَّة حياته والتي كان سيبلغ بها أعلى المراتب ويسمو فوق الكائنات، إلا أنه أخلد إلى الأرض وأضحى بذلك شرّ البرية، ويرى أن الله ما قصَّر عليه أبداً بل أعطاه عمراً كافياً وافياً.
إذن: عمر الإنسان ثابت ومحدّد، فيومك يومك وساعتك ساعتك لا تتقدم لحظة ولا تتأخر، فقضاء الله محكمٌ ودقيق وهو العليم الحكيم.
وتسأل: ما المقصود بأجل الأمة في الآية: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ}؟
هؤلاء كلهم أمُّوا للإجرام، وأعطاهم الله شهواتهم بالتّمام وكافّة طلباتهم تحقَّقت وأخذوا الدنيا من أبوابها العريضة ولم ينقصهم الله شيء، ومع هذا لم يستجيبوا لداعي الله فاستحقّوا البلاء، فكان موتهم مجتمعين على هذا الشكل، وتوافق البلاء الجماعي مع انتهاء أجل كل واحد منهم، وليس جمع المجرمين وهلاكهم مجتمعين بوقت محدد بمستصعبٍ على الله، وإن كان بينهم من لديه الأهلية للسمو يُخرجه الله من بينهم.
فبموت شخصٍ واحدٍ تموت معه ملايين الخلايا في جسمه دفعة واحدة وتكون هي الأخرى قد انتهى أجلها.
فالله الحكيم القدير قدَّر لهم هذه الأعمار وجمعهم في مكان واحد، وقد استوفى كل واحد منهم طلباته الإجرامية بالتمام، وأمّوا لشيء واحد فكان البلاء والهلاك لهم لزاماً موافقاً لأجلِ كل واحد ولا ينقص أحد من عمره المحدد له لحظة واحدة.
أما الآية (4) في سورة نوح: {يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاء لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}:
هذه الآية في بداية الدعوة دعوة سيدنا نوح لقومه أي قبل 950 سنة من هلاكهم، دعاهم سيدنا نوح خلالها ليلاً ونهاراً وسراً وجهاراً، ولم يزدهم دعاؤه إلا نفوراً لأنهم لم يؤمنوا بالله ولو آمنوا لاتّبعوا رسول ربهم، فالله تعالى ما ترك سبيلاً إلا هيأه لهم لكن دون جدوى، حتى امتلأ إناء نفوسهم من الدنيا وشهواتها، وأخذوا كافة طلباتهم ولم يبقَ لهم أي طلب غيرها، فأنهوا مدرستهم بالرسوب، فكان البلاء لهم ومصيرهم.
فكلمة: {..يُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى..}: هو الأجل نفسه لكل إنسان، من أجل أن يسمو ويرقى بهذه المدة المحددة، ويغفر لك وتشفى نفسك.
ولا يوجد تأجيل مع دنو الأجل، لأن الله عليم بكل إنسان أعطاه هذا العمر بناءً على علمٍ ودراية، أما التوبة عند الموت لا تكون، قال تعالى: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ..} سورة النساء: الآية (18). مثل (فرعون).
وتسأل: على أي أساس يتحدّد عمر الإنسان؟
كل إنسان اكتسب كسباً أزلياً معيّناً واختزنت نفسه طاقة معيّنة من الشهوات، وبناءً عليها كان تحديد العمر وتقدير الأجل، فإذا خرج إلى الدنيا وأتبع نفسه هواها كان عمره المحدد كافياً لإخراج ما بنفسه من شهوات منحطة.
وإن خالف هوى نفسه وضحى بشهواته الدنية في سبيل رضاء ربه، كان عمره الثمين كافياً لإخراج ما بنفسه من كمال وأعمال عالية، فكل إناء ينضح بما وعى وهذه المدة من عمر كل إنسان كافية ووافية تماماً لإخراج ما بنفسه.